|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (2) من صـــ 291 الى صـــ 310 الحلقة (31) أحدها: نصبه عَلَى أنه خبر (كان) المقدرة، تقديره: ليتني أكون جذعًا، قاله الخطابي (١) والمازري وابن الجوزي في «مشكله»، وهي تجيء عَلَى مذهب الكوفيين كما قالوا في قوله تعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]، أي: يكن الانتهاء خيرًا لكم، ومذهب البصريين أن ﴿خَيْرًا﴾ في الآية منصوب بفعل مضمر يدل عليه ﴿انْتَهَوْا﴾ تقديره: انتهوا وافعلوا خيرًا لكم. وقال الفراء: انتهوا انتهاءً خيرًا لكم. وضعف هذا الوجه بأنَّ كان الناصبة لا تضمر إلا إِذَا كان في الكلام لفظ ظاهر يقتضيها كقولهم: إن خيرًا فخير. ثانيها: أنه منصوب عَلَى الحال وخبر ليت قوله: فيها، والتقدير: ليتني كائن فيها. أي: مدة الحياة في هذا الحال شبيبة وصحة وقوة لنصرتك، إذ (قَدْ كان) (٢) أسن وعمي عند هذا القول، ورجح هذا القاضي عياض، وقال: إنه الظاهر (٣)، وقال النووي: إنه الصحيح الذي اختاره المحققون (٤). ثالثها: أن تكون ليت عملت عمل تمنيت فنصبت اسمين كما قَالَ الكوفيون وأنشدوا: يا لَيْتَ أَيامَ الصِّبا رَواجِعَا السادس بعد الخمسين: قوله: (إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ). استعمل فيه إذ في المستقبل كإذا وهو استعمال صحيح كما نبه عليه ابن مالك، وقال: غفل عنه أكثر النحويين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [مريم: ٣٩]، وقوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ﴾ [غافر: ١٨] --------------------- (١) «أعلام الحديث» ١/ ١٣٠ - ١٣١. (٢) في (ج): كان قد. (٣) «إكمال المعلم» ١/ ٤٨٩. (٤) «مسلم بشرح النووي» ٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤. وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١)﴾ [غافر: ٧٠ - ٧١] قَالَ: وقد استعمل كل منهما في موضع يعني: إذ وإذا، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٥٦]، ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ [الجمعة: ١١]، و﴿إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ (١) [التوبة: ٩٢]. السابع بعد الخمسين: قوله - ﷺ -: («أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟») هو بفتح الواو وتشديد الياء آخره وهو جمع مخرج، ويجوز تخفيف الياء عَلَى وجه، والصحيح التشديد، وبه جاءت الرواية، ويجوز في الياء المشددة الفتح والكسر وهو نحو قوله تعالى: ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وقرئ بهما في السبعة (٢) فالياء الأولى ياء الجمع، والثانية ضمير المتكلم وفتحت للتخفيف لئلا تجتمع الكسرة وياءان بعد كسرتين، وقال ابن مالك: الأصل فيه: أومخرجوني هم (٣)، سقطت نون الجمع بالإضافة، واجتمعت ياء وواو وسبقت إحداهما بالسكون، فأبدلت الواو ياء وأدغمت، ثمَّ أبدلت الضمة التي كانت قبل الواو كسرة تكميلًا للتخفيف، وفتحت الياء في «مُخْرِجِيَّ» للتخفيف (٤). لئلا تجتمع الأمثال الكثيرة وياءان بعد كسرتين، وقال السهيلي: لابد من تشديد الياء في: «مُخْرِجِيَّ» لأنه جمع (٥). --------------------- (١) «شواهد التوضيح» لابن مالك ص ٩ - ١٠. (٢) بكسر الياء الثانية قرأ حمزة وبفتحها قرأ الباقون، وروى إسحاق الأزرق عن حمزة: (بمصرخيَّ) بفتح الياء الثانية. انظر «الحجة للقراء السبعة» ٥/ ٢٨. (٣) الذي في «شواهد التوضيح» ص ١٣: أومخرجوي هم؟ ولم يذكر شيئًا عن سقوط نون الجمع، والله أعلم. (٤) «شواهد التوضيح» ص ١٣. (٥) «الروض الأنف»١/ ٢٧٤. ثمَّ ها هنا أمران: أحدهما: وهو الثامن بعد الخمسين: الأصل تقديم حرف العطف عَلَى الهمزة كغيرها من أدوات الاستفهام، كما نبه عليه ابن مالك نحو: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠١]، ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ)﴾ [النساء: ٨٨]، ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ [الأنعام: ٨١]، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥]، فالأصل أن يجاء بالهمزة بعد العاطف كهذا المثل، وهي معطوفة عَلَى ما قبلها من الجمل ومثله: فأتطمعون لأن همزة الاستفهام جزء من جملة الاستفهام فيقال: (وأمخرجي) (١) والعاطف لا يتقدم عليه جزء مما عطف، لكن خصت الهمزة بتقدمها عَلَى حرف العطف؛ تنبيهًا عَلَى أنها أصل أدوات الاستفهام؛ لأن الاستفهام لَهُ صدر الكلام، فقال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]، ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٠٠]، ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾ [يونس: ٥١]. وقال الزمخشري (٢): بين الهمزة وحرف العطف جملة محذوفة ومعطوف عليها بالعاطف ما بعده تقديره: أكفروا بالآيات البينات، وكلما عاهدوا؟ وكذلك يقدر بقية المثل ما يحسن فيها، وفيه من التكلف ومخالفة الأصول ما لا يخفى كما نبه عليه ابن مالك (٣). --------------------------- (١) في الأصل: وأومخرجي، والمثبت هو المناسب للسياق. (٢) هو العلامة، كبير المعتزلة، أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الزمخشري الخوارزمي النحوي، صاحب «الكشاف» و«المفصل» كان رأسًا في البلاغة والعربية والمعاني والبيان، وله نظم جيد، وكان داعية إلى الاعتزال -الله يسامحه- توفي سنة ثمان وثلاثين وخمس مائة. انظر ترجمته في: «المنتظم» ١٠/ ١١٢، «وفيات الأعيان» ٥/ ١٦٨، «سير أعلام النبلاء» ٢٠/ ١٥١ (٩١)، «شذرات الذهب» ٤/ ١١٨. (٣) «شواهد التوضيح» ص ١٠ - ١٢. الثاني: وهو التاسع بعد الخمسين: («مُخْرِجِيَّ») خبر مقدم و«هم» مبتدأ ولا يجوز العكس كما نبه عليه ابن مالك؛ لأن «مُخْرِجِيَّ» نكرة فإن إضافته غير محضة، وهو اسم فاعل بمعنى الاستقبال فيؤدي إلى الإخبار بالمعرفة عن النكرة من غير مصحح (١). ويجوز أن يكون «هم» فاعلًا سد مسد الخبر، و«مُخْرِجِيّ» مبتدأ عَلَى لغة: أكلوني البراغيث. ولو روي «مُخْرِجِيَّ» بسكون الياء أو فتحها مخففة عَلَى أنه مفرد. وقد سلف جوازه؛ لصحَّ جعله مبتدَأ ومَا بعدهَ فاعلًا سد مسد الخبر كما تقول: أومخرجي بنو فلان؟ لاعتماده عَلَى حرف الاستفهام كقوله - ﷺ -: «أحيٌّ والداك؟» (٢) والمنفصل من الضمائر يجري مجرى الظاهر، ومنه قول الشاعر: أمنجز أنتم وعدًا وثِقْتُ به … أم اقْتَفَيْتُم جميعًا نهج عُرْقُوب (٣) وجزم السهيلي بأنه خبر مبتدأ مقدم، قَالَ: ولو كان المبتدأ اسمًا ظاهرًا لجاز تخفيف الياء ويكون الاسم الظاهر فاعلًا لا مبتدأ (٤). الستون: إنما قَالً: «أو مُخْرِجِيَّ هم؟»)؛ لأنها حرم الله، وجوار بيته وبلدة أبيه إسماعيل، فلذلك تحركت نفسه، فأتى بهمزة الاستفهام على وجه الإنكار والتفجع لذلك والتألم، وقد ذكر ابن إسحاق في «السيرة» عن ورقة أنه قَالَ بعد قوله: ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء ------------------------- (١) «شواهد التوضيح» ص ١٣. (٢) سيأتي برقم (٣٠٠٤) كتاب: الجهاد والسير، باب: الجهاد بإذن الأبوين، ورواه مسلم (٢٥٤٩) كتاب: البر والصلة، باب: بر الوالدين. من حديث عبد الله بن عمرو. (٣) «شواهد التوضيح» ص ١٣ - ١٤. (٤) «الروض الأنف» ١/ ٢٧٤. موسى: وليكذبنه وليؤذينه وليخرجنه (١). لما قال: ليكذبنه وليؤذينه، ولم يقل شيئًا فلما قَالَ (الثالثة) (٢) قَالَ ذَلِكَ، فاستبعد - ﷺ - إخراجه من غير سبب فإنه لم يكن منه فيما مضى ولا فيما يأتي سبب يقتضي ذَلِكَ، بل كان منه أنواع المحاسن والكرامات المقتضية لإكرامه وإنزاله ما هو لائق بمحله -أنفسنا لَهُ الفداء- لكن العادة أن كلما أتي للنفوس بغير ما تحب وتألف وإن كان ممن تحب وتعتقد تعافه وتطرده، وقد قَالَ تعالى حكاية عنهم: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]. الحادي بعد الستين: قوله: (نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ) يعني: أن أهل الحق لا يخلو من أهل باطل يعادونه، وذكره في التفسير بلفظ: أوذي (٣)، من الأذى، وقوله: (وإن يدركني يومك) أي: وقت (إخراجك) (٤) أو وقت انتشار نبوتك (أنصرك نصرًا مؤزرًا) هو بضم الميم ثمَّ بهمزة مفتوحة ثمَّ زاي مفتوحة، أي: قويًّا بالغًا من الأزر وهو: القوة والعون، ومنه قوله تعالى: ﴿فَآزَرَهُ﴾ [الفتح: ٢٩]، أي: قوَّاه، وفي «المحكم»: آزره ووازره: أعانه عَلَى الأمر، الأخير عَلَى البدل وهو شاذ (٥). وقال ابن قتيبة: مما يقوله العوام بالواو وهو بالهمز آزرته عَلَى الأمر، أي: أعنته فأما وازرته فبمعنى: صرت له وزيرًا (٦). ------------------------ (١) «سيرة ابن إسحاق» ص ١٠٠ - ١٠٣ (١٤٠). (٢) في (ج): الثانية. (٣) سيأتي برقم (٤٩٥٣). كتاب: التفسير، سورة العلق، باب: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾. (٤) في (ج): إخراجه. (٥) «المحكم» ٩/ ٦٥. (٦) «أدب الكاتب» ص (٢٨٤). الثاني بعد الستين: وقع في «السيرة»: إن أدرك ذَلِكَ اليوم أنصرك نصرًا مؤزرًا (١)، وما في البخاري هو القياس؛ لأن ورقة سابق بالوجود، والسابق هو الذي يدركه من يأتي بعده كما جاء «أشقى الناس من أدركته الساعة وهو حي» (٢) نبه عَلَى ذَلِكَ السهيلي قَالَ: ولرواية ابن إسحاق وجه؛ لأن المعنى: إن أر ذَلِكَ اليوم فسمى رؤيته إدراكًا، وفي التنزيل: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] أي: لا تراه عَلَى أحد القولين (٣). الثالث بعد الستين: قولها: (ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الوَحْيُ) أما ينشب فبياء مفتوحة ثمَّ نون ساكنة ثمَّ شين معجمة مفتوحة ثمَّ موحدة، ومعناه: لم يلبث، كأن المعنى فجئه الموت قبل أن ينشب في فعل شيء، وهذِه اللفظة عند العرب عبارة عن السرعة والعجلة. وفتر معناه: احتبس بعد متابعته وتواليه في النزول، قَالَ ابن سيده: فتر الشيء يفتُر ويفتِر فتورًا وفتارًا: سكن بعد حدة ولان بعد شدة و(فتر) (٤) هو، والفتر الضعف (٥)، ولعل الحكمة في إبطائه ذهاب ما حصل لَهُ من الروع والتشوف إلى عوده كما سيأتي، ففي «السيرة» أن ورقة كان يمر ببلال وهو يعذب لما أسلم وقال: لئن ---------------------- (١) «سيرة ابن اسحاق» ص ١٠٠ - ١٠٣ (١٤٠) بلفظ: لأنصرك نصرًا يعلمه الله. (٢) رواه القضاعي في «مسند الشهاب» ١/ ٢٠٧ (٢١٣) من حديث عبد الله بن جراد مرفوعًا، بلفظ: «الشقي كل الشقي من أدركته الساعة حيًّا لم يمت». قال الألباني في «الضعيفة» (٣٧٦٠): حديث موضوع. (٣) «الروض الأنف» ١/ ٢٧٣ - ٢٧٤. (٤) كذا بالأصل، وفي «المحكم». (٥) «المحكم» ج ١٠/ ١٧٠. قتلتموه لأتّخِذَنّه حنانا (١)، وفي هذا مخالفة (لقولها) (٢): (فلم ينشب ورقة أن توفي)، فتأمله. الرابع بعد الستين: لم يذكر هنا مقدار الفترة، وقد جاء في حديث مسند كما أفاده السهيلي أنها كانت سنتين ونصفًا، وبهذا يجمع بين قول أنس أنه أقام بمكة عشرًا (٣) وقول ابن عباس أنه أقام ثلاث عشرة سنة (٤)، وكان قَدْ ابتدئ بالرؤيا الصالحة ستة أشهر فمن عد مدة الفترة وأضاف إليها الأشهر الستة كان كما قَالَ ابن عباس، ومن عدها من حين حمي الوحي وتتابع كما في حديث جابر (٥) كانت عشر سنين، ووجه ثان: وهو أن الشعبي قَالَ: وُكِّلَ إسرافيل بنبوة محمد - ﷺ - ثلاث سنين ثمَّ جاءه جبريل بالقرآن، وقد أسلفنا ذَلِكَ ورواه أبو عمر في «استيعابه» (٦) وإذا صح فهو أيضًا وجه (من) (٧) الجمع بينهما (٨). الخامس بعد الستين: زاد البخاري في هذا الحديث عند ذكره لَهُ في --------------------- (١) «سيرة ابن إسحاق» ص ١٧ (٢٣٤). (٢) في (ج): لقولنا. (٣) سيأتي برقم (٣٥٤٧) كتاب: المناقب، باب: صفة النبي - ﷺ -، ورواه مسلم (٢٣٤٧) كتاب: الفضائل، باب: صفة النبي - ﷺ -، ومبعثه، وسِنِّهِ. (٤) سيأتي برقم (٣٨٥١) كتاب: مناقب الأنصار، باب: مبعث النبي - ﷺ -، ورواه مسلم (٢٣٥١) كتاب: الفضائل، باب: كم أقام النبي - ﷺ - بمكة والمدينة. (٥) الحديث الأتي (٤) كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، ورواه مسلم (١٦١) كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -. (٦) «الاستيعاب» ١/ ١٤٠. ورواه أيضًا: الطبري في «تاريخه» ١/ ٥٧٣ - ٥٧٤، وقال القرطبي في «تفسيره» ١٠/ ١٧٧: إسناده صحيح. (٧) في (ج): مع. (٨) «الروض الأنف» ١/ ٢٨١. التعبير عن معمر قَالَ: وفتر الوحي فترة حتَّى حزن النبي - ﷺ - فيما بلغنا [حزنا] (١) غدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه يتراءى لَهُ جبريل -عليه السلام- فقال: يا محمد إنك رسول الله حقًّا، فيسكن لذلك جأشه وتقر عينه حتَّى يرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذَلِكَ فإذا أوفى بذروة جبل يتراءى لَهُ جبريل فقال لَهُ مثل ذَلِكَ (٢). وهذا من بلاغات معمر، ولم يسنده ولا ذكر راويه ولا أنه - ﷺ - قاله، ولا يعرف هذا إلا من النبي - ﷺ - مع أنه قَدْ يحمل عَلَى أنه كان في أول الأمر قبل رؤية جبريل كما جاء مبينًا عن ابن إسحاق عن بعضهم (٣)، أو أنه فعل ذَلِكَ لما أحرجه تكذيب قومه كما قَالَ تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦]، أو خاف أن الفترة لأمر أو سبب فخشي أن تكون عقوبة من ربه ففعل ذَلِكَ بنفسه، ولم يرد بعد شرع بالنهي عن ذَلِكَ فيُعترض به، ونحو هذا فرار يونس حين تكذيب قومه، نبه عَلَى ذَلِكَ القاضي عياض (٤). السادس بعد الستين: فيه جواز تزكية الرجل بما فيه من الخير للأوصاف السالفة التي ذكرتها خديجة، وليس بمعارض لحديث: «احثوا في وجوه المداحين التراب» (٥) فإن ذَلِكَ إذا مدح بباطل وبما ليس في الممدوح. ------------------- (١) زيادة يقتضيها السياق من البخاري. (٢) سيأتي برقم (٦٩٨٢). كتاب: التعبير، باب: أول ما بدى به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصالحة. (٣) «سيرة ابن إسحاق» ص ١٠١. (٤) «الشفا تعريف حقوق المصطفى» للقاضي عياض ٢/ ١٠٤ - ١٠٥. (٥) رواه مسلم (٣٠٠٢) كتاب: الزهد والرقائق، باب: المؤمن أمره كله خير. من حديث المقداد. تتمات: أحدها: في جبريل تسع لغات جمعها ابن الأنباري قرى ببعضها، أفصحها: جبرئيل، وبها قرأ أهل الكوفة واسمه بالعربية عبد الله، واسم ميكائيل (عبيد) (١) الله كذا رواه عبد بن حميد في «تفسيره» عن عكرمة (٢)، وقال السهيلي: هو سرياني ومعناه: عبد الرحمن أو عبد العزيز كذا جاء عن ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا والموقوف أصح، وأكثر الناس عَلَى أنه آخر الاسم منه هو الله تعالى وهو إيل، وذهبت طائفة إلى أن الإضافة في هذِه الأسماء مقلوبة. وإيل هو العبد وأوله اسم من أسمائه تعالى، والجبر عند العجم هو (إصلاح) (٣) ما وَهَى فوافق معناه من جهة العربية فإن في الوحي إصلاح ما فسد وجبر ما وهَى من الدين، ولم يكن هذا الاسم معروفًا بمكة ولا بأرض العرب؛ ولهذا (أنه) (٤) - ﷺ - لما ذكره لخديجة انطلقت لتسأل من عنده علم من الكتاب كعَدّاس ونسطور الراهب فقالا: قدوس قدوس ومن أين هذا الاسم (بهذِه) (٥) البلاد (٦). ثانيها: ذكر ابن إسحاق في «السيرة» رؤيته لجبريل عليهما السلام عند قوله: «اقرأ» وهو صاف قدميه (٧)، وفي حديث جابر أنه رآه عَلَى ---------------------- (١) في (ج): عبد. (٢) أورد السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ١٧٦ نحوه عن ابن عباس وعزاه لابن أبي حاتم والبيهقي في «الشعب» والخطيب في «المتفق والمفترق». (٣) في (ج): الصلاح. (٤) كذا بالأصل، ولعل الصواب: فإنه. (٥) في الأصل هذا، والمثبت هو الصواب. (٦) «الروض الأنف» ١/ ٢٧٢ - ٢٧٣. (٧) «سيرة ابن إسحاق» ص ١٠٢ (١٤٠). رفرف بين السماء والأرض، وفي رواية: واقفًا بينهما، وفي رواية: على عرش بين السماء والأرض (١) وفي رواية لمسلم: فإذا هو عَلَى العرش في الهواء (٢). وفي حديث البخاري الذي ذكره في آخر «الجامع» أنه حين فتر الوحي كان يأتي شواهق الجبال -أي: عاليها- يهم بأن يلقي نفسه منها فكان جبريل يتراءى لَهُ بين السماء والأرض فيقول له: يا محمد أنت رسول الله (٣). ثالثها: نقلنا عن «السيرة» فيما مضى أن ورقة قَالَ: ليكذبنه وليؤذينه، وينبغي أن يعلم أنه لا ينطق بهذِه الهاء إلا ساكنة؛ لأنها هاء السكت وليست بهاء إضمار كما نبه عليه السهيلي (٤)، وقال الخشني (٥): كذا الرواية وقد كان يحتمل أن يكون ضمير انتصب بالفعل. رابعها: في «السيرة» من حديث عمرو بن شرحبيل أن الصديق دخل عَلَى خديجة وليس رسول الله، ثمَّ ذكرت خديجة لَهُ ما رآه فقالت: يا عتيق، اذهب مع محمد إلى ورقة. فلما دخل - ﷺ - أخذ أبو بكر بيده فقال: انطلق بنا إلى ورقة. فقال: «ومش أخبرك؟»، فقال: خديجة، --------------------- (١) رواه مسلم (١٦١/ ٢٥٨). كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي. (٢) مسلم (١٦١/ ٢٥٧). كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي. (٣) سيأتي برقم (٦٩٨٢) كتاب: التعبير، باب: أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصالحة. (٤) «الروض الأنف» ١/ ٢٧٣. (٥) هو الإمام الحافظ المتقن اللغوي العلامة، أبو الحسن، محمد بن عبد السلام بن ثعلبة الخشني الأندلسي القرطبي، صاحب التصانيف، أريد على قضاء الجماعة فامتنع، وتصدر لنشر الحديث، وكان أحد الثقات الأعلام، توفي الخشني سنة ست وثمانين ومائتين، وكان من أبناء الثمانين رحمه الله انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» ١٣/ ٤٥٩ (٢٢٧١)، «تذكرة الحفاظ» ٢/ ٦٤٩. فانطلقا إليه فقصا عليه، فقال: «إِذَا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد يا محمد، فأنطلق هاربًا في الأرض»، فقال له: لا تفعل إِذَا أتاك فاثبت حتَّى تسمع ما يقول ثمَّ ائتني فأخبرني، فلما خلا ناداه: يا محمد، قل: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ١ - ٢] حتَّى بلغ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قل: لا إله إلا الله، فأتى ورقة فذكر ذَلِكَ له، فقال لَهُ ورقة: أبشر ثمَّ أبشر فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم، إنك عَلَى مثل ناموس موسى وإنك نبي مرسل وإنك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا ولئن أدركني ذَلِكَ لأجاهدن معك، فلما توفي ورقة قَالَ - ﷺ -: «لقد رأيتُ القسَّ في الجَنَّةِ عليه ثياب الحرير، لأنه آمَنَ بي وصدَّقني»، يعني: ورقة (١). وروينا في «سير سليمان بن طرخان التيمي» أنها ركبت إلى بحيرا بالشام فسألته عن جبريل فقال لها: قدوس يا سيدة قريش، أنَّى لك بهذا الاسم؟ فقالت: بعلي وابن عمي أخبرني أنه يأتيه، فقال: ما علم به إلا نبي فإنه السفير بين الله وبين أنبيائه، وإن الشيطان لا يجترئ أن يتمثل به ولا أن يتسمى باسمه. وفي «الأوائل» لأبي هلال من حديث سويد بن سعيد: حَدَّثَنَا الوليد بن محمد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن خديجة خرجت إلى الراهب وورقة وعداس فقال ورقة: أخشى أن يكون أحد شبه بجبريل فرجعت وقد نزل: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ [القلم: ١] فلما قرأ - ﷺ - هذا على ورقة قَالَ: أشهد أن هذا كلام الله. فيجمع بين هذِه الأخبار بأن خديجة رضي الله عنها ذهبت به مرة، وأرسلته مع ----------------------- (١) «سيرة ابن إسحاق» ص ١١٢ - ١١٣ (١٥٧). الصديق أخرى وسافرت إلى بحيرا أو غيره مرة أخرى، وهذا لشدة اعتنائها بسيد المرسلين صلوات الله وسلامه (عليه) (١). خامسها: روى ابن إسحاق في «السيرة» من حديث عبد الله بن حسن بن حسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين أن خديجة أدخلته بين ثوبيها لتختبر الملك بذلك لنفسها لا لَهُ - ﷺ -، وقيل: إن ورقة أمرها أن تختبر الأمر بذلك (٢). سادسها: قوله فيما مضى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، قَالَ أبو عبيدة المعنى: اقرأ اسم ربك والباء زائدة، قَالَ المفسرون يعني: اذكر اسمه مفتتحًا به قراءتك، وإنما قَالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]؛ لأن الكفار كانوا يعلمون أنه الخالق دون أصنامهم، والإنسان ها هنا: ابن آدم، والعلق: جمع علقة وهي دم عبيط جامد، وقيل: إنما سميت علقة لرطوبتها وتعلقها بما تمر به، ولما كان الإنسان في معنى الجماعة ذكر العلق جمعًا، وقوله: ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ٣]، تكرير للتاكيد ثمَّ استأنف فقال: ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ وهو الذي لا يوازيه كريم ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)﴾ يعنى الكتابة، ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ هو: الخط والصنائع. ---------------------- (١) في (ف): عليهما. (٢) «سيرة ابن إسحاق» ص ١١٤. ٤ - باب ٤ - قَالَ ابن شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرحمن ان جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأنصَارِيَّ قَالَ- وَهُوَ يحدث عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ فَقَالَ- فِي حَدِيثِهِ: «بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا المَلَكُ الذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ على كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمِّلُونِي. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ إِلَى قَوْلهِ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ فَحَمِيَ الوَحْيُ وَتَتَابَعَ. تَابَعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ وَأبو صَالِحِ. وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَر: بَوَادِرُة. [٣٢٣٨، ٤٩٢٢، ٢٩٢٣، ٤٩٢٤، ٤٩٢٥، ٤٩٢٦، ٤٩٥٤، ٦٢١٤ - مسلم ١٦١ - فتح ١/ ٢٧] الحديث الرابع: قَالَ البخاري رحمه الله: قَالَ ابن شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ -وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ فَقَالَ- فِي حَدِيثِهِ:»بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا المَلَكُ الذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْت: زَمِّلُو نِي. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ فَحَمِيَ الوَحْيُ وَتتابَعَ. الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث اتفقا عليه، أخرجه البخاري هنا وفي الأدب (١)، وفي التفسير أتم من هذا، وأوله عن يحيى بن أبي كثير قَالَ: سألت ----------------------- (١) سيأتي برقم (٦٢١٤) باب: رفع البصر إلى السماء. أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١] قُلْتُ: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذَلِكَ قُلْتُ لَهُ مثل الذي قُلْتَ. فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حَدَّثَنَا رسول الله - ﷺ -، قَالَ: «جاورت بحراء شهرًا فلما قضيت جواري» ثمَّ ذكر نحوه (١). وقال في التفسير: حَدَّثَنَا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب ح، و(ثنا) (٢) عبد الله بن محمد، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري أخبرني فذكره (٣)، وأخرجه مسلم بالفاظ (٤). ثانيها: في التعريف برجاله: أما جابر بن عبد الله فهو أبو عبد الله ويقال: أبو محمد ويقال: أبو عبد الرحمن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام -بالحاء المهملة والراء- (٥) بن عمرو بن شاردة بن تزيد -بالتاء المثناة فوق- بن جُشَم -بضم الجيم وفتح الشين المعجمة- بن الخزرج الأنصاري السلمي -بفتح السين واللام وحكي في لغة كسرها- المدني أحد الستة المكثرين. رُوي لَهُ عن النبي - ﷺ - ألف حديث وخمسمائة حديث وأربعون حديثًا، أخرجا لَهُ مائتي حديث وعشرة أحاديث، اتفقا منها عَلَى ثمانية وخمسين، وانفرد البخاري بستة وعشرين، ومسلم بمائة وستة وعشرين، وهو من فضلاء الصحابة وكبارهم. روى عنه بنوه محمد ------------------------- (١) سيأتي برقم (٤٩٢٢). كتاب التفسير، سورة المدثر، باب (١). (٢) في (ج): حدثني. (٣) سيأتي برقم (٤٩٢٥) باب: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾. (٤) مسلم (١٦١) كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -. (٥) في (ف): ابن حزام -بالحاء المهملة والزاي، وما أثبتناه من (ج)، وهو الصواب. وعقيل وعبد الرحمن وغيرهم. شهد العقبة مع أبيه -يعني: الثانية- مع السبعين وكان أبوه أحد النقباء الاثني عشر، وكان جابر أصغرهم يومئذ. وقال عن نفسه: غزوت مع النبي - ﷺ - تسع عشرة غزوة لم أشهد بدرًا ولا أحدًا، منعني أبي. أخرجه مسلم (١)، واستغفر لَهُ النبي - ﷺ - ليلة البعير خمسًا وعشرين مرة (٢)، أمه نُسَيْبة بنت عقبة بن عدي. مات بعد أن عمي سنة ثمان أو ثلاث أو أربع أو تسع وسبعين وقيل: سنة ثلاث وستين وكان عمره أربعًا وتسعين سنة، وصلى عليه أبان بن عثمان والي المدينة. وكان أبيض الرأس واللحية يصفرهما بالورس. وكان يحفي شاربه ويؤم قومه وهو أعمى، وهو آخر الصحابة موتًا بالمدينة، وقال أبو نعيم: إنما هو آخر العقبيين موتًا بالمدينة (٣)، وقال يعقوب بن ------------------------ (١) مسلم (١٨١٣) كتاب: الجهاد والسير، باب: عدد غزوات النبي - ﷺ -. (٢) حديث رواه الترمذي (٣٨٥٢)، والطيالسي ٣/ ٢٩٧ - ٢٩٨ (١٨٤٠)، والنسائي في «الكبرى» ٥/ ٦٩ (٨٢٤٨)، وابن حبان ١٦/ ٩١ (٧١٤٢)، والحاكم ٣/ ٥٦٥، وابن الأثير في «أسد الغابة» ١/ ٣٠٨ من طريق حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر به. قال الترمذي: حديث حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الألباني في «المشكاة» (٦٢٣٨): على شرط مسلم، وفيه عنعنة أبي الزبير اهـ. قلت: فلعله لهذِه العلة أشار إلى ضعفه في «ضعيف الترمذي». ورواه أيضًا الطبراني في «الأوسط» ٦/ ٩٢ (٥٨٩٤)، «الصغير» ٢/ ٨٧ - ٨٨ (٨٣٢) من طريق جابر الجعفي عن أبي الزبير عن جابر به. قلت: جابر ضعيف، قال الحافظ في «التقريب» (٨٧٨): ضعيف رافضي. (٣) «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٢/ ٥٢٩، انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» للبغوي ١/ ٤٣٨، و«معجم الصحابة» لابن قانع ١/ ١٣٦ (١٤٠)، «الاستيعاب» ١/ ٢٩٢ - ٢٩٣ (٢٩٠)، «أسد الغابة» ٣/ ٣٠٧ - ٣٠٨ (٦٤٧)، «الإصابة» ١/ ٢١٣ (١٠٢٦). سفيان الفسوي (١): آخرهم موتًا بالمدينة جابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سناد (٢)، لا جابر هذا. فائدة: جابر بن عبد الله في الصحابة ثلاثة: هذان، وجابر بن عبد الله الراسبي، نزيل البصرة (٣)، وأما جابر في الصحابة فأربعة وعشرون نفرًا. فائدة ثانية: جابر بن عبد الله في غير الصحابة خمسة: أحدهم: سلمي يروي عن أبيه، عن كعب الأحبار. ثانيهم: محاربي عنه الأوزاعى. ثالثهم: غطفاني روى عن عبد الله بن الحسن العلوي. رابعهم: مصري، عنه يونس بن عبد الأعلى. ----------------------------- (١) هو الإمام الحافظ الحجة الرحال، محدث إقليم فارس، أبو يوسف، يعقوب بن سفيان بن جوان الفارسي، من أهل مدينة فسا، لهُ تاريخ كبير جم الفوائد، و«مشيخته» في مجلد، قال النسائي: لا بأس به، توفي في سنة سبع وسبعين ومائتين، مات قبل أبي حاتم الرازي بشهر. انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٩/ ٢٠٨، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٣٢٤ (٧٠٨٨)، «سير أعلام النبلاء» ١٣/ ١٨٠ (١٠٦)، «شذرات الذهب» ٢/ ١٧١. (٢) جابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي. شهد بدرًا وأحدًا والخندق وسائر المشاهد. انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» للبغوي ١/ ٤٤٩، و«معجم الصحابة» لابن قانع ١٢/ ١٣٩ (١٤٤)، و«الاستيعاب» ١/ ٢٩٢ (٢٨٩)، و«أسد الغابة» ١/ ٣٠٦ - ٣٠٧ (٦٤٦). (٣) انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ١/ ٢٩٣ (٢٩١)، «أسد الغابة» ١/ ٣٠٦ (٦٤٥)، «الإصابة» ١/ ٢١٤ (١٠٢٨). خامسهم: يروي عن الحسن البصري وكان كذابًا. فائدة ثالثة: جابر يشتبه بجاثر -بالمثلثة بدل الموحدة-، وبخاتر -بخاء معجمة ثمَّ ألف ثمَّ مثناة فوق ثمَّ راء- فالأول: القبيلة التي بعث الله منها صالحًا وهم ثمود بن جاثر بن إرم بن سام بن نوح وأخوه جَديس بن جاثر، والثاني: سابر خاتر مغن لَهُ أخبار وحكايات مشهورة. وأما أبو سلمة فهو عبد الله أو إسماعيل -أو اسمه كنيته أقوال- بن عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الزهري المدني التابعي الإمام الجليل المتفق عَلَى إمامته وجلالته وثقته، وهو أحد الفقهاء السبعة عَلَى أحد الأقوال كما سلف في ترجمة عروة، سمع جمعًا من الصحابة والتابعين، وعنه خلائق من التابعين منهم الشعبي فمن بعدهم، قَالَ ابن سعد: كان ثقة فقيهًا كثير الحديث (١). وقال الزهري فيما حكاه ابن أبي خيثمة: كان (أبو سلمة) (٢) يماري ابن عباس فحُرم من ذَلِكَ علمًا كثيرًا (٣). وقال محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب: قدم علينا أبو سلمة وكان صبيحًا كأن وجهه دينار هرقلي (٤)، أمه تُماضر -بضم التاء المثناة فوق وكسر المعجمة- بنت الأصبغ الكلبية من أهل دومة الجندل، وهي أول كلبية نكحها قرشي وهي التي طلقها عبد الرحمن بن عوف في --------------------------- (١) «الطبقات الكبرى» ٥/ ١٥٧. (٢) في (ف): الزهري، وما أثبتناه من (ج)، وهو الصواب. (٣) «التاريخ الكبير» لابن أبي خيثمة ٢/ ١٣٨. (٤) رواه ابن سعد في «طبقاته» ٥/ ١٥٦. مرضه فورثها عثمان، وخالفه ابن الزبير. وروى ابن سعد بإسناده أنه - ﷺ - بعث عبد الرحمن بن عوف إلى كلب وقال له: «إن استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم أو سيدهم» فلما قدم عبد الرحمن دعاهم إلى الإسلام فاستجابوا وأقام من أقام عَلَى إعطاء الجزية، فتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الإصبغ بن عمرو ملكهم (١)، ولم تلد لعبد الرحمن غير أبي سلمة. مات بالمدينه سنة أربع وتسعين عن اثنتين وتسعين في خلافة الوليد، قَالَ ابن سعد: وهذا أثبت من قول من قَالَ: إنه توفي سنة أربع ومائة (٢). وأما الزهري فسلف في الحديث قبله. فائدة: هذا الإسناد كله مدنيون، وفيه أيضًا رواية تابعي عن تابعي. الوجه الثالث: الأنصاري سلف في الحديث الأول بيان نسبة الأنصار وسبب تسميتهم. الرابع: في ألفاظه ومعانيه وفوائده: الأول: فترة الوحي احتباسه بعد متابعته وتواليه في النزول كما سلف في آخر الحديث قبله. الثاني: قوله: («بَيْنَا أَنَا أَمْشِي») قَالَ الجوهري: (بينا) فَعْلَى، أشبعت الفتحة فصارت ألفا ويزاد عليها (ما) فيقال: بينما والمعنى ----------------------- (١) «الطبقات الكبرى» ٨/ ٢٩٨. (٢) انظر ترجمه أبي سلمة في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ١٥٧، «التاريخ الكبير» ٥/ ١٣٠ (٣٨٥)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٩٣ (٤٢٩)، «تهذيب الكمال» ٣٣/ ٣٧٠ (٧٤٠٩). واحد تقول: بينا نحن نرقبه أتانا، وكان الأصمعي يخفض بعد بينا إِذَا صلح في موضعه بين، وغيره يرفع ما بعد بينا وبينما عَلَى الابتداء (١). الثالث: قوله: («فَرُعِبْتُ مِنْهُ») هو بضم الراء وكسر العين ويجوز فتح الراء وضم العين قَالَ القاضي عياض (٢): قيده الأصيلي بهذا وغيره بالأول عَلَى ما لم يسم فاعله وهما صحيحان، حكاهما الجوهري (٣). قالَ يعقوب: رَعُبَ، ورُعِبَ. واقتصر النووي في القطعة التي لَهُ على هذا الكتاب، عَلَى الأول وقال بعضهم: الرواية بضم العين واللغة بفتحها حكاه السفاقسي (٤)، والرعب: الخوف، تقول: رعبته فهو مرعوب إِذَا أفزعته، ولا يقال: أرعبته، تقول: رَعَبَ الرجل على وزن فعل كضرب بمعنى خوفه، هذا إِذَا عديته فإن ضممت العين قُلْتَ: رَعُبْتُ منه وإن بنيته لما لم يسم فاعله ضممت الراء فقلت: رُعِبْتُ منه، وفي البخاري في التفسير (٥) ومسلم هنا: «فجُئِثْتُ منه» بالجيم ثمَّ همزة مكسورة بعدها مثلثة (٦)، قَالَ القاضي: كذا هو للكافة في الصحيحين، ولبعضهم بجيم ثمَّ مثلثتين قَالَ: ومعناها فرعبت ------------------------ (١) «الصحاح» ٥/ ٢٠٨٤ - ٢٠٨٥، مادة (بين). (٢) «مشارق الأنوار» للقاضي عياض ١/ ٢٩٤. (٣) «الصحاح»١/ ١٣٦. (٤) هو العدل المعمر المسند الفقيه شرف الدين أبو بكر محمد بن الحسن بن عبد السلام بن عتيق بن محمد التميمي السفاقسي، المالكي، ابن أخت الحافظ علي بن المفضل المقدسي، يقال: إنه ناب في القضاء بالثغر وقتًا، توفي سنة أربع وخمسين وستمائة. انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» ٢٣/ ٢٩٥ (٢٠٢)، «الوافى بالوفيات» ٢/ ٣٥٢ (٨١٦)، «شذرات الذهب» ٥/ ٢٦٦. (٥) سيأتي برقم (٤٩٢٥). كتاب: التفسير، سورة المدثر، باب: وثيابك فطهر. (٦) مسلم (١٦١/ ٢٥٥). كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي. منه (١)، وفي بعض الروايات: («حتَى هويت إلى الأرض») أي: سقطت، أخرجها مسلم (٢)، وفي بعضها «فأخذتني رجفة» (٣) وهي كثرة الاضطراب، والمعنى في كلها متقارب. الرابع: قوله: («فَقُلْتُ زَمِّلونِي زَمِّلونِي») كذا هو في أكثر الأصول. وفي بعضها: «زَمِّلُونِي» مرة، وللبخاري في التفسير (٤)، ولمسلم أيضًا: «دثروني» (٥) وهو كما سيأتي إن شاء الله تعالى. الخامس: قوله («فَأَنْزَلَ اللهُ -عز وجل- ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾») وهذا مما اغتر به جماعة فزعموا أن أول ما نزل من القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ وقد سلف بيان ذَلِكَ في الحديث قبله، وأنه أيضًا مما أنزل من القرآن أول. قَالَ أبو حاتم ابن حبان في «صحيحه»: ليس بين الخبرين تضاد إذ الله أنزل: ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق:١] وهو في الغار بحراء، فلما رجع إلى بيته دثرته خديجة وصبت عليه الماء البارد، فأنزل عليه في بيتها: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ (٦). وكذا قَالَ أبو العباس القرطبي: إن حديث جابر أولى من حديث عائشة؛ إذ حديثها بحراء وحديثه بعد أن رجع إلى خديجة فدثروه (٧). والمدثر والمزمل والمتلفف والمشتمل بمعنى، وسماه تعالى بذلك ----------------------- (١) «إكمال المعلم» ١/ ٤٩٠ - ٤٩١. (٢) مسلم (١٦١/ ٢٥٦). كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي. (٣) مسلم (١٦١/ ٢٥٧). كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي. (٤) سيأتي برقم (٤٩٢٢، ٤٩٢٤). (٥) مسلم (١٦١/ ٢٥٧). كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي. (٦) «صحيح ابن حبان» ١/ ٢٢١. (٧) «المفهم» ١/ ٣٧٦ - ٣٧٧. ![]()
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 12 ( الأعضاء 0 والزوار 12) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |