تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5136 - عددالزوار : 2428298 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4726 - عددالزوار : 1744245 )           »          السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 84 - عددالزوار : 1688 )           »          حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 269 - عددالزوار : 167866 )           »          إعانة الفقيه بتيسير مسائل ابن قاسم وشروحه وحواشيه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 109 - عددالزوار : 37175 )           »          الإسلام بين بناء الروح وبناء الدولة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 43 )           »          الجهاد البحري وعطاءات المسلمين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          قراءة سياسية لنصوص صلح الحديبية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 33 )           »          إن الدين عند الله الإسلام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 35 )           »          آداب المقابر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن
التسجيل التعليمـــات التقويم

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 23-06-2024, 02:09 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,610
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السابع

سُورَةُ الْحُجُرَاتِ
الحلقة (501)
صــ 461 إلى صــ 470



يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم .

قوله تعالى: إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا نزلت في الوليد بن عقبة، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق ليقبض صدقاتهم، وقد كانت بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فسار بعض الطريق، ثم خاف فرجع فقال: إنهم قد منعوا [ ص: 461 ] الصدقة وأرادوا قتلي، فصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم البعث إليهم، فنزلت هذه الآية . وقد ذكرت القصة في كتاب "المغني" وفي "الحدائق" مستوفاة، وذكرت معنى "فتبينوا" في سورة [النساء: 94]، والنبأ: الخبر، و "أن" بمعنى "لئلا"، والجهالة هاهنا: أن يجهل حال القوم، فتصبحوا على ما فعلتم من إصابتهم بالخطإ نادمين .

ثم خوفهم فقال: واعلموا أن فيكم رسول الله أي: إن كذبتموه أخبره الله فافتضحتم، ثم قال: لو يطيعكم في كثير من الأمر أي: مما تخبرونه فيه بالباطل لعنتم أي: لوقعتم في عنت . قال ابن قتيبة : وهو الضرر والفساد . وقال غيره: هو الإثم والهلاك . وذلك أن المسلمين لما سمعوا أن أولئك القوم قد كفروا قالوا: ابعث إليهم يا رسول الله واغزهم واقتلهم; ثم خاطب المؤمنين فقال: ولكن الله حبب إليكم الإيمان إلى قوله: والعصيان ، ثم عاد إلى الخبر عنهم فقال: أولئك هم الراشدون [ ص: 462 ] أي: المهتدون إلى محاسن الأمور، فضلا من الله قال الزجاج : المعنى: ففعل بكم ذلك فضلا، أي: للفضل والنعمة .

وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون .

قوله تعالى: وإن طائفتان . . . الآية، في سبب نزولها قولان .

أحدهما: ما روى البخاري ومسلم في "الصحيحين" من حديث أنس بن مالك قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أتيت عبد الله بن أبي: فركب حمارا وانطلق معه المسلمون يمشون، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إليك عني، فوالله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنه أنزلت فيهم "وإن طائفتان . . . " الآية . وقد أخرجا جميعا من حديث أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يعود سعد بن عبادة، فمر بمجلس فيهم عبد الله بن أبي، وعبد الله بن رواحة، فخمر ابن أبي وجهه بردائه، وقال: لا تغبروا علينا، فذكر الحديث، وأن [ ص: 463 ] المسلمين والمشركين واليهود استبوا . وقد ذكرت الحديث بطوله في "المغني" و "الحدائق" . وقال مقاتل: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأنصار وهو على حمار له، فبال الحمار، فقال عبد الله بن أبي: أف، وأمسك على أنفه، فقال عبد الله بن رواحة: والله لهو أطيب ريحا منك، فكان بين قوم ابن أبي وابن رواحة ضرب بالنعال والأيدي والسعف، ونزلت هذه الآية .

والقول الثاني: أنها نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مماراة في حق بينهما، فقال أحدهما: لآخذن حقي عنوة، وذلك لكثرة عشيرته، ودعاه الآخر ليحاكمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزل الأمر بينهما حتى تناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال، قاله قتادة . وقال مجاهد: المراد بالطائفتين: الأوس والخزرج; اقتتلوا بالعصي بينهم . وقرأ أبي بن كعب ، وابن مسعود، وأبو عمران الجوني: "اقتتلا" على فعل اثنين مذكرين . وقرأ أبو المتوكل الناجي، وأبو الجون، وابن أبي عبلة: "اقتتلتا" بتاء وألف بعد اللام على فعل اثنين مؤنثتين . وقال الحسن وقتادة والسدي فأصلحوا بينهما بالدعاء إلى حكم كتاب الله عز وجل والرضى بما فيه لهما وعليها فإن بغت إحداهما طلبت ما ليس لها، ولم ترجع إلى الصلح، فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء أي: ترجع إلى أمر الله أي: إلى طاعته في الصلح الذي أمر به .

[ ص: 464 ] قوله تعالى: وأقسطوا أي: اعدلوا في الإصلاح بينهما .

قوله تعالى: إنما المؤمنون إخوة قال الزجاج : إذا كانوا متفقين في دينهم رجعوا باتفاقهم إلى أصل النسب، لأنهم لآدم وحواء، فإذا اختلفت أديانهم افترقوا في النسب .

قوله تعالى: فأصلحوا بين أخويكم قرأ الأكثرون: ["بين أخويكم"] بياء على التثنية . وقرأ أبي بن كعب ، ومعاوية، وسعيد بن المسيب، وابن جبير، [وقتادة]، وأبو العالية، وابن يعمر، وابن أبي عبلة، ويعقوب: "بين إخوتكم" بتاء مع كسر الهمزة على الجمع . وقرأ علي بن أبي طالب، وأبو رزين ، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، والشعبي، وابن سيرين: "بين إخوانكم" بالنون وألف قبلها . قال قتادة: ويعني بذلك الأوس والخزرج .

[ ص: 465 ] يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون .

قوله تعالى: لا يسخر قوم من قوم هذه الآية نزلت على ثلاثة أسباب; فأما أولها إلى قوله تعالى: خيرا منهم فنزلت على سبب، وفيه قولان .

أحدهما: أن ثابت بن قيس بن شماس جاء يوما يريد الدنو من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان به صمم، فقال لرجل بين يديه: افسح، فقال له الرجل: قد أصبت مجلسا، فجلس مغضبا، ثم قال الرجل: من أنت؟ قال: أنا فلان . فقال ثابت: أنت ابن فلانة؟! فذكر أما له كان يعير بها في الجاهلية، فأغضى الرجل ونكس رأسه، ونزل قوله تعالى: لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ، قاله أبو صالح عن ابن عباس .

والثاني: أن وفد تميم استهزؤوا بفقراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأوا من رثاثة حالهم، فنزلت هذه الآية، قاله الضحاك ومقاتل .

وأما قوله تعالى: ولا نساء من نساء فنزلت على سبب، وفيه ثلاثة أقوال .

[ ص: 466 ] أحدها: أن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم عيرن أم سلمة بالقصر، فنزلت هذه [الآية]، قاله أنس بن مالك . وزعم مقاتل أن عائشة استهزأت من قصر أم سلمة .

والثاني: أن امرأتين من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم سخرتا من أم سلمة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت أم سلمة قد خرجت ذات يوم وقد ربطت أحد طرفي جلبابها على حقوها، وأرخت الطرف الآخر خلفها، ولا تعلم، فقالت إحداهما للأخرى: انظري ما خلف أم سلمة كأنه لسان كلب، قاله أبو صالح عن ابن عباس .

والثالث: أن صفية بنت حيي بن أخطب أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن النساء يعيرنني ويقلن: يا يهودية بنت يهوديين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هلا قلت: إن أبي هارون، وإن عمي موسى، وإن زوجي محمد، فنزلت هذه الآية، رواه عكرمة عن ابن عباس .

وأما قوله تعالى: ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب فنزلت على سبب، وفيه ثلاثة أقوال .

أحدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ولهم ألقاب يدعون بها، فجعل الرجل يدعو الرجل بلقبه، فقيل له: يا رسول الله: إنهم يكرهون هذا، فنزل [ ص: 467 ] قوله تعالى: "ولا تنابزوا بالألقاب"، قاله أبو جبيرة بن الضحاك .

والثاني: أن أبا ذر كان بينه وبين رجل منازعة، فقال له الرجل: يا ابن اليهودية، فنزلت: "ولا تنابزوا بالألقاب"، قاله الحسن .

والثالث: أن كعب بن مالك الأنصاري كان بينه وبين عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي كلام، فقال له: يا أعرابي، فقال له عبد الله: يا يهودي، فنزلت فيهما "ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب" قاله مقاتل .

وأما التفسير، فقوله تعالى: لا يسخر قوم من قوم أي: لا يستهزئ غني بفقير، ولا مستور عليه ذنبه بمن لم يستر عليه، ولا ذو حسب بلئيم الحسب، وأشباه ذلك مما يتنقصه به، عسى أن يكون عند الله خيرا [منه] . وقد بينا في [البقرة: 54] أن القوم اسم الرجال دون النساء، ولذلك قال: "ولا نساء من نساء" و "تلمزوا" بمعنى تعيبوا، وقد سبق بيانه [التوبة: 58] . والمراد بالأنفس هاهنا: الإخوان . والمعنى: لا تعيبوا إخوانكم من المسلمين لأنهم كأنفسكم . والتنابز: التفاعل من النبز، وهو مصدر، والنبز الاسم . والألقاب جمع لقب، وهو اسم يدعى به الإنسان سوى الاسم الذي سمي به . قال ابن قتيبة : "ولا تنابزوا بالألقاب" أي: لا تتداعوا بها . و "الألقاب" و "الأنباز" واحد، ومنه [ ص: 468 ] الحديث: "نبزهم الرافضة" أي: لقبهم . وللمفسرين في المراد بهذه الألقاب أربعة أقوال .

أحدها: تعيير التائب بسيئات قد كان عملها، رواه عطية العوفي عن ابن عباس .

والثاني: أنه تسميته بعد إسلامه بدينه قبل الإسلام، كقوله لليهودي إذا أسلم: يا يهودي، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا، وبه قال الحسن، وسعيد بن جبير، وعطاء الخراساني، والقرظي .

والثالث: أنه قول الرجل للرجل: يا كافر، يا منافق، قاله عكرمة .

والرابع: أنه تسميته بالأعمال السيئة، كقوله: يا زاني; يا سارق، يا فاسق، قاله ابن زيد . قال أهل العلم: والمراد بهذه الألقاب: ما يكرهه المنادى به، أو يعد ذما له . فأما الألقاب التي تكسب حمدا وتكون صدقا، فلا تكره، كما قيل لأبي بكر: عتيق، ولعمر: فاروق، ولعثمان: ذو النورين، ولعلي: أبو تراب، [ ص: 469 ] ولخالد: سيف الله، ونحو ذلك . وقوله: بئس الاسم الفسوق أي: تسميته فاسقا أو كافرا وقد آمن، ومن لم يتب من التنابز فأولئك هم الظالمون وفيه قولان .

أحدهما: الضارون لأنفسهم بمعصيتهم، قاله ابن عباس . والثاني: هم أظلم من الذين قالوا لهم ذلك، قاله ابن زيد .

يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم .

قوله تعالى: اجتنبوا كثيرا من الظن قال ابن عباس: نهى الله تعالى المؤمن أن يظن بالمؤمن شرا . وقال سعيد بن جبير: هو الرجل يسمع من أخيه كلاما لا يريد به سوءا أو يدخل مدخلا لا يريد به [سوءا]، فيراه أخوه المسلم فيظن به سوءا . وقال الزجاج : هو أن يظن بأهل الخير سوءا . فأما أهل السوء والفسق، فلنا أن نظن بهم مثل الذي ظهر منهم . قال القاضي أبو يعلى: هذه الآية تدل على أنه لم ينه عن جميع الظن; والظن على أربعة أضرب . محظور، ومأمور به، ومباح، ومندوب إليه، فأما المحظور، فهو سوء الظن بالله تعالى، والواجب: حسن الظن بالله، وكذلك سوء الظن بالمسلمين الذين ظاهرهم العدالة محظور، وأما الظن المأمور به، فهو ما لم ينصب عليه [ ص: 470 ] دليل يوصل إلى العلم به، وقد تعبدنا بتنفيذ الحكم فيه، والاقتصار على غالب الظن، وإجراء الحكم عليه واجب، وذلك نحو ما تعبدنا به من قبول شهادة العدول، وتحري القبلة، وتقويم المستهلكات، وأروش الجنايات التي لم يرد بمقاديرها توقيف، فهذا وما كان من نظائره قد تعبدنا فيه بأحكام غالب الظنون . فأما الظن المباح، فكالشاك في الصلاة إذا كان إماما، أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالتحري والعمل على ما يغلب في ظنه، وإن فعله كان مباحا، وإن عدل عنه إلى البناء على اليقين كان جائزا وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ظننتم فلا تحققوا"، وهذا من الظن الذي يعرض في قلب الإنسان في أخيه فيما يوجب الريبة، فلا ينبغي له أن يحققه . وأما الظن المندوب إليه، فهو إحسان الظن بالأخ المسلم يندب إليه ويثاب عليه . فأما ما روي في الحديث: "احترسوا من الناس بسوء الظن"، فالمراد: الاحتراس بحفظ المال، مثل أن يقول: إن تركت بابي مفتوحا خشيت السراق .



[ ص: 471 ] قوله تعالى: إن بعض الظن إثم قال المفسرون: هو ما تكلم به مما ظنه من السوء بأخيه المسلم، فإن لم يتكلم به فلا بأس، وذهب بعضهم إلى أنه يأثم بنفس ذلك الظن وإن لم ينطق به .

قوله تعالى: ولا تجسسوا وقرأ أبو رزين، والحسن، والضحاك ، وابن سيرين، وأبو رجاء، وابن يعمر: بالحاء . قال أبو عبيدة: التجسس والتحسس واحد، وهو التبحث، ومنه الجاسوس . وروي عن يحيى بن أبي كثير أنه قال: التجسس، بالجيم: البحث عن عورات الناس، وبالحاء: الاستماع لحديث القوم . قال المفسرون: التجسس: البحث عن عيب المسلمين وعوراتهم; فالمعنى: لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه ليطلع عليه إذ ستره الله . وقيل لابن مسعود: هذا الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرا، فقال: إنا نهينا عن التجسس، فإن يظهر لنا شيء نأخذه به .

قوله تعالى: ولا يغتب بعضكم بعضا أي: لا يتناول بعضكم بعضا بظهر الغيب بما يسوؤه . وقد روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل ما الغيبة؟ قال: "ذكرك أخاك بما يكره" . قال: أرأيت إن كان في أخي ما أقول . قال: "إن كان في أخيك ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته" .

[ ص: 472 ] ثم ضرب الله للغيبة مثلا، فقال: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا وقرأ نافع "ميتا" بالتشديد . قال الزجاج : وبيانه أن ذكرك بسوء من لم يحضر، بمنزلة أكل لحمه وهو ميت لا يحس بذلك . قال القاضي أبو يعلى: وهذا تأكيد لتحريم الغيبة، لأن أكل لحم المسلم محظور، ولأن النفوس تعافه من طريق الطبع، فينبغي أن تكون الغيبة بمنزلته في الكراهة .

قوله تعالى: فكرهتموه وقرأ الضحاك، وعاصم الجحدري: "فكرهتموه" برفع الكاف وتشديد الراء . قال الفراء: أي: وقد كرهتموه فلا تفعلوه، ومن قرأ "فكرهتموه" أي: فقد بغض إليكم، والمعنى واحد . قال الزجاج : والمعنى: كما تكرهون أكل لحمه ميتا، فكذلك تجنبوا ذكره بالسوء غائبا .

قوله تعالى: واتقوا الله أي: في الغيبة إن الله تواب على من تاب رحيم به .

يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير .

[ ص: 473 ] قوله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى في سبب نزولها ثلاثة أقوال .

أحدها: نزلت في ثابت بن قيس وقوله في الرجل الذي لم يفسح له: أنت ابن فلانة، وقد ذكرناه عن ابن عباس في قوله: لا يسخر قوم من قوم [الحجرات: 11] .

والثاني: أنه لما كان يوم الفتح أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فصعد على ظهر الكعبة فأذن، وأراد أن يذل المشركين بذلك، فلما أذن، قال عتاب بن أسيد: الحمد لله الذي قبض أسيدا قبل اليوم، وقال الحارث بن هشام: أما وجد محمدا غير هذا الغراب الأسود مؤذنا؟! وقال سهيل بن عمرو: إن يكره الله شيئا يغيره، وقال أبو سفيان: أما أنا فلا أقول شيئا، فإني إن قلت شيئا لتشهدن علي السماء، ولتخبرن عني الأرض، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل .

والثالث: أن عبدا أسود مرض فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قبض فتولى غسله وتكفينه ودفنه، فأثر ذلك عند الصحابة، فنزلت هذه الآية، قاله يزيد بن شجرة . فأما المراد بالذكر والأنثى، فآدم وحواء . والمعنى: إنكم تتساوون في النسب; وهذا زجر عن التفاخر بالأنساب . فأما الشعوب، فهي جمع شعب . وهو الحي العظيم، مثل مضر وربيعة، والقبائل دونها، كبكر من ربيعة، وتميم من [ ص: 474 ] مضر، هذا قول الجمهور من المفسرين وأهل اللغة . وروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد بالشعوب: الموالي، وبالقبائل: العرب . وقال أبو رزين: الشعوب: أهل الجبال الذين لا يعتزون لأحد، والقبائل: قبائل العرب . وقال أبو سليمان الدمشقي: وقد قيل: إن القبائل هي الأصول، والشعوب هي البطون التي تتشعب منها، وهذا ضد القول الأول .

قوله تعالى: لتعارفوا أي: ليعرف بعضكم بعضا في قرب النسب وبعده . قال الزجاج : المعنى: جعلناكم كذلك لتعارفوا، لا لتفاخروا . ثم أعلمهم أن أرفعهم عنده منزلة أتقاهم . وقرأ أبي بن كعب ، وابن عباس، والضحاك ، وابن يعمر، وأبان عن عاصم: "لتعرفوا" بإسكان العين وكسر الراء من غير ألف . وقرأ مجاهد، وأبو المتوكل، وابن محيصن: "لتعارفوا" بتاء واحدة مشددة وبألف مفتوحة الراء مخففة . وقرأ أبو نهيك، والأعمش: "لتتعرفوا" بتاءين مفتوحة الراء وبتشديدها من غير ألف .

قوله تعالى: إن أكرمكم وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، ومجاهد، وأبو الجوزاء: "أن" بفتح الهمزة . قال الفراء: من فتح "أن" فكأنه قال: لتعارفوا أن الكريم التقي، ولو كان كذلك لكانت "لتعرفوا"، غير أنه يجوز "لتعارفوا" على معنى: ليعرف بعضكم بعضا أن أكرمكم عند الله أتقاكم .

[ ص: 475 ] قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون .

قوله تعالى: قالت الأعراب آمنا قال مجاهد: نزلت في أعراب بني أسد بن خزيمة . ووصف غيره حالهم، فقال: قدموا المدينة في سنة مجدبة، فأظهروا [ ص: 476 ] الإسلام ولم يكونوا مؤمنين، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات، وأغلوا أسعارهم، وكانوا يمنون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك، فنزلت فيهم هذه الآية . وقال السدي: نزلت في أعراب مزينة وجهينة وأسلم وأشجع وغفار [وهم الذين ذكرهم الله تعالى في سورة [الفتح] وكانوا يقولون: آمنا بالله، ليأمنوا على أنفسهم]، فلما استنفروا إلى الحديبية تخلفوا، فنزلت فيهم هذه الآية . وقال مقاتل: كانت منازلهم بين مكة والمدينة، فكانوا إذا مرت بهم سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: آمنا، ليأمنوا على دمائهم وأموالهم، فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية استنفرهم فلم ينفروا معه .

قوله تعالى: قل لم تؤمنوا أي: لم تصدقوا ولكن قولوا أسلمنا قال ابن قتيبة : أي: استسلمنا من خوف السيف، وانقدنا . قال الزجاج : الإسلام: إظهار الخضوع والقبول لما أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذلك يحقن الدم، فإن كان معه اعتقاد وتصديق بالقلب، فذلك الإيمان، فأخرج الله هؤلاء من الإيمان بقوله: ولما يدخل الإيمان في قلوبكم أي: لم تصدقوا، إنما أسلمتم تعوذا من القتل . وقال مقاتل: "ولما" بمعنى "ولم" يدخل التصديق في قلوبكم .

[ ص: 477 ] قوله تعالى: وإن تطيعوا الله ورسوله قال ابن عباس: إن تخلصوا الإيمان لا يلتكم قرأ أبو عمرو: "يألتكم" بألف وهمز; وروي عنه بألف ساكنة مع ترك الهمزة: وقرأ الباقون: "يلتكم" بغير ألف ولا همز . فقراءة أبي عمرو من ألت يألت، وقراءة الباقين من لات يليت، قال الفراء: وهما لغتان، قال الزجاج : معناهما واحد . والمعنى: لا ينقصكم . وقال أبو عبيدة: فيها ثلاث لغات: ألت يألت، تقديرها: أفك يأفك، وألات يليت، تقديرها: أقال يقيل، ولات يليت، قال رؤبة:


وليلة ذات ندى سريت ولم يلتني عن سراها ليت


قوله تعالى: من أعمالكم أي: من ثوابها . ثم نعت الصادقين في إيمانهم بالآية التي تلي هذه . ومعنى: يرتابوا يشكوا . وإنما ذكر الجهاد، لأن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فرضا في ذلك الوقت، أولئك هم الصادقون [في إيمانهم فلما نزلت هاتان الآيتان أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحلفون أنهم مؤمنون صادقون] فنزلت [هذه الآية] .

قوله تعالى: قل أتعلمون الله بدينكم و "علم" بمعنى "أعلم"، ولذلك دخلت الباء في قوله: "بدينكم" والمعنى: أتخبرون [الله] بالدين الذي أنتم عليه؟!، [ ص: 478 ] أي: هو عالم بذلك لا يحتاج إلى إخباركم; وفيهم نزل قوله تعالى: يمنون عليك أن أسلموا قالوا: أسلمنا ولم نقاتلك [والله أعلم] .






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 24-06-2024 الساعة 12:13 AM.
رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,839.64 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,837.89 كيلو بايت... تم توفير 1.75 كيلو بايت...بمعدل (0.10%)]