التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 3 - عددالزوار : 485 )           »          صيام التطوع بعد النصف من شعبان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          صوم النبي – صلى الله عليه وسلم – في شعبان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          حساب الزكاة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          المرور بين يدي المصلي! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          الجمع بين: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» و«أنه يصل شعبان برمضان» (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          نصائح وضوابط إصلاحية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 76 - عددالزوار : 57003 )           »          موارد البؤس والتسخط! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 39 )           »          منهاج المسلم في مواجهة الابتلاءات والمحن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »          لن يضيعنا! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 18-01-2026, 10:44 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,903
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (3)
من صـــ 7 الى صـــ 25
الحلقة (50)



باب ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]
فَسَمَّاهُمُ الْمُؤْمِنِينَ.

٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِى أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ. قَالَ: ارْجِعْ، فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ». [٦٨٧٥، ٧٠٨٣ - مسلم: ٢٨٨٨ - فتح: ١/ ٨٤]
ثنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ، ثنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، ثنَا أَيُّوبُ وُيونُسُ، عَنِ الحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هذا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هذا الرَّجُلَ. قَالَ: ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هذا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ».
نَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْب نا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنِ المَعْرُورِ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا، فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ».
هكذا وقع في أكثر النسخ بعد الآية الثانية، حديث الأحنف عن أبي


بكرة، ثم حديث أبي ذر (١)، ووقع في كثير من نسخه قبل ذِكر الآية الثانيه حديث أبي ذر ثمَّ قَالَ: باب: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ﴾ [الحجرات: ٩] الآية ثمَّ ساق حديث أبي بكرة (٢)، والجميع حَسن.
ومقصوده بذلك أن مرتكب المعصية لا يكفر، ولا يخرج بذلك عن اسم الإيمان والإسلام، وهذا مذهب أهل السنة.
فإن قُلْتَ: إنما سمي في الآية مؤمنًا، وفي الحديث مسلمًا حال الالتقاء لا في حال القتال وبعده، قُلْتُ: الدلالة من الآية ظاهرة، فإن قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] سماهما أخوين بعد القِتال، وأمر بالإصلاح بينهما؛ ولأنهما عاصيان قبل القِتال، وهو من حين سعيا إليه وقصداه. والحديث محمول عَلَى معنى الآية.
وحديث عُبَادة بن الصَّامت صريح في الدلالة، وهو قوله - ﷺ -: «وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ، فَهُوَ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ» (٣). والأحاديث بنحو هذا كثيرة (صريحة) (٤) صحيحة معروفة مع آيات من القرآن العزيز.
ثمَّ الكلام عَلَى الحديت الأول -وهو حديث أبي بكرة- من وجوه:
أحدها:
أخرجه أيضًا البخاري في الفتن عن عبد الله بن عبد الوهاب، نا حمَّاد بن سلمة، عن رجل لم يسمه، عن الحسن قَالَ؟ خَرجتُ

------------------------
(١) وهي رواية أبي ذر عن مشايخه الثلاثة كما في هامش «اليونينية» ١/ ١٥، وعليه جرى شرح ابن حجر رحمه الله ١/ ٨٥. وقد سبق نصه برقم (٣٠).
(٢) وهي رواية الأصيلي كما نبه على ذلك ابن حجر في «الفتح»، وكما في متن «اليونينية».
(٣) سبق برقم (١٨).
(٤) من (ج).



بسلاحي ليالي الفتنة، فاستقبلني أبو بكرة فقال: أين تُريد؟ قُلْتُ: أريد نصرة ابن عم رسول الله - ﷺ -. يعني: عليًّا وهذا بيان للمبهم في الرواية السالفة، ثمَّ ساق الحديث. قَالَ حمَّاد بن زيد: فَذكرتُ هذا الحديث لأيوب، وُيونس بن عبيد، وأنا أريد أن يُحدثاني به، فقالا: إنَّما روى هذا الحسن عن الأحنف عن أبي بكرة.
قَالَ البخاري: ونا سليمان، نا حماد بن زيد، فساقهُ وفيه: فقلتُ، أو قِيل: يا رسول الله، هذا القاتل. والباقي مثلهُ (١)، وأخرجه مسلم من طُرق (٢).
ثانيها: في التعريف برجاله:
فأيوب سلف، وأمَّا أبو بكرة فهو: نفيع -بالنون- بن الحارث بن كَلَدة -بالكاف واللام المفتوحتين- بن عمرو بن علاج بن سلمة -وهو عبد العزى- بن غِيَرة -بكسر الغين المعجمة وفتح المثناة تحت- ابن عوف بن قَسِي -بفتح القاف وكسر السين المهملة- وهو: ثقيف بن منبه الثقفي، وقيل: نفيع بن مسروح مولى الحارث بن كلدة طبيب رسول الله - ﷺ -، وقيل: اسمه مسروح، وأمه: سمية أَمَةٌ للحارث بن كلدة، وهو أخو زياد لأمه، وهو ممن نزل يوم الطائف إلى رسول الله من حصن الطائف في بكرة، وكُنِّيَ أبا بكرة لذلك.
قَالَ الجوهري: بكرة البئر: ما يستقى عليها، وجمعها بَكَرٌ بالتحريك كحلْقة وحلق وهو من شواذ الجمع (٣).

