|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
![]() بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ المجلد السابع الحلقة (529) سُورَةُ الْحَدِيدِ . صـ 540 إلى صـ 548 [ ص: 540 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الْحَدِيدِ . قَوْلُهُ تَعَالَى : سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . قَدْ قَدَّمْنَا مِرَارًا أَنَّ التَّسْبِيحَ هُوَ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِكَمَالِهِ وَجَلَالِهِ ، وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ الْإِبْعَادُ عَنِ السُّوءِ ، مِنْ قَوْلِهِمْ سَبَحَ إِذَا صَارَ بَعِيدًا ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْفَرَسِ : سَابِحٌ ، لِأَنَّهُ إِذَا جَرَى يَبْعُدُ بِسُرْعَةٍ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عَنْتَرَةَ فِي مُعَلَّقَتِهِ : إِذْ لَا أَزَالُ عَلَى رِحَالَةِ سَابِحٍ نَهْدٍ تَعَاوَرُهُ الْكُمَاةُ مُكَلَّمِ وَقَوْلُ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيِّ : لَا يَغْرِسُونَ فَسِيلَ النَّخْلِ حَوْلَهُمُ وَلَا تَخَاوَرُ فِي مَشْتَاهُمُ الْبَقَرُ وَهَذَا الْفِعْلُ الَّذِي هُوَ " سَبَّحَ " قَدْ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ بِدُونِ اللَّامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [ 33 \ 42 ] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا [ 76 \ 26 ] ، وَقَدْ يَتَعَدَّى بِاللَّامِ كَقَوْلِهِ هُنَا : سَبَّحَ لِلَّهِ ، وَعَلَى هَذَا فَسَبَّحَهُ وَسَبَّحَ لَهُ لُغَتَانِ كَنَصَحَهُ وَنَصَحَ لَهُ . وَشَكَرَهُ وَشَكَرَ لَهُ ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي الْآيَةِ وَجْهًا آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ الْمَعْنَى : سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، أَيْ أَحْدَثَ التَّسْبِيحَ لِأَجْلِ اللَّهِ أَيِ ابْتِغَاءَ وَجْهِهِ تَعَالَى ، ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَأَبُو حَيَّانَ ، وَقِيلَ : سَبَّحَ لِلَّهِ أَيْ صَلَّى لَهُ . إِلَّا سَوَابِحَ كَالْعِقْبَانِ مُقْرَبَةً فِي دَارَةٍ حَوْلَهَا الْأَخْطَارُ وَالْفِكَرُ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ التَّسْبِيحَ يُطْلَقُ عَلَى الصَّلَاةِ ، وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُسَبِّحُونَ لِلَّهِ ، أَيْ يُنَزِّهُونَهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ - بَيَّنَهُ اللَّهُ - جَلَّ وَعَلَا - فِي آيَاتٍ أُخَرَ مِنْ كِتَابِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَشْرِ : سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الْآيَةَ [ 59 \ 1 ] ، وَقَوْلِهِ فِي الصَّفِّ : سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الْآيَةَ [ 61 \ 1 ] ، وَقَوْلِهِ فِي الْجُمُعَةِ : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ الْآيَةَ [ 62 \ 1 ] ، وَقَوْلِهِ فِي التَّغَابُنِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الْآيَةَ [ 64 \ 1 ] . وَزَادَ فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرْضَ يُسَبِّحْنَ لِلَّهِ مَعَ مَا فِيهِمَا [ ص: 541 ] مِنَ الْخَلْقِ وَأَنَّ تَسْبِيحَ السَّمَاوَاتِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْجَمَادَاتِ يَعْلَمُهُ اللَّهُ وَنَحْنُ لَا نَفْقَهُهُ أَيْ لَا نَفْهَمُهُ ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ 17 \ 44 ] ، وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ تَسْبِيحَ الْجَمَادَاتِ الْمَذْكُورَ فِيهَا وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ [ 21 \ 79 ] ، وَنَحْوِ ذَلِكَ تَسْبِيحٌ حَقِيقِيٌّ يَعْلَمُهُ اللَّهُ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُهُ . وَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فِيهَا الرَّدُّ الصَّرِيحُ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ تَسْبِيحَ الْجَمَادَاتِ هُوَ دَلَالَةُ إِيجَادِهَا عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِهَا ، لِأَنَّ دَلَالَةَ الْكَائِنَاتِ عَلَى عَظَمَةِ خَالِقِهَا يَفْهَمُهَا كُلُّ الْعُقَلَاءِ ، كَمَا صَرَّحَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ إِلَى قَوْلِهِ : لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ 2 \ 164 ] ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ . وَقَدْ قَدَّمْنَا إِيضَاحَ هَذَا فِي سُورَةِ الرَّعْدِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ الْآيَةَ [ 13 \ 15 ] ، وَفِي سُورَةِ الْكَهْفِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ الْآيَةَ [ 18 \ 77 ] ، وَفِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا الْآيَةَ [ 23 \ 72 ] ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَوَاضِعِ . وَقَدْ عَبَّرَ تَعَالَى هُنَا فِي أَوَّلِ الْحَدِيدِ بِصِيغَةِ الْمَاضِي فِي قَوْلِهِ : سَبَّحَ لِلَّهِ الْآيَةَ [ 57 \ 1 ] ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْحَشْرِ ، وَالصَّفِّ ، وَعَبَّرَ فِي الْجُمُعَةِ وَالتَّغَابُنِ ، وَغَيْرِهِمَا بِقَوْلِهِ : يُسَبِّحُ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ . قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّمَا عَبَّرَ بِالْمَاضِي تَارَةً وَبِالْمُضَارِعِ أُخْرَى لِيُبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ التَّسْبِيحَ لِلَّهِ هُوَ شَأْنُ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَأَهْلِ الْأَرْضِ ، وَدَأْبُهُمْ فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ . ذَكَرَ مَعْنَاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَأَبُو حَيَّانَ . وَقَوْلُهُ : وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ 57 \ 1 ] ، قَدْ قَدَّمْنَا مَعْنَاهُ مِرَارًا ، وَذَكَرْنَا أَنَّ الْعَزِيزَ هُوَ الْغَالِبُ الَّذِي لَا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ ، وَأَنَّ الْعِزَّةَ هِيَ الْغَلَبَةُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ [ 63 \ 8 ] ، وَقَوْلُهُ : وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ، أَيْ : غَلَبَنِي فِي الْخِصَامِ ، وَمِنْ أمْثَالِ الْعَرَبِ : مَنْ عَزَّ بَزَّ ، يَعْنُونَ : مَنْ غَلَبَ اسْتَلَبَ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْخَنْسَاءِ : [ ص: 542 ] كَأَنْ لَمْ يَكُونُوا حِمًى يُخْتَشَى إِذِ النَّاسُ إِذْ ذَاكَ مَنْ عَزَّ بَزَّا وَالْحَكِيمُ : هُوَ مَنْ يَضَعُ الْأُمُورَ فِي مَوَاضِعِهَا وَيُوقِعُهَا فِي مَوَاقِعِهَا . وَقَوْلُهُ : مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [ 57 \ 1 ] ، غُلِّبَ فِيهِ غَيْرُ الْعَاقِلِ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّهُ تَعَالَى تَارَةً يُغَلِّبُ غَيْرَ الْعَاقِلِ ، فِي نَحْوِ : " مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ " لِكَثْرَتِهِ ، وَتَارَةً يُغَلِّبُ الْعَاقِلَ لِأَهَمِّيَّتِهِ . وَقَدْ جَمَعَ الْمِثَالُ لِلْأَمْرَيْنِ ، قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْبَقَرَةِ : بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ الْآيَةَ [ 2 \ 116 ] ، فَغَلَّبَ غَيْرَ الْعَاقِلِ فِي قَوْلِهِ : مَا فِي السَّمَاوَاتِ ، وَغَلَّبَ الْعَاقِلَ فِي قَوْلِهِ : قَانِتُونَ . قوله تعالى : هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش . قوله : في ستة أيام [ 57 \ 4 ] ، قد قدمنا إيضاحه في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى : قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين إلى قوله تعالى : فقضاهن سبع سماوات في يومين الآيات [ 9 \ 12 ] ، وفي سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى : إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام الآية [ 7 \ 54 ] . وقوله تعالى : ثم استوى على العرش [ 57 \ 4 ] ، قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى : ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار الآية [ 7 \ 54 ] ، وذكرنا طرفا صالحا من ذلك في سورة القتال في كلامنا الطويل على قوله تعالى : أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها [ 47 \ 24 ] . قوله تعالى : يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها . قد قدمنا إيضاحه في أول سورة سبأ في الكلام على قوله تعالى : يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور الآية [ 34 \ 2 ] . قوله تعالى : وهو معكم أين ما كنتم . قد قدمنا إيضاحه وبينا الآيات القرآنية الدالة على المعية العامة والمعية الخاصة ، مع بيان معنى المعية في آخر سورة النحل في الكلام على قوله تعالى : [ ص: 543 ] إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون الآية [ 16 \ 128 ] . قوله تعالى : هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور . ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي ينزل على عبده محمد - صلى الله عليه وسلم - آيات بينات ، أي واضحات . وهي هذا القرآن العظيم ؛ ليخرج الناس بهذا القرآن العظيم المعبر عنه بالآيات البينات ، من الظلمات : أي من ظلمات الكفر والمعاصي إلى نور التوحيد والهدى ، وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء مبينا في قوله تعالى في الطلاق : فاتقوا الله ياأولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور الآيتان [ 65 \ 10 - 11 ] ، وآية الطلاق هذه بينت أن آية الحديد من العام المخصوص ، وأنه لا يخرج بهذا القرآن العظيم من الظلمات إلى النور إلا من وفقهم الله للإيمان والعمل الصالح ، فقوله في الحديد : ليخرجكم من الظلمات [ 57 \ 9 ] ، أي بشرط الإيمان والعمل الصالح بدليل قوله : ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات الآية [ 65 \ 11 ] . فالدعوة إلى الإيمان بالقرآن والخروج بنوره من ظلمات الكفر عامة ، ولكن التوفيق إلى الخروج به من الظلمات إلى النور خاص بمن وفقهم الله ، كما دلت عليه آيات الطلاق المذكورة ، والله - جل وعلا - يقول : والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم [ 10 \ 25 ] . وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون القرآن نورا يخرج الله به المؤمنين من الظلمات إلى النور جاء موضحا في آيات من كتاب الله كقوله تعالى : ياأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا [ 4 \ 174 ] ، وقوله تعالى : قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم [ 5 \ 15 - 16 ] ، وقوله تعالى : فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا [ 64 \ 8 ] ، وقوله تعالى : فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون [ 7 \ 157 ] ، وقوله تعالى : ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا الآية [ 42 \ 52 ] . [ ص: 544 ] قوله تعالى : ولله ميراث السماوات والأرض . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى : إنا نحن نرث الأرض ومن عليها الآية [ 19 \ 40 ] . قوله تعالى : يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم . ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن المؤمنين يوم القيامة يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ، وهو جمع يمين ، وأنهم يقال لهم : بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم [ 57 \ 12 ] . وما تضمنته هذه الآية الكريمة مما ذكرنا - جاء موضحا في آيات أخر ، أما سعي نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ، فقد بينه تعالى في سورة التحريم ، وزاد فيها بيان دعائهم الذين يدعون به في ذلك الوقت ، وذلك في قوله تعالى : يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا الآية [ 66 \ 8 ] . وأما تبشيرهم بالجنات فقد جاء موضحا في مواضع أخر ، وبين الله فيها أن الملائكة تبشرهم وأن ربهم أيضا يبشرهم كقوله تعالى : يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم [ 9 \ 21 - 22 ] ، وقوله تعالى : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون إلى قوله : نزلا من غفور رحيم [ 41 : 30 - 32 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور . الضمير المرفوع في " ينادونهم " راجع إلى المنافقين والمنافقات ، والضمير المنصوب راجع إلى المؤمنين والمؤمنات ، وقد ذكر الله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة : أن المنافقين والمنافقات إذا رأوا نور المؤمنين يوم القيامة يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ، قالوا لهم : انظروا نقتبس من نوركم ، وقيل لهم جوابا لذلك : ارجعوا وراءكم فالتمسوا [ ص: 545 ] نورا ، وضرب بينهم بالسور المذكور أنهم ينادون المؤمنين : ألم نكن معكم ، أي في دار الدنيا ، كنا نشهد معكم الصلوات ونسير معكم في الغزوات وندين بدينكم ؟ قالوا : بلى ، أي كنتم معنا في دار الدنيا ، ولكنكم فتنتم أنفسكم . وقد قدمنا مرارا معاني الفتنة وإطلاقاتها في القرآن ، وبينا أن من معاني إطلاقاتها في القرآن الضلال كالكفر والمعاصي ، وهو المراد هنا أي فتنتم أنفسكم : أي أضللتموها بالنفاق الذي هو كفر باطن ، ومن هذا المعنى قوله تعالى : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة [ 8 \ 39 ] ، أي لا يبقى شرك كما تقدم إيضاحه ، وقوله : وتربصتم [ 57 \ 14 ] ، التربص : الانتظار ، والأظهر أن المراد به هنا تربص المنافقين بالمؤمنين الدوائر أي انتظارهم بهم نوائب الدهر أن تهلكهم ، كقوله تعالى في منافقي الأعراب المذكورين في قوله : وممن حولكم من الأعراب منافقون [ 9 \ 101 ] ، ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء [ 9 \ 98 ] . وقوله تعالى : وارتبتم أي شككتم في دين الإسلام ، وشكهم المذكور هنا وكفرهم بسببه بينه الله تعالى في قوله عنهم : إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون [ 9 \ 45 ] . وقوله تعالى : وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله [ 57 \ 14 ] ، الأماني جمع أمنية ، وهي ما يمنون به أنفسهم من الباطل ، كزعمهم أنهم مصلحون في نفاقهم ، وأن المؤمنين حقا سفهاء في صدقهم ، أي في إيمانهم ، كما بين تعالى ذلك في قوله : وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون الآية [ 2 \ 11 - 12 ] ، وقوله تعالى : وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء الآية [ 2 \ 13 ] . وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الأماني المذكورة من الغرور الذي اغتروا به - جاء موضحا في غير هذا الموضع كقوله تعالى : ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به إلى قوله : ولا يظلمون نقيرا [ 4 \ 123 - 124 ] . وقوله : حتى جاء أمر الله [ 57 \ 14 ] ، الأظهر أنه الموت لأنه ينقطع به العمل . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : وغركم بالله الغرور [ 57 \ 14 ] ، هو [ ص: 546 ] الشيطان ، وعبر عنه بصيغة المبالغة التي هي المفعول لكثرة غروره لبني آدم ، كما قال تعالى : وما يعدهم الشيطان إلا غرورا [ 17 \ 64 ] . وما ذكره - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة من أن الشيطان الكثير الغرور غرهم بالله - جاء موضحا في آيات أخر كقوله تعالى في آخر لقمان : إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور [ 35 \ 5 ] ، وقوله في أول فاطر : ياأيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير [ 35 \ 5 - 6 ] . وقوله تعالى في آية لقمان وآية فاطر المذكورتين إن وعد الله حق [ 10 \ 55 ] وترتيبه على ذلك النهي عن أن يغرهم بالله الغرور - دليل واضح على أن مما يغرهم به الشيطان أن وعد الله بالبعث ليس بحق ، وأنه غير واقع . والغرور بالضم الخديعة . قوله تعالى : فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به الآية [ 3 \ 91 ] ، وفي غير ذلك من المواضع . قوله تعالى : ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون . قد قدمنا مرارا أن كل فعل مضارع في القرآن مجزوم بـ " لم " إذا تقدمتها همزة الاستفهام كما هنا - فيه وجهان من التفسير معروفان . الأول منهما : هو أن تقلب مضارعته ماضوية ، ونفيه إثباتا ، فيكون بمعنى الماضي المثبت ، لأن " لم " حرف تقلب المضارع من معنى الاستقبال إلى معنى المضي ، وهمزة الاستفهام إنكارية ، فيها معنى النفي ، فيتسلط النفي الكامن فيها على النفي الصريح في " لم " فينفيه ، ونفي النفي إثبات ، فيرجع المعنى إلى الماضي المثبت . وعليه فالمعنى " ألم يأن للذين " أي : آن للذين آمنوا . والوجه الثاني : أن الاستفهام في جميع ذلك للتقرير ، وهو حمل المخاطب على أن [ ص: 547 ] يقر فيقول : بلى . وقوله : " يأن " : هو مضارع " أنى يأنى " إذا جاء إناه أي وقته ، ومنه قول كعب بن مالك رضي الله عنه : ولقد أنى لك أن تناهى طائعا أو تستفيق إذا نهاك المرشد فقوله : أنى لك أن تناهى طائعا ، أي جاء الإناه الذي هو الوقت الذي تتناهى فيه طائعا ، أي حضر وقت تناهيك ، ويقال في العربية : آن يئين كباع يبيع ، وأنى يأني كرمى يرمي ، وقد جمع اللغتين قول الشاعر : ألما يئن لي أن تجلى عمايتي وأقصر عن ليلى بلى قد أنى ليا والمعنى على كلا القولين أنه حان للمؤمنين ، وأنى لهم أن تخشع قلوبهم لذكر الله ، أي جاء الحين والأوان لذلك ، لكثرة ما تردد عليهم من زواجر القرآن ومواعظه . وقوله تعالى : أن تخشع قلوبهم [ 57 \ 16 ] ، المصدر المنسبك من " أن " وصلتها في محل رفع فاعل بـ " أن " ، والخشوع أصله في اللغة السكون والطمأنينة والانخفاض ، ومنه قول نابغة ذبيان : رماد ككحل العين لأيا أبينه ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع فقوله : " خاشع " أي منخفض مطمئن ، والخشوع في الشرع خشية من الله تداخل القلوب ، فتظهر آثارها على الجوارح بالانخفاض والسكون ، كما هو شأن الخائف . وقوله : لذكر الله ، الأظهر منه أن المراد خشوع قلوبهم لأجل ذكر الله ، وهذا المعنى دل عليه قوله تعالى : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم [ 8 \ 2 ] ، أي خافت عند ذكر الله ، فالوجل المذكور في آية الأنفال هذه ، والخشية المذكورة هنا معناهما واحد . وقال بعض العلماء : المراد بذكر الله القرآن ، وعليه فقوله : وما نزل من الحق [ 57 \ 16 ] من عطف الشيء على نفسه مع اختلاف اللفظين ، كقوله تعالى : سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى [ 87 \ 1 - 3 ] ، كما أوضحناه مرارا . وعلى هذا القول فالآية كقوله تعالى : [ ص: 548 ] الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله [ 39 \ 23 ] . فالاقشعرار المذكور ولين الجلود والقلوب عند سماع هذا القرآن العظيم المعبر عنه بأحسن الحديث - يفسر معنى الخشوع لذكر الله ، وما نزل من الحق هنا كما ذكر . وقوله تعالى : ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم [ 57 \ 16 ] ، قد قدمنا في سورة البقرة في الكلام على قوله : ثم قست قلوبكم [ 2 \ 74 ] بعض أسباب قسوة قلوبهم ، فذكرنا منها طول الأمد المذكور هنا في آية الحديد هذه ، وغير ذلك في بعض الآيات الأخر . وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كثرة الفاسقين ، من أهل الكتاب - جاء موضحا في آيات أخر كقوله تعالى : ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون [ 3 \ 110 ] ، وقوله تعالى : ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون [ 57 \ 27 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما . قد قدمنا الكلام عليه في سورة الزمر في الكلام على قوله تعالى : ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما الآية [ 39 \ 21 ] ، وبينا هناك الآية الدالة على سبب اصفراره . قوله تعالى : ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير . ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن كل ما أصاب من المصائب في الأرض كالقحط والجدب والجوائح في الزراعة والثمار وفي الأنفس من الأمراض والموت كله مكتوب في كتاب قبل خلق الناس ، وقبل وجود المصائب ، فقوله : من قبل أن نبرأها [ 57 \ 22 ] ، الضمير فيه عائد على الخليقة المفهومة في ضمن قوله : وفي أنفسكم [ 57 \ 22 ] ، أو إلى المصيبة ، واختار بعضهم رجوعه لذلك كله . وقوله تعالى : إن ذلك على الله يسير [ 57 \ 22 ] ، أي سهل هين لإحاطة علمه وكمال قدرته . ![]()
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |