|
|||||||
| هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
القرآن في حياة النبلاء د. عادل بن صالح أحمد الغامدي شارك: كيف جسّد السلف الصالح، كما عرضهم سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي، علاقتهم العميقة بالقرآن تلاوةً وختمًا وتدبرًا، وكيف نوازن اليوم بين كثرة القراءة واتباع السنة، لنحقق البركة والثبات دون إفراط يخل بالحقوق والواجبات؟ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. أما بعد: فقد أكرم الله هذه الأُمَّة بالقرآن، الذي فيه نبأ ما قبلها، وخبر ما بعدها، وحُكم ما بينها، وهو الفصل ليس بالهزل، وهو حبل الله المتين، والذِّكر الحكيم، والصراط المستقيم، مَن قال به صدَق، ومَن عمل به أُجِر، ومَن حَكم به عدَل، ومَن دعا إليه هُدِيَ إلى صراط مستقيم. سوف نتناول في هذا المقال، حال السلف الصالح مع القرآن، ونَعني بهم الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وهم الذين قصدهم الإمام الذهبي في كتابه العظيم «سير أعلام النبلاء»؛ فنسلّط الضوء على شيء من اجتهادهم في تلاوة القرآن، وعنايتهم بخَتْمه، وطُرقهم في ذلك، مع ذكر النصوص الواردة في كم يُقْرَأ القرآن، وتوجيه العلماء لها. عناية النبلاء بالقرآن وتأثُّرهم به اجتهد السلف في العناية بالقرآن الكريم والاهتمام به، وتجلَّى ذلك في علاقتهم الوطيدة، بهذا الكتاب العظيم في يومهم وليلتهم، وطريقتهم في تقسيم برنامجهم اليومي، وكذلك كثرة رؤاهم وأحلامهم بمكانة القرآن الكريم، وتمسُّكهم بهذه التلاوة في أثناء المرض والاحتضار، وختماتهم الكثيرة له، كيف لا يكون هذا حالهم، وهم من أحرص الناس على الأجر، وأشدهم تطبيقًا وتمسكًا بما جاءت به الشريعة، من بيان فضل تلاوة القرآن الكريم؛ فقد قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «اقرأوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه»[1]، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف»[2]، إلى غير ذلك من الأحاديث التي تدل على الأجر العظيم والثواب الكبير لمن قرأ كتاب الله -عز وجل-. وصف الإمام الثوري مُؤدِّبه، وطريقته في استغلال يومه بالطاعات والأعمال الصالحة، ومن ذلك القراءة في المصحف، فقال: «عمرو بن قيس هو الذي أدَّبني، علَّمني قراءة القرآن والفرائض، وكنت أطلبه في سوقه، فإن لم أجده، ففي بيته، إمَّا يُصلّي، أو يقرأ في المصحف، كأنه يُبادِر أمرًا يفوته، فإن لم أجده، وجدته في مسجد قاعدًا يبكي، وأجده في المقبرة ينوح على نفسه»[3]. وكذلك كان «أبو حسان الزيادي: بلغ مائة وعشرين سنة، وكان يُقْرِئ القرآن في الجامع، وله كلام نافع في الزهد والمعرفة»[4]، كما قال عفان: «قد رأيت من هو أعبد من حماد بن سلمة، لكن ما رأيت أشد مواظبة على الخير، وقراءة القرآن، والعمل لله -تعالى- منه»[5]. كان هؤلاء الكرام يُجزِّؤون الليل أجزاء، ويجعلون للقرآن نصيبًا من ذلك، فقد كان الحصيري أبو محمد جعفر بن أحمد، «قد جزّأ الليل ثلاثة أجزاء: ثلثًا يُصلّي، وثلثًا يُصنِّف، وثلثًا ينام، وكان مرضه ثلاثة أيام، لا يفتر عن قراءة القرآن»[6]. ويقول الحاكم عن جواب شيخ الإسلام أبي النضر محمد بن محمد الطوسي: «رحلت إليه إلى طوس مرتين، وسألته متى تتفرغ للتصنيف مع هذه الفتاوى الكثيرة؟ فقال: جَزَّأت الليل أثلاثًا: فثُلُث أُصنِّف، وثلث أنام، وثلث أقرأ القرآن»[7]. هذا الحرص والاهتمام أثمر عن كثرة عدد ختماتهم للقرآن الكريم، فقال حسين العنقزي عن الإمام الحافظ عبد الله بن إدريس: «لما نزل بابن إدريس الموت، بكت ابنتُه، فقال: لا تَبْكي يا بُنَيَّة؛ فقد ختمتُ القرآن في هذا البيت أربعة آلاف ختمة»[8]، كما «يُروَى أن أبا حنيفة ختم القرآن سبعة آلاف مرة»[9]. كان يُعجبهم أن يكون الدعاء بعد هذه العبادة العظيمة في السجود، وهو ما نُقِلَ عن عبد الله بن المبارك، فقد جاء عن عبد الكريم السكري، قال: «كان عبد الله يُعجبه إذا ختم القرآن أن يكون دعاؤه في السجود»[10]. وكما كانوا في يَقظتهم يُجِلّون هذا العمل، ويجتهدون فيه، ويحرصون عليه؛ فكذلك كانت رُؤَاهم عن هذا؛ قال يوسف بن أسباط: «رأيت الثوري في النوم، فقلت: أيّ الأعمال وجدت أفضل؟ قال: القرآن»[11]، وكذلك جاء عن سحنون حينما رأى عبد الرحمن بن القاسم العتقي في المنام، فقال: «رأيته في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: وجدت عنده ما أحببتُ، قلت: فأيّ عمل وجدت؟ قال: تلاوة القرآن»[12]. كانت قلوبهم حية بذكر الله -عز وجل-، فعظمت محبة ربهم في قلوبهم، وزادت خشيتهم له وتأثرهم بكلامه -سبحانه وتعالى-؛ قال إبراهيم بن الأشعث: «ما رأيت أحدًا كان الله في صدره أعظم من الفُضَيْل بن عياض، كان إذا ذَكَر الله، أو ذُكِرَ عنده، أو سمع القرآن، ظهَر به من الخوف والحزن، وفاضت عيناه، وبكى، حتى يَرحمه مَن يحضره، وكان دائم الحزن، شديد الفكرة»[13]، وربما يزيد ذلك التأثر فيسقط صاحبه على الأرض؛ إذ «كان يحيى بن سعيد إذا قُرِئَ عنده القرآن، سقط حتى يصيب وجهه الأرض»[14]. كانت هذه العناية بالقرآن الكريم هي دأبهم في يومهم وليلتهم، فلم يُثنهم عن ذلك ويشغلهم شاغل، حتى لو أصابهم ما قد لا يحتمله كثير من البشر، ومن ذلك أن عروة بن الزبير بن العوام، أُصيبت رِجْله بمرض استوجب قطعها، ومع ذلك لم يدع ورده اليومي من القرآن، قال هشام بن عروة: إن «أباه وقعت في رجله الآكلة، فقيل: ألا ندعو لك طبيبًا؟ قال: إن شئتم. فقالوا: نسقيك شرابًا يزول فيه عقلك. فقال: امضِ لشأنك، ما كنت أظن أن خلقًا، يشرب ما يُزيل عقله حتى لا يعرف به، فوضع المنشار على ركبته اليسرى، فما سمعنا له حسًّا، فلما قطعها، جعل يقول: لئن أخذتَ لقد أبقيت، ولئن ابتليتَ لقد عافيت، وما ترك جُزْأه بالقرآن تلك الليلة»[15]. بل إن المؤمن في ساعة الاحتضار لا يمكن أن يقوم بطاعة لم يعتدْ عليها، ولهذا لما كانت حياتهم وقفًا على القرآن الكريم، تَجدهم يُوفَّقُون لختم حياتهم بتلاوته؛ قال أبو بكر العطوي: «كنت عند الجنيد لما احتُضِرَ، فختم القرآن، ثم ابتدأ سورة البقرة، فتلا سبعين آية، ثم مات. قال الخلدي: رأيته في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: طاحت تلك الإشارات، وغابت تلك العبارات، وفنيت تلك العلوم، ونفدت تلك الرسوم، وما نفعنا إلا ركعات كنا نركعها في الأسحار»[16]. عادة السلف في ختم القرآن كان للقراء عادات مختلفة القَدْر في الاستكثار والاختصار، فكان جماعة منهم يختمون في كل شهرين ختمة، وآخرون في كل شهر ختمة، وآخرون في كل عشر ليال ختمة، وآخرون في كل ثمان ختمة، وكان فعل الأكثرين من السلف ختم القرآن في كل سبع ليال، منهم عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وأُبَي بن كعب -رضي الله عنهم-؛ فقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- بذلك. كما ورد أن منهم مَن كان يختم القرآن في كل ست ليال ختمة، وكذلك جاء عنهم الختمة في كل خمس أو في كل أربع ليالٍ، وكان كثير منهم يختم في كل ثلاث ختمة، كما ختم جماعة في كل يوم وليلة ختمة، وهؤلاء لا يُحْصَوْن لكثرتهم؛ فمنهم عثمان بن عفان وتميم الداري وسعيد بن جبير، وهناك من ختم ختمتين وثلاث ختمات في اليوم، وقال النووي: «إن أكثر ما بلغنا ثمان ختمات، فقد ختم ابن الكاتب الصوفي أربعًا في النهار، وأربعًا في الليل»[17]. ختم القرآن في اليوم والليلة جاءت كثير من الآثار حول ختم القرآن في اليوم، وأحيانًا يقال في اليوم والليلة، وهي تأتي إما مطلقة، أو مُخصَّصة بالصلاة، أو في هيئة محددة، وسوف نستعرض الآثار والأخبار المطلقة، ثم نُورد الأخرى بعدها. «كان ثابت البناني يقرأ القرآن في كل يوم وليلة، ويصوم الدهر»[18]، وقال حجاج الأعور: «كان شعبة إذا ذكر سعد بن إبراهيم، قال: حدثني حبيبي سعد بن إبراهيم، يصوم الدهر، ويختم القرآن في كل يوم وليلة»[19]. وقال يحيى بن معين: «أقام يحيى بن سعيد عشرين سنة يختم القرآن كل ليلة»[20]. وقال الفضل بن محمد الشعراني: «سمعت يحيى بن أكثم يقول: صحبت وكيعًا في الحضر والسفر، وكان يصوم الدهر، ويختم القرآن كل ليلة»[21]. و«كان عطاء بن السائب من خيار عباد الله، كان يختم القرآن كل ليلة»[22]، وقال عبد الله بن جعفر بن خاقان: «سمعت عمرو بن علي يقول: كان يحيى بن سعيد القطان يختم القرآن كل يوم وليلة، يدعو لألف إنسان، ثم يخرج بعد العصر، فيُحدِّث الناس»[23]، وقد «تُوفِّي أبو العباس بن شادل، وكان يختم القرآن كل يوم، وذهب بصره قبل موته بعشرين سنة»[24]. جاءت رواية عن الشافعي، تبين اختلاف فعله بين أيام الفطر وشهر رمضان؛ إذ كان يزيد فيه من ختم القرآن، وهو ما ورد عن بعض السلف كذلك؛ «قال أبو بكر بن زياد النيسابوري: سمعت الربيع يقول: كان الشافعي يختم القرآن في كل رمضان ستين ختمة، وفي كل شهر ثلاثين ختمة»[25]. ختم القرآن في صلاة أو في هيئة مخصوصة جاء في كثير من الروايات ختم القرآن في الصلاة، فروي عن الصحابي الجليل تميم الداري -رضي الله عنه- أنه فعل ذلك، فحَدّث أبو معاوية الضرير عن عاصم الأحول عن ابن سيرين، عن تميم الداري: «أنه قرأ القرآن في ركعة»[26]، وكذلك جاء عن الصحابي الجليل عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، أنه ختم القرآن في ركعة[27]. تعددت الآثار المروية عن ختم الإمام أبي حنيفة القرآن الكريم في ركعة، فجاء