----------------------
(١) سيأتي برقم (٧٠٨٣) كتاب: الفتن، باب: إذا التقى المسلمان بسيفيهما.
(٢) «صحيح مسلم» (٢٨٨٨) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما.
(٣) «الصحاح» ٢/ ٥٩٦، مادة: (بكر).



أعتقه رسول الله جييه، وهو معدود في مواليه، وكان أبو بكرة يقول: أنا من إخوانكم في الدين، وأنا مولى رسول الله - ﷺ -، وإنْ أَبَى النَّاس ألا ينسبوني فأنا نفيع بن مسروح (١).
وكان من فضلاء الصحابة وصالحيهم، ولم يزل مُجتهدًا في العبادة حتَّى توفي. قَالَ الحسن: لم يكن بالبصرة من الصَّحابة أفضل منه، ومن عمران بن حصين، رُوِي لَهُ مائة واثنان وثلاثون حديثًا، اتفقا عَلَى ثمانية، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بحديث.
روى عنه: ابناه عبد الرحمن ومسلم وغيرهما من كِبار التابعين، وكان ممن اعتزل يوم الجمل، ولم يُقاتل مع واحد من الفريقين، مات بالبصرة سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة اثنتين (٢).
وأمَّا الأحنف بن قيس فهو أبو بحر، واسمه الضحاك، وقيل: صخر بن قيمس بن معاوية بن حصين بن حفص بن عبادة بن النزال بن مُرة بن عُبيد بن مُقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وُلِد وهو أحنف، والأحنف: الأعوج، والحنف: الاعوجاج في الرِّجْل (٣)، وهو أن تقبل إحدى الإبهامين من إحدى الرجلين عَلَى الأخرى، وقيل: هو الذي يمشي عَلَى ظهر قدمه من شقها. أي:

-----------------------
(١) ذكره ابن عبد البر في «الاستيعاب» ٤/ ٦٣، والذهبي في «سير أعلام النبلاء» ٣/ ٦.
(٢) انظر ترجمته - رضي الله عنه -: «الطبقات الكبرى» لابن سعد ٧/ ١٥، و«التاريخ الكبير» ٨/ ١١٢ (٢٣٨٨)، و«الآحاد والمثاني» لابن أبي عاصم ٣/ ٢٠٧ (٤٦٢)، و«الجرح والتعديل» ٨/ ٤٨٩ (٢٢٣٩)، و«معجم الصحابة» لابن قانع ٣/ ١٤٢ (١١١٧)، «الثقات» لابن حبان ٣/ ٤١١، «الاستيعاب» ٤/ ٢٣، (٣٠٣)، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٥ (٦٤٦٥)، «أسد الغابة» ٥/ ٣٥٤ (٥٢٨٢)، «سير أعلام النبلاء» ٣/ ٥ - ١٠، «الإصابة» ٤/ ٢٣ (١٤٤).
(٣) «الصحاح» ٢/ ١٣٤٧، مادة (حنف).



الذي يلي خنصرها، وكانت أمه ترقصه، وتقول:
والله لولا حنف في رجله … ما كان في الحي غلام مثله
وعنه عن رجل من بني ليث أنه - ﷺ - قَالَ: «اللهُمَّ اغفر للأحنف» فما شيء أرجى عندي من ذَلِكَ (١).
أدرك زمان النبي جيَخييه، ولم يره، وسمع: عمو وعليًّا والعباس وغيرهم، وعنه: الحسن وغيره.
قَالَ الحسن: ما رأيت شريف قوم كان أفضل من الأحنف. وعنه أنه قَالَ: إنه ليمنعني من كثير من الكلام مخافة الجواب (٢). مات بالكوفة سنة سبع وستين في إمارة ابن الزُبير (٣).
وأمَّا الحسن فهو: أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار الأنصاري، مولاهم، البصري، وأمه خيرة مولاة أم سَلَمة أم المؤمنين، وُلد لسنتين بقيتا من خلافة عمر. قالوا: ربما خرجت أمه في شُغل فيبكي

-----------------------
(١) رواه أحمد ٥/ ٣٧٢، وابن سعد في «الطبقات» ٧/ ٩٣ - ٩٤، والبخاري في «التاريخ الكبير» ٢/ ٥٠، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» ١/ ٢٣٠ وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٢/ ٤٣٣ (١٢٢٥)، والطبراني ٨/ ٢٨ (٧٢٢٥) والحاكم ٣/ ٦١٤، وابن الأثير في «أسد الغابة» ١/ ٦٨ - ٦٩.
قال الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٢: رجال أحمد رجال الصحيح غير علي بن زيد وهو حسن. اهـ
قلت: بل ضعفه الجمهور.
(٢) رواه ابن سعد في: «الطبقات» ٧/ ٩٥.
(٣) انظر ترجمته في: «الطبقات» لابن سعد ٩٥/ ٧، «التاريخ الكبير» ٢/ ٥٠ (١٦٤٩)، «الآحاد والمثاني» ٢/ ٤٣٣ (٣٢٧)، «الثقات» لابن حبان ٤/ ٥٥، «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ١/ ٣٦٧ (٢٦٦)، «الاستيعاب» ١/ ١٢٦، «أسد الغابة» ١/ ٦٨ (٥١)، «تهذيب الكمال» ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٤، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٩٦، «الإصابة» ١/ ١٠٠ (٤٢٩).



فتعطيه أم سلمة ثديها فيدر عليه، فيرون أن الفصاحة (والبركة) (١) والحكمة من بركة ذَلِكَ.
نشأ بوادي القرى (٢)، ورأى طلحة بن عبيد الله وعائشة، ولم يَصح لَهُ سماع منهما، وقيل: لقي عليًّا ولم يصح، وحَضر الدار وله أربع عشرة سنة، فسمع ابن عمر وأنسًا وجندب بن عبد الله وغيرهم من الصحابة وخلقًا من التابعين. وعنه خلقٌ من التابعين فمن بعدهم.
روينا عن الفُضيل بن عياض قَالَ: سألت هِشام بن حسَّان كم أدرك الحسن من الصحابة؟ فقال: مائة وثلاثين. قُلْتُ: فابن سيرين قَالَ: ثلاثين (٣).
وسُئِل أبو زرعة عن الحسن، ألقي أحدًا من البدريين؟ قَالَ: رآهم رؤية، رأى عثمان وعليًّا، قيل له: سمع منهما؟ قَالَ: لا، كان الحسن يوم بويع عليٌّ ابن أربع عشرة سنة رأى عليًّا بالمدينةج، ثمَّ خرج عليٌّ إلى الكوفة والبصرة، ولم يلقه الحسن بعد ذَلِكَ (٤).
وروينا عنه قَالَ: غزونا خراسان ومعنا ثلاثمائة من الصحابة، وقال ابن سعد: كان جامعًا عالمًا رفيعًا فقيهًا ثقة مأمونًا عابدًا ناسكًا كثير العلم فصيحًا جميلًا وسيمًا، قدم مكة فأجلسوه عَلَى سرير، واجتمع النَّاس إليه فحدثهم، وكان فيمن أتاه مجاهد وعطاء وطاوس وعمرو بن شعيب،

-----------------------
(١) من (ج).
(٢) هو وادي بين المدينة والشام من أعمال المدينة كثير القرى، فتحها النبي - ﷺ - سنة سبع عنوة، ثم صولحوا على الجزية. انظر: «معجم البلدان» ٥/ ٣٤٥.
(٣) رواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٥٣/ ١٨٤.
(٤) انظر: «المراسيل» لابن أبي حاتم ص ٣١ (٥٤).



فقالوا (أو) (١) قَالَ بعضهم: ما رأينا مثل هذا قط (٢).
وسُئِل أنس بن مالك عن مسألة (فقال) (٣): سلوا مولانا الحسن؛ فإنه سمع وسمعنا فحفظ ونسينا (٤). وإمامته وجلالته مُجمع عليها. مات سنة عشر ومائة، ومات ابن سيرين بعده بمائة يوم (٥).
فائدة: روى البخاري هذا الحديث هنا عن الحسن عن الأحنف كما سلف، ورواه في: الفتن عن الحسن عن أبي بكرة، وأنكر يحيى بن معين والدارقطني سماع الحسن من أبي بكرة (٦). قَالَ الدارقطني: بينهما الأحنف (٧)، واحتج بما سلف.
وكذا رواه هشام (و) (٨) المعلى بن زياد عن الحسن (٩)، وذهب غيرهما إلى صحة سماعه منه كما ساقه في الفتن، واستدل بما أخرجه البخاري أيضًا: في الفتن في باب: قول النبي - ﷺ -: «إن ابني هذا سيد»

------------------
(١) في (ج): و.
(٢) «الطبقات الكبرى» ٧/ ١٥٧ - ١٥٨.
(٣) في (ف): فقالوا.
(٤) «الطبقات الكبرى» ٧/ ١٧٦.
(٥) انظر ترجمته في: «الطبقات» لابن سعد ٧/ ١٥٦، «التاريخ الكبير» ٢/ ٢٨٩ (٢٥٠٣)، «معرفة الثقات» للعجلي ١/ ٢٩٣ (٢٩١)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٤٠ (١٧٧)، «تهذيب الكمال» ٦/ ٩٥ - ٩٦ (١٢١٦)، «تهذيب الأسماء واللغات» ١/ ١٦١ (١٢٢)، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٥٦٣ (٢٢٣).
(٦) انظر: «إكمال تهذيب الكمال» ٤/ ٨٧.
(٧) «الإلزامات والتتبع» ص ٢٢٣.
(٨) في (ف): ابن، وفي (ج): عن، والمثبت هو الصواب كما في مصادر التخريج.
(٩) رواه النسائي ٧/ ١٢٥، عن هشام، ورواه أحمد ٥/ ٤٣، وابن أبي عاصم في «الآحاد» ص ٢٠٨، والطبراني في «الأوسط» ٨/ ٢٠٦، وابن حبان ١٣/ ٣١٩ وذكره البخاري تعليقًا بعد حديث (٧٠٨٣) عن هشام والمعلى بن زياد وغيرهما.



عن علي بن عبد الله، عن سفيان، عن إسرائيل. فذكر الحديث. وفيه: قَالَ الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة قَالَ: بينما النبي - ﷺ - يخطب (١).
قَالَ البخاري: قَالَ علي بن المديني: إنما صح عندنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث (٢).
وقال الباجي: هذا الحسن المذكور في هذا الحديث الذي قَالَ فيه: سمعت أبا هريرة. إنما هو الحسن بن علي، وليس بالحسن البصري (٣).
وأثنى علي بن المديني وأبو زرعة عَلَى مراسيل الحسن، وضعفها بعضهم.
وأمَّا يونس فهو: أبو عبد الله يُونس بن عُبيد بن دينار العبدي مولاهم البصري التابعي، رأى أنسًا، وسمع الحسن وابن سيرين وغيرهما من كبار التابعين، وعنه: الأئمة الأعلام، منهم: الثوري وشعبة وآخرون. وجلالتُهُ وفضله وثقته مُجمع (عليها) (٤).
قَالَ سعيد بن عامر: ما رأيت رجلًا قط أفضل منه، وأهل البصرة عَلَى ذا. مات سنة تسع وثلاثين ومائة.
قَالَ حمَّاد بن زيد: ووُلِد بعد الجارف (٥).
وأمَّا حمَّاد بن زيد فهو: الإمام أبو إسماعيل حمَّاد بن زيد بن درهم

----------------------
(١) سيأتي برقم (٧١٠٩) كتاب: الفتن، باب: قول النبي - ﷺ - للحسن بن علي.
(٢) «صحيح البخاري» بعد حديث (٢٧٠٤).
(٣) «التعديل والتجريح» ٢/ ٤٨٦.
(٤) في (ج): عليه، وما أثبتناه هو اللائق بالسياق.
(٥) انظر ترجمته في:
«الطبقات» لابن سعد ٧/ ٢٦٠، «التاريخ الكبير» ٨/ ٤٠٢ (٣٤٨٨)، «الجرح والتعديل» ٩/ ٢٤٢ (١٠٢٠)، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٥١٧.



الأزدي البصري مولئ جرير بن حازم. سمع ثابتًا البناني وغيره من التابعين، وعنه السفيانان وخلق.
قَالَ عبد الرحمن بن مهدي: أئمة الناس في زمانهم أربعة، الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحمَّاد بن زيد بالبصرة، وما رأيت أعلم من حمَّاد بن زيد، ولا سُفيان ولا مالك.
وقال عبيد الله بن الحسن: إنما هما الحمادان، فإذا طلبتم العلم فاطلبوه منهما (١).
وقال ابن معين: ليس أحد أثبت من حمَّاد بن زيد.
وقال يحيى بن يحيى: ما رأيت أحدًا من الشيوخ أحفظ من حماد بن زيد.
وقال أبو زرعة: حماد بن زيد أثبت من حمَّاد بن سلمة.
وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا حُجة كثير الحديث، وأنشد ابن المبارك فيه:
أيَّها الطالب علمًا … ائتِ حمَّاد بن زيد
فخذ العلم بحلم … ثُمَّ قيَّده بقيد
ودع البدعة من … آثار عمرو بن عُبيد
وإجماع الأئمة والحفاظ من أهل عصره فمن بعده مُنعقد عَلَى جلالته، وعظم علمه، وحفظه، وإتقانه، وإمامته. وُلد سنة ثمان وتسعين، ومات سنة تسع وسبعين ومائة، عن إحدى وثمانين. قَالَ الخطيب: حدث عن حمَّاد بن زيد: إبراهيم بن أبي عبلة، والهيثم بن سهل وبين وفاتيهما مائة وثماني سنين وأكثر. وحدَّث عنهُ الثوري:

------------------------
(١) رواه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ١/ ١٧٩، ٣/ ١٣٨.


وبين وفاته ووفاة الهيثم مائة سنة أو أكثر (١).
وأمَّا شيخ البخاري فهو أبو بكر، ويُقال: أبو محمد عبد الرحمن بن المبارك بن عبد الله البصري القيشي -بالمثناة والشين المعجمة- سَمع جمعًا، منهم: خالد الواسطي، وعنهُ جماعة من الأعلام والحفاظ منهم: البخاري وأبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم وقال: صدوق، وروى النسائي عن رجل عنه، ولم يرو له مسلم شيئًا.
مات سنة ثمان، وقيل: تسع وعشرين ومائتين، وقيل: سنة عشرين.
حكاه النووي في «شرحه»، ولم يذكره المزي، وإنما حكى الأولين فقط، (ووقع في شرح شيخنا الشيخ قطب الدين: مات سنة ثمان وعشرين، وقيل: تسع وعشرين فاعلم ذَلِكَ) (٢).
فائدة:
في هذا الإسناد لطيفتان: كل رجاله بصريون، وفيه ثلاثة تابعيون يروي بعضهم عن بعض، وَهُم: الأحنف والحسن وأيوب مع يونس.
الوجه الثالث:
الآية الأولى دالة (عَلَى مذهب) (٣) أهل الحق عَلَى أن من مات مُوحدًا لا يُخلد في النار، وإن ارتكب من الكبائر -غير الشرك- ما ارتكب، وقد جاءت به الأحاديث الصحيحة في قوله: «وإن زنى،

-----------------------
(١)»السابق واللاحق«ص ١٨٠ (٤٨).
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ج).
وانظر ترجمة عبد الرحمن بن المبارك في:»الطبقات«لابن سعد ٧/ ٢٨٦،»التاريخ الكبير«٣/ ٢٥ (١٠٠)،»الجرح والتعديل«٣/ ١٣٧ (٦١٧)،»تهذيب الكمال" ٧/ ٢٣٩.
(٣) في (ج): لمذهب.



وإن سَرق» (١). والمُراد بالآية: من مات عَلَى الذنوب من غير توبة؛ لأنه لو مات عليها فلا فرق فيه بين الشرك وغيره، وقد تظاهرت الأدلة، وإجماع السلف عليه.
وأما الآية الثانية فهي عمدة أصحابنا وغيرهم من العلماء في قتال أهل البغي. وسيأتي بسط الكلام في ذَلِكَ في بابه، حيث ذكره البخاري، إن شاء الله تعالى.
الرابع:
الطائفة: القطعة من الشيء. قاله أهل اللغة (٢). والمراد بالطائفتين في الآية: الفرقتان من المسلمين. وقد تطلق الطائفة عَلَى الواحد، هذا قول الجمهور من أهل اللغة وغيرهم.
وقال الزجاج: الذي عندي أن أقل الطائفة اثنان. وقد حمل الشافعي وغيره من العلماء الطائفة في مواضع من القرآن عَلَى أوجه مختلفة بحسب المواطن، فهي في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢]، واحد فأكثر، واحتج به في قبول خبر الواحد، وفي قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ﴾ [النور: ٢] أربعة. وفي قوله تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] ثلاثة.
وفرقوا في هذِه المواضع بحسب القرائن، أما في الأولى فلأن
الإنذار يحصل به، وفي الثانية؛ لأنها البينة فيه، وفي الثالثة؛ لذكرهم
بلفظ الجمع في قوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] .. إلى

-----------------------
(١) سيأتي برقم (١٢٣٧) كتاب الجنائز، باب في الجنائز ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله. ورواه مسلم (٩٤) كتاب: الإيمان، باب: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة.
(٢) «المجمل» ١/ ٥٩٠، «تهذيب اللغة» ٣/ ٢١٥٥.



آخره، وأقله ثلاثة عَلَى المذهب المختار، وقول جمهور أهل اللغة والفقه والأصول. فإن قُلْتَ: فقد قَالَ تعالى في آية الإنذار: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] وهذِه ضمائر جموع.
فالجواب: أن الجمع عائد إلى الطوائف التي تجتمع من الفرق.
الخامس:
الرجل المبهم في هذِه الرواية هو علي بن أبي طالب كما أسلفناه في الرواية الأخرى.
السادس:
قوله: («إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ») وفي الرواية الأخرى: «إِذَا تواجه المسلمان» (١). ومعنى تواجه: ضرب كل منهما صاحبه أي: ذاته وجملته.
السابع:
معنى قوله - ﷺ -: («فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ») أنهما يستحقانها، وأمرهما إلى الله تعالى، كما هو مصرح به في حديث عبادة، «فإن شاء عفي عنهما، وإن شاء عاقبهما» (٢) ثمَّ أخرجهما من النار فأدخلهما الجنة، كما ثبت في حديث أبي سعيد وغيره في العصاة الذين يخرجون من النار فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل (٣). ونظير هذا الحديث في المعنئ قوله تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] معناه: هذا

----------------------
(١) سيأتي برقم (٧٠٨٣) كتاب: الفتن، باب: إذا التقى المسلمان بسيفيهما، ورواه مسلم (٢٨٨٨) كتاب: الفتن، باب: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما.
(٢) سبق برقم (١٨) باب: (١١).
(٣) سبق برقم (٢٢) باب: تفاضل أهل الإيمان في الأعمال.



جزاؤه، وليس بلازم أن يُجازى، ثمَّ هذا الحديث محمول عَلَى غير المتأول، كمن قاتل لعصبية وغيرها.
الثامن:
اختلف العلماء في القتال في الفتنة، فمنع بعضهم القتال فيها وإن دخلوا عليه، عملًا بظاهر هذا الحديث، وبحديث أبي بكرة في «صحيح مسلم» الطويل: «إنها ستكون فتن» (١) الحديث. وقال هؤلاء: لا يقاتل وإن دخلوا عليه وطلبوا قتله، ولا تجوز لَهُ المدافعة عن نفسه؛ لأن الطالب متأول، وهذا مذهب أبي بكرة وغيره.
وفي «طبقات ابن سعد» مثله عن أبي سعيد الخدري، وقال عمران بن حصين وابن عمر وغيرهما: لا يدخل فيها فإن قصدوا (دافع) (٢) عن نفسه. وقَالَ معظم الصحابة والتابعين وغيرهما: يجب نصر الحق وقِتال الباغين؛ لقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] وهذا هو الصحيح.
وتتأول أحاديث المنع عَلَى من لم يظهر لَهُ الحق، أو عَلَى عدم التأويل لواحد منهما، ولو كان كما قَالَ الأولون لظهر الفساد واستطالوا (٣).
والحق الذي عليه أهل السنة الإمساك عن ما شجر بين الصحابة، وحسن الظن بهم والتأويل لهم، وأنهم مجتهدون متأولون، لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا، فمنهم المخطئ في اجتهاده والمصيب. وقد رفع الله الحرج عن المجتهد المخطئ في الفروع، وضعَّف أجر

----------------------
(١) مسلم (٢٨٨٧) كتاب الفتن، باب نزول الفتن كمواقع القطر.
(٢) في (ج): دفع.
(٣) انظر: «مسلم بشرح النووي» ١٨/ ١٠.



المصيب. وتوقف الطبري وغيره في تعيين المحق منهم، وصرح (به الجمهور) (١) إذ كان أفضل من كان عَلَى وجه الدنيا حينئذ.
وتأول غيره بوجوب القيام بتغيير المنكر في طلب قتلة عثمان الذين في عسكره، وأنهم لا يعتقدون إمامة، ولا (يعطون) (٢) بيعة حتَّى نقضوا ذَلِكَ، ولم ير هو دفعهم إذ الحكم فيهم للإمام، وكانت الأمور لم تستقر، وفيهم عدد ولهم منعة وشوكة، ولو أظهر تسليمهم أولًا أو القصاص منهم لاضطرب الأمر، ومنهم جماعة لم يدخلوا في شيء، واحتجوا بالنهي عن التلبس بالفتن، وعذروا الطائفتين بتأويلهم، ولم يروا إحداهما باغية فيقاتلوها (٣).
التاسع:
قوله - ﷺ -: («إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ») وفي رواية أخرى: «إنه قَدْ أراد قتل صاحبه» (٤) فيه حجة للقول الصحيح الذي عليه. الجمهور: أن العزم عَلَى الذنب، والعقد عَلَى عمله معصية يأثم به وإن لم يعمله ولا تكلم به، بخلاف الهم المعفو عنه، وللمخالف أن يقول: هذا فعل أكثر من العزم، وهو المواجهة والقتال (٥).

--------------------
(١) في (ج): الجمهور به.
(٢) في الأصل: يطيعون، والصواب ما أثبتناه كما في «المفهم» ٧/ ٢١٣.
(٣) انظر: «إكمال المعلم» ٨/ ٤٢١ - ٤٢٢، «المفهم» ٧/ ٢١٢ - ٢١٣، «مسلم بشرح النووي» ١٨/ ١١.
(٤) سيأتي برقم (٦٨٧٥) كتاب الديات، باب: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾.
(٥) انظر: «إكمال المعلم» ٨/ ٤٢١.



الحديث الثاني: حديث أبي ذر.
والكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا عن سليمان عن شعبة، وأخرجه في: العتق: عن آدم عن شعبة أتم من هذا (١)، وفي الأدب: عن عمرو بن حفص بن غياث عن أبيه (٢)، وأخرجه مسلم في: الإيمان والنذور، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، وعن أحمد بن يونس، عن زهير، وعن (أبي كريب) (٣)، عن أبي معاوية، وعن (إسحاق بن إبراهيم) (٤)، عن عيسى بن يونس، كلهم، عن الأعمش، وعن أبي موسى (٥) وبندار، عن غندر، عن شعبة، عن واصل كلاهما، عن المعرور (٦).
الوجه الثاني: في التعريف برواته:
وقد سلف ترجمة شعبة وسليمان.
وأما أبو ذر فهو جُنْدب -بضم الجيم والدال، وحُكي فتح الدال، وعن بعضهم فيه كسر أوله وفتح ثالثه، وكأنه قاله لغة من واحد الجنادب، الذي هو طائر -وقيل: اسمه بُرَير- بضم الموحدة وراء مكررة -بن جندب. والمشهور الأول. (جُندُب) (٧) بن جُنادة- بضم

-----------------------
(١) سيأتي برقم (٢٥٤٥) كتاب: العتق، باب: قول النبي - ﷺ -: «العبيد إخوانكم ..».
(٢) سيأتي برقم (٦٠٥٠) كتاب: الأدب، باب: ما ينهى من السباب واللعن.
(٣) في الأصول: أبي بكر، والمثبت هو الصواب كما في مسلم.
(٤) في الأصول: إسحاق بن يونس، والمثبت من «صحيح مسلم».
(٥) هو محمد بن المثنى.
(٦) مسلم (١٦٦١) كتاب: الأيمان والنذور، باب: إطعام المملوك.
(٧) من (ف).



الجيم- بن سفيان بن عبيد بن الوقيعة بن حرام بن غفار بن مُلَيل -بضم الميم وفتح اللام- بن ضصرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة الغفاري، السيد الجليل.
أسلم قديمًا، جاء عنه أنه قَالَ: أنا رابع أربعة في الإسلام (١).
ويقال: كان خامس خمسة. أسلم بمكة ثمَّ رجع إلى بلاد قومه فأقام بها حتَّى مضت (بدر) (٢) وأحد والخندق، ثمَّ رجع إلى المدينة.
وحديث إسلامه وإقامته عند زمزم مشهورة في «الصحيح» (٣)، ومناقبه جمة، وزهده مشهور، وتواضعه وزهده مشبه في الحديث بتواضع عيسى عصيه وزهده (٤).

------------------------
(١) رواه ابن حبان ١٦/ ٨٣ (٧١٣٤)، الطبراني في «الكبير» ٢/ ١٤٧ (١٦١٧، ١٦١٨)، الحاكم ٣/ ٣٤١ - ٣٤٢، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يُخَرجاه.
قال الهيثمي في «المجمع» ٩/ ٣٢٧: رواه الطبراني بإسنادين، وأحدهما متصل الإسناد ورجاله ثقات.
(٢) زيادة من (ج).
(٣) سيأتي برقم (٣٥٢٢) كتاب المناقب، باب قصة إسلام أبي ذر.
(٤) رواه الترمذي (٣٨٠٢)، والبزار في «البحر الزخار» ٩/ ٤٥٨ (٤٠٧٢)، والطبراني في «الأوسط» ٥/ ٢٢٣ (٥١٤٨)، وابن عدي في «الكامل» ٦/ ٤٨٥ (١٤١٢)، والحاكم ٣/ ٣٤٢، وابن حبان ١٦/ ٨٤، من طريق النضر بن محمد، عن عكرمة ابن عمار، عن أبي زميل -سماك بن الوليد- عن مالك بن مرثد، عن أبيه، عن أبي ذرّ قال: قال لي رسول الله - ﷺ -، وفيه: «.. أصدق من أبي ذر، شبيه عيسى ابن مريم».
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. اهـ.
وقال البزار: وهذِه الأحاديث التي رواها النضر بن محمد، عن عكرمة لا نعلم أحدًا شاركه فيها عن عكرمة. اهـ.
وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عكرمة بن عمار إلا النضر بن محمد الجرشي. اهـ. =



روي لَهُ مائتا حديث وأحد وثمانون حديثًا، اتفقا منها عَلَى اثني عشر، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بسبعة عشر. روى عنه: ابن عباس وأنس، وعنه خلق من التابعين، مات بالربذة سنة اثنين وثلاثين، وصلى عليه ابن مسعود، وقصته فيها مشهورة.
وقد أوضحت ترجمته في كتابنا المسمى بـ «العدة في معرفة رجال العمدة» فراجعها منه.
ومن مذهبه أنه يُحرم عَلَى الإنسان مازاد عَلَى حاجته من المال، وكان قوالًا بالحق. وسُئل عليٌّ عنه فقال: ذاك رجل وعي علمًا عجز عنه الناس، وأوكأ علمه، ولم يخرج شيئًا منه (١).
وعن أبي ذر قَالَ: تركنا رسول الله، وما يقلب طائرٌ جناحيه في

----------------------
= وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. اهـ.
والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف الترمذي».
ورواه ابن سعد في «الطبقات» ٤/ ٢٢٨، وابن أبي شيبة في «مصنفه» ٦/ ٣٩٠ (٣٢٢٥٧) من طريق أبي أمية بن يعلى، عن أبي الزناد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ، ومن سره أن ينظر إلى تواضع عيسى ابن مريم فلينظر إلى أبي ذر».
قال الذهبي في «السير» ٢/ ٥٩: أبو أمية بن يعلى واهٍ. اهـ.
ورواه الطبراني في «الكبير» ٢/ ١٤٩ (١٦٢٦) من طريق إبراهيم الهجري رفعه إلى عبد الله بن مسعود، عن النبي - ﷺ -، بلفظ: «من سره أن ينظر إلى شبيه عيسى ابن مريم خَلْقًا وخُلُقًا فلينظر إلى أبي ذرّ».
قال الهيثمي في «المجمع» ٩/ ٣٣٠: رواه الطبراني. وفيه: إبراهيم الهجري، وهو ضعيف، وإبراهيم مع ضعفه لم يدرك ابن مسعود. اهـ.
والحديث في الجملة صحيح بشواهده عند الألباني كما في «الصحيحة» (٢٣٤٣).
(١) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٢/ ٣٥٤، ٤/ ٢٣٢، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» ٢/ ٥٣٩ - ٥٤٠، والطبراني في «الكبير» ٦/ ٢١٣ (٦٠٤١).



السماء، إلا ذكرنا منه علما (١). وعن أبي مرثد قَالَ: جلست إلى أبي ذر إذ وقف عليه رجل فقال: ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا فقال أبو ذر: والله لو وضعتم عَلَى هذِه -وأشار إلى حلقه- أن أترك كلمة سمعتها من رسول الله لأنفذتها قبل أن يكون ذَلِكَ (٢).
كان طوالًا آدم، أبيض الرأس واللحية. روي عنه أنه قَالَ: ما زال بي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتَّى ما ترك لي الحق صديقًا (٣).

---------------------
(١) رواه أبو داود الطيالسي ١/ ٣٨٥ (٤٨١)، وأحمد ٥/ ١٥٣، ١٦٢ من طريق الأعمش، عن منذر الثوري، عن أصحاب له عن أبي ذرّ.
ورواه ابن سعد في «الطبقات» ٢/ ٣٥٤، وأحمد ٥/ ١٦٢ من طريق فطر بن خليفة، عن منذر الثوري، عن أبي ذرّ.
قال البزار في «البحر الزخار»، (٣٨٩٧) ومنذر الثوري لم يدرك أبا ذرّ. اهـ.
ورواه البزار في «البحر الزخار» (٣٨٩٧)، والطبراني في «الكبير» ٢/ ١٥٥ - ١٥٦ (١٦٤٧)، وابن حبان ١/ ٢٦٧ (٦٥) من طريق محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، عن ابن عيينة، عن فطر بن خليفة، عن أبي الطفيل، عن أبي ذرّ.
قال الهيثمي في «المجمع» ٨/ ٢٦٣: رواه أحمد والطبراني، ورجال الطبراني رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، وهو ثقة، وفي إسناد أحمد من لم يسم. اهـ.
والحديث صحح إسناده الألباني في «الصحيحة» (١٨٠٣).
ورواه أبو يعلى في «مسنده» (٥١٠٩) من طريق فطر بن خليفة، عن عطاء قال: قال أبو الدرداء، ثم ساقه.
وعزاه الحافظ في «المطالب العالية» (٣٨٤٦) لابن منيع، وقال: رواته ثقات إلا أنه منقطع واختلف على فطر. اهـ.
(٢) سيأتي هذا التعليق في كتاب العلم، باب: العلم قبل القول والعمل.
(٣) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٤/ ٢٣٦. وانظر ترجمته في: «الاستيعاب» ١/ ٣٢١ - ٣٢٤، «أسد الغابة»، ١/ ٣٥٧ (٨٠٠)، «الإصابة» ٤/ ٦٢ (٣٨٤).



وأما المعرور فهو:-بعين مهملة وراء مكررة- أبو أمية المعرور بن سويد الأسدي الكوفي التابعي. سمع عمر بن الخطاب وغيره، وعنه: واصل والأعمش، وقال: رأيته وهو ابن عشرين ومائة سنة، وهو أسود الرأس واللحية. قَالَ يحيى بن معين وأبو حاتم: ثقة (١).
وأما واصل فهو: ابن حيان -بالمثناة تحت- الأسدي الكوفي الأحدب. سمع جماعة من التابعين، وعنه جمع من الأعلام منهم: الثوري. قَالَ يحيى بن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث. مات سنة عشرين ومائة (٢).
الوجه الثالث: في ألفاظه ومعانيه:
الأول: الجاهلية: ما قبل الإسلام. سموا بذلك (لشدة جهالاتهم) (٣).
الثاني: الربذة -بفتح الراء ثمَّ موحدة ثمَّ ذال معجمة- عَلَى ثلاث مراحل من المدينة قريبة من ذات عرق (٤).
الثالث: الحلة: ثوبان لا يكون ثوبًا واحدًا، قاله أهل اللغة،
ويكونان غير لفيفين، رداء وإزار سميا بذلك؛ لأن كل واحد منهما يحل عَلَى الآخر.
وفي أبي داود قَالَ: رأيت أبا ذر بالربذة، وعليه برد غليظ، وعلى

----------------------
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات» لابن سعد ٧/ ١٥، «معرفة الثقات» للعجلي ٢/ ٢٨٧ (١٧٥٧)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٤١٥ (١٨٩٥)، «الثقات» لابن حبان ٥/ ٤٥٧، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٢٦٢، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ١٧٤.
(٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٨/ ١٧١ (٢٥٩٠)، «معرفة الثقات» للعجلي ٢/ ٣٣٨ (١٩٢٧)، «الجرح والتعديل» ٩/ ٢٩ - ٣٠ (١٣٣)، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٤٠٠ - ٤٠١، «الكاشف» ٢/ ٣٤٦ (٦٠٢٧).
(٣) في (ج): لكثرة جهالتهم.
(٤) انظر: «معجم البلدان» ٣/ ٢٤.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 9 ( الأعضاء 0 والزوار 9)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,917.05 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,915.33 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.09%)]