تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         تحت العشرين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 141 - عددالزوار : 96751 )           »          تأملات في قانون الأحوال الشخصية الجديد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 6 - عددالزوار : 1191 )           »          المرأة والأسرة --------- متجدد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 140 - عددالزوار : 98642 )           »          مرتكزات البناء الأسري في التربية النبوية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          المسؤولية التربوية وأثرها في صلاح المجتمع (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 23 - عددالزوار : 21654 )           »          باختصار .. العقيدة وبناء الإيمان الصحيح (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          منهج ابن تيمية .. في التوحيد والعقيدة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          التوكُّل .. سعي بلا قلق وثقة بلا تردد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          عالم التقنية والذكاء الاصطناعي .. أمن المعلومات وحماية المستفيدين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 23-01-2023, 11:19 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,401
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ الْأَعراف
المجلد السابع
صـ 2806 الى صـ 2820
الحلقة (361)


[84] وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين

وأمطرنا عليهم مطرا " أي وأرسلنا عليهم نوعا من المطر عجيبا غير متعارف، وهو مبين بقوله تعالى: وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل أي طين متحجر.

قال المهايمي : ولكفرهم بمطر الشرائع المحيي بإبقاء النسل وغيره، انقلب عليهم في صورة العقاب.

[ ص: 2806 ] وقرأت في التوراة المعربة، أن الملكين اللذين جاءا لوطا عليه السلام، يخبرانه ويبشرانه بهلاك قومه، قالا له: أخرج من هذا الموضع، من لك ههنا من أصهارك وبنيك وبناتك وجميع من لك، فإنا بعثنا الرب لنهلك هذه المدينة.

ولما كان عند طلوع الفجر ألح الملكان على لوط بأخذ امرأته وابنتيه، ثم أمسكا بأيديهم جميعا وصيراهم خارج المدينة وقالا: لا يلتفت أحد منكم إلى ورائه، وتخلصا إلى الجبل. ولما أشرقت أمطر الرب من السماء على سدوم وعمورة كبريتا ونارا، وقلب تلك المدن، وكل البقعة وجميع سكان المدن ونبت الأرض، والتفتت امرأته إلى ورائها فصارت نصب ملح، وقدم إبراهيم غدوة من أرضه، فتطلع إلى جهة سدوم وعمورة ، فإذا دخان الأرض صاعد كدخان الأتون. انتهى.

وقرأت في نبوة حزقيال عليه السلام، في الفصل السادس عشر: في بيان إثم سدوم ما نصه:

إن الاستكبار والشبع من الخبز، وطمأنينة الفراغ، كانت في سدوم وتوابعها، ولم تعضد يد البائس والمسكين، وتشامخن وصنعن الرجس أمامي، فنزعتهن كما رأيت انتهى.

وقد صار موضع تلك المدن بحر ماء أجاج، لم يزل إلى يومنا هذا، ويعرف بالبحر الميت ، أو بحيرة لوط ، والأرض التي تليها قاحلة لا تنبت شيئا.

قال في (مرشد الطالبين): بحر لوط ، هو بحر سدوم ، ويدعى أيضا البحر الميت ، وهو بركة مالحة في فلسطين ، طولها خمسون ميلا، وعرضها عشرة أميال، وهي أوطأ من بحر الروم بنحو 1250 قدما، وموقعها في الموضع الذي كانت عليه سدوم وعمورة وأدمة وصبوييم . انتهى.

وقوله: فانظر كيف كان عاقبة المجرمين أي هؤلاء أجرموا بالكفر وعمل الفواحش، كيف أهلكناهم.

والنظر تعجيبا من حالهم، وتحذيرا من أعمالهم، فإن من تستولي عليه رذيلة الدعارة، تكبحه عن التوفيق نفسا وجسدا، وتورده موارد الهلكة والبوار، جزاء ما جنى لهم اتباع الأهواء.

[ ص: 2807 ] تنبيه في حد اللوطي:

اعلم أنه وردت السنة بقتل من لاط بذكر، ولو كان بكرا، وكذلك المفعول به إذا كان مختارا، لحديث ابن عباس ، عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي والحاكم والبيهقي ، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط ، فاقتلوا الفاعل والمفعول به » . قال ابن حجر : رجاله موثقون، إلا أن فيه اختلافا.

وأخرج ابن ماجه والحاكم من حديث أبي هريرة مرفوعا: « اقتلوا الفاعل والمفعول به أحصنا أو لم يحصنا » - وإسناده ضعيف-.

قال ابن الطلاع في (أحكامه): لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رجم في اللواط، ولا أنه حكم فيه. وثبت عنه أنه قال: اقتلوا الفاعل والمفعول به - رواه عنه ابن عباس وأبو هريرة - انتهى.

وأخرج البيهقي عن علي أنه رجم لوطيا .

وأخرج البيهقي أيضا عن أبي بكر ، أنه جمع الناس في حق رجل ينكح كما تنكح النساء، فسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فكان من أشدهم يومئذ قولا، علي بن أبي طالب قال: [ ص: 2808 ] هذا ذنب لم تعص به أمة من الأمم إلا أمة واحدة، صنع الله بها ما قد علمتم، نرى أن نحرقه بالنار، فاجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يحرقه بالنار، فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن يحرقه بالنار .

وأخرج أبو داود عن سعيد بن جبير ومجاهد ، عن ابن عباس : في البكر يؤخذ على اللوطية، يرجم .

وأخرج البيهقي عن ابن عباس أيضا، أنه سئل عن حد اللوطي فقال: ينظر أعلى بناء في القرية فيرمى به منكسا، ثم يتبع بالحجارة .

وقال المنذري : حرق اللوطية بالنار أبو بكر وعلي ، وعبد الله بن الزبير وهشام بن عبد الملك .

وبالجملة: فلما ثبت أن حده القتل بقي الاجتهاد في هيئته حرقا أو تردية أو غيرهما.

وقال بعض المحققين: إن كان اللواط مما يصح اندراجه تحت عموم أدلة الزنى فهو مخصص بما ورد فيه من القتل لكل فاعل، محصنا أو غيره، وإن كان غير داخل تحت أدلة الزنى، ففي أدلته الخاصة له ما يشفي ويكفي. انتهى.

وقال الإمام الجشمي اليمني : لو كان في اللواط حد معلوم لما خفي على الصحابة، حتى شاورهم في ذلك أبو بكر رضي الله عنه، لما كتب إليه خالد بن الوليد .

وقال الإمام ابن القيم في (زاد المعاد): لم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قضى في اللواط بشيء، لأن هذا لم تكن تعرفه العرب ، ولم يرفع إليه صلى الله عليه وسلم، ولكن ثبت عنه أنه قال: اقتلوا الفاعل والمفعول به - رواه أهل السنن الأربعة وإسناده صحيح - وقال الترمذي : حديث حسن، وحكم به أبو بكر الصديق ، وكتب به إلى خالد ، بعد مشاورة الصحابة، وكان علي كرم الله وجهه أشدهم في ذلك.

[ ص: 2809 ] وقال ابن القصار وشيخنا: أجمعت الصحابة على قتله، وإنما اختلفوا في كيفية قتله، فقال أبو بكر الصديق : يرمى من شاهق، وقال علي كرم الله وجهه: يهدم عليه حائط، وقال ابن عباس : يقتلان بالحجارة. فهذا اتفاق منهم على قتله، وإن اختلفوا في كيفيته.

وهذا موافق لحكمه صلى الله عليه وسلم فيمن وطئ ذات محرم، لأن الوطء في الموضعين لا يباح للواطئ بحال. ولهذا جمع بينهما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، فإنه روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: « من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوه » .

وروي أيضا عنه: من وقع على ذات رحم فاقتلوه . وفي حديثه أيضا بالإسناد: « من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه » .

وهذا الحكم على وفق حكم الشارع، فإن المحرمات كلما تغلظت، تغلظت عقوبتها، ووطء من لا يباح بحال أعظم جرما من وطء من يباح في بعض الأحوال، فيكون حده أغلظ.

وقد نص أحمد في إحدى الروايتين عنه، أن حكم من أتى بهيمة حكم اللواط سواء، فيقتل بكل حال، أو يكون حده حد الزاني.

واختلف السلف في ذلك، فقال الحسن : حده حد الزاني. وقال أبو سلمة : يقتل بكل حال. وقال الشعبي والنخعي : يعزر، وبه أخذ الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد في رواية، فإن ابن عباس أفتى بذلك، وهو راوي الحديث. انتهى.

وقد طعن الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث (الهداية) في دعوى إجماع الصحابة على قتل اللوطي في رواية البيهقي : أن أبا بكر جمع الصحابة فسألهم، فكان أشدهم في ذلك قولا علي ، فقال: نرى أن نحرقه بالنار، فاجتمع رأيهم على ذلك . قال ابن حجر : قلت: وهو ضعيف جدا، ولو صح لكان قاطعا للحجة. انتهى.

وجلي أن عقوبات القتل أعظم الحدود، فلا يؤخذ فيها إلا بالقواطع من كتاب أو سنة متواترة، أو إجماع أو حديث صحيح السند والمتن، قطعي الدلالة.

ولذا كان على الحاكم بذل جهده في ذلك استبراء لدينه - والله أعلم-.

[ ص: 2810 ]
القول في تأويل قوله تعالى:

[85] وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين

وإلى مدين أخاهم شعيبا " أي وأرسلنا إليهم. قال ابن إسحاق : هم من سلالة مدين بن إبراهيم ، وشعيب هو ابن ميكيل بن يشجر بن مدين .

قال ابن كثير : مدين تطلق على القبيلة وعلى المدينة التي بقرب معان من طريق الحجاز وهم أصحاب الأيكة .

قال يا قوم " أي: الذين أحب كمالهم دينا ودنيا: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره وهذه دعوة الرسل كلهم كما قدمنا قد جاءتكم بينة من ربكم أي ما تبين به الحق من الباطل. يعني دعوته وإرشاده، ومن هنا قال بعضهم: عني بالبينة مجيء شعيب ، وأنه لم تكن له آية إلا النبوة، ومن فسر البينة بالحجة والبرهان والمعجزة المحسوسة ذهابا إلى أن النبي لما كان يدعو إلى شرع يوجب قبوله، فلا بد من دليل يعلم صدقه به، وما ذاك إلا المعجزة. قال: إن معجزة شعيب لم تذكر في القرآن، وليست كل آيات الأنبياء مذكورة في القرآن. ولا يخفى أن البينة أعم من المعجزة بعرفهم، فكل من أبطلت شبهة ضلاله، وأظهرت له حجة الحق الذي يدعى إليه فقد جاءته البينة. لأن حقيقة البينة كل ما يبين الحق، فاحفظه.

قال الجشمي : واختلفوا، فقيل: لا يجوز أن يبعث إلا ومعه شرع - عن أبي هاشم -. وقيل: يجوز أن يدعو إلى ما في العقل -عن أبي علي - انتهى.

[ ص: 2811 ] وقد دلت الآيات هذه على أن شعيبا عليه السلام، دعاهم إلى التوحيد والشرائع، على ما جرت به عادة الرسل، فمنها قوله: فأوفوا الكيل والميزان أي: فأتموهما للناس بإعطائهم حقوقهم: ولا تبخسوا الناس أشياءهم أي: لا تنقصوهم حقوقهم فلا تخونوا الناس في أموالهم، وتأخذوها على وجه البخس، وهو نقص المكيال والميزان خفية وتدليسا كما قال تعالى: ويل للمطففين إلى قوله: لرب العالمين

يقال: بخسه حقه أي: نقصه إياه، وظلمه فيه.

قال الزمخشري : كانوا يبخسون الناس كل شيء في مبايعاتهم، أو كانوا مكاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوه. قال زهير :


أفي كل أسواق العراق إتاوة وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم


قال القاضي : وإنما قال أشياءهم " للتعميم، تنبيها على أنهم كانوا يبخسون الجليل والحقير والقليل والكثير -انتهى.

والنهي عن النقص يوجب الأمر بالإيفاء. فقيل: في فائدة التصريح بالمنهي عنه بيان لقبحه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله تعالى: ولا تبخسوا " الآية، قال: أي لا تسموا لهم شيئا، وتعطوا لهم غير ذلك. ودلت الآية على أن إيفاء الكيل والميزان واجب على حسب ما يعتاد في صفة الكيل والوزن ولا تفسدوا في الأرض " أي: بالكفر والظلم بعد إصلاحها " أي: بعد ما أصلح أمرها وأهلها الأنبياء، وأتباعهم الصالحون العاملون بشرائعهم من وضع الكيل والوزن والحدود والأحكام، ذلكم " إشارة إلى العمل بما أمروا به ونهوا عنه خير لكم " في الحال لتوجه الناس إليكم بسبب حسن الأحدوثة، وفي المآل إن كنتم مؤمنين " أي: مصدقين قولي.

[ ص: 2812 ]
القول في تأويل قوله تعالى:

[86] ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين

" ولا تقعدوا بكل صراط توعدون نهي عن قطع الطريق الحسي. أي: لا تجلسوا على كل طريق فيه ممر الناس الغرباء، تضربونهم وتخوفونهم، وتأخذون ثيابهم، وتتوعدونهم بالقتل، إن لم يعطوكم أموالهم.

قال مجاهد : كانوا عشارين -أخرجه أبو الشيخ - وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي مثله.

وعن ابن عباس وغير واحد أي تتوعدون المؤمنين الآتين إلى شعيب ليتبعوه.

قال ابن كثير : والأول أظهر، لأنه قال بكل صراط " وهو الطريق. وهذا الثاني هو قوله: وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا أي: تصرفون عن دين الله وطاعته من آمن بشعيب ، وتطلبون لها عوجا بإلقاء الشبه، ووصفها بما ينقصها لتغييرها: واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم بالعدد والعدد، فاشكروا نعمة الله عليكم في ذلك: وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين أي: من الأمم الخالية، والقرون الماضية، وما حل بهم من العذاب والنكال باجترائهم على معاصي الله وتكذيب رسله.
القول في تأويل قوله تعالى:

[87] وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين

" وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا يعني وإن اختلفتم في رسالتي فصرتم فرقتين مؤمنة وكافرة فاصبروا حتى يحكم الله بيننا [ ص: 2813 ] أي: بين الفريقين بنصر المحقين على المبطلين، فهو وعد للمؤمنين، ووعيد للكافرين.

قال الشهاب : وخطاب (اصبروا) للمؤمنين، ويجوز أن يكون للفريقين، أي: ليصبر المؤمنون على أذى الكفار، والكفار على ما يسوؤهم من إيمانهم. أو للكافرين أي: تربصوا لتروا حكم الله بيننا وبينكم وهو خير الحاكمين " لأنه منزه عن الجور في حكمه، فسيجعل العاقبة للمتقين، والدمار على الكافرين.
القول في تأويل قوله تعالى:

[88] قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين

قال الملأ الذين استكبروا من قومه " أي عن الإيمان لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن أي إلى ترك دعوى الرسالة، والإقرار بها داخلين في ملتنا " أي ملة المشركين.

قال الجشمي : الملة الديانة التي يجمع على العمل بها فرقة عظيمة. والأصل فيه تكرر الأمر، من قولهم: طريق ممل ومليل، إذا تكرر سلوكه حتى صار معلما. ومنه الملل: تكرار الشيء على النفس حتى تضجر منه. انتهى.

قال " أي شعيب أولو كنا كارهين " أي: أتجبروننا على ذلك، وإن كنا كارهين له؟ مع أنه لا فائدة في الإكراه، لأن دينكم إن كان حقا، لم نكن بالإكراه منقادين له، وإن كان باطلا، لم نكن بالإكراه متصفين به، لأنه بالحقيقة صفة القلب، ولا يسري إكراهكم إليه. وكيف لا نكرهه وهو يستلزم غاية القبح والظلم.

[ ص: 2814 ]
القول في تأويل قوله تعالى:

[89] قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين

قد افترينا على الله كذبا " أي اختلقنا عليه باطلا بأن له شريكا إن عدنا " إلى ترك دعوى الرسالة والإقرار بها، لندخل في ملتكم " القائلة بأن له شريكا. بعد إذ نجانا الله منها " فأرانا أنه كالإنجاء من النار.

وما يكون " أي: ينبغي لنا أن نعود " أي عن دعوى الرسالة والإقرار بها فنصير فيها إلا أن يشاء الله ربنا " أي الذي يربينا بما علم من استعدادنا، لأنه وسع ربنا كل شيء علما أي فعلم استعداد كل واحد في كل وقت، لكن على الله توكلنا " أي: ليحفظنا عن المصير إليها ربنا " إن قصدوا إكراهنا عليها أو إخراجنا من قريتهم: افتح بيننا وبين قومنا بالحق فغلبنا عليهم وأنت خير الفاتحين " أي خير الحاكمين، فلا تغلب الظالمين وإن كثروا، على المظلومين إذا استفتحوك.

تنبيهات:

الأول: اعلم أن ظاهر قوله تعالى: أو لتعودن في ملتنا وقوله: بعد إذ نجانا الله منها يدل على أن شعيبا عليه السلام كان على ملتهم قبل بعثته، ومعلوم عصمة الأنبياء عن الكبائر، فضلا عن الشرك.

وفي (المواقف وشرحها): أن الأمة أجمعت على عصمة الأنبياء من الكفر قبل النبوة وبعدها، غير أن الأزارقة من الخوارج جوزوا عليهم الذنب، وكل ذنب عندهم كفر، فلزمهم تجويز الكفر، وجوز الشيعة إظهار الكفر تقية عند خوف الهلاك، واحترازا عن إلقاء النفس في التهلكة. ومثله في (شرح التجريد).

[ ص: 2815 ] ولما تقرر إجماع الأمة على ما ذكر، كان للعلماء في هذه الآية وجوه:

منها: أن العود المقابل للخروج، هو العود إلى ترك دعوى الرسالة والإقرار بها.

والجار والمجرور حال، أي ليكن منكم الخروج من قريتنا، أو العود إلى ترك دعوى الرسالة والإقرار بها، داخلين في ملتنا، وهذا الوجه اقتصر عليه المهايمي ، وسايرناه فيه مع تفسير تتمة الآية.

ومنها: أن العود المذكور إلى ما خرج منه، وهو القرية. والمجرور حال كالسابق، أي: ليكن منكم الخروج من قريتنا أو العود إليها، كائنين في ملتنا. وعدي (عاد) ب(في) كأن الملة لهم بمنزلة الوعاء المحيط بهم.

ومنها: أن هذا القول جار على ظنهم أنه كان في ملتهم، لسكوته قبل البعثة عن الإنكار عليهم.

ومنها: أنه صدر عن رؤسائهم تلبيسا على الناس، وإيهاما لأنه كان على دينهم، وما صدر عن شعيب عليه السلام كان على طريق المشاكلة.

ومنها: أن " لتعودن " بمعنى لتصيرن، إذ كثيرا ما يرد (عاد) بمعنى (صار)، فيعمل عمل (كان)، ولا يستدعي الرجوع إلى حالة سابقة، بل عكس ذلك، وهو الانتقال من حال سابقة، إلى حال مؤتنفة مثل (صار).

وكأنهم قالوا -والله أعلم-: لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا، أو لتصيرن كفارا مثلنا.

قال الرازي : تقول العرب : قد عاد إلي من فلان مكروه، يريدون: قد صار إلي من المكروه ابتداء. قال الشاعر:


فإن تكن الأيام أحسن مدة إلي فقد عادت لهن ذنوب


أراد: فقد صارت لهن ذنوب، ولم يرد أن ذنوبا كانت لهن قبل الإحسان. انتهى.

ومنه حديث معاذ . قال له النبي صلى الله عليه وسلم: « أعدت فتانا يا معاذ ؟ » أي: صرت.

[ ص: 2816 ] ومنه حديث خزيمة : « عاد لها النقاد مجرنثما » أي: صار.

وفي حديث كعب : وددت أن هذا اللبن يعود قطرانا ، أي: يصير. فقيل له: لم ذلك؟ قال تتبعت قريش أذناب الإبل، وتركوا الجماعات.

قال الشهاب : إلا أنه قيل إنه لا يلائم قوله بعد إذ نجانا الله منها " إلا أن يقال بالتغليب فيه، أو يقال: التنجية لا يلزم أن تكون بعد الوقوع في المكروه، ألا ترى إلى قوله: فأنجيناه وأهله وأمثاله؟

ومنها: أن العود يطلق، ويراد به الابتداء. حققه الراغب والجاربردي وغير واحد.

وأنشدوا قول الشاعر:


وعاد الرأس مني كالثغام


ومعنى الآية: لتدخلن في ملتنا، وقوله تعالى إن عدنا " أي دخلنا -كذا في (تاج العروس)-.

ومنها: إبقاء صيغة العود على ظاهرها، من استدعائها رجوع العائد، إلى حال كان عليها قبل، كما يقال: عاد له، بعد ما كان أعرض عنه، إلا أن الكلام من باب التغليب. قال الزمخشري : لما قالوا لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك فعطفوا على ضميره، الذين [ ص: 2817 ] دخلوا في الإيمان منهم بعد كفرهم، قالوا لتعودن " فغلبوا الجماعة على الواحد، فجعلوهم عائدين جميعا، إجراء للكلام على حكم التغليب.

وعلى ذلك أجرى شعيب عليه السلام جوابه فقال: إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وهو يريد عود قومه، إلا أنه نظم نفسه في جملتهم، وإن كان بريئا من ذلك، إجراء لكلامه على حكم التغليب. انتهى.

ومنها: ما قاله الناصر في (الانتصاف): إنه يسلم استعمال العود بمعنى الرجوع إلى أمر سابق، ويجاب عن ذلك بمثل الجواب عن قوله تعالى: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات

والإخراج يستدعي دخولا سابقا فيما وقع الإخراج منه، ونحن نعلم أن المؤمن الناشئ في الإيمان لم يدخل قط في ظلمة الكفر، ولا كان فيها، وكذلك الكافر الأصلي، لم يدخل قط في نور الإيمان، ولا كان فيه، ولكن لما كان الإيمان والكفر من الأفعال الاختيارية التي خلق الله العبد متيسرا لكل واحد منهما متمكنا منه لو أراده، فعبر عن تمكن المؤمن من الكفر ثم عدوله عنه إلى الإيمان، إخبارا بالإخراج من الظلمات إلى النور، توفيقا من الله له، ولطفا به، بل وبالعكس في حق الكافر.

وقد مضى نظير هذا النظر عند قوله تعالى: أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى وهو من المجاز المعبر فيه عن السبب بالمسبب، وفائدة اختياره في هذه المواضع تحقيق التمكن والاختيار لإقامة حجة الله على عباده -والله أعلم- انتهى.

الثاني: في قوله: إلا أن يشاء الله ربنا رد إلى الله تعالى مستقيم.

قال الواحدي : والذي عليه أهل العلم والسنة في هذه الآية، أن شعيبا وأصحابه قالوا: ما كنا لنرجع إلى ملتكم، بعد أن وقفنا على أنها ضلالة تكسب دخول النار، إلا أن يريد إهلاكنا، فأمورنا راجعة إلى الله، غير خارجة عن قبضته، يسعد من يشاء بالطاعة، ويشقي من يشاء بالمعصية. وهذا من شعيب وقومه استسلام لمشيئة الله.

ولم تزل الأنبياء والأكابر [ ص: 2818 ] يخافون العاقبة، وانقلاب الأمر. ألا ترى إلى قول الخليل عليه الصلاة والسلام: واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ؟ وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقول: « يا مقلب القلوب ! ثبت قلبي على دينك » .

وقال الزجاج : المعنى: وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يكون قد سبق في علم الله ومشيئته أن نعود فيها، وتصديق ذلك قوله: وسع ربنا كل شيء علما يعني أنه تعالى يعلم ما يكون، من قبل أن يكون، وما سيكون، وأنه تعالى كان عالما في الأزل بجميع الأشياء، فالسعيد من سعد في علم الله تعالى، والشقي من شقي في علم الله تعالى.

وقال الناصر في (الانتصاف): موقع قوله: وسع ربنا كل شيء علما الاعتراف بالقصور عن علم العاقبة، والاطلاع على الأمور الغائبة، فإن العود إلى الكفر جائز في قدرة الله أن يقع من العبد، ولو وقع فبقدرة الله ومشيئته المغيبة عن خلقه، فالحذر قائم، والخوف لازم.

ونظيره قول إبراهيم عليه السلام: ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون لما رد الأمر إلى المشيئة، وهي مغيبة، مجد الله تعالى بالانفراد بعلم الغائبات - والله أعلم ـ.

وقال أبو السعود : معنى وما يكون لنا " الآية، أي: ما يصح لنا أن نعود فيها في حال من الأحوال، أو في وقت من الأوقات، إلا أن يشاء الله، أي إلا حال مشيئة الله تعالى، أو وقت مشيئته تعالى لعودنا فيها، وذلك مما لا يكاد يكون، كما ينبئ عنه قوله تعالىربنا " فإن التعرض لعنوان ربوبيته تعالى لهم، مما ينبئ عن استحالة مشيئته تعالى لارتدادهم قطعا، وكذا قوله بعد إذ نجانا الله منها " فإن تنجيته تعالى لهم منها، من دلائل عدم مشيئته لعودهم فيها.

وقيل معناه: إلا أن يشاء الله خذلاننا، فيه دليل على أن الكفر بمشيئته تعالى، وأيا ما كان، فليس المراد بذلك بيان أن العود فيها في حيز الإمكان، وخطر الوقوع، بناء على كون مشيئته تعالى كذلك، بل بيان استحالة وقوعها. كأنه [ ص: 2819 ] قيل: وما كان لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا، وهيهات ذلك، بدليل ما ذكر من موجبات عدم مشيئته تعالى له. انتهى.

ولا يخفى أن إفهام ذلك الاستحالة، هو باعتبار الواقع وما يقتضيه منصب النبوة، وأما إذا لوحظ مقام الخوف والخشية، الذي هو من أعلى مقامات الخواص، فيكون ما ذكرناه أولا أدق، وبالقبول أحق.

قال الإمام ابن القيم في (طريق الهجرتين): قد أثنى الله سبحانه على أقرب عباده إليه بالخوف منه، فقال عن أنبيائه، بعد أن أثنى عليهم ومدحهم: إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا فالرغب الرجاء، والرهب الخوف والخشية.

وقال عن ملائكته الذين قد آمنهم من عذابه: يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « إني أعلمكم بالله، وأشدكم له خشية » . وفي لفظ آخر: « إني أخوفكم لله وأعلمكم بما أتقي » . وكان صلى الله عليه وسلم يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء . وقد قال تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء فكلما كان العبد بالله أعلم، كان له أخوف.

الثالث: قال الفراء : أهل عمان يسمون (القاضي) الفاتح والفتاح. لأنه يفتح مواضع الحق، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما كنت أدري قوله: ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها: تعال أفاتحك، أي: أحاكمك .

[ ص: 2820 ] وقال الشهاب : الفتح، بمعنى الحكم، وهي لغة لحمير أو لمراد، والفتاحة بالضم عندهم الحكومة. أو هو مجاز بمعنى: أظهر وبين أمرنا، حتى ينكشف ما بيننا وبينهم، ويتميز المحق من المبطل. ومنه فتح المشكل لبيانه وحله، تشبيها له بفتح الباب وإزالة الأغلاق، حتى يوصل إلى ما خلفها.
القول في تأويل قوله تعالى:

[90] وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون

" وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا أي: فيما يأمركم به وينهاكم عنه إنكم إذا لخاسرون " أي لجاهلون مغبونون، لاستبدالكم ضلالته بهداكم، أو لفوات ما يحصل لكم من بخس الكيل والميزان.
القول في تأويل قوله تعالى:

[91] فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين

فأخذتهم الرجفة " أي الزلزلة الشديدة.

قال ابن كثير : أخبر تعالى هنا أنهم أخذتهم الرجفة، كما أرجفوا شعيبا وأصحابه وتوعدوهم بالجلاء، كما أخبر عنهم في سورة هود، فقال: ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة والمناسبة هناك -والله أعلم- أنهم لما تهكموا به في قولهم أصلاتك تأمرك الآية، فجاءت الصيحة فأسكتتهم.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,899.21 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,897.49 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.09%)]