عن القاضي أبي يوسف، قال: «بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة؛ إذ سمعت رجلا ًيقول لآخر: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل، فقال أبو حنيفة: والله لا يُتحدَّث عني بما لم أفعل؛ فكان يُحيي الليل صلاةً، وتضرعًا، ودعاء». وقد رُوِيَ من وجهين «أن أبا حنيفة قرأ القرآن كله في ركعة»[28]، وعن القاضي أبي يوسف، قال: «كان أبو حنيفة يختم القرآن كل ليلة في ركعة»[29]، وكذلك قال مسعر بن كدام: «رأيت أبا حنيفة قرأ القرآن في ركعة»[30]، وروي أن محمد بن خفيف الضبي كان يقرأ القرآن الكريم في ركعة، فقال «ابن باكويه: سمعت ابن خفيف يقول: كنت في بدايتي ربما أقرأ في ركعة واحدة عشرة آلاف {ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ}، وربما كنت أقرأ في ركعة القرآن كله»[31]. وذكر نُعيم بن حماد حوارًا، جرى بين عبد الله بن المبارك ورجل، حول قراءة القرآن في الصلاة، فقال «رجل لابن المبارك: قرأت البارحة القرآن في ركعة، فقال: لكني أعرف رجلًا لم يزل البارحة يُكرّر: {ﮋ ﮌ} إلى الصبح، ما قدر أن يتجاوزها -يعني نفسه-»[32]. وقد أثنى أبو عبيدة مسلم بن أحمد المعروف بصاحب القبلة، على بَقِي بن مخلد، فقال: «كان بَقِي يختم القرآن كل ليلة، في ثلاث عشرة ركعة، وكان يصلي بالنهار مائة ركعة، ويصوم الدهر، وكان كثير الجهاد، فاضلًا، يُذْكَر عنه أنه رابط اثنتين وسبعين غزوة»[33]. وكان ابن الحداد محمد بن أحمد المصري نسيجًا وحده في حفظ القرآن واللغة، والتوسع في علم الفقه، وقال عنه المسبحي: «كان فقيهًا عالمًا، كثير الصلاة والصيام، يصوم يومًا، ويفطر يومًا، ويختم القرآن في كل يوم وليلة قائمًا مُصلّيًا»[34]، وقد ذكر عن ابن ميقل محمد بن عبدالله أحمد المرسي، أنه كان يختم القرآن على قدميه في اليوم والليلة، ولعل المراد أنه كان في الصلاة، «قال أبو عمر بن الحذاء: ما لقيت أتم ورعًا ولا أحسن خُلقًا ولا أكمل علمًا منه، كان يختم القرآن على قدميه في كل يوم وليلة»[35]. وهناك روايات تأتي في بيان ختم القرآن في هيئة مخصوصة، ومن ذلك ما جاء عن سعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف؛ حيث قال إبراهيم بن عيينة: «أنبأنا ابن سعد بن إبراهيم، قال: كان أبي يحتبي، فما يحل حبوته حتى يقرأ القرآن»[36]، أو يكون ختم القرآن في ركعة داخل الكعبة، جاء عن هلال بن يساف، قال: «دخل سعيد بن جبير الكعبة، فقرأ القرآن في ركعة»[37]، ومن ذلك أيضًا ما رُوي عن سعيد بن جبير أنه قال: «قرأت القرآن في ركعتين في الكعبة»[38]. ختم القرآن أكثر من مرة جاء في بعض الآثار ختم النبلاء للقرآن الكريم مرتين في اليوم؛ قال يزيد بن هارون: «كان منصور بن زاذان يقرأ القرآن كله في صلاة الضحى، وكان يختم القرآن من الأولى إلى العصر، ويختم في اليوم مرتين، ويصلي الليل كله»[39]، وقد ذكر النووي أن منصور بن زاذان كان يختم ما بين الظهر والعصر، ويختم أيضًا ما بين المغرب والعشاء، وأما في رمضان فإنه يختم بين المغرب والعشاء ختمتين وشيئًا، فقد كانوا يؤخرون العشاء إلى أن يمضي ربع الليل[40]. وهناك من رُوِي عنه ختم القرآن ثلاث مرات في اليوم، وهو ما نُسِبَ إلى كرز أبي عبد الله بن وبرة الحارثي الكوفي؛ حيث حدَّث محمد بن فضيل، عن أبيه، قال: «دخلت على كرز بيته، فإذا عند مصلاه حفيرة قد ملأها تبنًا، وبسط عليها كساء من طول القيام، فكان يقرأ في اليوم والليلة القرآن ثلاث مرات»[41]. وقال ابن شبرمة: «سأل كرز ربّه أن يعطيه الاسم الأعظم، على ألا يسأل به شيئًا من الدنيا، فأعطي، فسأل أن يقوى حتى يختم القرآن في اليوم والليلة ثلاث مرات»[42]، كما ورد أن سليم بن عتر «كان يقرأ القرآن كل ليلة ثلاث مرات»[43]، وذكر النووي أن ابن الكاتب الصوفي كان يختم ثماني ختمات؛ أربعًا بالنهار وأربعًا بالليل[44]. ختم القرآن خلال عدة ليالي أو أيام مر بنا أن عادة السلف مختلفة في ختم القرآن، فهناك من يختم في يومين أو ليلتين، مثل الإمام عبدالرحمن بن مهدي، فقد «كان ورد عبد الرحمن كل ليلة نصف القرآن»[45]، وقال سعد بن عباد: حدثنا محمد بن مسعر، قال: «كان أبي لا ينام حتى يقرأ نصف القرآن»[46]. وهناك من يختم القرآن في ثلاث، وهو منقول عن وكيع بن الجراح وغيره، فقال يحيى بن أيوب: «حدثني بعض أصحاب وكيع الذين كانوا يلزمونه: أن وكيعًا كان لا ينام حتى يقرأ جُزْأه من كل ليلة ثلث القرآن، ثم يقوم في آخر الليل، فيقرأ المفصل، ثم يجلس فيأخذ في الاستغفار حتى يطلع الفجر»[47]، وكذلك أبو إسحاق السبيعي عمرو بن عبدالله، فقد «كان أبو إسحاق يقرأ القرآن في كل ثلاث»[48]، وقال ابن المديني عن بشر بن منصور أبو محمد الأزدي: «حفر قبره، وختم فيه القرآن، وكان ورده ثلث القرآن»[49]، ومثله جاء عن إسماعيل ابن علية، فقال محمد بن المثنى: «بِتّ ليلة عند ابن علية، فقرأ ثلث القرآن، وما رأيته ضحك قط»[50]، وكذلك كان أحمد بن عمار المصري، فقيل: «كان ابن عمار يختم القرآن في كل ثلاث، ثم إنه حج، وجاور»[51]. كان بعض السلف يقرأ القرآن في أربعة أيام، وهو ما جاء عن عروة بن الزبير بن العوام؛ فقد «كان عروة يقرأ ربع القرآن كل يوم في المصحف نظرًا، ويقوم به الليل، فما تركه إلا ليلة قُطِعَت رِجْله، وكان وقع فيها الآكلة، فنُشِرَت»[52]. وأما من ورد عنهم خمسة أيام فمنهم علقمة؛ إذ «كان علقمة يقرأ القرآن في خمس، والأسود في ست، وعبد الرحمن بن يزيد في سبع»[53]، وجاء عن بعضهم أيضًا ستة أيام؛ حيث «كان الأسود يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين، وكان ينام بين المغرب والعشاء، وكان يختم القرآن في غير رمضان في كل ست ليال»[54]. وأحيانًا تأتي الروايات بختم القرآن في سبعة أيام، أو يقال من الجمعة إلى الجمعة، فقال سلام بن أبي مطيع عن قتادة بن دعامة السدوسي: «كان قتادة يختم القرآن في سبع، وإذا جاء رمضان، ختم في كل ثلاث، فإذا جاء العشر، ختم كل ليلة»[55]. جاء عن إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل، أنه يختم في سبعة أيام، قال يعقوب: «وكان يختم من جمعة إلى جمعة، فإذا ختم دعا فيدعو ونؤمِّن، فلما كان غداة الجمعة وجَّه إليَّ والى أخي، فلما ختم جعل يدعو ونحن نؤمن»[56]، ومثله ابن عساكر ثقة الدين أبو القاسم الدمشقي؛ حيث «كان مُواظبًا على صلاة الجماعة وتلاوة القرآن، يختم كل جمعة، ويختم في رمضان كل يوم، ويعتكف في المنارة الشرقية، وكان كثير النوافل والأذكار، يحيي ليلة النصف والعيدين بالصلاة والتسبيح، ويحاسب نفسه على لحظة تذهب في غير طاعة»[57]. ختم القرآن في رمضان اختلف اجتهاد بعض السلف في شهر رمضان عن بقية الشهور، بل قد يختلف في شهر رمضان أوله عن آخره، فتراهم يجتهدون في العشر الأواخر أكثر من سائر الشهر؛ رغبةً منهم وحرصًا على إدراك الأجر في الأزمان الفاضلة. فمما رُوِيَ عن اجتهادهم المُطلَق في شهر رمضان، ما نُقِلَ عن سعيد بن جبير؛ فقد «كان سعيد بن جبير يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء في شهر رمضان، وكانوا يؤخرون العشاء»[58]، وكذلك كان مجاهد يختم في رمضان فيما بين المغرب والعشاء[59]، وقد ذكر عن الرئيس أبو البركات ابن صَصْرَى الحسن بن هبة الله التغلبي، أنه «تفقه، وقرأ القرآن، وله صدقة وبِرّ، كان يختم في رمضان ثلاثين ختمة»[60]. وهناك روايات وآثار كثيرة، نقلت التفريق في الاجتهاد بين رمضان وغيره من الشهور؛ حيث «كان الأسود يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين، وكان ينام بين المغرب والعشاء، وكان يختم القرآن في غير رمضان في كل ست ليال»[61]، و«قال الربيع بن سليمان من طريقين عنه، بل أكثر: كان الشافعي يختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمة، ورواها ابن أبي حاتم عنه، فزاد: كل ذلك في صلاة»[62]، كما قال أبو بكر بن زياد النيسابوري: «سمعت الربيع يقول: كان الشافعي يختم القرآن في كل رمضان ستين ختمة، وفي كل شهر ثلاثين ختمة»[63]، وكذلك جاء عن قتادة بن دعامة السدوسي أن اجتهاده يختلف بين رمضان وغيره من الشهور، ثم إنه يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيرها؛ حيث قال سلام بن أبي مطيع: «كان قتادة يختم القرآن في سبع، وإذا جاء رمضان، ختم في كل ثلاث، فإذا جاء العشر، ختم كل ليلة»[64]. تعقيب واستدراك هذا الاجتهاد مِن قِبَل سلفنا الصالح في ختم القرآن الكريم، كان محل خلاف وأخْذ وردّ لدى العلماء، فتعددت آراؤهم في هذا، وكثرت توجيهاتهم له، والعمدة في هذا الباب أعني كثرة الصيام وقراءة القرآن على الروايات، التي جاءت عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-، وسوف نورد بعضها ثم نعلق عليها بإذن الله. أخرج البخاري عن عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-، أنه قال: «أنْكَحَنِي أبِي امْرَأَةً ذاتَ حَسَبٍ، فَكانَ يَتَعاهَدُ كَنَّتَهُ، فَيَسْأَلُها عن بَعْلِها، فَتَقُولُ: نِعْمَ الرَّجُلُ مِن رَجُلٍ؛ لَمْ يَطَأْ لَنا فِراشًا، ولَمْ يُفَتِّشْ لَنا كَنَفًا مُنْذُ أتَيْناهُ، فَلَمّا طالَ ذلكَ عليه ذَكَرَ للنَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقالَ: الْقَنِي به، فَلَقِيتُهُ بَعْدُ، فَقالَ: كيفَ تَصُومُ؟ قالَ: كُلَّ يَومٍ، قالَ: وكيفَ تَخْتِمُ؟ قالَ: كُلَّ لَيْلَةٍ، قالَ: صُمْ في كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةً، واقْرَأِ القُرْآنَ في كُلِّ شَهْرٍ، قالَ: قُلتُ: أُطِيقُ أكْثَرَ مِن ذلكَ، قالَ: صُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ في الجُمُعَةِ، قُلتُ: أُطِيقُ أكْثَرَ مِن ذلكَ، قالَ: أفْطِرْ يَومَيْنِ وصُمْ يَوْمًا، قالَ: قُلتُ: أُطِيقُ أكْثَرَ مِن ذلكَ، قالَ: صُمْ أفْضَلَ الصَّوْمِ صَوْمَ داوُدَ: صِيامَ يَومٍ، وإفْطارَ يَومٍ، واقْرَأْ في كُلِّ سَبْعِ لَيالٍ مَرَّةً. فَلَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-؛ وذاكَ أنِّي كَبِرْتُ وضَعُفْتُ، فَكانَ يَقْرَأُ على بَعْضِ أهْلِهِ السُّبْعَ مِنَ القُرْآنِ بالنَّهارِ، والذي يَقْرَؤُهُ يَعْرِضُهُ مِنَ النَّهارِ؛ لِيَكونَ أخَفَّ عليه باللَّيْلِ، وإذا أرادَ أنْ يَتَقَوّى أفْطَرَ أيّامًا وأَحْصى، وصامَ مِثْلَهُنَّ كَراهيةَ أنْ يَتْرُكَ شيئًا فارَقَ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- عليه»[65]، قال البخاري بعده: «وقال بعضهم: في ثلاث وفي خمس وأكثرهم على سبع». وروى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-: «أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال له: اقرأ القرآنَ في أربعينَ»[66]، وجاء في رواية مسلم، قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فاقرأه في كل سبع، ولا تزد على ذلك؛ فإن لزوجك عليك حقًّا، ولزَوْرك عليك حقًّا، ولجسدك عليك حقًّا، قال: فشدّدت فشدد عليّ، قال: وقال لي النبي -صلى الله عليه وسلم-: إنك لا تدري لعلك يطول بك عُمر. قال: فصرتُ إلى الذي قال لي النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما كبرت وددتُ أني كنت قبلتُ رخصة نبي الله -صلى الله عليه وسلم-»[67]. وفي بعض روايات مسلم توجيه النبي -صلى الله عليه وسلم- له بصيام داود، والتحذير من صيام الدهر أو الأبد، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-: «بَلَغَ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَنِّي أَصُومُ أَسْرُدُ، وَأُصَلِّي اللَّيْلَ، فَإِمّا أَرْسَلَ إلَيَّ وإمّا لَقِيتُهُ، فَقالَ: أَلَمْ أُخْبَرْ أنَّكَ تَصُومُ وَلا تُفْطِرُ، وَتُصَلِّي اللَّيْلَ؟ فلا تَفْعَلْ، فإنَّ لِعَيْنِكَ حَظًّا، وَلِنَفْسِكَ حَظًّا، وَلأَهْلِكَ حَظًّا، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَصَلِّ وَنَمْ، وَصُمْ مِن كُلِّ عَشَرَةِ أَيّامٍ يَوْمًا، وَلَكَ أَجْرُ تِسْعَةٍ. قالَ: إنِّي أَجِدُنِي أَقْوى مِن ذلكَ، يا نَبِيَّ اللهِ، قالَ: فَصُمْ صِيامَ داوُدَ -عليه السَّلامُ-. قالَ: وَكيفَ كانَ دَاوُدُ يَصُومُ يا نَبِيَّ اللهِ؟ قالَ: كانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلا يَفِرُّ إذا لاقَى. قالَ: مَن لي بهذِه يا نَبِيَّ اللهِ؟ قالَ عَطاءٌ: فلا أَدْرِي كيفَ ذَكَرَ صِيامَ الأبَدِ، فَقالَ النبيُّ #: لا صامَ مَن صامَ الأبَدَ، لا صامَ مَن صامَ الأبَدَ، لا صامَ مَن صامَ الأبَدَ»[68]. يتبع
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |