التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         على حافة الفجر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          على حافة الفجر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          هبوط الذهب... وارتفاع الحسرة!! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          من مواعظ العلامة ابن القيم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5173 - عددالزوار : 2481572 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4766 - عددالزوار : 1811647 )           »          التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 311 - عددالزوار : 7766 )           »          4 خطوات لوضع كونسيلر بدون تجاعيد أو تشققات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          6 طرق مبتكرة لتغيير الوجبات اليومية.. لتعزيز صحتك وطاقتك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          أفضل طريقة لتخزين الثوم لشهر رمضان.. للاستفادة منه صحيًا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #39  
قديم اليوم, 05:07 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,714
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (11)
من صـــ 171 الى صـــ 190
الحلقة (311)






وسئل أيضًا: بم أهلَّ رسول الله - ﷺ -؟ قال: بالحج مفردًا، فلما كان في العام القابل سأله ذَلِكَ الرجل، فقال ابن عمر: أليس قد سألت عام أول، فقلت لك: أهل بالحج مفردًا؛ فقال: إن أنسًا يقول: قرن (١). فقال: كان أنس صغيرًا يتولج على النساء وهن متكشفات لا يستترن منه لصغره، وأنا آخذ بزمام ناقة رسول الله - ﷺ - يمسني لعابها. وفي رواية: يسيل علي لعابها، سمعته يهل بالحج مفردًا، وأهللنا مع النبي بالحج خالصًا لا يشوبه شيء، ففيه نظر؛ لأن حجة الوداع كانت وسن أنس نحو العشرين.
وقد جاء في الصحيح أنه منع من الدخول على النساء حين بلغ عمره خمس عشرة سنة، وذلك قبل الحجة بنحو خمس سنين، وسنه نحو سن ابن عمر، ولعله لا يكون بينهما إلا نحو من سنة أو دونها.
قال ابن حزم: روي عن جميع من روى الإفراد القرآن، وهم عائشة، وجابر، وابن عمر، وابن عباس. ووجدنا عليًّا وعمران بن حصين روي عنهما التمتع والقران، ووجدنا أم المؤمنين حفصة، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك لم تضطرب الرواية عنهم ولا اختلاف عنهم فيه، فنترك رواية كل من قد اضطربت الرواية عنه، ونرجع إلى رواية من لم تضطرب عنه، وهذا وجه العمل على قول من يرى إسقاط ما تعارض من الروايات، والأخذ بما لم يعارض منها.
وأما من ذهب إلى الأخذ بالزائد، وهو وجه يجب استعماله إذا كانت الألفاظ والأفعال كلها منسوبة إلى سيدنا رسول الله - ﷺ -، ولم تكن موقوفة على من دونه، ولا تنازعًا ممن سواه، فوجهه أنَّا وجدنا

----------
(١) رواه بنحوه ابن حزم في «حجة الوداع» ص ٤٣٣.


من روى الإفراد إنما اقتصر على ذكر الإهلال بالحج وحده دون عمرة معه، ووجدنا من روى التمتع إنما اقتصر على ذكر الإهلال بعمرة وحدها دون حج معها، ووجدنا من روى القرآن قد جمع الأمرين معًا، فزاد على من ذكر الحج وحده عمرة، وزاد على من ذكر العمرة وحدها حجًّا، وكانت هذِه زيادتي علم يذكرهما الآخرون، وزيادة حفظ، ونقل على كلتي الطائفتين المتقدمتين، وزيادة العدل مقبولة، وواجب الأخذ بها (١). سيما إذا روجع فيها فثبت عليها ولم يرجع، كما في «الصحيح» من حديث بكر عن أنس: سمعت النبي - ﷺ - يلبي بالحج والعمرة، قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر، فقال: لبى بالحج. قال: فلقيت أنسًا، فحدثته بقول ابن عمر، فقال أنس: ما يعدوننا إلا صبيانا، سمعت رسول الله في يقول: «لبيك عمرة وحجا» (٢)
وفي لفظ: جمع بينهما -بين الحج والعمرة- وفي حديث يحيى بن أبي إسحاق وعبد العزيز بن صهيب، وحميد سمعوا أنسًا قال: سمعت رسول الله - ﷺ - أهل بهما: «لبيك عمرة وحجا لبيك عمرة وحجًا» (٣).
وفي «الاستذكار» من رواية الحسن بإسناد جيد: وقرن القوم، فلما قدموا مكة قال لهم النبي - ﷺ -: «أحلوا» فهاب القوم فقال: «لولا أن معي هديًا لأحللت» (٤).

--------------
(١) «حجة الوداع» ص ٤٤٦ - ٤٤٨ بتصرف.
(٢) رواه مسلم (١٢٣٢).
(٣) رواه مسلم (١٢٥١) باب: إهلال النبي - ﷺ - وهديه.
(٤) «الاستذكار» ١١/ ١٤٩، وسيأتي بنحوه عن أنس برقم (١٥٥٨).



وعند الحاكم على شرطهما أنه - عليه السلام - قال: «لبيك بحج وعمرة معًا» (١)
وسيأتي عند الطحاوي اختلاف علي وعثمان، وقول علي: ما كنت لأدع سنة رسول الله - ﷺ - لقول أحدكم، أهل بهما: «لبيك بعمرة وحجة».
وسلف قول عمر: سمعت رسول الله: «أتاني الليلة آت من ربي -عز وجل- فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة» (٢)
ولمسلم من حديث عمران بن حصين أنه - عليه السلام - جمع بين حجة وعمرة، ثم لم ينه عنه حَتَّى مات، ولم ينزل فيه قرآن يحرمه (٣).
ولأبي داود بإسناد جيد عن البراء، عن علي أنه - عليه السلام - لما قدم من اليمن قال: «إني قد سقت الهدي، وقرنت» (٤).
ومن حديث الصبي بن معبد بإسناد جيد في حديث قال: «أهللت بالحج والعمرة». قال لي عمر: هديت لسنة رسول الله - ﷺ - مرتين (٥).
صححه الدارقطني في «علله» (٦)، وقال أبو عمر: جيد الإسناد، رواه الثقات والأثبات، عن أبي وائل، عن الصبي، عن عمر. ومنهم من يجعله عن أبي وائل عن عمر، والأول مجود، ورواته أحفظ (٧).
وللحاكم -وقال: على شرطهما- عن أبي قتادة: إنما قرن - عليه السلام -

--------------
(١) «المستدرك» ١/ ٤٧٢ كتاب: المناسك.
(٢) برقم (١٥٣٤) باب: العتيق وادٍ مبارك.
(٣) «صحيح مسلم» (١٢٢٦/ ١٦٧) باب: جواز التمتع.
(٤) «سنن أبي داود» (١٧٩٧) وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» برقم (١٥٧٧).
(٥) ابن ماجه (٢٩٧٠)، وأحمد ١/ ١٤، ٢٥، ٣٤، ٣٧، ٥٣، وابن خزيمة في: «صحيحه» ٤/ ٣٥٧ - ٣٥٨ (٣٠٦٩)، وابن حبان ٩/ ٢١٩ - ٢٢٠ (٣٩١٠ - ٣٩١١)، والبيهقي ٥/ ١٦.
(٦) «علل الدارقطني» ٢/ ١٦٥.
(٧) «التمهيد» ٨/ ٢١٢ وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٥٧٨).



بينهما؛ لأنه - عليه السلام - علم أنه ليس بحاج بعدها (١).
وفي «الاستذكار» روى سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد: سمحت عبد الله بن أبي أوفي يقول بالكوفة: إنما جمع - عليه السلام - بينهما؛ لأنه علم أنه لا يحج بعدها (٢).
ولأحمد عن سراقة بإسناد صالح قال: قرن رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع (٣).
وعن أبي طلحة أنه - عليه السلام - جمع بينهما. أخرجه ابن ماجه، وفيه الحجاج بن أرطاة (٤).
وللترمذي محسنًا عن جابر أنه - عليه السلام - قرن الحج والعمرة (٥).
وقال أبو حاتم الرازي: إنه منكر (٦).
وقال ابن حزم: صح عن عائشة وحفصة أنه - عليه السلام - كان قارنًا (٧)، يريد بذلك رواية أبي داود عن عائشة: «طوافك بالبيت، وبين الصفا والمروة، يكفيك لحجك وعمرتك» (٨).

-----------
(١) «المستدرك» ١/ ٤٧٢.
(٢) «الاستذكار» ١١/ ١٤٧.
وورد بهامش الأصل: حديث سراقة رواه ابن ماجه بلفظه: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» قال: وقرن رسول الله - ﷺ -. فقوله في حجة الوداع ثبت فيه.
(٣) «مسند أحمد» ٤/ ١٧٥.
(٤) «سنن ابن ماجه» (٢٩٧١)، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٢٤٠٥).
(٥) «سنن الترمذي» (٩٤٧).
(٦) «علل الحديث» لابن أبي حاتم ١/ ٢٨٥ - ٢٨٦.
(٧) «حجة الوداع» ص ٤٢٢.
(٨) «سنن أبي داود» (١٨٩٧)، ورواه مسلم (١٢١١/ ١٣٣) بنحوه.



وقال أبو حاتم: عن عطاء مرسلًا أصح، قال: وأما رواية عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس أنه - عليه السلام - قال لعائشة: «طوافك الأول بين الصفا والمروة الحج والعمرة» فهو حديث منكر (١).
قال ابن حزم: فصح أنها كانت قارنة (٢)، وقال الطحاوي: قوله: «طوافك لحجك يكفيك لحجك وعمرتك» يبعد أن يكون من كلام النبي في القلوب؛ لأن الطواف وإن كان للحج فهو له دون العمرة، وإن كان لهما جميعًا لم يجز أن يضاف إلى أحدهما دون الآخر (٣).
وحديث حفصة رواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عنها يرفعه: «لا أحل حَتَّى أحل (٤) من الحج» (٥)، ولأحمد بإسناد جيد: عن أم سلمة: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «أهلوا يا آل محمد بعمرة في حج» (٦).
ولأبي داود من حديث أبي خَيْوان شيخ الهنائي أن معاوية قال للصحابة: هل تعلمون أن رسول الله - ﷺ - نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟ قالوا: لا (٧).

---------
(١) «علل الحديث» لابن أبي حاتم ١/ ٢٨٨.
(٢) «المحلى» ٧/ ١٦٩، و«حجة الوداع» ص ٣١٨.
(٣) انظر «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٠٠.
(٤) في الأصل: أحلق، والصواب ما أثبتناه كما في «مسند أحمد» ٦/ ٢٨٣، وكثير من مصادر التخريج.
(٥) رواه مالك في «الموطأ» ص ٢٥٦ بلفظ: «لا أحل حتى أنحر».
(٦) «مسند أحمد» ٦/ ٢٩٧ - ٢٩٨. وورد بهامش الأصل: حديث أم سلمة مختصر هنا وكان الشيخ ذكر منه موضع كلامه والاقتصار على بعض الحديث جائز على الصحيح.
(٧) «سنن أبي داود» (١٧٩٤) كتاب: المناسك، باب: في إفراد الحج، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٥٧٤): حديث صحيح، إلا النهي عن القرن بين الحج والعمرة؛ فهو منكر؛ لمخالفة الأحاديث المتقدمة.



وقال المنذري: اختلف فيه اختلافًا كثيرًا، فذكره (١).
ولابن أبي شيبة من حديث علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: سمعت أصحاب محمد يهلون بحجة وعمرة معًا (٢).
ومن حديث عطاء بن السائب، عن كثير بن جمهان قال: سألنا ابن عمر عن رجل أهل بحج وعمرة معًا، وإنا عبنا ذَلِكَ عليه، ما كفارته؟ قال: كفارته أن يرجع بأجرين وترجعون بواحد (٣).
وللكجي عن الهرماس بن زياد قال: سمعت النبي - ﷺ - على ناقته قال: «لبيك حجة وعمرة معًا» (٤). قال ابن أبي حاتم، عن أبيه: فذكرته لأحمد فأنكره قال أبي: أرى دخل لعبد الله بن عمران حديث في حديث، وسرقه الشاذكوني؛ لأنه حدث به بعد عن يحيى بن الضريس (٥).
ولمسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: «والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجًّا أو معتمرًا، أو لَيَثْنينَّهما» (٦).
والظاهر أن هذا شك من صحابي أو ممن دونه ورجح أصحابنا الإفراد بأن رواته أكثر، ومجمع على عدم كراهته بخلاف التمتع والقران، ولعدم وجوب الدم فيه بخلافهما.

------------
(١) «مختصر سنن أبي داود» ٢/ ٣١٨.
(٢) «المصنف» ٣/ ٢٧٨ (١٤٢٩٥) كتاب: الحج، باب: فيمن قرن بين الحج والعمرة.
(٣) «المصنف» ٣/ ٢٧٨ (١٤٢٩٦).
(٤) ورد بهامش الأصل: وحديث الهرماس رواه عبد الله في «المسند» ولفظه: قال: كنت ردف أبي فرأيت النبي - ﷺ - على بعير وهو يقول: «لبيك بحج وعمرة معًا».
(٥) «علل الحديث» ١/ ٢٩١ (٨٧٢).
(٦) «صحيح مسلم» (١٢٥٢) كتاب: الحج، باب: إهلال النبي - ﷺ - وهديه.



وقال الخطابي: يحتمل أن يكون بعضهم سمعه يقول: لبيك بحج فحكي أنه أفرد، وخفي عليه قوله: «وعمرة». ولم يحك إلا ما سمع ولا منافاة. ويحتمل أن يكون سمعه على سبيل التعليم لغيره.
وأما من روى التمتع فأثبت ما حكته عائشة من إحرامه بالحج، وما رواه أنس من القرآن إلا أنه أفاد إيقاعهما في زمانين، وهو ما روته حفصة (١).
ويحتمل أن يكون معنى قوله: «لأهللت بعمرة» أي: لتفردت بها يطيب به نفوس من تمتع، فتكون دلالته حينئذ على معنى الجواز، لا على معنى الاختيار، وسأذكر قريبًا من كلام إمامنا الشافعي في اختلاف الحديث ما يجمع به الشتات إن شاء الله، وسيأتي حجة من رجح التمتع مع المناقشة معه.

-------------
(١) انظر: «معالم السنن» ٢/ ١٣٩.


٣٠ - باب التَّلْبِيَةِ إِذَا انْحَدَرَ فِي الوَادِي
١٥٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ، أَنَّهُ قَالَ: «مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ». فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ وَلَكِنَّهُ قَالَ: «أَمَّا مُوسَى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذِ انْحَدَرَ فِي الوَادِي يُلَبِّي». [٣٣٥٥، ٥٩١٣ - فتح: ٣/ ٤١٤]
ذكر فيه عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابن عَبَّاسٍ فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ، أَنَّهُ قَالَ: «مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كافِرٌ». فَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ وَلَكِنَّهُ قَالَ: «أَمَّا مُوسَى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذِا انْحَدَرَ فِي الوَادِي يُلَبِّي».
هذا الحديث ذكره في باب: الجعد، من كتاب: اللباس بزيادة: «أما إبراهيم - ﷺ - فانظروا إلى صاحبكم، وأما موسى - ﷺ - فرجل آدم، جعد، على جمل أحمر مخطوم بخلبة» (١).
ولمسلم: مر رسول الله - ﷺ - بوادي الأزرق، فقال: «أي وادٍ هذا؟» قالوا: هذا وادي الأزرق. قال: «كأني أنظر إلى موسى - ﷺ - هابطًا من الثنية، واضعًا أصبعيه في أذنيه مارًّا بهذا الوادي، وله جؤار إلى الله تعالى بالتلبية» ثم أتى على ثنية هَرْشَى، فقال: «أي ثنية هذِه؟» قالوا: ثنية هَرْشَى. قال: «كأني أنظر إلى يونس بن متى - ﷺ - على ناقة حمراء جعدة عليه جبة من صوف خطام ناقته خلبة، وهو يلبي» (٢).
قوله: (إذا انحدر). أنكر بعضهم إثبات الألف، وغلط رواته، وهو غلط منه. كما قال القاضي، إذ لا فرق بين إذا وإذ هنا؛ لأنه وصفه حالة

------------
(١) سيأتي برقم (٥٩١٣).
(٢) «صحيح مسلم» (١٦٦) كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله - ﷺ -.



انحداره فيما مضى (١).
وفيه: أن التهليل في بطن الوادي من سنن المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين. فإن قيل: فكيف يحجون، ويلبون، وهم في الدار الآخرة، وليست دار عمل؟ فالجواب: أنهم أحياء في هذِه الدار عند ربهم -عز وجل-؛ ولأن عمل الآخرة ذكر ودعاء، قال تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] والتلبية دعاء، وحبب إليهم ذَلِكَ فيتعبدون بما يجدون من دواعي أنفسهم، لا بما يلزمون، كما يحمده، ويسبحه أهل الجنة.
قال - عليه السلام -: «يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس» (٢) ويحتمل أن هذِه رؤية منام في غير ليلة الإسراء، أو في بعض ليلة الإسراء.
ويحتمل أنه أري أحوالهم التي كانت في حياتهم، ومثلوا له في حال حياتهم كيف كانوا، وكيف حجهم وتلبيتهم، كما قال: «كأني أنظر إلى موسى» (٣) «كأني أنظر إلى عيسى» أو يكون أخبر عن الوحي في أمرهم، وما كان منهم، وإن لم يرهم رؤية عين.
وزعم الداودي أن قول من روى «موسى» وهم من الرواة؛ لأنه لم يأت أثر ولا خبر عن موسى أنه حي، وأنه سيحج، إنما ذَلِكَ عن عيسى، فاختلط على الراوي، فجعل فعل عيسى لموسى، بيانه قوله في حديث آخر: «ليهلن ابن مريم بفج الروحاء» (٤).

------------
(١) «إكمال المعلم» ١/ ٥١٨.
(٢) رواه مسلم من حديث جابر برقم (٢٨٣٥) كتاب: الجنة ونعيمها، باب: في صفات الجنة، وأحمد ٣/ ٣٤٩، وأبو يعلى في «مسنده» ٣/ ٤١٨ (١٩٠٦).
(٣) رواه مسلم (١٦٦).
(٤) رواه مسلم من حديث أبي هريرة (١٢٥٢) كتاب: الحج، باب: إهلال النبي - ﷺ - وهديه.



ونقله ابن بطال عن المهلب أيضًا، قال: وذلك على رواية من روى «إذا انحدر»؛ لأنه إخبار عما يكون.
وأما رواية من روى «إذ انحدر» يحكي عما مضى، فيصح عن موسى أن يراه - عليه السلام - في منامه، أو يوحى إليه بذلك، وأقره عليه (١).
وكذا أقر ابن التين الداودي على مقالته، وهو عجيب؛ لما أسلفناه، وأنهم أحياء وشهداء، وإذا اختلط ذَلِكَ على الراوي في موسى، فكيف بعمل يونس بن متى، وغيره كما سلف.

--------------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٢٨.


٣١ - باب كَيْفَ تُهِلُّ الحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ
أَهَلَّ: تَكَلَّمَ بِهِ، وَاسْتَهْلَلْنَا وَأَهْلَلْنَا الهِلَالَ كُلُّهُ مِنَ الظُّهُورِ، وَاسْتَهَلَّ المَطَرُ خَرَجَ مِنَ السَّحَابِ. ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] وَهْوَ مِنِ اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ.

١٥٥٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها - زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - في حَجَّهِ الوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَة، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا». فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالَمْرْوَة، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: «انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالحَجِّ، وَدَعِي العُمْرَةَ». فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الَحجَّ أَرْسَلَنِي النَّبِيُّ - ﷺ - مَعَ عَبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ: «هذِه مَكَانَ عُمْرَتِكِ». قَالَتْ: فَطَافَ الذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالعُمْرَةِ بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالَمرْوَة، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الذِينَ جَمَعُوا الَحجَّ وَالعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٤١٥]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ: خَرَجْنَا مَعَ رسول الله - ﷺ - فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَأهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ. فقال - ﷺ - لها «أَهِلِّي بِالحَجِّ، وَدَعِي العُمْرَةَ …» الحديث بطوله.
وهذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة (١).

-----------
(١) مسلم (١٢١١)، أبو داود (١٧٧٨، ١٧٨١)، الترمذي (٩٤٥)، النسائي ٥/ ١٥٦، ١٦٥ - ١٦٦، ابن ماجه (٢٩٦٣).


والكلام عليه من وجوه:
أحدها: قوله (أهل: تكلم به) قال ابن عرفة: الإهلال: رفع الذابح صوته بذكر الله. وقال ابن فارس: أهل الرجل إذا كبر عند نظره إلى الهلال أو غيره (١).
وقوله: (كله من الظهور) اعترضه الداودي فقال: إن أراد أن يسمي الشيء بالشيء لما قاربه فيحتمل، وأما نفس اللفظ فهي من الصراخ، ألا ترى أن الصبي يظهر من بطن أمه فلا يقال: استهل حَتَّى يبكي.
قال: وقوله: (واستهل المطر خرج من السحاب) هو الصوت لا من الظهور.
وقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] أي ذبح على الأصنام.
ثانيها:
خروجها كان في حجة الوداع سنة عشر من الهجرة، ولم يحج - عليه السلام - من المدينة بعد الهجرة غيرها، وأما قبلها -لما كان بمكة- حج حججًا لا يعلم عددها إلا الله، وسميت حجة الوداع؛ لأنه - عليه السلام - وعظهم فيها، وودعهم فسميت بذلك حجة الوداع.
ثالثها:
قوله: (فأهللنا بعمرة). اختلفت الروايات عن عائشة فيما أحرمت به اختلافًا كثيرًا -كما قال القاضي (٢) - فهنا (فأهللنا بعمرة)، وفي أخرى: فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج. قالت: ولم أهل إلا بعمرة. وفي أخرى: خرجنا لا نريد إلا الحج. وفي أخرى: لبينا بالحج. وفي أخرى:

------------
(١) «مجمل اللغة» ٤/ ٨٩٢.
(٢) «إكمال المعلم» ٤/ ٢٣٤ - ٢٣٥.



مهلين بالحج. والكل صحيح (١). وفي رواية: وكنت ممن تمتع، ولم يسق الهدي (٢).
قال مالك: ليس العمل عندنا على حديث عروة عنها قديمًا ولا حديثًا. وكذا قال أبو عمر: الأحاديث عن عائشة في هذا مضطربة جدًا (٣).
وفي «المشكل» للطحاوي: فلما جئنا سرفًا طمثت، فلما كان يوم النحو طهرت. وفي لفظ فقال لها: «انفري فإنه يكفيك» (٤) فألحت، فأمرها أن تخرج إلى التنعيم. وفي لفظ قالت: يا رسول الله، إني حضت وقد حل الناس ولم أحل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن. قال: «اغتسلي ثم أهلي بالحج» ففعلت، وقفت المواقف حَتَّى إذا طهرت طافت بالكعبة، وبين الصفا والمروة، ثم قال: «قد حللت من حجك وعمرتك جميعا». فقلت: يا رسول الله، إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حين حججت قال: «اذهب بها يا عبد الرحمن فاعمرها» (٥) وذلك ليلة الحصبة.
قال الطحاوي: لما اختلفت الرواية عن عطاء وجابر عنها، نظرنا

------------
(١) رواها مسلم برقم (١٢١١) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام.
(٢) سيأتي برقم (٣١٦) كتاب: الحيض، باب: امتشاط المرأة عند غلسها من المحيض.
(٣) «الاستذكار» ١١/ ١٢٩.
(٤) سيأتي برقم (١٥٦١) كتاب: الحج، باب: التمتع والإقران.
(٥) رواه مسلم من حديث جابر (١٢١٣) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام، وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران، وأبو داود (١٧٨٥) كتاب: المناسك، باب: في إفراد الحج، والنسائي ٤/ ١٦٥ كتاب: الحج، باب: في المهلة بالعمرة تحيض وتخاف فوت الحج.



إلى رواية غيرهما عنها، فوجدنا الأسود قد روى عنها: قالت: خرجنا، ولا نرى إلا الحج، فلما قدم النبي - ﷺ - مكة طاف بالبيت ولم يحل، وكان معه الهدي، فحاضت هي، قالت: فقضينا مناسكنا من حجنا، فلما كانت ليلة الحصبة ليلة النفر، قالت: يا رسول الله، أيرجع أصحابك
كلهم بحجة وعمرة، وأرجع بالحج؟ قال: «أما كنت تطوفت بالبيت ليالي قدمنا؟»: قُلْتُ: لا (١).
وقال ابن حزم: حديث أبي الأسود عن عروة عنها، وحديث يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عنها، منكران وخطأ عند أهل العلم بالحديث. وقد سبقنا إلى تخطئة حديث أبي الأسود هذا أحمد بن حنبل (٢).
وقال ابن عبد البر في «تمهيده»: دفع الأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وابن علية حديث عروة هذا، وقالوا: هو غلط (٣).
ولم يتابع عروة على ذَلِكَ أحد من أصحاب عائشة، وقال إسماعيل بن إسحاق: قد اجتمع هؤلاء يعني القاسم، والأسود، وعمرة على أن أم المؤمنين كانت محرمة بحجة لا بعمرة، فعلمنا بذلك أن الرواية التي رويت عن عروة غلط. أي: لأن عروة قال في رواية حماد بن سلمة، عن هشام، عنه؛ حَدَّثَني غير واحد أن النبي - ﷺ - قال لها: «دعي عمرتك» فدل أنه لم يسمع الحديث منها.
وفي «المستدرك» صحيحًا على شرط مسلم عنها: خرجنا مع النبي - ﷺ - على أنواع ثلاثة: منا من أهل بحجة وعمرة، فلم يحل مما حرم عليه

----------
(١) «شرح مشكل الآثار» كما في «تحفة الأخيار» ٣/ ١٦٤ - ١٦٧.
(٢) «المحلى» ٧/ ١٠٤ - ١٠٥.
(٣) «التمهيد» ٨/ ٢١٧.



حَتَّى قضى مناسك الحج. ومنا من أهل بحج مفردًا لم يحل من شيء حَتَّى يقضي مناسك الحج، ومنا من أهل بعمرة فطاف بالبيت وبالصفا والمروة حل ثم استقبل الحج (١).
وقال ابن حزم: الصحيح أنها كانت قارنة (٢)، وقال: رواه وكيع فجعل قولها: ولم يكن في ذَلِكَ هدي ولا صوم. من قول هشام، لكنْ عبدُ الله بن نمير وعبدُة جعلاه من كلام عائشة، وأما ابن نمير دون وكيع في الحفظ والثقة، وكذلك عبدة.
وفي «الموطآت» للدارقطني: قال غندر في حديثه عن مالك: فليهل بالحج والعمرة. وقال: ولا بالصفا والمروة. وقال معن ولما رجعوا من منى طافوا طوافًا آخر لحجهم.
وقال أبو سعيد: كان الصحابة الذين ليسوا من مكة لم يطوفوا حَتَّى رجعوا من منى. وقال موسى بن داود: لم يطوفوا حَتَّى رموا الجمرة.
وقال أبو المطرف: فأما من أهل بالحج والعمرة، فإنه قدم فطاف طوافًا واحدًا، وسعى بين الصفا والمروة، ثم ثبت على إحرامه حَتَّى خرج إلى منى. ورواه مالك أيضًا عن ابن شهاب وهشام، عن عروة (٣).
ورواه ابن أبي أويس وغيره، عن مالك، عن هشام، عن أبيه. من غير ذكر ابن شهاب.
قال: ابن الحصار في «تقريبه»: تفرد يحيى بروايته، عن مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة. وقال أبو عمر في «تمهيده»: لم يتابعه أحد من رواة «الموطأ»، ولا غيرهم عن مالك،

------------
(١) «المستدرك» ١/ ٤٨٥ كتاب: المناسك.
(٢) «المحلى» ٧/ ١٦٩.
(٣) «الموطأ» ص ٢٦٥.



وليس بمحفوظ، ولا معروف بهذا الإسناد (١).
وفي «الموطأ»: مالك، عن أبي الأسود، عن عروة عنها، فذكر الحديث، وفيه: فأهل رسول الله - ﷺ - بالحج (٢)، وفي لفظ: أفرد بالحج. وعن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، عنها أن رسول الله - ﷺ - أفرد الحج (٣).
قال أبو عمر: وزاد يحيى بن يحيى: «حتى تطهري». وقد تابعه على هذِه اللفظة أكثرهم، وذكر ألفاظًا أخر (٤)، وكذا قال المهلب: إهلالها بعمرة، يعارضه رواية عمرة عن عائشة أنها قالت: خرجنا لخمس بقين من ذي القعدة، ولا نرى إلا أنه الحج.
وقال أبو نعيم في حديثه: مهلين بالحج، فلما دنونا من مكة، قال - عليه السلام - لأصحابه: «من لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدي فلا». والتوفيق بينهما أن يكون معنى قولها: (فأهللنا بعمرة). تريد: حين دنونا من مكة حين أمر النبي - ﷺ - من لم يسق الهدي بفسخ الحج في العمرة فأهلوا بها. وبينت عمرةُ عن عائشة ابتداء القصة من أولها.
وعروة إنما ذكر ما آل إليه أمرهم حين دنوا من مكة، وفسخوا الحج في العمرة إلا من كان ساق الهدي من المفردين، فإنه مضى على إحرامه من أجل هديه، ولم يفسخه في عمرة، لقوله تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ وَلَا الشَّهْرَ الحَرَامَ وَلَا الهَدْيَ﴾ (٥) [المائدة: ٢]، وقال ابن التين: يحتمل أن تريد بذلك أزواجه - ﷺ -، ويحتمل أن تريد به طائفة أشارت إليهم، ولا يصح

--------
(١) «التمهيد» ٨/ ١٩٩.
(٢) «الموطأ» ص ٢٢١.
(٣) «الموطأ» ص ٢٢١.
(٤) «التمهيد» ١٩/ ٢٦١.
(٥) انظر «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٢٩ - ٢٣٠.



إرادتها جماعة من الصحابة؛ لأنها ذكرت أن منهم من أهل بحج، ومنهم من أهل بعمرة، ومنهم من أهل بهما.
الثالث:
قوله: («من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة») الظاهر أنه قال ذَلِكَ لمن أحرم بالعمرة أولًا، لا كما قال القرطبي: أن ظاهره أمرهم بالقران. ويكون قوله ذَلِكَ لهم عند إحرامهم. ثم قال: ويحتمل، فأبدى ما فلناه، فيكون أمر بالإرداف ويؤيده قوله: «لا يحل حَتَّى يحل منهما جميعًا»؛ لأن هذا بيان حكم القارن، فإنه لا يحل إلا بفراغه من طواف الإفاضة (١).
وقد اتفق العلماء -كما قال القاضي- على جواز إدخال الحج على العمرة (٢). وشذ بعض الناس فمنعه، وقال: لا يدخل إحرام على إحرام كما في الصلاة (٣). واختلفوا في عكسه، وهو إدخال العمرة على الحج. فجوزه أبو حنيفة (٤)، والشافعي في القديم (٥)، ومنعه آخرون، وقالوا: هذا كان خاصًّا بالنبي - ﷺ - لضرورة الاعتمار

-------------
(١) «المفهم» ٣/ ٢٩٩.
(٢) «الإجماع» لابن المنذر ص ٥٤، «الاقناع» للفاس ٢/ ٧٨٣، ٧٨٤، «المجموع» للنووي ٤/ ١٥٧.
(٣) وهو قول أبي ثور نقله عنه ابن عبد البر في «الاستذكار» ١١/ ١٤٠.
(٤) نسب الشافعية هذا القول إلى الأحناف وفيه نظر إذ أن مذهبهم عدم جواز إدخال العمرة على الحج وهذا بناء على ما جاء في كتبهم «الأصل» لمحمد بن الحسن ٢/ ٥٣١: ٥٣٣، «مختصر الطحاوي» ص ٦١، «مختصر اختلاف العلماء» للجصاص ٢/ ١٠١، «المبسوط» للسرخسي ٣/ ١٨٠.
(٥) «البيان» للعمراني ٤/ ٧٣، «روضة الطالبين» للنووي ٣/ ٤٥، «المجموع» ٧/ ١٥٧.



حينئذ في أشهر الحج (١).
الرابع:
الهدي بإسكان الدال -وهو أفصح من كسرها- مع التشديد، وسوى بينهما ثعلب، وغيره، والتخفيف لغة أهل الحجاز، والتثقيل لغة تميم، وهو اسم لما يهدى إلى الحرم من الأنعام (٢)، ثم عدي إلى ذبح جزاء ما يرتكبه من المحظورات.
قال اللحياني: وواحد الهدي: هدية. وقد قرئ بالوجهين جميعًا: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] قال: والتشديد قول الأكثرين.
وفي الحديث: «هلك الهدي، ومات الودي». قال الهروي: أي هلكت الإبل، ويبست النخل. والعرب تقول: كم هدي بني فلان؟ أي: كم إبلهم (٣)؟
الخامس:
قوله: («لا يحل حَتَّى يحل منهما جميعًا») استدل به بعض أصحاب أبي حنيفة على أن المتمتع إذا فرغ من أعمال العمرة لم يحل، ثم يحرم بالحج إن كان معه هدي عملًا بقوله: «ثم لا يحل» (٤) إلى آخره.

--------------
(١) وهو قول الشافعي في الجديد وقول المالكية والحنابلة. انظر: «البيان» للعمراني ٤/ ٧٣، «روضة الطالبين» للنووي ٣/ ٤٥، «المجموع» ٧/ ١٥٧، «التفريع» لابن الجلاب ١/ ٣٣٥، «عيون المجالس» ٢/ ٩٠٠، «الاستذكار» لابن عبد البر ١١/ ١٣٨، «المستوعب» للسامري ٤/ ٥٣، ٥٤، «المغني» لابن قدامة ٥/ ٣٧١ - ٣٧٢، «المبدع» لابن مفلح ٣/ ١٢٣ - ١٢٤.
(٢) انظر: «النهاية في غريب الحديث» ٥/ ٢٥٤، «لسان العرب» ٨/ ٤٦٤٢.
(٣) انظر: «النهاية في غريب الحديث» ٥/ ٢٥٤.
(٤) «الاختيار» للموصلي ١/ ١٥٨ - ١٥٩، «حاشية ابن عابدين» ٢/ ٥٣٨ - ٥٣٩.



وجوابه: أنه يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قاله عند الإهلال، فقال: من شاء فليقرن؛ ليبين جوازه، ويكون معنى من معه هدي الآن فليقلده بالقران؛ لأنه إن كان متمتعًا فلا يجب أن يقلد هديه؛ لتمتعه عند إحرامه بعمرة، وإنما يقلده إذا أحرم بحجة، فالفائدة الحض على الحج في ذَلِكَ العام لمن معه هدي، ولعله علم عزم بعضهم على ترك الحج والاقتصار على فعل العمرة؛ لأجل الهدي، فحض واجد
الهدي على القرآن؛ ليحج من عامه.
ويحتمل أنه أمر بذلك بعد الإحرام لما يأتي من قوله: (فقدمت مكة وأنا حائض) فأمر بذلك بعد الإحرام بالعمرة، وبعد تقليد الهدي، وإشعاره على أن ينحووا بمنى في حجتهم، وأن يحل من عمرته عند وصوله إلى مكة، ثم يبقى حلالًا وهديه مقلدًا مشعرًا حَتَّى يحرم بالحج يوم التروية، ثم ينحر هديه بمنى، فأمرهم بإرداف الحج على العمرة، ويعودوا قارنين.
ومعنى ذَلِكَ المنع لهم من التحلل مع بقاء الهدي، وذلك ممنوع لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وادعى ابن التين أن هذا الاحتمال هو الأظهر. ويخدشه قوله أولًا: «ثم لايحل حَتَّى يحل منهما جميعًا».
فرع:
اختلف قول مالك فيمن قلد هديًا وأشعره، وأحرم بعمرة، ثم قرن، هل يجزئه ذَلِكَ الهدي عن قرانه؟ فقال: لا يجزئه؛ لأن أوله كان على التطوع، ثم قال بعد ذَلِكَ يجزئه، فقد فعله الصحابة، يريد هذا الحديث، فترك القياس؛ لأن أوله كان على التطوع.


السادس: قولها: (فقدمت مكة وأنا حائض، ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة) فيه دلالة على أن الحائض لا يجزئ طوافها بالبيت، قال ابن بطال: ولا خلاف بين العلماء أن الحائض لا تطوف بالبيت ولا تسعى بين الصفا والمروة؛ لأن السعي بينهما موصول بالطواف، والطواف موصول بالصلاة، ولا تجوز صلاة بغير طهارة (١).
وقال ابن التين: إنما لم تطف ولم تسع؛ لأن الطواف من شرطه الطهارة، والسعي مرتب عليه، وإن كان ليس من شرطه الطهارة، بدليل أنها لو حاضت بعد أن فرغت الطواف وسعت لأجزأها، وهذِه العبادة أحسن من تلك.
وقال ابن الجوزي: فيه دلالة على أن طواف المحدث لا يجزئ، ولو كان ذَلِكَ لأجل المسجد لقال: لا يدخل المسجد.
وقد اختلفت الرواية عن أحمد في طواف المحدث والنجس، فروي عنه لا يصح، وروي عنه يصح، ويلزمه دم (٢).
ومذهب الجمهور -كما قاله في «شرح المهذب»- أن السعي يصح من المحدث، والجنب، والحائض (٣). وعن الحسن أنه إن كان قبل التحلل أعاد السعي، وإن كان بعده، فلا شيء عليه.
وعن أبي حنيفة أن الطهارة من الحدث والنجس ليس شرطًا للطواف، فلو طاف وعليه نجاسة، أو محدثًا، أو جنبًا صح طوافه.
واختلف أصحابه في كون الطهارة واجبة مع اتفاقهم على أنها ليست

----------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٣٠.
(٢) انظر: «المستوعب» للسامري ٤/ ٢١٦، ٢١٧، «المغني» لابن قدامة ٥/ ٢٢٢، ٢٢٣، «المبدع» لابن مفلح ٣/ ٢٢١.
(٣) «المجموع» للنووي ٨/ ٢٣.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 8 ( الأعضاء 0 والزوار 8)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,780.64 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,778.92 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.10%)]