كن بارا بوالديك... تكن رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 3 - عددالزوار : 486 )           »          صيام التطوع بعد النصف من شعبان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          صوم النبي – صلى الله عليه وسلم – في شعبان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          حساب الزكاة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          المرور بين يدي المصلي! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          الجمع بين: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» و«أنه يصل شعبان برمضان» (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          نصائح وضوابط إصلاحية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 76 - عددالزوار : 57004 )           »          موارد البؤس والتسخط! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 39 )           »          منهاج المسلم في مواجهة الابتلاءات والمحن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »          لن يضيعنا! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 03-02-2026, 07:12 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,903
الدولة : Egypt
افتراضي كن بارا بوالديك... تكن رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة

سلسلة بعنوان: (كن رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة)

الخطبة التاسعة:

(كن بارًّا بوالديك... تَكُن رفيق النبي (صلى الله عليه وسلم) في الجنة)

د. محمد جمعة الحلبوسي

إن الحمد لله، نحمَده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له..

تَزَوَّدْ مِنْ حياتك لِلْمَعَادِ
وَقُمْ للهِ وَاجْمَعْ خَيْرَ زَادِ
وَلاَ تَرْكَنْ إِلَى الدُّنْيَا كَثِيرًا
فَإِنَّ المَالَ يُجْمَعُ لِلنَّفَادِ
أَتَرْضَى أَنْ تَكُونَ رَفِيقَ قَوْمٍ
لَهُمْ زَادٌ وَأَنْتَ بِغَيْرِ زَادِ؟


وأشهد أن سيدنا محمدًا عبدُه ورسولُه، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، وجمع شمل الأمة على كلمة سواء، يا سيدي يا رسول الله:
يَا دَاعِيًا لِلْوَاحِدِ الدَّيانِ
يَا هَازِمًا لِلْبَغْي وَالطُّغْيَانِ
يَا رَافِعًا صَوْتَ الْعَدَالَةِ عَالِيًا
وَمُؤذِّنًا في النَّاسِ بِالْقُرْآنِ


فصلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله الطيبين، وصحبه الغُرِّ الميامين، ومَنْ تَبِعَهم بإحسان إلى يوم الدين.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]، أما بعد:

فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتُها، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها المسلم الكريم، هذا سيدنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ (رضي الله عنه)- من كبار عباد السلف- يقول كلمة تهزُّ الجبال لو عقِلَت: «بِتُّ أَغْمِزُ رِجْلَ أُمِّي، وَبَاتَ أخي عُمَرُ يُصَلِّي، وَمَا يَسُرُّنِي أَنَّ لَيْلَتِي بِلَيْلَتِهِ!» [1].

الله أكبر! أخوه يقف بين يدي الله يصلي في جوف الليل... ومُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عند قدمي أمِّه... يَدُلِّكُ رِجْلَيْها، ويرعى تعبها، ويسهر لخدمتها، ومع ذلك يقول: ليلة عند قدمي أمي... أحبُّ إليَّ من ليلة بين يدي ربي! لماذا؟ لأنه علم أن برَّ الأم عبادةٌ عظيمةٌ، قد تُفضَّل على القيام والصيام.

فيا من يظن أن العبادة فقط في المسجد...يا من يظن أن سجدة الليل تغني عن دمعة أمٍّ...يا من يظن أن كثرة النوافل تعوِّض قسوة قلبه مع والديه...انظر إلى السلف كيف فهموا أن طريق الجنة يبدأ من بابين: أب وأم... فمن فاته أحدهما فقد فاته نصف الطريق!

فيا من جئتم إلى صلاة الجمعة...كم منَّا يبحث عن الجنة في قيام الليل... وعن الدرجات في الصيام... وعن الفضل في الصدقات... وهو ينسى بابًا من أعظم الأبواب، وأقرب من كلِّ ذلك...باب الوالدين...هذا هو العمل الثامن من الأعمال التي تقودك إلى رفقة الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم) في الجنة، (البر بالوالدين)، فمن كان بارًّا بوالديه كان رفيق المصطفى (صلى الله عليه وسلم) في الجنة.

جاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، شَهِدْتُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، وَصَلَّيْتُ الْخَمْسَ، وَأَدَّيْتُ زَكَاةَ مَالِي، وَصُمْتُ شَهْرَ رَمَضَانَ. فَقَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم): ((مَنْ مَاتَ عَلَى هَذا، كَانَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، هَكَذا- وَنَصَبَ إِصْبَعَيْهِ- مَا لَمْ يُعَقَّ وَالِدَيْهِ)) [2].

أنا من خلال هذا الحديث العظيم أقول لك يا مسلم: يا مَن تُصلِّي... يا مَن تصوم... يا مَن تخرج زكاة مالك... أتريد الرفقة العُليا؟ أتريد ظلَّ العرش يوم لا ظل إلا ظله؟ أتريد أن تكون جارَ سيدنا محمدٍ (صلى الله عليه وسلم) في الفردوس الأعلى؟!

اسمع... وافهم... ولا تعجب! فالطريق إلى مرافقة النبي (صلى الله عليه وسلم) ليس صلاةً تُؤَدَّى، ولا صيامًا يُقضى، ولا زكاةً تُخرَج فحسب...إنما هناك جسرٌ لا بد أن تعبره...جسرٌ ممدود من الأرض إلى الجنة...جسرٌ لا يخطئه أحد إلا سقط! ذلك الجسر هو: بِرُّ الوالدين.

عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ السَّلَمِيِّ، أَنَّ جَاهِمَةَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَدْتُ أَنْ أَغْزُوَ وَقَدْ جِئْتُ أَسْتَشِيرُكَ، فَقَالَ: ((هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَالْزَمْهَا؛ فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ رِجْلَيْهَا))[3].

كم من مُصَلٍّ اليوم يحافظ على صلاته، ولكنه يعقُّ أُمَّه! وكم من صائمٍ قائم، يرفع صوتَه على أبيه! ثم يريد الرفقة العُليا؟! كيف؟! وكيف يكون له ذلك وقد أقفل على نفسه بابًا من أعظم أبواب الجنة؟!

فإيَّاك والعقوق! فإن العقوق يحرمك مرافقة الحبيب (صلى الله عليه وسلم)! إيَّاك أن ترفع صوتك فوق صوت أُمِّك... فإن أنينها يصعد قبل دعائك! إيَّاك أن تُغضِب أباك... فإن زفرته تُغلِق بابًا من أبواب الجنان!

ولأهمية برِّ الوالدين- يا عباد الله- نجد أن الله تعالى قرَنَ حقَّه بحقِّهما، وعبادتَه ببرِّهما، فقال جلَّ في علاه: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 23، 24].

أقول لك- يا من تضيقُ عليه الدنيا بما رحُبت- يا من يشتكي قلَّةَ الرزق...يا من يقول: لا أرى بركةً في مالي! لا أرى خيرًا في رزقي! أنا أسألك سؤالًا واحدًا: كيف حالك مع والديك؟ هل أنت بارٌّ بوالديك؟! هل ترضيهما؟ أم أن دعاءهما صار عليك لا لك؟!

والله- يا أحباب رسول الله- إن أبواب السماء تُفتح بدعوة أم، وتُغلق بزفرة أب! فإيَّاكم... إيَّاكم ودعوة الوالدين، فإن السهام التي تخرج من قلوبهما لا تخطئ الطريق.

كان في بني إسرائيل رجل يقال: له جريج، رجلٌ قد انفرد بالصلاة، وانقطع عن الدنيا في صومعةٍ عالية... لا يسمع إلا صوت تسبيحه، ولا يرى إلا باب السماء، من شدة عبادته وخشوعه، وفي ذات يوم جاءت أُمُّه تقف تحت الصومعة وتنادي: يا جُريج، أشرف عليَّ... أريد أن أكلمك! أنا أمُّك! وجُريج في صلاته... يطيل القيام والركوع والسجود، فوقف بين خيارين: يا رب... أمي أم صلاتي؟ فاختار صلاته... اسمعوا وتعجَّبوا! أمٌّ تنادي وابنٌ مشغول بالصلاة! فما بالُ من يترك أمَّه لأجل هاتف؟! ما بالُ من يصرخ في وجهها لأجل زوجة؟! ما بالُ من ينسى أمَّه لأجل مجلس، أو معصية، أو سهرة لا ترضي الرحمن؟!

رجعت الأم... ثم جاءت في اليوم الثاني، فوجدته يصلي... فنادته، فلم يُجِب.. ثم جاءت في الثالثة... ولم يلتفت! فرفعت يديها إلى السماء وقالت: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ (أي: الزانيات)، فاستجاب الله دعاءها! الله أكبر! دعوةُ أمٍّ... هزَّت السماء... فكيف بدعوة أمٍّ مظلومة؟! كيف بدعوة أمٍّ تنام وعيناها دامعة، وقلبها محروق على ولدها؟!

فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتُمْ لَأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ، قَالَ: فَتَعَرَّضَتْ لَهُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، فَأَتَتْ رَاعِيًا كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ فَاسْتَنْزَلُوهُ وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ، فَوَلَدَتْ مِنْكَ، فَقَالَ: أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ، وَقَالَ: يَا غُلَامُ، مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ الرَّاعِي، قَالَ: فَأَقْبَلُوا عَلَى جُرَيْجٍ يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، وَقَالُوا: نَبْنِي لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: لَا، أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ، فَفَعَلُوا [4].

يقول ابن حجر (رحمه الله): "لو كان جريج فقيهًا لعلم أن إجابة أمِّه أولى من عبادة ربه" [5].

وبوّب النووي (رحمه الله): (باب تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها)، وقال النووي (رحمه الله): "قَالَ الْعُلَمَاء: كَانَ الصَّوَاب فِي حَقِّه إِجَابَتهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي صَلَاة نَفْل، وَالِاسْتِمْرَار فِيهَا تَطَوُّع لَا وَاجِب، وَإِجَابَة الْأُمِّ وَبِرّها وَاجِب، وَعُقُوقهَا حَرَام، وَكَانَ يُمْكِنهُ أَنْ يُخَفِّف الصَّلَاة وَيُجِيبها ثُمَّ يَعُود لِصَلاتِهِ..." [6].

فهذه القصة ما جاءت عبثًا...إنما جاءت لتقول: إن تعارضت طاعة الله مع برِّ الوالدين، فابدأ بوالديك... فإن رضاهما من رضا الله...فالسلف كانوا يفهمون فقه الموازنة... يعلمون أن الباب الأقرب إلى الجنة اسمه: الأم... ثم الأم... ثم الأم... ثم الأب.

فيا من تريدون رفقة الأنبياء...يا من تطلبون الرفعة عند الله...أين أنتم من أمَّهاتكم؟ أين أنتم من آبائكم؟ أين أنتم من خدمة من تعبوا لأجلكم سنين العمر؟! أمٌّ سهرت الليالي...وأبٌ حمل الهموم...ثم يأتي الإنسان فيرفع صوته فوق صوت أبيه وأُمِّه، وينسى قول الله تعالى: ﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ [الإسراء: 23] يا رب... كلمة أف محرمة...فماذا نقول عن الصراخ؟! وعن الإهمال؟! وعن سوء الأدب؟!

فيا أخي، إن أردت الرفعة... فالزم باب أُمِّك.. وإن أردت البركة... فقَبِّل يد أبيك.. وإن أردت مرافقة النبي (صلى الله عليه وسلم) في الجنة... فاخدمهما، واحتسب عند الله كل لحظة... فهذا هو الطريق الأقصر... والأسرع... والأضمن إلى الجنة.

اللهم ارزقنا برَّ والدينا أحياءً وأمواتًا...واجعلنا من الذين يسمعون القول فيتَّبِعون أحسنه.

