العلم الذي يلزم فيه الاجتهاد بالنسبة للمجتهد - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         تعلم كيف تدرُس؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          حياة محمد صلى الله عليه وسلم من الناحية العسكرية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          أرجوزة الشهاب في آداب الاتصال والواتسآب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          الأضرار الفكرية والمعرفية للوجبات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          وساوس التواصل الاجتماعي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          عشر مظاهر لرحمة الله في القرآن الكريم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          قلبٌ وقلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 89 - عددالزوار : 29323 )           »          التربية بالسلوك والحال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          دروس وعبر من قصة موسى مع فرعون (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          خواطرفي سبيل الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 79 - عددالزوار : 30589 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 17-02-2020, 04:25 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,190
الدولة : Egypt
افتراضي العلم الذي يلزم فيه الاجتهاد بالنسبة للمجتهد

العلم الذي يلزم فيه الاجتهاد بالنسبة للمجتهد
الشيخ وليد بن فهد الودعان








في المقالة السابقة بينا أقسام العلوم عند الشَّاطبي، وفي هذه المسألة نبين العلم الذي يرى الشَّاطبي وجوب الاجتهاد فيه على المجتهد.



رأي الشَّاطبي:



لما قسم الشَّاطبي المعارف الممكنة من الاستنباط إلى قسمين، وبين أن القسم الأول منها لا يفتقر إلى الاجتهاد فيه، بل يجوز أن يكون المجتهد مقلدًا فيه لغيره، وهو ما لا تتوقف على الاجتهاد فيه صحة الاجتهاد في الأحكام الشرعية.



ثم بيَّن أن القسم الثاني، وهو ما تتوقف على الاجتهاد فيه صحة الاجتهاد في الأحكام الشرعية - وهو ضروري بالنسبة لتحصيل مرتبة الاجتهاد بإطلاق - يفتقر إلى الاجتهاد في تعيينه؛ فهو مبهم العين، يحتاج إلى توضيحه، وبيان أي العلوم هو، وقد بذل الشَّاطبي جهده في تعيين هذا العلم الضروري، فرأى أن أقرب العلوم إلى هذه المنزلة الضرورية هو علم اللغة العربية؛ ولذا فيشترط عنده لنيل رتبة الاجتهاد أن يكون المجتهد من أهل الاجتهاد في علم اللغة العربية، ويبين الشَّاطبي أن مراده بما يلزم من علم اللغة العربية ليس هو فقط علم النحو وحده، أو علم التصريف[1] وحده، أو علم المعاني[2] وحده، وإنما مراده جملة علم اللسان؛ مِن ألفاظ، ومعانٍ كيف تصورت، فيندرج في ذلك علم النحو، والمعاني، والبيان[3] وغير ذلك[4].







فيلزم الاجتهاد في ذلك كله، ولا يكتفى فيه بالمعرفة المجردة، بل لم يقتصر فيه الشَّاطبي على مسمى الاجتهاد فحسب، بل لا بد - في نظره - مِن التبحر في فهم لغة العرب؛ حتى يصل في فهمها إلى مبالغ الأئمة؛ كالخليل بن أحمد، وسِيبَويه، والأخفش، والجرمي، والمازني، ونحوهم.







ويبين الشَّاطبي وجهة رأيه، فيقول: "والأقرب في العلوم إلى أن يكون هكذا علمُ اللغة العربية، ولا أعني بذلك النحوَ وحده، ولا التصريف وحده، ولا اللغة، ولا علم المعاني، ولا غير ذلك من أنواع العلوم المتعلقة باللسان، بل المراد جملةُ علم اللسان ألفاظ أو معاني كيف تصورت، ما عدا علم الغريب، والتصريف المسمى بالفعل، وما يتعلق بالشعر من حيث هو شعر، كالعَروض[5]، والقافية[6]؛ فإن هذا غير مفتقر إليه هنا، وإن كان العلم به كمالًا في العلم بالعربية"[7].







وينقل الشَّاطبي مقالة الجرمي: "أنا منذ ثلاثين سنة أفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه"[8].



ثم يقول: "وفسروا ذلك بعد الاعتراف به بأنه كان صاحبَ حديث، وكتاب سيبويه يتعلم منه النظر والتفتيش[9]، والمراد بذلك أن سيبويه وإن تكلم في النحو، فقد نبه في كلامه على مقاصد العرب، وأنحاء تصرفاتها في ألفاظها ومعانيها، ولم يقتصر منه على بيان أن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب ونحو ذلك، بل هو يبين في كل باب ما يليق به، حتى إنه احتوى على علم المعاني والبيان ووجوه تصرفات الألفاظ والمعاني، ومن هنالك كان الجرمي على ما قال، وهو كلام يروى عنه في صدر كتاب سيبويه من غير إنكار"[10].







وأكد الشَّاطبي على فهم الأدلة الشرعية في الكتاب والسنة عن طريق لسان العرب بالنسبة للمجتهد، وبيَّن أن علم اللغة العربية أداة لا بد منها لفهم القرآن الكريم والسنة[11]، بحيث يسلك في الاستنباط منهما والاستدلال بهما مسلك كلام العرب في تقرير معانيها ومنازعها في أنواع مخاطباتها خاصة، فيتبع في ذلك معهود العرب الذين نزل الوحي بلغتهم في المعاني والألفاظ والأساليب، ولا يصح العدول عن ذلك[12]، وقد ثرب الشَّاطبي على كثير من الناس الذين يأخذون أدلة القرآن والسنة بحسب ما تتفهَّمه وتدركه عقولهم، لا بحسب ما يفهم من طريق وضع اللغة التي نزل بها الوحي، وفي ذلك كما يقول الشَّاطبي: "فساد كبير، وخروج عن مقصود الشارع"[13].



ويقول الشَّاطبي أيضًا: "كل معنى مستنبط من القرآن غير جارٍ على اللسان العربي، فليس من علوم القرآن في شيء، لا مما يستفاد منه، ولا مما يستفاد به"[14].







ويعتبر الشَّاطبي فهم لغة العرب هو البابَ الأول من أبواب فقه الشريعة؛ لأن الله أوحاها إلى رسوله على لسان العرب، وبها يسهل فهم كتاب الله، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم[15]؛ ولذا كان ينبغي للمتعلم أن يبدأ بعلم العربية أولًا؛ إذ هي الأحق بالتقديم[16].



ومما يؤكد أهمية هذا العلم ما بين الشَّاطبي من أن العلم بلسان العرب سبب لرسوخ القدم في العلم، وسبيل للثبات في فهم الشريعة، وحينئذ يصدق على المتصف بذلك قوله تعالى: ﴿ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾ [آل عمران: 7]، ولا شك أن "مقتضى الآية مدحه؛ فهو إذًا أهل للهداية والاستنباط"[17].



وقال الشَّاطبي: "القرآن والسنة لَمَّا كانا عربيينِ، لم يكن لينظر فيهما إلا عربي، كما أن من لم يعرف مقاصدهما لم يحلَّ له أن يتكلم فيهما؛ إذ لا يصح له نظر حتى يكون عالمًا بهما، فإنه إذا كان كذلك لم يختلف عليه شيء من الشريعة"[18].



ولذا؛ كان الأولى الاعتماد على بيان الصحابة؛ لمعرفتهم باللسان العربي؛ فهم عربٌ فصحاءُ لم تتغير ألسنتهم، ولم تنزل عن رتبتها العليا؛ ولذا فهم أعرف الناس وأفهم الناس بمقاصد الوحي، وهم حقًّا الراسخون في العلم[19].







وبما أن العلم باللغة سبب أكيد للرسوخ في علم الشريعة، فنقيضه - وهو الجهل باللغة - سبب للابتداع في الدين، والافتيات[20] على الشريعة، وطريق لمخالفة سبيل الراسخين في العلم، ومهد للاختلاف المنهي عنه وغير المعتبر شرعًا، بل ووقوع في التكلف المنهي عنه، ودخول تحت معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((حتى إذا لم يبقِ عالمًا، اتخذ الناس رؤساء جهالًا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم؛ فضلُّوا وأضلُّوا))[21]، وعلة ذلك: "أنهم إذا لم يكن لهم لسان عربي يرجعون إليه في كتاب الله وسنَّة نبيِّه، رجع الأعجمي إلى فهمه وعقله المجرد عن التمسك بدليل يضلُّ عن الجادة"[22].







ويضرب الشَّاطبي أمثلة يوضح فيها ما يؤدي إليه الجهل باللغة من مخالفات شرعية وحماقات بدعية[23]:



ومنها ما حكي عن بعضهم أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ ﴾[24] [آل عمران: 117]، فقال: هذا هو الصرصر، يعني: صرار الليل.



وعن النظام أنه قال: "إذا آلى المرء بغير اسم الله، لم يكن موليًا"، وعلل ذلك بأن الإيلاء مشتق من اسم الله[25].



وقال بعضهم في قوله تعالى: ﴿ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ﴾ [طه: 121]؛ لكثرة أكله من الشجرة؛ كقول العرب: غوى الفصيل[26] إذا أكثر من اللبن حتى بشم[27]، ولا يقال فيه: غوي، إنما غوي هنا من الغي[28].



وقال بعضهم في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ ﴾[29] ]الأعراف: 179]؛ أي: ألقينا فيها؛ كقول العرب: ذرَتْه الريح، وهذا غير جائز؛ لأن ذرأنا مهموز، وذرته غير مهموز، وكذلك إذا كان من أذرته الدابة عن ظهرها؛ لعدم الهمزة، ولكنه رباعي، وذرأنا ثلاثي.



ومنها ما كان بشر المريسي يقوله لجلسائه: "قضى الله لكم الحوائج على أحسن الوجوه وأهيؤها"، فسمع قاسم التمار قومًا يضحكون، فقال: "هذا كما قال الشاعر:



إن سليمى والله يكلؤها ♦♦♦ ضنَّت بشيء ما كان يزرؤها"[30]







واستدل بعضهم على تحليل شحم الخنزير بقوله تعالى: ﴿ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ ﴾ [النحل: 115]، فاقتصر على تحريم اللحم دون غيره[31]، والصحيح أن اللحم يطلق على الشحم وغيره حقيقة، فإذا خص بالذكر قيل: شحم، كما يقال: عصب وجلد وعرق ونحو ذلك، ولو كان استدلالهم صحيحًا لما دخلت هذه المذكورات في اللحم[32].



ويمكن أن يكون من خفي هذا الباب مذهب الخوارج حينما قالوا بعدم التحكيم استدلالًا بقوله تعالى: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾ [يوسف: 40]؛ فاللفظ قد ورد بصيغة العموم[33]، فلا يلحقه التخصيص؛ ولذا أعرضوا عن المخصصات؛ كقوله تعالى: ﴿ فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ﴾ [النساء: 35]، وقوله: ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ [المائدة: 95]، والقاعدة في لغة العرب خلاف ما ذهبوا إليه؛ ولذا حذَّر عمرُ مِن مثل ذلك، فقال: "إنما هذا القرآن كلام؛ فضعوه مواضعه، ولا تتبعوا أهواءكم"[34]، وتفسير ذلك أنْ ضَعُوه على مواضع الكلام، ولا تخرجوا عن ذلك؛ فإن ذلك خروج عن الحق إلى الهوى، وعنه أنه قال أيضًا: "إنما أخاف عليكم رجلين: رجل تأوَّل القرآن على غير تأويله، ورجل ينفس المال على أخيه"[35].



وعن الحسن لما قيل له: أرأيت الرجل يتعلم العربية ليقيم بها لسانه، وليقيم بها منطقه؟ قال: "نعم، فليتعلمها؛ فإن الرجل يقرأ بالآية فيعياه توجيهها فيَهلِك"[36].



وقال أيضًا: "أهلكتكم العُجْمة؛ تتأولون القرآن على غير تأويله"[37].







والحاصل أن على الناظر في الشريعة والمتكلم في أصولها وفروعها أن يكون عربيًّا، أو كالعربي في معرفته بلسان العرب، بحث يصير فهم خطابها له وصفًا غير متكلف، ولا متوقفًا فيه في الغالب إلا بمقدار توقف الفطن لكلام اللبيب، فيكون بالغًا في ذلك مبالغ العرب، أو مبالغ الأئمة المتقدمين؛ كالخليل بن أحمد، وسيبويه، والفراء، ومن أشبههم وداناهم، وليس المراد أن يكون حافظًا كحفظهم وجامعًا كجمعهم، وإنما المراد أن يصير فهمُه عربيًّا في الجملة، وبهذا امتاز متقدمو أئمة اللغة عن متأخريهم؛ إذ بهذا المعنى أخذوا أنفسهم حتى صاروا أئمة الشأن[38].







أما عن نظرة الشَّاطبي لكلام الأصوليين في اشتراط الاجتهاد في علم اللغة العربية: فالشَّاطبي لا يرى أن اهتمامَه بجانب اللغة العربية وعنايته بها، واشتراطه معرفتها لبلوغ منزلة الاجتهاد، بل والمبالغة في فهمها - قولٌ غريبٌ، أو قولٌ مخالف لِما عليه علماء الأصول؛ فهو يرى أن ما قاله موافق لما عليه علماء الأصول.



ويُبدي لنا الشَّاطبي ما قد يفهم منه أن الأصوليين لا يرون المبالغة في فهم اللغة، ثم يوجهه بما يوافق رأيه، فيقول: "ولا يقال: إن الأصوليين قد نفوا هذه المبالغة في فهم العربية، فقالوا: ليس على الأصولي أن يبلغ في العربية مبلغ الخليل، وسيبويه، وأبي عبيدة، والأصمعي، الباحثين عن دقائق الإعراب ومشكلات اللغة، وإنما يكفيه أن يحصل منها ما تتيسر به معرفة ما يتعلق بالأحكام بالكتاب والسنة"[39]، ويوجه ذلك بقوله: "لأنا نقول: هذا غير ما تقدم تقريره"[40]؛ يعني من اشتراط المبالغة في فهم العربية لمرتبة الاجتهاد، حتى يصل في فهمه لها إلى درجة الأئمة فيها، وإلى درجة فهم العرب الأقحاح.







ويذكر الشَّاطبي أن الشافعي أشار "إلى هذا المعنى، وأن الله خاطب العرب بكتابه بلسانها على ما تعرف من معانيها، ثم ذكر مما يعرف من معانيها اتساع لسانها، وأنها تخاطب بالعام مرادًا به ظاهره، وبالعام يراد به العام ويدخله الخصوص، ويستدل على ذلك ببعض ما يدخله في الكلام، وبالعام يراد به الخاص ويعرف بالسياق، وبالكلام ينبئ أوله عن آخره وآخره عن أوله، وأن تتكلم بالشيء تعرفه بالمعنى دون اللفظ كما تعرف بالإشارة، وتسمي الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة والمعاني الكثيرة بالاسم الواحد"[41].







ونقل عن الشافعي قوله: "ممن[42] جهل هذا من لسانها، وبلسانها نزل الكتاب وجاءت السنة، فتكلف القول في علمها تكلف ما يجهل بعضه، ومن تكلف ما جهل وما لم تثبته معرفته كانت موافقته للصواب إن وافقه من حيث لا يعرفه غير محمودة، والله أعلم، وكان بخطئه غير معذور إذا ما نطق فيما لا يحيط علمه بالفرق بين الخطأ والصواب فيه"[43]، ثم أتبعه بقوله: "هذا قوله، وهو الحق الذي لا محيص عنه"[44].







فالشَّاطبي لا يرى فرقًا بين كلام الشافعي وكلامه، وأيضًا يورد الشَّاطبي كلام الغزالي، وهو قوله في تحديد المطلوب من المجتهد في علم اللغة أنه: "القدر الذي يفهم به خطاب العرب وعاداتهم في الاستعمال إلى حد يميز بين صريح الكلام، وظاهره، ومجمله[45]، وحقيقته[46]، ومجازه[47]، وعامه، وخاصه، ومحكَمه[48]، ومتشابهه[49]، ومطلقه[50]، ومقيده[51]، ونصه[52]... "[53]، ويعلق على ذلك بقوله: "وهذا الذي اشترط لا يحصل إلا لمن بلغ في اللغة العربية درجة الاجتهاد[54]، ثم ينقل قول الغزالي أيضًا: "والتخفيف فيه أنه لا يشترط أن يبلغ درجة الخليل والمبرد، وأن يعرف جميع اللغة ويتعمق في النحو"[55].



ويعلق الشَّاطبي على هذا الجزء بقوله: "وهذا أيضًا صحيح؛ فالذي نفى اللزوم فيه ليس هو المقصود في الاشتراط، وإنما المقصود تحرير الفهم حتى يضاهي العربي في ذلك المقدار، وليس من شرط العربي أن يعرف جميع اللغة، ولا أن يستعمل الدقائق، فكذلك المجتهد في العربية، فكذلك المجتهد في الشريعة، وربما يفهم بعض الناس أنه لا يشترط أن يبلغ مبلغ الخليل وسيبويه في الاجتهاد في العربية، فيبني في العربية على التقليد المحض، فيأتي في الكلام على مسائل الشريعة بما السكوت أولى به منه، وإن كان ممن تعقد عليه الخناصر جلالةً في الدين وعلمًا في الأئمة المهتدين"[56].







ومن هذا يتبين أن الشَّاطبي يرى أنه في قوله هذا موافق للأصوليين، وأن مراد الأصوليين حينما نفَوا أن يبلغ في العربية مبلغ الخليل وسيبويه ونحوهما إنما هو في تعمقهم في علم اللغة وإدراكهم لجميع مباحثها، وأن مراده حينما ألزم المجتهد ببلوغ منزلة أئمة اللغة إنما هو في فهم خطاب العرب ليس إلا؛ إذ هو المقصود.



أما عن موقف الأصوليين من هذا الشرط: فقد درج علماء الأصول - مع اختلاف مذاهبهم ومشاربهم - على اشتراط العلم باللغة العربية بالنسبة للمجتهد[57].



بل إن بعض الأصوليين جعله أولى الشروط[58]، وبهذا يعلم موافقة الشَّاطبي لهم في اشتراطه معرفة اللغة، ولكن دعوى الشَّاطبي أن كلامه موافق لكلام الأصوليين هل هي صحيحة أو لا؟







قد علم مما سبق أن الشَّاطبي يرى أهمية وصول المجتهد في علم اللغة العربية إلى منازل الأئمة في فهم اللغة؛ كالخليل بن أحمد وسيبويه ونحوهما، بينما الأصوليون لم يشترطوا التبحر في هذا العلم، ولا الوصول إلى درجة الأئمة فيه[59]، وإنما اكتفوا منه بقدر ما يفهم المجتهد الخطاب، وتتضح عنده مقاصد كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.



قال الجويني: "ثم لا يشترط أن يكون غواصًا في بحور اللغة متعمقًا فيها؛ لأن ما يتعلق بمأخذ الشريعة من اللغة محصور مضبوط"[60].



وقال: "ولا يشترط أن يحيط بمعظمها وفاقًا؛ فإن الإحاطة بمعظم اللغة والعربية يستوعب العمر، وهذه رتبة لم يدَّعِها أئمة اللغة والعربية وأهلها، وإنما يشترط من اللغة والعربية قدر ما يتوصل به إلى معرفة الكتاب والسنة"[61].







وما سبق مُشعِر باختلافهم؛ ولذا اختلفت أنظار الباحثين في موقف الشَّاطبي من كلام الأصوليين: فقد رأى أبو زهرة أن ما ذكره الشَّاطبي يعتبر رأيًا معقولًا[62]، ورأى الباحث/ السفياني أنه موافق لرأي الأصوليين[63]، وأدرج بعضهم كلام الشَّاطبي ضمن كلام الأصوليين، ولم يشر إلى خلافه لهم، مما يوحي بأن قوله عند هؤلاء موافق لقول الأصوليين[64].



بيد أن الباحثة/ نادية العمري رأت أن قول الشَّاطبي هذا يعتبر قولًا متشددًا، وهو مخالف لما عليه علماء الأصول[65].







إلا أن الذي يبدو لي بعد تأمل كلام الأصوليين هو أنهم لا يخالفون الشَّاطبي في تقريره السابق، بل هم موافقون له، وأن دعوى الشَّاطبي موافقة للصواب.



ذلك أن ما أثبته الشَّاطبي إنما هو بلوغ درجة الأئمة في فهم اللغة العربية، ولم يرد بلوغ درجتهم في إدراك مباحث اللغة والتعمق في معرفة مسائلها، وهذا ما بينه هو بنفسه كما سبق نقله عنه؛ ولهذا أيضًا استثنى الشَّاطبي من علم اللغة ما لا يعتد به - فيما يرى - في فهم الخطاب؛ كعلم الشِّعر من حيث هو شِعر، وعلم التصريف المسمى بالفعل، وعلم غريب اللغة.



وما نفاه الأصوليون إنما هو بلوغ درجة الأئمة في إدراك مباحث اللغة والتعمق في معرفة مسائلها، وليس هذا هو المطلوب باتفاق، وقد نقل الجويني الاتفاق على أنه لا يشترط أن يحيط بمعظم اللغة؛ لأن ذلك يستوعب العمر، ولأن هذه رتبة لم يدَّعِها أئمة اللغة العربية[66].







أما عن فهم الخطاب بالنسبة للمجتهد فهم متفقون - أو كالمتفقين - على الاعتداد به، وجعله شرطًا لبلوغ درجة الاجتهاد، ويؤيد هذا:



قول الغزالي الذي سبق أن نقله الشَّاطبي، لا سيما وأنه قال في تمامه مشيرًا إلى القدر المطلوب من علم اللغة العربية: "... بل بالقدر الذي يتعلق بالكتاب والسنة، ويستولي به على مواقع الخطاب، ودرك حقائق المقاصد منه"[67].



كما يؤيده أيضًا قول الجويني في صفات المفتي: "إن الصفات المعتبرة في المفتي ستٌّ: أحدها: الاستقلال باللغة والعربية؛ فإن شريعة المصطفى صلى الله عليه وسلم متلقاها ومستقاها الكتاب، والسنة، وآثار الصحابة، ووقائعهم، وأقضيتهم في الأحكام، وكلها بأفصح اللغات، وأشرف العبارات، ولا بد من الارتواء من العربية؛ فهي الذريعة إلى مدارك الشريعة[68].
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 119.29 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 117.57 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (1.44%)]