التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         تحت العشرين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 155 - عددالزوار : 108188 )           »          المرأة والأسرة --------- متجدد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 153 - عددالزوار : 110013 )           »          عالم التقنية والذكاء الاصطناعي .. التقنيات الذكية ودورها في الجانب الطبي والصحي الخير (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 38 )           »          الرد على شبهات أنصار الاختلاط المفتوح (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          عالَم أبي ذر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          شريح القاضي: سيرة إمام القضاء في صدر الإسلام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          صلاة الخسوف والكسوف: أبعادها العقدية والتشريعية والاجتماعية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          سر عظيم لاستجابة الدعاء الخارق (زكريا ومريم عليهما السلام) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          أدب النقد عند السلف .. رسالة ابن رجب “الفرق بين النصيحة والتعيير” (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          مشروعية الأعياد في الإسلام: حكمها وأهدافها السامية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 26-01-2026, 01:01 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,397
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (5)
من صـــ 247 الى صـــ 266
الحلقة (129)






فسميت العبرانية بذلك، ودخل مصر وبها جبار من الجبابرة، قيل: اسمه سنان بن علوان، أخو الضحاك. وقيل: اسمه عمرو بن امرئ القيس بن بابلون بن سبأ بن يشجب بن يعرب، وكان عَلَى مصر، وكان مع إبراهيم زوجته سارة فأرادها الجبار، وقصتها معه مشهورة، (فأهدتها) (١) هاجر.
وبلغ عُمرُ إبراهيم مائتي سنة، وقيل: ينقص خمسة وعشرين، ودفن بالأرض المقدسة، وقبره معروف بالبلدة المعروفة بالخليل، وكان الوزغ ينفخ النار عَلَى إبراهيم لما ألقي في النار، فلذلك أمر بقتله (٢)، كما أخرج في «الصحيح» من حديث أم شريك، كما سيأتي في الحج وغيره (٣).
ووجده النبي - ﷺ - في السماء مسندًا ظهره إلى البيت المعمور.
السابع بعد العشرين:
قوله: (قَالَ ابن شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي ابن حَزْمٍ، أَنَّ ابن عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلَامِ»)
قَالَ خلف في «أطرافه»: حديث أبي حبَّة الأنصاري في المعراج أخرجه البخاري عن ابن بكير، عن الليث (٤)، وعن عبدان، عن ابن المبارك (٥)،

------------------
(١) في (ج): فأخذتها.
(٢) انظر: «قصص الأنبياء» ١/ ٢٢٣ - ٣٠٢.
(٣) سيأتي برقم (١٨٣١) كتاب: جزاء الصيد، باب: ما يقتل المحرم من الدواب، و(٣٣٠٧) كتاب: بدء الخلق، باب: خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال، و(٣٣٥٩) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾.
(٤) وهو رواية الباب.
(٥) سيأتي برقم (١٦٣٦)، كتاب: الحج، باب: ما جاء في زمزم.



وعن أحمد بن صالح، عن عنبسة (١)؛ كلهم عن يونس، وأخرجه مسلم عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس (٢).
وروى الطبراني هذِه القطعة، عن هارون بن كامل، عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس، عن الزهري، وعن ابن السرح، عن محمد بن عزيز، عن سلامة بن روح، عن عقيل، عن الزهري (٣).
قَالَ الدمياطى (٤): ورواية أبي بكر عن أبي حبَّة منقطعة؛ لأنه قتل يوم أحد كما سيأتي.
وابن حزم: هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، بخاري، قاضي المدينة زمن سليمان بن عبد الملك، وابن عمه عمر مات سنة عشرين ومائة عن أربع وثمانين سنة، وقتل أبوه يوم الحرة (٥).
الثامن بعد العشرين:
أبو حبَّة بالباء، وقيل: بالمثناة تحت، وليس بشيء كما قاله القاضي عياض (٦)، وأما صاحب «المطالع» فقال: الأكثر عَلَى الثاني (٧). وذكره الواقدي وغيره بالنون، وسموه مالك بن (عمرو) (٨)، وقيل: عامر.

--------------------
(١) سيأتي برقم (٣٣٤٢) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ذكر إدريس - عليه السلام -.
(٢) سلف تخريجه.
(٣) «المعجم الكبير» ٢٢/ (٨٢٢).
(٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: ومثل ما قال الدمياطي قال الرشيد العطار سليمان بن عبد الملك، في الأحاديث المقطوعة التي في مسلم.
(٥) انظر ترجمته في: «تهذيب الأسماء واللغات» ٢/ ١٩٦ - ١٩٧ (٢٢٩)، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٣١٣ - ٣١٤ (١٥٠)، «تهذيب التهذيب» ٤/ ٤٩٤ - ٤٩٥.
(٦) «مشارق الأنوار» ٢/ ٢٢٣.
(٧) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الخامس بعد الخمسين كتبه مؤلفه.
(٨) في (ج): عمر.



وقيل: عمرو، وقيل: ثابت بن النعمان، وهو بدري بالاتفاق. كما قاله النووي (١)، واستشهد بأحد (٢).
واختلف أصحاب المغازي في أبي حبَّة الأنصاري وأبي حبَّة البدري، هل هما واحد أو اثنان، وهل هما بالباء أو النون؟
التاسع بعد العشرين:
معنى «ظهرت»: علوت وارتفعتُ، ومنه قوله: «والشمس في حجرتها قبل أن تظهر» (٣). وقال تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] أي: يعليه عَلَى الأديان كلها.
الثلاثون:
المستوى -بفتح الواو- المصعد، وهو المكان العالي، يقال: استوى إلى الشيء وعليه إذا علا عليه، وقيل: هو عبارة عن فضاء فيه استواء.
الحادي بعد الثلاثين:
«صَرِيفَ الأقلَامِ» -بالصاد المهملة- صوت حركتها وجريانها عَلَى المخطوط فيه مما تكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى، نسخًا من اللوح المحفوظ أو ما شاء الله تعالى من أمره وتدبيره، ومنه صريف الباب.

----------------------
(١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٢/ ٢٢١.
(٢) انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ٤/ ١٦٤ (٢٩٣٧)، «أسد الغابة» ٦/ ٦٥ (٥٧٨٨)، «الإصابة» ٤/ ٤١ (٢٤٨).
(٣) جاءت هذِه الرواية في «صحيح مسلم» (٦١١) كتاب: المساجد، باب: أوقات الصلوات الخمس.



قَالَ القاضي عياض: قد يكون مستوي حيث يظهر عدل الله و(حكمه) (١) لعباده هنالك، يقال للعدل: سواء مفتوح ممدود، وسوى مقصور مكسور، وقيل ذَلِكَ في قوله تعالى: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] (٢).
وقال بعضهم: صرير -بالراء- هو الأشهر في اللغة، حكاه عبد الغافر الفارسي في («مفهمه») (٣)، ولا نسلم له.
الثاني بعد الثلاثين:
فيه دليل عَلَى أن الأشياء كالمقادير والوحي وغير ذَلِكَ مما شاء الله تكتب بالأقلام لا بقلم واحد.
الثالث بعد الثلاثين:
في هذا حجة لمذهب أهل السنة في الإيمان بصحة كتابة الوحي والمقادير في كتاب الله تعالى من اللوح المحفوظ، وما شاء بالأقلام الذي هو تعالى يعلم كيفيتها عَلَى ما جاءت به الآيات من كتاب الله والأحاديث الصحيحة، وأن ما جاء من ذَلِكَ عَلَى ظاهره، لكن كيفية ذَلِكَ وجنسه وصورته مما لا يعلمه إلا الله ومن أطلعه الله عَلَى غيبه من ذَلِكَ من ملك أو رسول.
الرابع بعد الثلاثين:
قوله: (قَالَ ابن حَزْم وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «فَفَرَضَ اللهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً») هو معطوف عَلَى الإسناد قبله فيما ذكره

-----------------
(١) في (ج): حكمته.
(٢) «إكمال المعلم» ١/ ٥١٠.
(٣) ليست في (ج).



أبو نعيم (١) والإسماعيلي وخلف.
الخامس بعد الثلاثين:
قوله: («ارْجِعْ إلَى رَبِّكَ») إلى قوله: («فَرَاجَعْتُهُ») المراد: أن مكان سؤاله غير مكان سؤال موسى - عليه السلام -، فهو رجوع من مكان إلى مكان؛ لاستحالة المكان على من تفرد بالإمكان.
السادس بعد الثلاثين:
قوله: («فَوَضَعَ شَطْرَهَا») كذا هنا، وفي رواية مالك بن صعصعة: فوضع في كل مرة عشرا، وفي الخامسة فأمر بخمس (٢).
وفي حديث آخر: كلما عاد وضع خمسًا (٣). والشطر هنا: الجزء، كما قاله عياض وغيره لا النصف (٤)، فحط في مرات بمراجعات. وهذا الحديث مختصر لم تذكر فيه كرات المراجعة.
السابع بعد الثلاثين:
اختلف في هذا النقص من الفريضة، هل هو نسخ أم لا؟ عَلَى قولين:
أحدهما: أنه نسخ للعبادة قبل العمل بها، وأنكره النحاس؛ لأن مذهبه: أن العبادة لا يجوز نسخها قبل العمل بها؛ لأن ذَلِكَ عنده من البداء، وهو محال عَلَى الله؛ ولأنه نسخ قبل الوصول إلى المكلفين.
قَالَ: وإنما ادعى النسخ في ذَلِكَ القاشاني ليصحح بذلك مذهبه؛ أن البيان لا يتأخر، وإنما هي شفاعة شفعها لأمته.

-----------------------
(١) «المستخرج على صحيح مسلم» (١/ ٢٣٢ - ٢٣٤) (٤٢٠).
(٢) ستأتي برقم (٣٢٠٧) كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة.
(٣) رواه الطبراني في «الكبير» ١٩ (٢٧٠).
(٤) «إكمال المعلم» ١/ ٥٠٤.



ووهى قوله السهيلي قَالَ: بل هو نسخ للتبليغ، وليس ببداء، والشفاعة لا تنافي النسخ، فإن النسخ قد يكون عن سبب معلوم، فشفاعته كانت سببًا للنسخ لا مبطلة لحقيقته، والمنسوخ حكم التبليغ الواجب عليه قبل النسخ. وأما أمته فلا نسخ في حقهم؛ لعدم وصوله إليهم، ثم هذا خبر فلا يدخله نسخ، فأخبر الرب تعالى أن عَلَى أمته خمسين صلاة، ومعناه أنها في اللوح المحفوظ خمسون، فأولها - ﷺ - عَلَى أنها خمسون بالفعل، فتبين أنها في الثواب لا في العمل (١).
فإن قلتَ: فما معنى نقصها عشرًا بعد عشر؟ فالجواب: أنه ليس كل الخلق يحضر قلبه في الصلاة من أولها إلى آخرها، وقد جاء أنه يكتب له ما حضر قلبه منها، وأنه يصلي فيكتب له نصفها، ربعها، حَتُّى انتهى إلى عشرها ووقف، فهي خمس في حق من يكتب له عشرها، وعشر في حق من كتب له أكثر من ذَلِكَ، وخمسون في حق من كملت صلاته مما يلزمه من تمام خشوعها، وكمال سجودها وركوعها. نبه عليه السهيلي (٢).
وفي كتاب الحكيم الترمذي: قَالَ الله تعالى: «قد فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة يوم خلقت السموات والأرض، فقم بها أنت وهم. فلم أزل أراجعه حَتَّى قيل: خمس بخمسين، فعلمت أنها عزيمة من ربي -عز وجل-» (٣). وللنسائي معناه من حديث أنس (٤).
الثامن بعد الثلاثين:
إنما اعتنى موسى - عليه السلام - بهذِه الأمة، وألح عَلَى نبيها أن يشفع لها،

-------------------
(١) انظر كلام النحاس والسهيلي في «الروض الأنف» ٢/ ١٥٩.
(٢) «الروض الأنف» ٢/ ١٦٠.
(٣) «الصلاة ومقاصدها» للحكيم الترمذي ص ٤٨.
(٤) «سنن النسائي» ١/ ٢٢١.



وسأل التخفيف عنها؛ لأنه - عليه السلاموالله أعلم- حين قضي إليه بالجانب الغربي، ورأى صفات أمة محمد في الألواح جعل يقول: إني أجد في الألواح أمة صفتهم كذا، اللَّهُمَّ اجعلهم أمتي، فيقال له: تلك أمة أحمد، حَتَّى قَالَ اجعلني من أمة أحمد.
وهو حديث مشهور في التفسير (١). وكان إشفاقه عليهم، واعتناؤه بأمرهم كما يعتني بالقوم من هو منهم. وكانت أمة موسى كلفت من الصلاة ما لم يكلف غيرها، فثقلت عليهم، فخاف عَلَى أمة محمد مثل ذَلِكَ.
التاسع بعد الثلاثين:
السدر: شجر النبق، واحدتها سِدرة، وجمعها: سِدَر وسدور، الأخيرة نادرة. ويجمع في القليل عَلَى سِدَرات وسدْرات كما ذكر أبو حنيفة، ويجوز سِدِرات بكسر الدال أيضًا، ذكره النووي قَالَ: وكذلك تجمع كِسرة وما أشبهها (٢).
قَالَ أبو حنيفة: وأجود نبق يعلم بأرض (٣) العرب بهجر.
فإن قلت: لم اختيرت السدرة لهذا الأمر دون غيرها من الشجر؟ قيل: لأن السدرة تختص بثلاثة أوصاف: ظل مديد، وطعام لذيذ، ورائحة ذكية، فشابهت الإيمان الذي يجمع قولًا وعملًا ونية، فظلها من الإيمان بمنزلة العمل لتجاوزه، وطعمها بمنزلة النية لكمونه، ورائحتها بمنزلة القول لطهوره.

-----------------
(١) رواه الطبري في «تفسيره» ٦/ ٦٦ (١٥١٤٢).
(٢) «تهذيب الأسماء واللغات» ٣/ ١٤٦.
(٣) ليست في (ج).



الأربعون:
سدرة المنتهى فوق السماء السابعة. وقال الخليل: في السابعة، قد أظلت السموات والجنة (١).
وجاء في رواية أنها في السماء السادسة، والأول عليه الأكثرون، وهو الذي يقتضيه المعنى. ويحتمل أن يجمع بينها، فيكون أصلها في السادسة (٢)، ومعظمها في السابعة يخرج من أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان وهما: السلسبيل والكوثر، ونهران ظاهران وهما: النيل والفرات.
وذكر عياض أن أصل سدرة المنتهي في الأرض لخروج النيل والفرات من أصلها (٣).
واعترض عليه: بأنه لا يلزم ذَلِكَ، بل معناه أن الأنهار تخرج من أصلها، ثم تسير حيث أراد الله تعالى حَتَّى تخرج من الأرض وتسير فيها، وهو ظاهر الحديث.
وعن ابن عباس أنها عن يمين العرش (٤). وقال صاحب «المطالع»: إنها أسفل العرش لا يجاوزها ملك ولا نبي. وفي الأثر: إليها ينتهي ما يعرج من الأرض وما ينزل من السماء فيقبض منها (٥).
وقيل لها: سدرة المنتهى؛ لانتهاء ما يخرج من تحتها وما أهبط من فوقها. وقال كعب: لأنه ينتهي إليها علم كل ملك مقرب، ونبي مرسل.

--------------
(١) «معجم العين» (٧/ ٢٢٤) مادة: سدر.
(٢) هذِه الرواية عند مسلم (١٧٣) كتاب: الإيمان، باب: في ذكر سدرة المنتهى.
(٣) «إكمال المعلم» ١/ ٥٠٣.
(٤) رواه الطبري في «تفسيره» ١١/ ٥١٧ (٣٢٥١٠).
(٥) السابق ١١/ ٥١٤، ٥١٥ (٣٢٤٩٢) عن عبد الله.



قَالَ: وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله (١).
وقيل: تنتهي إليها أرواح الشهداء. وقيل: لأن روح المؤمن تنتهي به إليها، فيصلي عليه هنالك الملائكة المقربون، قاله ابن سلام في تفسير: (عليين).
وفي «مسند الحارث بن أبي أسامة»: «لو غطيت بورقة من ورقها هذِه الأمة لغطتهم» (٢). وجاء أن ورقها كآذان الفيلة، ونبقها كقلال هجر (٣).
الحادي بعد الأربعين:
قوله: («وغشيها ألوان لا أدري ما هي») هي أصناف من النور، ومن الملائكة.
وقوله: («ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ») فيه: ما قد يدل عَلَى أن السدرة ليست في الجنة. وقال ابن دحية: «ثم» في هذا الحديث في مواضع ليست للترتيب كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] إنما هي مثل الواو للجمع والاشتراك، فهي بذلك خارجة عن أصلها.
الثاني بعد الأربعين:
قوله: («فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ»)، هكذا الرواية هنا بحاء مهملة، ثم باءموحدة، ثم ألف، ثم ياء مثناة تحت ثم لام.

---------------------
(١) السابق ١١/ ٥١٤ (٣٢٤٩٠).
(٢) «بغية الباحث» (٢٢).
قلت في سنده: أبو حمزة ميمون الأعور، قال الذهبي في «الميزان» (٥/ ٣٥٩) قال أحمد: متروك الحديث، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم، وقال النسائي: ليس بثقة.
(٣) رواه الطبري في «تفسيره» ١١/ ٥١٧ (٣٢٥٠٩) عن قتادة.



وذكره البخاري في كتاب الأنبياء «جنابذ» بجيم، ثم نون، ثم ألف، ثم باء موحدة، ثم ذال معجمة (١)، كما وقع في مسلم (٢) عَلَى الصواب، جمع جنبذة، وهو ما ارتفع من البناء، كما سيأتي.
قَالَ ابن التين: قيل: إن الغلط في حبائل إنما جاء من قبل الليث عن يونس، وهو تصحيف. والجنابذ: شبه القباب. وقال يعقوب: هو ما ارتفع من البناء، وقد وقع هذا المعنى مفسرًا بالقباب من رواية محمد بن جرير الطبري: «فإذا هو بنهر بجنبتيه قباب اللؤلؤ» (٣).
وقال ابن الأثير: إن صحت رواية حبائل، فيكون أراد به مواضع مرتفعة كحبال الرمل، كأنه جمع حبالة وحبالة: جمع حبل على غير قياس (٤).
وفي رواية الأصيلي عن الزهري: «دخلت الجنة فرأيت فيها جنابذ من اللؤلؤ، وترابها المسك، فقلت: لمن هذا يا جبريل؟ قَالَ: للمؤذنين والأئمة من أمتك». وقال صاحب «المطالع»: كذا لجميعهم في البخاري حبائل، ومن ذهب إلى صحة الرواية قَالَ: إن الحبائل: القلائد والعقود، أو يكون من حبال الرمل، أي: فيها اللؤلؤ كحبال الرمل أو من الحبلة، وهو ضرب من الحلي معروف. قَالَ: وهذا كله بحبل ضعيف، بل هو بلا شك تصحيف من الكاتب، والحبائل إنما تكون جمع حبالة أو حبيلة.

-----------------
(١) سيأتي برقم (٣٣٤٢) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ذكر إدريس - عليه السلام -.
(٢) مسلم (١٦٣) كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات.
(٣) «تاريخ الطبري» ١/ ٥٣٦.
(٤) «النهاية» (١/ ٣٣٣) مادة: حبل.



وقال ابن الجوزي في «كشف المشكل»: جنابذ اللؤلؤ: قبابه، واحدها جنبذة: وهي القبة. قَالَ: وقد وقع في بعض النسخ حبائل بالحاء المهملة، وفي نسخة: بالمعجمة، وكله تصحيف، والصحيح: جنابذ (اللؤلؤ) (١). قَالَ ابن دحية في «الابتهاج»: فهي كلمة فارسية معربة.
واعلم أن الأئمة - رضي الله عنهم - اعتنوا بالإسراء، وأفردوه بالتأليف، منهم: أبو شامة، وابن المنير في مجلد ضخم، وابن دحية، فلنلخص من كلامهم فوائد:
الأولى:
لا بد لك عند مرورك بهذا الحديث بطرقه عندما يتصور فيه وهمك من استحضار قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وتنفي الجهة والجسمية والتكلم بحرف أو صوت تعالى الله عن ذَلِكَ، وفوض علم ذَلِكَ إلى الرب ﷻ، أو أوله عَلَى ما يليق به مع التنزيه، فالحجب للمخلوق لا للخالق، وحي ربك قدسه هناك، واجعل العرش قبلتك في المناجاة بعيدًا (٢).

--------------------
(١) من (ج).
(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» ٥/ ٢٦٢ - ٢٦٣:
أما من اعتقد الجهة، فإن كان يعتقد أن الله في داخل المخلوقات تحويه المصنوعات، وتحصره السموات، ويكون بعض المخلوقات فوقه، وبعضها تحته، فهذا مبتدع ضال.
وكذلك إن كان يعتقد أن الله يفتقر إلى شيء يحمله -إلى العرش، أو غيره- فهو أيضًا مبتدع ضال، وكذلك إن جعل صفات الله مثل صفات المخلوقين، فيقول: استواء الله كاستواء المخلوق، أو نزوله كنزول المخلوق، ونحو ذلك، فهذا مبتدع ضال، فإن الكتاب والسنة مع العقل دلت على أن الله لا تماثله المخلوقات في شيء من الأشياء، ودلت على أن الله غني عن كل شيء، ودلت على أن الله مباين للمخلوقات عال عليها. =



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= وإن كان يعتقد أن الخالق تعالى بائن عن المخلوقات، وأنه فوق سمواته على عرشه بائن من مخلوقاته، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وأن الله غني عن العرش وعن كل ما سواه، لا يفتقر إلى شيء من المخلوقات، بل هو مع استوائه على عرشه يحمل العرش وحملة العرش، بقدرته، ولا يمثل استواء الله باستواء المخلوقين، بل يثبث لله ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وينفي عنهن مماثلة المخلوقات، ويعلم أن الله ليس كمثله شيء: لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا أفعاله. فهذا مصيب في اعتقاده موافق لسلف الأمة وأئمتها.
فإن مذهبهم أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله - ﷺ -، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فيعلمون أن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش. وأنه كلم موسى تكليمًا وتجلى للجبل فجعله دكًا هشيمًا.
ويعلمون أن الله ليس كمثله شيء في جميع ما وصف به نفسه، وينزهون الله عن صفات النقص والعيب، ويثبتون له صفات الكمال، ويعلمون أنه ليس له كفوًا أحد في شيء من صفات الكمال، قال نعيم بن حماد الخزاعي: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهًا. والله أعلم. اهـ.
وقد أجاب شيخ الإسلام على قول من قال: هل كلام الله هو حرف وصوت أم لا؟
في «مجموع الفتاوى» ١٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤.
فقال: إطلاق الجواب في هذِه المسألة نفيًا وإثباتًا خطأ. وهي من البدع المولدة، الحادثة بعد المائة الثالثة، لما قال قوم من متكلمة الصفاتية: إن كلام الله الذي أنزل على أنبيائه -كالتوراة، والإنجيل، والقرآن، والذي لم ينزله، والكلمات التي كون بها الكائنات، والكلمات المشتملة على أمره ونهيه وخبره، ليست إلا مجرد معنى واحد. هو صفة واحدة قامت بالله، إن عبر عنها بالعبرانية كانت التوراة، وإن عبر عنها بالعربية كانت القرآن، وأن الأمر والنهي والخبر صفات لها. لا أقسام لها، وأن حروف القرآن مخلوقة، خلقها الله ولم يتكلم بها، وليست من كلامه، إذ كلامه لا يكون بحرف وصوت. =



وما أحسن قوله كليم: «لا تفضلوني عَلَى أخي يونس» (١) فإنه نهى عن تفضيل مقيد بالمكان لا مطلقه. وقال مالك: خص به للتنبيه عَلَى التنزيه؛ لأن نبينا رفع إلى العرش، ويونس هبط إلى قاموس البحر، ونسبتهما من جنب الجهة إلى الحق واحدة، وإلا فنبينا أقرب منه.
الثانية:
الباء في قوله تعالى: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾؟ [الإسراء: ١] تفيد المصاحبة

-----------------
= عارضهم آخرون من المثبتة فقالوا: بل القرآن هو الحروف والأصوات، وتوهم قوم أنهم يعنون بالحروف المداد، وبالأصوات أصوات العباد، وهذا لم يقله عالم.
والصواب الذي عليه سلف الأمة -كالأمام أحمد والبخاري صاحب الصحيح، في «كتاب خلق أفعال العباد» وغيره، وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم- أتباع النصوص الثابتة، وإجماع سلف الأمة، وهو أن القرآن جميعه كلام الله، حروفه ومعانيه، ليس شيء من ذلك كلامًا لغيره، ولكن أنزله على رسوله، وليس القرآن اسمًا لمجرد المعنى، ولا لمجرد الحرف، بل لمجموعهما، وكذلك سائر الكلام ليس هو الحروف فقط، ولا المعاني فقط، كما أن الإنسان المتكلم الناطق ليس هو مجرد الروح، ولا مجرد الجسد، بل مجموعهما، وأن الله تعالى يتكلم بصوت، كما جاءت به الأحاديث الصحاح، وليس ذلك كأصوات العباد، لا صوت القارئ ولا غيره، وأن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فكما لا يشبه علمه وقدرته وحياته علم المخلوق وقدرته وحياته، فكذلك لا يشبه كلامه كلام المخلوق، ولا معانيه تشبه معانيه، ولا حروفه يشبه حروفه، ولا صوت الرب يشبه صوت العبد، فمن شبه الله بخلقه فقد ألحد في أسمائه وآياته، ومن جحد ما وصف به نفسه فقد ألحد في أسمائه وآياته.
(١) سيأتي برقم (٣٣٩٥) بلفظ: «لاينبغي بعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى» كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥)﴾ من حديث ابن عباس، رواه مسلم (٢٣٧٧) كتاب: الفضائل، باب: في ذكر يونس - عليه السلام -.



بالإلطاف والعناية والإسعاف، وقد قَالَ - ﷺ -: «أنت الصاحب في السفر» (١). ولذلك يظهر الفرق بين قوله: لله على أن أحج بفلان أو أحج فلانًا. وانظر إلى هذا مع قوله تعالى: ﴿يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢]، يظهر لك خصوصية للحق دون عموم الخلق.
الثالثة:
كان الإسراء ليلًا لوجوه:
أحدها: أنه وقت الخلوة والاختصاص ومجالسة الملوك، وهو أشرف من مجالستهم نهارًا، فهو وقت تناجي الأحبة، ووقت مجيء الطيف: وهو الخيال، فخص بوصف الكمال.
ثانيها: أن الله أكرم قومًا من أنبيائه بأنواع الكرامات ليلًا، قَالَ تعالى في قصة إبراهيم: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٦]، فوجودها دال عَلَى وجوب وجود صانعها ومدبرها. وقال تعالى في قصة لوط: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١]، وقال: ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤]، وقال في يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] أخَّر دعاءه إلى وقت السحر من ليلة الجمعة. وقرب موسى نجيًا ليلًا. وذلك قوله: ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [القصص: ٢٩] وواعده أربعين ليلة. وقال لما أمره بالخروج من مصر ببني إسرائيل: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣)﴾ [الدخان: ٢٣].
ثالثها: أن الله تعالى أكرمه ليلًا بأمور منها انشقاق القمر (٢)، وإيمان الجن به (٣). ورأى الصحابة آثار نيرانهم عَلَى ما ثبت في "صحيح

-------------------
(١) رواه مسلم (١٣٤٢) كتابك الحج، باب: ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره.
(٢) سيأتي برقم (٤٨٦٧) كتاب: التفسير، باب: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾.
(٣) سيأتي برقم (٤٩٢١) من كتاب: أحاديث الأنبياء.



مسلم» (١). وخرج إلى الغار ليلًا عَلَى مائة من قريش عَلَى بابه ينتظرونه ليقتلوه بزعمهم، قَالَ تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [الأنفال: ٣].
رابعها: أن الله تعالى قدم ذكره عَلَى النهار في غير ما آية، فقال: ﴿وجَعَلْنَا اْلَّيْلَ وَاَلنَهَارَءَايَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢]، وقوله: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس:٤٠] أي: بل له حد محدود إذا ذهب سلطانه جاء سلطان النهار. وليلة النحر تغني عن الوقوف نهارًا عَلَى الصحيح؛ لحديث عروة بن مضرس (٢) [الصحيح] (٣).
خامسها: أن الليل كالأصل، ولهذا كان أول الشهور، ومن آياته أن سواده يجمع منتشر ضوء البصر، ويحد كليل النظر، ويستلذ فيه بالسمر، واجتلاء وجه القمر، وفيه تخلو الأحباب بالأحباب، ويتصل الوصل بينهم ما انقطع من الأسباب.
سادسها: أنه لا ليل إلا ومعه نهار، وقد يكون نهار بلا ليل، وهو يوم القيامة الذي مقداره خمسون ألف سنة.
سابعها: أنه الليل محل استجابة الدعاء والغفران والعطاء، وإن ورد

-----------------
(١) «صحيح مسلم» (٤٥٠) كتاب: الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصبح.
(٢) عن عروة بن مضرس قال: أتيت رسول الله - ﷺ - بالموقف، يعني: لجمع، قلت: جئت يا رسول الله من جبل طي، أكللت مطيتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جَبْل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «من أدرك معنا هذِه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه»، رواه أبو داود (١٩٥٠)، والترمذي (٨٩١)، والنسائي ٥/ ٢٦٣ - ٢٦٤، وفي «الكبرى» ٢/ ٤٣١ (٤٠٤٦)، وابن ماجه (٣٠١٦) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٧٠٤): إسناده صحيح.
(٣) ساقطة من (ج).



الحديث: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم عرفة أو يوم الجمعة» (١) فذاك بالنسبة إلى الأيام، فليلة القدر خير من ألف شهر، وقد دخل في هذِه الليلة أربعة آلاف جمعة بالحساب الجملي، فتأمل هذا الفضل الخفي.
ثامنها: أن أكثر أسفاره - ﷺ - كان ليلًا، ومن ذَلِكَ حديث الوادي، وأمر أمته بسيره، فقَالَ: «عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل» (٢).
تاسعها: لينفي عنه ما ادعته النصارى في عيسى بن مريم لما رفع إلى (السماء) (٣) نهارًا، وادعوا فيه البنوة تعالى الله عن ذَلِكَ.
عاشرها: لأنه وقت الاجتهاد للعبادة منه - ﷺ -، فقد قام حَتَّى تورمت قدماه (٤). وكان قيام الليل في حقه واجبًا، وقال في حقه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ [المزمل: ١، ٢]، فلما كانت عبادته ليلًا أكثر أُكْرِمَ بالإسراء فيه، وأمره بقوله: ﴿وَمِنَ اَلَّيلِ فَتَهَجَّدْ﴾ الآية [الإسراء: ٧٩].
الحادي عشر: ليكون أجر (المصدق) (٥) به أكثر ليدخل فيمن آمن بالغيب دون من عاينه نهارًا، وفيه إبطال للتنويه أن الظلمة شأنها الإهانة والشر، والنور من شأنه الإكرام والخير.

-------------------
(١) رواه مسلم (٨٥٤) كتاب: الجمعة، باب: فضل يوم الجمعة، من حديث أبي هريرة.
(٢) رواه أبوداود (٢٥٧١)، وابن خزيمة (٢٥٥٥)، والحاكم (١/ ٤٤٥) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وصححه الألباني في «الصحيحة» (٦٨١)، وفي «صحيح سنن أبي داود» (٢٣١٧).
(٣) من (ج).
(٤) سيأتي برقم (٤٨٣٦) من حديث المغيرة، كتاب: التفسير، باب: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾.
(٥) في الأصول: المتصدق، والمثبت من عمدة القاري، ولعله الصواب.



الرابعة:
إن قلت: قد قررت سر الإسراء ليلًا، وضد ذَلِكَ إغراق فرعون نهارًا، وإبراز جثته، ولا شك أن ظهور الآيات نهارًا أظهر. قلت: ذا في حقه إهانة، وذاك في حق نبينا كرامة، وشتان ما بينهما.
الخامسة:
كان الإسراء في حق نبينا عَلَى وجه المفأجاة، والتكليم في حق موسى عن ميعاد وموافاة، دل عَلَى الأول: «بينا أنا … إذ فرج سقف بيتي» فحمل عنه ألم الانتظار كما حمل عنه ألم الاعتذار، فشتان ما بين المقامين، وكم بين مُريد ومُراد، وبين من كُلم عَلَى الطور، وبين من دعي إلى أعلى أعالي البيت المعمور، وبين من سخرت له الريح (مسيرة شهر) (١) بمسألته، وبين من ارتقى من الفرش إلى العرش في ساعة زمانية، وأقل مسافته آلاف لمكالمته، وأعار من المستوى إلى الرفوف فذاك لا يحصى أمده ولا يستقصى.
السادسة:
ثبت بالتواتر أنه - ﷺ - عرج به عَلَى دابة يقال له البراق (٢)، ووصف خلقها؛ وسمي براقًا لسرعة سيره، تشبيهًا ببرق السحاب، وعرج به عليه إظهارًا لكرامته؛ لكرامة الراكب عَلَى غيره، ولذلك لم ينزل عنه لما جاء في حديث حذيفة: ما زايل ظهر البراق حَتَّى

---------------
(١) في (ج): مرةً شهرًا.
(٢) سيأتي برقم (٣٨٨٣) كتاب: مناقب الأنصار، باب: حديث الإسراء.
ورواه مسلم (١٦٢) كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات.



رجع (١)، وإنما لم يذكر في الرجوع للعلم به؛ لقرينة الصعود ويتعلق بالبراق مسائل:
إحداها: جاء أن البراق استصعب له وما ذاك إلا تيهًا وزهوًا بركوبه، وقول جبريل «أبمحمد تستصعب؟!» تحقيق الحال، وقد أرفض عرقًا من تيه الجمال، وقد قيل: إنه ركبه الأنبياء قبله، أيضًا، وقيل: إن جبريل ركب معه.
ثانيها: رفعه عَلَى البراق للتأنيس بالمعتاد، وإلا فالرب تعالى قادر عَلَى رفعه في أقل من طرفة عين، فإنه مطلوب مراد.
ثالثها: كان البراق كشكل البغل؛ لأن الركوب في سِلْمِ وأمن لا في حرب وخوف، ولإسراعها عادة، وركب - ﷺ - بغلته في الحرب في قصة حنين؛ لتحقيق ثبوته في مواطن الحرب، وإلا فركوبها موضع الأمن والطمأنينة، فالحرب عنده كالسلم، وركوب الملائكة الخيل في الحرب؛ لأنها المعهودة فيها، وما لطف من البغال واستدار أحمد وأحسن بخلاف الخيل، وكانت بغلته بيضاء -أي: شهباء، وكذا كان البراق.
السابعة:
قد سلف في الوجه الحادي والعشرين اختلاف الروايات في ترتيب الأنبياء في السماوات، فمنهم من توقف عن الخوض في سر ذَلِكَ، ومنهم من باح به، ثم اختلفوا، فمنهم من قَالَ: إنما اختص من

-------------
(١) رواه الترمذي (٣١٤٧)، وأحمد ٥/ ٣٩٢، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» «تحفة» ٥/ ٥٧٨ - ٤٧٩ (٣٦٩٠). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وصححه الألباني في «الإسراء» (٦)، وفي «الصحيحة» (٨٧٤).



اختص منهم بلقاء الرسول - ﷺ - عَلَى عرف الناس إذا تلقوا الغائب مبتدرين له، فلابد غالبًا أن يسبق بعضهم بعضًا، ويصادف بعضهم اللقاء ولا يصادفه بعضهم، وهذِه طريقة ابن بطال (١).
وذهب غيره من شيوخ الأندلس إلى أن ذَلِكَ تنبيه عَلَى الحالة الخاصة بهؤلاء الأنبياء عليهم السلام، وتمثيل لما سيتفق للرسول - ﷺ - مما اتفق لهم مما قصه الله عليهم في كتابه، وهذا يرجع إلى فن التعبير، فمن رأى في منامه نبيًا من الأنبياء كان ذَلِكَ دليلًا عَلَى حالة عرفت بذلك الشيء ينال الرائي أو أهل زمانه منها طرقًا.
قَالَ: فآدم عليه السلام تنبيه عَلَى الهجرة؛ لأن آدم خرج من الجنة بعداوة إبليس له وتحيليه عَلَى ذَلِكَ، فنظيره خروج الرسول - ﷺ - من مكة بأذى قومه له وللمسلمين، وعيسى ويحيى دليل عَلَى ما سيلقاه الرسول - ﷺ - من أذى اليهود؛ لأنهم قتلوا يحيى، وراموا قتل عيسى فرفعه الله إليه.
وكذلك فعلت اليهود برسول - ﷺ -، داروا حول قتله حَتَّى سموا له الشاة، وأكل منها، فأخبرته الكتف بما صنعوا، وأقرت المرأة بذلك، وعفا عنها - ﷺ -، وقال في مرض موته: «ما زالت أكلة خيبر تعاودني، فهذا أوان قطعت أبهري» (٢) ويوسف - عليه السلام - دليل عَلَى ظفره - ﷺ - بقومه، وإحسانه إليهم. وقد ظفر بطائفة من أهله في غزوة بدر كالعباس عمه، وعقيل ابن عمه، وذلك قبل أن يسلما، فعفا عنهما، وفداهما، وقال يوم فتح مكة لما عفا عن قريش: «أقول كما قَالَ أخي يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ

-----------------
(١)»شرح ابن بطال" ٢/ ١٢.
(٢) سيأتي برقم (٤٤٢٨) كتاب: المغازي، باب: مرض النبي - ﷺ - ووفاته.



يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] (١).
ونظير ذَلِكَ حال يوسف مع إخوته، وهارون - عليه السلام - دليل عَلَى أن قومه سيحبونه، وينقلب بغضاؤهم ودادا. وكذلك صنع الله لنبيه. وقد كان هارون - عليه السلام - محببًا (إلى) (٢) قومه بني إسرائيل، وكانوا يؤثرونه عَلَى موسى.
قَالَ: وإدريس دليل ما اتفق من كتاب الرسول إلى الآفاق؛ فإن إدريس كان يخط، وهو أول من كتب بالقلم. ونظير حال موسى - عليه السلام - فيما آل إليه أمره من لقاء الجبابرة، وإخراجهم من الأرض المقدسة حال رسول الله - ﷺ - (في) (٣) فتح مكة وقهره للمستهزئين المتكبرين من قريش.
ونظير حال إبراهيم - عليه السلام - في إسناده ظهره إلى البيت المعمور، حال الرسول - ﷺ - في حجه البيت، واختتام عمره بذلك، نظير لقاء إبراهيم آخر السموات، ولا بأس بذلك، ولكن يحتاج إلى تنبيهات:
منها: إجراؤه لذكر التعبير، فإن ذَلِكَ يوهم أن قصة الإسراء كانت منامًا، وقد صححنا أنها يقظة.
والذي يرفع الإشكال أن الفأل في اليقظة نظير الأحلام. وقد كان - ﷺ - يحب الفأل الحسن (٤). وهذا القدر كافٍ لئلا نخرج إلى حد السآمة.

------------------
(١) رواه أبو الشيخ في «أخلاق النبي» ١/ ٢٦٠ (٨٠) من حديث عمر بن الخطاب، وفي سنده ضعف لجهالة حال بعض آل عمر.
(٢) في (ج): في قومه.
(٣) في (ج): على.
(٤) روى الحاكم بسنده إلى أبي بردة بن أبي موسى قال: أتيت عائشة فقلت: يا أماه، حدثيني بشيء سمعته من رسول الله - ﷺ - قالت: قال رسول الله - ﷺ - "الطير تجري =






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 01-05-2026 الساعة 03:44 PM.
رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,869.40 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,867.65 كيلو بايت... تم توفير 1.75 كيلو بايت...بمعدل (0.09%)]