الخطبة الثانية
(صبر الأبناء ورفق الآباء... حتى يكتمل برُّ الوالدين)


كثيرٌ من شباب اليوم- إلا من رحم ربي- إذا قلت له: لماذا لا تبرُّ أباك؟ قال لك: (أبي لا يُحتمل! أبي دائم الغضب! أبي يُحرجني أمام أصحابي! أبي يظلمني!)

وأنا أقول لهذا الشاب: يا بنيَّ... مهما أساء إليك أبوك، فهو يبقى أباك! ومهما قسا عليك، فحقُّه عليك ثابتٌ... وبرُّه واجب... وطاعته باب من أبواب الجنة.. ولذلك عقد الإمام البخاري- رحمه الله- بابًا في الأدب المفرد، أسماه: (بَاب بِرِّ وَالِدَيْهِ وَإِنْ ظَلَمَا)، وأورد تحته أثرًا عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ لَهُ وَالِدَانِ مُسْلِمَانِ، يُصْبِحُ إِلَيْهِمَا مُحْسِنًا، إِلَّا فَتْحَ اللهُ لَهُ بَابَيْنِ، يَعْنِي مِنَ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَوَاحِدًا، وَإِنْ أَغْضَبَ أَحَدَهُمَا لَمْ يَرْضَ اللهُ عَنْهُ حَتَّى يَرْضَى عَنْهُ، قِيلَ: وَإِنْ ظَلَمَاهُ؟ قَالَ: وَإِنْ ظَلَمَاهُ) [7]، فالشرع يقول لك: تحمَّل... واصبر... واحتسب... فإذا كان هذا حقَّه إن ظلمك، فكيف به إذا أحسن إليك؟!

ثم نقول كلمة أخرى... نصيحة للآباء كما هي نصيحة للأبناء: يا معاشر الآباء... اتقوا الله في أبنائكم! أرفقوا بهم... ولا تثقلوا عليهم... ولا تكونوا سببًا في عقوقهم، وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم): «رَحِمَ اللَّهُ وَالِدًا أَعَانَ وَلَدَهُ عَلَى بِرِّهِ»، قَالُوا: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «يَقْبَلُ إِحْسَانَهُ، وَيَتَجَاوَزُ عَنْ إِسَاءَتِهِ» [8].

فمن أراد برَّ أولاده... فليُعِنْهم عليه، وليسهِّل لهم الطريق، وليفتح لهم باب الرحمة.

يا آباء...إن كان الابن مأمورًا أن يتحمَّل ظُلم أبيه...فأنتم مأمورون ألا تظلموهم، وألا تكلفوهم ما لا يطيقون، وأن تكونوا عونًا لهم على التقوى والطاعة... فبرُّ الوالدين لا يقوم إلا من طرفين: ابن يتحمل...وأب يتحنَّن...وإذا تعاون الطرفان... نزلت البركة على البيت، وسكنت السعادة بين الجدران، وفتح الله لهم أبواب رحمته وفضله.

اللهم اجعلنا بارِّين بوالدينا، وارزقنا رضاك ورفقة نبيِّك (صلى الله عليه وسلم) في الفردوس الأعلى.

[1] حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصبهاني: (3/ 150).

[2] أخرجه أحمد في مسنده: (39/ 522)، برقم (24478) وقال شعيب الأرنؤوط: حديث صحيح.

[3] سنن النسائي، كتاب الجهاد- الرُّخْصة فِي التَّخلُّفِ لِمَنْ لَهُ وَالِدةٌ: (6/ 11)، برقم (3104).

[4] صحيح مسلم، كتاب الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْآدَابِ- بَابُ تَقْدِيمِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى التَّطَوُّعِ بِالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا: (4/ 1977)، برقم (2550).

[5] ذكره مرفوعًا ابن حجر في فتح الباري: (6/ 482).

[6] شرح النووي على مسلم: (16/ 105).

[7] الأدب المفرد للبخاري، باب بِرِّ وَالِدَيْهِ وَإِنْ ظَلَما: (ص: 8)، برقم (7).

[8] أخرجه ابن وهب في ((الجامع)): (ص: 212).






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 81.28 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 79.56 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (2.12%)]