|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#37
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السابع من صــ 301الى صــ320 الحلقة (181) فقالت عائشة -رضي الله عنها-: يا ابن شداد فقد قَتَلَهُم؟ فقال: والله ما بعَث إليهم حتى قطَعُوا السبيل، وسفكُوا الدماء، وقتلوا ابن خباب واستحلُّوا أهل الذمّة فقالت: آلله؟ قلت: آلله الذي لا إله إلاَّ هو، لقد كان». فائدة: قال في «منار السبيل» (٢/ ٣٥٢): «وكلُّ مَن ثبَتَت إمامتُه؛ حَرُم الخروج عليه وقتاله، سواءٌ ثبَتَت بإجماع المسلمين عليه: كإمامة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، أو بعهدِ الإمام الذي قبله إليه: كعهد أبي بكر إلى عمر، -رضي الله عنهما-، أو باجتهاد أهل الحلّ والعقد؛ لأنّ عمرَ جعَل أمْرَ الإمامة شورى بين ستةٍ من الصحابة، -رضي الله عنهم- فوقع الاتفاق على عثمان أو بقهره للناس، حتى أذعنوا له، ودعوه إمامًا: كعبد الملك بن مروان؛ لمّا خرجَ علي ابن الزبير فقتَله، واستولى على البلاد وأهلِها حتى بايعوه طوعًا وكرهًا، ودعوه إمامًا، لأنّ في الخروج على مَن ثبتَت إمامته بالقهر شقَّ عصا المسلمين، وإراقةَ دمائهم، وإذهابَ أموالهم. قال أحمد في رواية العطار:»ومَن غَلَب عليهم بالسيف حتى صار خليفة، وسُمِّي أمير المؤمنين؛ فلا يحلّ لأحدٍ يؤمن بالله أن يبيت، ولا يراه إمامًا بَرًّا كان أو فاجرًا. وقال في «الغاية»: ويتجه؛ لا يجوز تعدّد الإمام، وأنه لو تغلَّب كلُّ سلطان على ناحية كزماننا؛ فحُكمه كالإمام«. ما جاء مِن نصوص تبيّن بعض أمارات الخوارج ومثيري الفتن عن أبي سعيد الخدري قال:»بَعَثَ عليٌّ -رضي الله عنه- وهو باليمن بِذَهَبةٍ (١) في تُربَتِها (٢) إلى رسول الله - ﷺ - فقَسَمَها رسول الله - ﷺ - بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعُيينة بن بدر الفزاريّ، وعلْقَمَةُ بن عُلاثة العامريّ، ثمّ أحَد بني كِلاب، وزيد الخير الطائي، ثمّ أحَد بني نبهان. قال: فغَضِبَت قريش فقالوا: أتعطي صناديد (٣) نجد وتَدَعُنا، فقال رسول الله - ﷺ -: إنّي إنّما فعلْتُ ذلك لأتألّفَهُم، فجاء رجل كثُّ اللحية (٤)، مُشرف الوجنتين (٥)، غائر العينين (٦)، ناتئ الجبين (٧) محلوق الرأس، فقال: اتّق الله يا محمّد، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: فمن يُطِع الله إنْ عصيتُه! أيأمَنُنِي على أهلِ الأرض ولا تأمَنُوني؟ قال: ثمّ أدبَر الرجل، فاستأذَن رجلٌ من القوم في قَتْله -يرَوْن أنّه خالد بن الوليد-، فقال: رسول الله - ﷺ -: إنّ مِن ضئضئ (٨) هذا قومًا؛ يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يَقْتُلون أهل الإسلام ويَدَعُون أهل الأوثان، يمرُقون من ------------------------- (١) قال الإمام النّووي -رحمه الله-: «هكذا هو في جميع نُسَخِ بلادِنا -بفتح الذال-، وكذا نقَلَه القاضي عن جميع رواة مسلم عن الجلودي، قال: وفي رواية ابن ماهان (بذُهَيبَة) على التصغير». (٢) أي: هي مستقِرّة فيها غير مميَّزة عنها. (٣) صناديد نجدٍ أي: ساداتها. (٤) أي: كثيرها. (٥) مُشرف الوجنتين: غليظهما، والوَجْنة: لحم الخدّ. (٦) يعني: داخلتين في الرأس، لاصقتين بقعر الحدقة. «الكرماني». (٧) مُرتفِعُه؛ مِن النّتوء. (٨) أي: الأصل والنسل. «شرح الكرماني». الإسلام كما يمرُق السهم من الرَّميّة، لئن أدركتُهم لأقتلنّهم قَتْل عاد» (١). وفي رواية: قال أبو سعيد -رضي الله عنه-: «بينا نحن عند رسول الله - ﷺ - وهو يَقسِم قَسْمًا، أتاه ذو الخويصِرة -وهو رجلٌ من بني تميم- فقال: يا رسول الله اعدِل، قال رسول الله - ﷺ -: ويلك، ومَن يَعدِل إنْ لم أعدِل؟ قد خِبتَُ وخسرتَُ إنْ لم أعدل، فقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: يا رسول الله ائذن لي فيه أضرب عنقه. قال رسول الله - ﷺ -: دعه فإنّ له أصحابًا يحقِر أحدُكم صلاتَه مع صلاتهم، وصيامَه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيَهم (٢)، يمرقون من الإسلام؛ كما يمرُق السهم مِن الرميّة» (٣). وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: «أتى رجل رسول الله - ﷺ - بالجِعْرانَة مُنْصَرَفَه (٤) مِن حُنين وفي ثوب بلالٍ فضّة، ورسول الله - ﷺ - يقبض منها يُعطي الناس، فقال: يا محمّد اعدل، قال: ويلك ومَن يَعدِل إذا لم أكن أعدِل؟ لقد خبتَُ وخسِرْتَُ إن لم أكن أعدل. فقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: دعني يا رسول الله فأقتلَ هذا ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ٧٤٣٢، ومسلم: ١٠٦٤. (٢) التراقي: جمع تَرْقُوة، وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق، وهما تَرقُوتان مِن الجانبين. والمعنى: أن قراءتهم لا يرفعها الله، ولا يقبلها، فكأنها لم تتجاوز حلوقهم»النّهاية". (٣) أخرجه مسلم: (١٠٦٤ - ١٤٨). (٤) أي: حين انصرافه -عليه الصلاة والسلام-. المنافق، فقال: معاذ الله أن يتحدث الناس أني أَقْتُل أصحابي، إنّ هذا وأصحابَه يقرأون القرآن؛ لا يُجاوِز حناجرهَم، يمرُقون منه كما يمرق السهم مِن الرّميّة» (١). وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنّ النبيّ - ﷺ - ذكَر قومًا يكونون في أمّته، يخرُجون في فرقة مِن الناس، سيماهم التحالُق (٢)، قال: هم شرّ الخلق (أو مِن أشرّ الخلق) (٣)، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحقّ (٤). قال: فضرَب النبيّ - ﷺ - لهم مَثَلًا أو قال قولًا: الرجل يرمي الرميّة (أو قال الغَرَض) فينظر في النصل فلا يرى بصيرة (٥)، وينظر في النضيّ (٦) فلا يرى بصيرة، وينظر في الفُوق (٧) فلا يرى بصيرة، قال: قال: أبو سعيد وأنتم قتلتموهم يا أهل -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣١٣٨، ومسلم: ١٠٦٣. (٢) أي: حلْق الرؤوس، والسيما: العلامة. (٣) تأوَّله الجمهور بمعنى أشرّ المسلمين ونحوه. وانظر «شرح النّووي». (٤) قال النّووي -رحمه الله- (٧/ ١٦٧): «وفي رواية: أولى الطائفتين بالحقّ، وفي رواية: تكون أمّتي فرقتين، فتخرج مِن بينهما مارقة، تلي قَتْلهم؛ أولاهما بالحق، هذه الروايات صريحة في أنّ عليًاّ -رضي الله عنه- كان هو المصيب المُحِقّ، والطائفة الأخرى أصحاب معاوية -رضي الله عنه- كانوا بغاة متأوّلين، وفيه التصريح بأنّ الطائفتين مؤمنون لا يخرجون بالقتال عن الإيمان ولا يفسقون، وهذا مذهبنا ومذهب موافقينا». (٥) هي الشيء من الدم، أي: لا يَرى شيئًا من الدم يستدلّ به على إصابة الرميّة. «شرح النّووي». (٦) هو القدح. (٧) موضع الوتر من السهم، وهذا تعليقٌ بالمُحال، فإنّ ارتدادَ السهم على الفوق محُال، فرجوعهم إلى الدين أيضًا محُال. «عون المعبود». العراق» (١). وفي رواية من حديث أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك -رضي الله عنهما- عن رسول الله - ﷺ - قال: «سيكون في أمّتي اختلافٌ وفُرقة، قومٌ يُحسنون القِيلَ ويسيئون الفِعل، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيَهم، يَمرقون مِن الدين مروق السهم مِن الرميّة، لا يرجعون حتى يرتد على فُوقِه، هم شرُّ الخلق والخليقة، طوبى لمن قَتَلَهم وَقَتلوه، يَدْعون إلى كتاب الله، وليسوا منه في شيء، مَن قاتَلَهم كان أولى بالله منهم، قالوا: يا رسول الله ما سيماهم؟ قال: التّحليق» (٢). وعن سويد بن غَفَلَة قال: قال عليّ -رضي الله عنه-: «إذا حدَّثتُكم عن رسول الله - ﷺ - فَلأَنْ أخِرَّ مِن السماء أحبُّ إليَّ مِن أن أقول عليه ما لم يَقُل، وإذا حدَّثتُكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خَدْعة، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: سيخرج في آخر الزمان قومٌ أحداثُ الأسنان سفهاءُ الأحلام (٣)، يقولون مِن خير قول البريّة (٤)، يقرأون القرآن لا يُجاوز حناجرهم، يَمرقون مِن الدين كما يَمرُق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإنّ في قتلهم أجرًا لمن قَتَلهم عند الله يوم القيامة» (٥). --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٦١٠، ٦١٦٣، ٦٩٣٣، ومسلم: ١٠٦٥. (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٩٨٧). (٣) صغار الأسنان صغار العقول «شرح النّووي». (٤) أي: في ظاهر الأمر؛ كقولهم: لا حُكم إلاَّ لله، ونظائره من دعائهم إلى كتاب الله تعالى -والله أعلم-. «شرح النّووي». (٥) أخرجه البخاري: ٣٦١١، ٥٠٥٧، ٦٩٣٠. ومسلم: ١٠٦٦ وتقدّم. وعن عبيد الله بن- أبي رافع: «أنّ الحروريّة (١) لمّا خَرَجت وهم مع عليِّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- قالوا: لا حُكم إلاَّ لله، قال عليّ: كلمةُ حقٍّ أريد بها باطل، إن رسولَ الله - ﷺ - وصَفَ ناسًا إني لأعرِف صِفَتَهم في هؤلاء، يقولون الحقّ بألسنتهم، لا يجوز (٢) هذا منهم، وأشار إلى حَلْقِه، مِن أبغض خَلْق الله إليه، منهم أسود، إحدى يديه طُبْيُ (٣) شاة، أو حلمة ثدي، فلمّا قتلَهم علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-. قال: انظروا، فنظَروا، فلم يجدوا شيئًا، فقال: ارجعوا فوالله ما كَذَبتُ ولا كُذِّبتُ -مرتين أو ثلاثًا-، ثمّ وجدوه في خَرِبَة، فأتَوا به حتى وضعوه بين يديه، قال عبيد الله وأنا حاضر ذلك مِن أمرِهم وقولِ عليّ -رضي الله عنه- فيهم» (٤). عن أبي رزين: «لما وقَع التحكيم، ورجَع عليٌّ من صِفّين رجعوا مبايِنين له، فلمّا انتهوا إلى النهرِ؛ أقاموا به فدخَل عليُّ في الناس الكوفة، ونزلوا بحروراء، فبعث إليهم عبدَ الله بن عباس، فرجَع ولم يصنع شيئًا، فخرَج إليهم عليٌّ فكلَّمَهم، حتى وقع الرضا بينه وبينهم، فدخلوا الكوفة، فأتاه رجُل فقال: إنّ الناس قد ----------------------- (١) الحرورية: فِرْقةٌ مِن فِرَق الخوارج، وهي نسبة إلى حروراء، وهي بقرب الكوفة، كان أوّل اجتماع الخوارج بها، قال الهروي: تعاقدوا في هذه القرية فنُسِبوا إليها. وانظر»شرح النّووي«(٤/ ٢٧). وجاء في الفتح (١/ ٤٢٢):»ويُقال لمن يَعْتقِد مذهب الخوارج (حروريّ) لأن أولَ فرقةٍ منهم؛ خرجوا على عليّ -رضي الله عنه- بالبلدة المذكورة، فاشتهروا بالنسبة إليها وهم فِرَقٌ كثيرة". (٢) لا يجوز: مِن المجاوزة. (٣) الطُّبي: حَلَمةُ الضّرع التي فيها اللبن والتي يرضع منها الرضيع. (٤) أخرجه مسلم: ١٠٦٦. تحدثوا أنّك رجحْتَ لهم عن كُفرك، فخطَب الناسَ في صلاة الظهر فذكَر أمْرَهم فعابه، فوثبوا من نواحي المسجد يقولون: لا حُكم إلاّ لله، واستقبله رجل منهم واضع أصبعيه في أذنيه فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) فقال عليّ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (٢) «(٣). ومِن أجل فهم مُراد عليٍّ -رضي الله عنه- لا بُد من معرِفة سياق الآية، قال الله -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ * كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (٤). يعني: مِن شأن الكافرين إذا رأوا الآيات البيّنات والمُعجِزات الباهرات، أن يحكُموا ببطلان مَن جاء بها؛ لأنّه قد طُبع على قلوبهم فهم لا يفقهونها، فأمرَ الله -تعالى- نبيّه - ﷺ - بالصبر على مخالفتهم وعنادهم وأذاهم، فالعاقبة له ولمن اتبعَه في الدارَيْن. وأمَرَه -سبحانه- ألاّ يستخفنّ حِلْمه ورأيه (٥) أولئك المشركين الذين لا ---------------------- (١) الزمر: ٦٥. (٢) الروم: ٦٠. (٣) أخرجه ابن جرير في»تاريخه«، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء" (٢٤٦٨). (٤) الروم: ٥٨ - ٦٠. (٥) انظر تفسير الإمام الطبري -رحمه الله- لقوله -تعالى-: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾. يوقنون بالمعَاد، ولا يؤمنون بالبعث بعد الممات، بل عليه بالثبات على الحقّ، وعدم العدول عنه. فذِكر ذلك الخارجي الآية: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ هو حُكمٌ على عليّ -رضي الله عنه- بأنه مُبطل، كما هو شأن الكفّار في اتهام النبيّ - ﷺ - ولمّا أمَرَ الله -تعالى- نبيه بالصبر وأنّ وعده -سبحانه- حقّ، فإنّ عليًا أراد أن يقول لهذا الخارجي: إنّ الله -تعالى- يأمرني أن أصبر على مخالفتك وعنادك وأذاك، وهو ناصري ومُعيني، وهو -سبحانه- يأمرني بالصبر والثبات؛ على ما أنا عليه مِن الحقّ، وعدم العدول عنه. السمع والطاعة للإمام ما لم يَأْمُر بمعصية وما جاء في عدم منازعة الأمر أهله قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١). جاء في تفسير ابن كثير -رحمه الله-: "قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يعني: أهلَ الفقه والدين، وكذا قال مجاهد، وعطاء، والحسن البصري، وأبو العالية: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يعني: العلماء. والظاهر -والله أعلم- أنّ الآية عامّة في جميع أولي الأمر مِن الأمراء والعلماء، -كما تقدّم-، وقد قال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ ----------------------- (١) النساء: ٥٩. وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢). وفي الحديث الصحيح المتفق عليه، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن رسول الله - ﷺ - أنّه قال: «مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله، ومَن أطاع أميري فقد أطاعني، ومَن عصى أميري فقد عصاني» (٣). فهذه أوامر بطاعة العلماء والأمراء، ولهذا قال -تعالى-: ﴿أطِيعُوا الله﴾ أي: اتبعوا كتابه ﴿وَأَطِيعُوا اَلرسولَ﴾ أي: خذوا بسنَّته ﴿وأولي الأمر منكم﴾ أي: فيما أمروكم به من طاعة الله، لا في معصية الله؛ فإنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الله، كما تقدم في الحديث الصحيح: «إنما الطاعة في المعروف» (٤). وعن عمرانَ بن حصين، عن النبيّ - ﷺ - قال: «لا طاعة في معصية الله» (٥). وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال مجاهد وغيرُ واحدٍ مِن السلف: أي: إلى كتاب الله وسُنّة رسوله. وهذا أمْرٌ من الله -عز وجل-، بأنّ كلَّ شيء تنازَع الناس فيه من أصول الدين وفروعه، أن يُرَدّ التنازع في ذلك إلى الكتاب والسُّنّة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا ----------------------- (١) المائدة: ٦٣. (٢) النحل: ٤٣. (٣) أخرجه البخاري: ٧١٣٧، ومسلم: ١٨٣٥. (٤) أخرجه البخاري: ٤٣٤٠، ٧١٤٥، ومسلم: ١٨٤٠. (٥) أخرجه أحمد والطيالسي، والطبراني في «الكبير» وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (١٨٠). اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (١) فما حَكَم به كتابُ الله وسُنّةُ رسولِه وشهدا له بالصّحّة فهو الحق، وماذا بعد الحقّ إلاَّ الضلال. ولهذا قال -تعالى-: ﴿إن كنتم تُؤمِنُونَ بِاَللهِ وَاَليومِ الآخِرِ﴾ أي: رُدّوُا الخصومات والجهالاتِ إلى كتاب الله وسُنّة رسوله، فتحاكموا إليهما فيما شجَر بينكم ﴿إن كنتم تُؤمِنُونَ بِاَللهِ وَاَليومِ الآخِرِ﴾. فدلَّ على أنَّ مَن لم يتحاكم في مجال النزاع إلى الكتابِ والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك؛ فليس مُؤمِنًا بالله ولا باليوم الآخر. وقوله: ﴿ذلك خيرٌ﴾ أي: التحاكُم إلى كتاب الله وسُنة رسوله. والرجوع في فصل النزاع إليهما خير ﴿وَأَحْسَنُ تَأوِيلًا﴾ أي: وأحسنُ عاقبةً ومآلًا؛ كما قاله السدي وغير واحد. وقال مجاهد: وأحسن جزاءً. وهو قريب». عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبيّ - ﷺ -. قال: «السمع والطاعة حقّ؛ ما لم يُؤمَر بمعصية، فإذا أُمِرَ بمعصية، فلا سمْعَ ولا طاعة» (٢). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبيّ - ﷺ - قال: من رأى مِن أميره شيئًا يكرهه؛ فليصبِر عليه؛ فإنه مَن فارق الجماعة شبرًا فمات؛ إلاّ مات ميتة جاهلية«(٣). وعن جُنادةَ بن أَبي أميّة قال:»دخَلْنا على عُبادة بنِ الصامت وهو مريض، قُلنا أصلحَك الله، حدِّث بحديثٍ ينفعك الله به، سمعْتَه من النبيّ - ﷺ -، قال: دعانا ---------------------- (١) الشورى: ١٠. (٢) أخرجه البخاري: ٢٩٥٥، ومسلم: ١٨٣٩. (٣) أخرجه البخاري: ٧٠٥٤، ومسلم: ١٨٤٩. النبيّ - ﷺ - فبايعناه، فقال فيما أخذَ علينا؛ أن بايَعَنا على السمع والطاعة، في مَنْشَطنا (١) ومَكْرَهنا (٢) وعُسرنا ويُسرنا، وأثَرَةٍ (٣) علينا، وأن لا نُنازع الأمرَ أهلَه (٤) إلاَّ أن تروا كُفرًا بَواحًا (٥)؛ عندكم من الله فيه بُرهان (٦) «(٧). وعن عبد الرحمن بن عبد ربِّ الكعبة، قال:»دخلتُ المسجد، فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالسٌ في ظِلِّ الكعبة، والناس مجتمِعون عليه، فأتيتُهم -------------------- (١) مَنشطنا: أي في حالة نشاطنا. (٢) مَكرهنا: في الحالة التي نكون فيها عاجزين عن العمل بما نُؤمَر به. (٣) الأثَرَة -بفتح الهمزة والثاء-: الاسمُ من آثَر يُؤثرُ إيثَارًا: إذا أعْطى، أراد أنَّه يُستأثر عليكم، فيُفضَّل غيرُكم في نَصيبه مِنَ الفَيْء. والاسْتِئْثَار: الانْفِرَادُ بالشيء. «النّهاية». وقال الحافظ -رحمه الله-: «والمُراد أنّ طواعيتهم لمن يتولّى عليهم؛ لا تتوقف على إيصالهم حقوقَهم بل عليهم الطاعة ولو منعهم حقّهم». (٤) وأن لا ننازع الأمر أهله: أي الملك والحكم. (٥) بَواحًا: ظاهرًا بيّنًا. (٦) عندكم من الله فيه برهان: [قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (١٣/ ٨): «أي: نصُّ آيةٍ أو خبرٌ صحيح لا يَحْتَمل التأويل، ومُقتضاه أنّه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فِعْلهم يَحتمل التأويل، قال النّووي: المراد بالكفر هنا المعصية، ومعنى الحديث:»لا تُنازِعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تَعترِضوا عليهم إلاّ أن تروا منهم مُنكَرًا محُقَّقًا تعلمونه مِن قواعد الإسلام؛ فإذا رأيتم ذلك فأنكِروا عليهم وقولوا بالحقّ حيثما كنتم انتهى. وقال غيره: المراد بالإثم هنا المعصية والكفر، فلا يُعتَرض على السلطان إلاَّ إذا وَقَع في الكفر الظاهر، والذي يظهر حَمْلُ روايةِ الكُفر على ما إذا كانت المنازعة في الولاية؛ فلا ينازِعه بما يقدَح في الولاية إلاَّ إذا ارتكَب الكُفر، وحَمْل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية، فإذا لم يُقدَح في الولاية؛ نازَعه في المعصية بأن يُنكِر عليه برفقٍ ويتوصل إلى تثبيت الحق له بغير عُنف، ومحلّ ذلك إذا كان قادرًا، والله أعلم".] (٧) أخرجه البخاري: ٧٠٥٦، ومسلم: ١٧٠٩. فجلسْتُ إليه، فقال: كنّا مع رسول الله - ﷺ - في سفَر فنزلنا منزلًا، فمنّا من يُصلح خِباءَه ومنا من يَنتضِلُ (١) ومنّا من هو في جَشَرِه (٢) إذ نادى منادي رسولِ الله - ﷺ -: الصلاةَ جامعةً، فاجتمعْنا إلى رسول الله - ﷺ - فقال: إنه لم يكن نبيٌّ قبلي، إلاَّ كان حقًّا عليه أن يدُلّ أمّته على خيرِ ما يعلمُه لهم، ويُنذرَهم شرَّ ما يعلمه لهم، وإنَّ أمّتكم هذه جُعِل عافيتُها في أولها، وسيصيب آخرَها بلاءٌ وأمورٌ تنكرونها، وتجيء فتنة، فيُرقِّق (٣) بعضها بعضًا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه مُهلِكتي، ثمّ تنكشف وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحَبَّ أن يُزَحزَحَ عن النار وَيُدْخَل الجنة؛ فلتأته منيّته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يُحبّ أن يُؤتَى إليه (٤)، ومن بايع إمامًا فأعطاه صفْقَة يدِه وثمرةَ قلبه (٥) فليطعه إن استطاع، فإنْ جاء آخرُ ينازعه؛ فاضربوا عُنُق الآخر. فدنوت منه فقلت له: أنشدك الله آنت سمعْتَ هذا من رسول الله - ﷺ -، ------------------- (١) ينتضِل: هو من المناضلة، وهي المراماة بالنُّشَّاب. «شرح النّووي». (٢) جَشَره- بفتح الجيم والشين-: وهي الدوابُّ التي تَرعى وتَبيت مكانها. (٣) يُرقق -بضم الياء وفتحِ الراء-: قال النّووي -رحمه الله- (١٢/ ٢٣٣): «أي: يصير بعضها رقيقًا، أي: خفيفا لعِظَم ما بعده، فالثاني يجعل الأول رقيقا، وقيل: معناه يشبه بعضها بعضا، وقيل: يدور بعضُها في بعض، ويذهب ويجيء، وقيل: معناه يسوق بعضها إلى بعض بتحسينها وتسويئها». انتهى. قلت: والأوّل أرجح، والله -تعالى- أعلم. (٤) وليأت إلى الناس الذي يحبُّ أن يُؤتى إليه: قال النّووي -رحمه الله-: «هذا من جوامع كَلِمِه - ﷺ -، وبديع حكمه، وهذه قاعدة مهمّة فينبغي الاعتناء بها، وأن الإنسان يلزم ألا يفعل مع الناس، إلاَّ ما يُحبّ أن يفعلوه معه». (٥) صفقة يده، وثمرة قلبه: أي خالص عهده. «النّهاية». فأهوى إلى أذنيه وقلبِه بيديه وقال: سَمِعَتْه أذناي ووعَاه قلبي. فقلت له: هذا ابن عَمِّك معاوية يأمُرنا أن نأكلَ أموالَنا بيننا بالباطل، ونقتُلَ أنفسنا، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ (١) إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ قال: فسكَت ساعة ثمّ قال: أطِعه في طاعة الله (٢)، واعصه في معصية الله» (٣). وعن عوف بن مالك -رضي الله عنه- عن رسول الله - ﷺ - قال: «خِيارُ أئمّتكم الذين تحبّونهم ويُحبّونكم، ويُصلّون عليكم (٤)، وتصلّون عليهم، وشرار أئمّتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قيل: يا رسول الله أفلا ننابذُهُم بالسيف؟ فقال: لا؛ ما أقاموا فيكم الصلاة (٥)، وإذا رأيتم مِن ولاتكم شيئًا تكرهونه، فاكرهوا عَمَله، ولا تنزِعوا يَدًا مِن طاعة» (٦). قال شيخ الإسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ١٧٠): -------------------- (١) المقصود بهذا الكلام: أنّ هذا القائل لمّا سمِع كلام عبدِ الله بن عمرو بن العاص، وذكر الحديث في تحريم منازعة الخليفة الأول، وأن الثاني يقتل، فاعتقد هذا القائل هذا الوصف في معاوية؛ لمنازعته عليًّا -رضي الله عنه-، وكانت قد سَبَقت بيعةُ عليّ، فرأى هذا أنّ نفقة معاوية على أجناده وأتباعه في حرب عليِّ ومنازعته ومقاتلته إياه، مِن أكْل المالِ بالباطل، ومِنْ قَتْلِ النفس؛ لأنه قتالٌ بغيرِ حقّ، فلا يستحقّ أحدٌ مالًا في مقاتلته«. (٢) قال الإمام النّووي -رحمه الله-:»هذا فيه دليلٌ لوجوب طاعة المتولّين للإمامة بالقهر، مِن غير إجماع ولا عهد«. (٣) أخرجه مسلم: ١٨٤٤. (٤) يُصلّون عليكم: أي يَدْعون لكم. (٥) قال النّووي -رحمه الله- (١٢/ ٢٤٣):»فيه معنى ما سَبَق أنّه لا يجوز الخروج على الخلفاء بمجرد الظلم أو الفسق، ما لم يُغيِّروا شيئًا مِن قواعد الإسلام". (٦) أخرجه مسلم: ١٨٥٥. وأولوا الأمر أصحاب الأمر وذووه؛ وهم الذين يأمُرون الناس؛ وذلك يشترك فيه أهلُ اليد والقدرة وأهلُ العلم والكلام؛ فلهذا كان أولوا الأمر صنفين: العلماء؛ والأمراء، فإذا صلحوا صلح الناس وإذا فسدوا فسَد الناس؛ كما قال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- للأحمسية لما سألته:»ما بقاؤنا على هذا الأمر؟ قال: ما استقامت لكم أئمّتكم«، ويدخُل فيهم الملوك والمشايخ وأهل الديوان؛ وكل مَن كان متبوعًا فإنه مِن أولي الأمر. وعلى كل واحد من هؤلاء أن يَأْمُر بما أمرَ الله به، وينهى عمّا نهى عنه، وعلى كل واحدٍ ممن عليه طاعته، أن يطيعه في طاعة الله؛ ولا يطيعه في معصية الله ...». السلام في الإسلام إنّ حامل هذه الرسالة هو حاملُ راية السلام، لأنه يَحْملُ إلى البشرية الهدى، والنور، والخير، والرشاد. وهو يُحدّث عن نفسه، فيقول: «إنما أنا رحمة مهداة» (١). ويحدث القرآن عن رسالته، فيقول: ﴿وما أرسلناك إلاَّ رحمةً للعالمين﴾ (٢). يقول الله- تعالى-: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (٣). قال الله -تعالى-: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٤). ------------------- (١) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» وانظر «غاية المرام» برقم (١) و«الصحيحة» (٤٩٠). (٢) الأنبياء: ١٠٧. (٣) النساء: ٩٤. (٤) الأنفال: ٦١. أسباب النصر والتمكين (١) ١ - التوحيد قال -تعالى-: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ (٢). ولا يُلقى الرعب في قلوب الكُفّار؛ إلاَّ إذا كان المسلمون موحِّدين حقًّا، ألا ترى ما كان مِن شأن الأعداء زمن الصحابة -رضي الله عنهم- فإنّه لم يكن لهم عليهِم مِن سبيل، ولكننا نراهم الآن قد تسلّطوا على المسلمين! فلا بُدّ من التوحيد، فإنّه حقّ الله على عباده، وهو سعادة الدارين. وكيف ينصُر الله -تعالى- أُناسًا يُؤلهّون الملائكة والأنبياء والأولياء؟! كيف ينصُر الله أناسًا اعتقدوا أنّ الله تفرّد بالخلق، ولم يتفرّد بالاستجابة؛ إلاّ بواسطة مخلوقاته؛ مِن أحياء وأموات، يرفعون له الدعاء والاستغاثة والتوسل؟! قال الله -تعالى-: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣). ---------------------- (١) وسأذكر هذه الأسباب بإجمال، غير سالك الاستقصاء -وإن كنت أتمنّاه- بما يتفق مع المنهج الفقهي للكتاب، وهناك نقاط متفرّعة من أسباب رئيسة، قد أفردتها وأبرزتُها للأهمية. (٢) آل عمران: ١٥١. (٣) النور: ٥٥. قال ابن كثير -رحمه اللهبحذف-: "هذا وَعْدٌ مِن الله لرسوله - ﷺ -؛ بأنه سيجْعَل أمّته خلفاء الأرض، أي: أئمّة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلُح البلاد، وتخضع لهم العباد، ولَيُبدلَنّ بعد خوفهم من الناس أمنًا وحُكمًا فيهم، وقد فعَل تبارك -وتعالى- ذلك، وله الحمد والمِنّة، فإنه لم يمت رسول الله - ﷺ -، حتى فتَح الله عليه مكّة وخيبر والبحرين، وسائرَ جزيرة العرب، وأرض اليمن بكمالها، وأخَذ الجزية مِن مجوس هَجَر، ومِن بعض أطراف الشام، وهاداه هِرَقْل مَلِك الروم وصاحب مصر والاسكندرية -وهو المقوقس- وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة، الذي تَملَّك بعد أصْحَمة -رحمه الله وأكرمه-. ثمّ لمّا مات رسول الله - ﷺ - واختار الله له ما عنده مِن الكرامة، قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-، فلمَّ شَعْث ما وَهَى عند موته - عليه الصلاة والسلام- وأطَّدَ جزيرة العرب ومهَّدها، وبعَث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد -رضي الله عنه-، ففتحوا طَرَفًا منها، وقتلوا خلقًا مِن أهلها، وجيشًا آخر صحبة أبي عبيدة -رضي الله عنه-، ومَن معه مِن الأمراء إلى أرض الشام، وثالثًا صحبة عمرو بن العاص -رضي الله عنه- إلى بلاد مصر، ففتَح الله للجيش الشاميّ في أيامه بُصرى ودمشق ومَخَاليفهما من بلاد حوران، وما والاها، وتوفاه الله -عز وجل-، واختار له ما عنده مِن الكرامة. ومَنّ على الإسلام وأهله؛ بأن أَلهْمَ الصِّديق أن استخلَف عمرَ الفاروق، فقام في الأمر بعده قيامًا تامًّا، لم يَدُر الفَلَك بعد الأنبياء -عليهم السلام- على مثله، في قوة سيرته وكمال عَدْله، وتمّ في أيامه فتْح البلاد الشاميّة بكمالها، وديار مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس، وكَسَّر كسرى وأهانه غاية الهوان، وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقَصَّر قيصر، وانتزع يدَه عن بلاد الشام فانحاز إلى القُسطنطينة، وأنفَق أموالَهما في سبيل الله، كما أخبَر بذلك ووعَد به رسول الله -عليه مِن ربّه أتمّ سلام وأزكى صلاة-. ثمّ لمّا كانت الدولة العثمانية (١)، امتدَّت المماليك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففُتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك: الأندلس، وقبرص، وبلاد القيروان، وبلاد سَبْتَةَ؛ مما يلي البحر المحيط، ومِن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقُتِل كسرى، وباد مُلْكُه بالكُلّية، وفُتحت مدائن العراق، وخُراسان، والأهواز، وقَتَل المسلمون مِن الترك مقتلةً عظيمةً جدًا، وخذَل الله ملكهم الأعظم خاقان، وجُبي الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمْعِه الأمّة على حِفظ القرآن. ولهذا ثبَت في الصحيح عن رسول الله - ﷺ - أنّه قال: «إن الله زَوَى (٢) لي الأرض، فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وسيبلغُ ملك أمّتي ما زُوي لي منها» (٣). فها نحن نتقلب فيما وعَدَنا الله ورسوله، وصدَق الله ورسوله، فنسأل الله الإيمان به، وبرسوله، والقيام بشُكره على الوجه الذي يُرضيه عنّا. قال الإمام مسلم بن الحجاج في «صحيحه»: حدَّثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سَمُرَة قال: "سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: لا يزال أمْرُ الناس ماضيًا ما وَلِيَهم اثنا عشر رجلًا ثمّ تكلَّم النبيّ - ﷺ - بكلمة ------------------------ (١) أي في عهد عثمان بن عفان -رضي الله عنه-. (٢) أي: جمع وضمّ. (٣) أخرجه مسلم: ٢٨٨٩. خَفِيت عني فسألْتُ أبي: ماذا قال رسول الله - ﷺ -؟ فقال: كُلُّهم مِن قريش» (١). ورواه البخاري من حديث شعبة، عن عبد الملك بن عمير، به (٢). وهذا الحديث فيه دِلالة على أنّه لا بُدّ من وجود اثني عشَر خليفةً عادلًا وليسوا هم بأئمّة الشيعة الاثني عشَر؛ فإنَّ كثيرًا مِن أولئك لم يكن إليهم مِن الأمر شيء، فأمّا هؤلاء؛ فإنهم يكونون مِن قريش، يَلُون فيَعْدِلون، وقد وقَعَت البِشارة بهم في الكتب المتقدمة. ثمّ لا يُشتَرط أن يكونوا متتابعين، بل يكون وجودهم في الأمّة متتابعًا ومتفرّقًا، وقد وُجِد منهم أربعة على الولاء، وهم: أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان، ثمّ عليّ -رضي الله عنهم-، ثمّ كانت بعدهم فترة، ثمّ وُجِد منهم ما شاء الله، ثمّ قد يُوجَد منهم مَن بقي في وقتٍ يعلمه الله، ومنهم المهدي الذي يطابق اسمه اسمَ رسول الله - ﷺ -، وكُنيته كنيتَه، يملأ الأرض عدلًا وقسطًا، كما مُلئت جورًا وظلمًا. [وعن] سعيد بن جُمْهان، عن سَفِينة -مولى رسول الله - ﷺ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثمّ يكون مُلكًا (٣)» (٤). ------------------------ (١) أخرجه مسلم: ١٨٢١. (٢) أخرجه البخاري: ٧٢٢٢، ٧٢٢٣. (٣) في الأصل كلمة (عَضوضًا) وقد حذفتها لعدم ورودِها في المصادر، وقد وردت هذه الكلمة في بعض الأحاديث الأخرى على اختلاف بين العلماء على ثبوتها، وثبت معناها في «الصحيحة» رقم (٥). (٤) أخرجه أبو داود والترمذي وابن حبّان في «صحيحه» وغيرهم، وصححه شيخنا - رحمه الله- في «الصحيحة» (٤٥٩). وقوله -تعالى-: ﴿كما استخلف الذين من قبلهم﴾ كما قال -تعالى- عن موسى -عليه السلام-، أنّه قال لقومه: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (١)، وقال -تعالى-: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (٢). وقوله: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (٣). ثمّ ذكر الحافظ ابن كثير -رحمه الله- بعضًا مِن حديث عديِّ بن حاتم، وأرى مِن الفائدة أن أسوقه بتمامه: قال -رضي الله عنه-: «بَينا أنا عند النبيّ - ﷺ - إذ أتاه رجُلٌ فشكا إليه الفاقَةَ، ثمّ أتاه آخر فشكا إليه قَطْع السبيل، فقال: يا عديّ هل رأيت الحِيْرَة؟ قلت: لم أرها وقد أُنبِئتُ عنها. قال: فإنْ طالت بك حياة لتَرَّين الظّعينة (٤) ترتحل من الحِيرَة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدًا إلاَّ الله -قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دُعّار (٥) طَيئ الذين قد سَعّروا البلاد؟ - ولئنْ طالت بك حياة لتُفتَحنّ كنوزُ كسرى، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز، ولئنْ طالت بك حياة لتَرّين الرجل --------------------- (١) الأعراف: ١٢٩. (٢) القصص: ٥ - ٦. (٣) النور: ٥٥. (٤) المرأة في الهودج. (٥) وهو الشاطر الخبيث المُفسد.»الفتح". ![]()
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |