يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         iOS 27 يضيف نظام إملاء صوتى أكثر ذكاءً.. لكن آبل تخفيه افتراضيًا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          تحديث جديد لرسائل جوجل يمنح المستخدمين فرصة تعديل الردود الذكية قبل إرسالها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 518 - عددالزوار : 248344 )           »          عذاب القبر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          الواجب نحو أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          اسم الله (المهيمن) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          هدايات قرآنية في الآل والذرية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          {وبشر المخبتين} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5358 - عددالزوار : 2755136 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4965 - عددالزوار : 2098653 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 29-06-2025, 08:53 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,698
الدولة : Egypt
افتراضي يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود

يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود

د. محمود بن أحمد الدوسري

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُتِمُّوا الْعُهُودَ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَالْعُهُودَ الَّتِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْخَلْقِ، وَالَّتِي لَا تُخَالِفُ شَرْعَهُ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا[1] بِالْعُقُودِ[2] ﴾ [الْمَائِدَةِ: 1]؛ فَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ أَجْمَعِ الْآيَاتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْوَفَاءِ بِجَمِيعِ الْعُهُودِ، وَلَا سِيَّمَا الْعُهُودُ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَشْتَمِلُ أَيْضًا عَلَى كُلِّ عَهْدٍ وَعَقْدٍ وَاتِّفَاقٍ يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ، بِشَرْطِ أَلَّا يَكُونَ هَذَا الْعَقْدُ مُحَرَّمًا، فَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ مُحَرَّمًا فَإِنَّ النُّصُوصَ الشَّرْعِيَّةَ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوَفَاءِ بِهِ، بَلْ عَلَى تَحْرِيمِ الْوَفَاءِ بِهِ[3]؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

قَالَ السَّعْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا يَقْتَضِيهِ الْإِيمَانُ بِالْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ، أَيْ: بِإِكْمَالِهَا، وَإِتْمَامِهَا، وَعَدَمِ نَقْضِهَا وَنَقْصِهَا، وَهَذَا شَامِلٌ لِلْعُقُودِ الَّتِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ؛ مِنَ الْتِزَامِ عُبُودِيَّتِهِ، وَالْقِيَامِ بِهَا أَتَمَّ قِيَامٍ، وَعَدَمِ الِانْتِقَاصِ مِنْ حُقُوقِهَا شَيْئًا. وَالَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّسُولِ؛ بِطَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِهِ. وَالَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقَارِبِ؛ بِبِرِّهِمْ وَصِلَتِهِمْ، وَعَدَمِ قَطِيعَتِهِمْ.

وَالَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ؛ مِنَ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ الصُّحْبَةِ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَالْيُسْرِ وَالْعُسْرِ. وَالَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَلْقِ مِنْ عُقُودِ الْمُعَامَلَاتِ؛ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، وَنَحْوِهِمَا، وَعُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ كَالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا، بَلْ وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي عَقَدَهَا اللَّهُ بَيْنَهُمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الْحُجُرَاتِ: 10] بِالتَّنَاصُرِ عَلَى الْحَقِّ، وَالتَّعَاوُنِ عَلَيْهِ، وَالتَّآلُفِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَعَدَمِ التَّقَاطُعِ، فَهَذَا الْأَمْرُ شَامِلٌ لِأُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ، فَكُلُّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْعُقُودِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِالْقِيَامِ بِهَا)[4].

عِبَادَ اللَّهِ: وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ:
1- الْعُهُودُ وَالتَّحَالُفَاتُ الَّتِي كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ: يَتَعَاقَدُونَهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى نُصْرَةِ الْمَظْلُومِ وَمُؤَازَرَتِهِ، وَأَخْذِهِمُ الْحَقَّ لَهُ مِمَّنْ ظَلَمُوهُ، وَبَغَوْا عَلَيْهِ، وَهِيَ الْمَعْنِيَّةُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

2- الْعُهُودُ الَّتِي أَخَذَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ: بِالْإِيمَانِ بِهِ، وَطَاعَتِهِ فِيمَا أَحَلَّ لَهُمْ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ، وَهِيَ الْمَعْنِيَّةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾ [الرَّعْدِ: 25]، وَيَدْخُلُ فِيهَا أَوَامِرُ اللَّهِ؛ كَالْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَالصِّيَامِ، وَالنُّذُورِ وَنَحْوِهَا.

3- الْعُقُودُ الَّتِي يَتَعَاقَدُهَا النَّاسُ فِيمَا بَيْنَهُمْ: وَيَعْقِدُهَا الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ؛ كَعُقْدَةِ الْيَمِينِ، وَالْعَهْدِ الَّذِي يَأْخُذُهُ الشَّخْصُ عَلَى نَفْسِهِ، وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَالْحَلِفِ، وَالنِّكَاحِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الطَّلَاقِ، وَالْمُزَارَعَةِ، وَالْمُصَالَحَةِ، وَالتَّمْلِيكِ، وَغَيْرِهَا.

4- الْعُهُودُ الَّتِي أَخَذَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ: مِنَ الْإِيمَانِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِذَا بُعِثَ فِيهِمْ، وَهِيَ الْمَعْنِيَّةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 81]؛ فَالْعَهْدُ الْمَأْخُوذُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ؛ أَخَذَتْهُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَى أُمَمِهِمْ.

5- الْوَفَاءُ بِالْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ[5]، وَأَهْلِ الذِّمَّةِ[6]: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا[7] لَمْ يَرَحْ[8] رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.فَشَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ تَأْمُرُ بِالْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ، وَلَيْسَ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَلَا مِنْ خِصَالِ أَهْلِهِ إِيذَاءُ الْمُسْتَأْمَنِينَ وَالْمُعَاهَدِينَ بِأَيِّ صُورَةٍ كَانَتْ. قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: (جَاءَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ بِالْأَمْرِ بِالْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ ‌وَالشُّرُوطِ ‌وَالْمَوَاثِيقِ وَالْعُقُودِ، وَبِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَرِعَايَةِ ذَلِكَ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْغَدْرِ، وَنَقْضِ الْعُهُودِ، وَالْخِيَانَةِ، وَالتَّشْدِيدِ عَلَى مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ)[9].

وَمِنَ الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ فِي الْحَثِّ عَلَى الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ نَقْضِهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ [النَّحْلِ: 91]؛ وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 187]؛ وَقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ﴾ [الرَّعْدِ: 20].

وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْحَثِّ عَلَى الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ نَقْضِهَا: قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُنْصَبُ لِغَدْرَتِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ، يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي لَفْظٍ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، فَقِيلَ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَمِنْ عُقُوبَاتِ نَقْضِ الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ، وَالْإِخْلَالِ بِهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ﴾ [الْمَائِدَةِ: 13]؛ وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [الْمَائِدَةِ: 14]؛ وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ * وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ [الْمَائِدَةِ: 70-71].

الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ... أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ.. وَمِنَ أَهَمِّ الْآدَابِ وَالْأَحْكَامِ، وَالْفَوَائِدِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾:
1- فِي تَصْدِيرِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ دَلَالَةٌ عَلَى فَضِيلَةِ الْإِيمَانِ، وَأَهَمِّيَّةِ مَا يُذْكَرُ بَعْدَ هَذَا النِّدَاءِ، وَأَنَّهُ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْإِيمَانِ؛ تَصْدِيقًا بِهِ- إِنْ كَانَ خَبَرًا، وَعَمَلًا بِهِ- إِنْ كَانَ طَلَبًا[10].

2- الْإِيمَانُ بِاللَّهِ تَعَالَى يَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ فِيمَا بَيْنَهُمْ.

3- عَدَمُ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ وَالشُّرُوطِ وَالْعُقُودِ نَقْصٌ فِي الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْإِيمَانِ مُلْزِمَةٌ لِلنَّاسِ بِهَذَا الْوَفَاءِ، مُسْتَحِثَّةٌ لَهُمْ عَلَيْهِ[11].

4- وُجُوبُ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ الَّتِي بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ الْعِبَادِ.

5- وُجُوبُ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَاثِيقِ وَالْعُقُودِ بَيْنَ النَّاسِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا؛ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ مَشْرُوعَةً.

6- الْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ لِلْوُجُوبِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِحَقِّ الْآخَرِينَ؛ لِأَنَّهُ إِبْرَامُ شَيْءٍ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْآخَرِ[12].

7- وُجُوبُ الْوَفَاءِ بِالشُّرُوطِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْعَقْدِ، فَإِذَا عَقَدَ رَجُلَانِ بَيْنَهُمَا عَقْدَ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَاشْتَرَطَا شُرُوطًا، فَالْأَصْلُ وُجُوبُ الْوَفَاءِ بِالشُّرُوطِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ يَشْمَلُ الْوَفَاءَ بِالْعَقْدِ نَفْسِهِ، وَبِأَوْصَافِهِ الَّتِي هِيَ شُرُوطُهُ[13].

8- وُجُوبُ الْوَفَاءِ بِشُرُوطِ عَقْدِ النِّكَاحِ بَيْنَ النَّاسِ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

9- يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ أَنَّ الْعُقُودَ تَنْعَقِدُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ، أَوْ فِعْلٍ، بِلَفْظٍ، أَوْ إِشَارَةٍ، أَوْ كِتَابَةٍ، وَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا أَطْلَقَ الْعَقْدَ، فَكُلُّ مَا كَانَ عَقْدًا بَيْنَ النَّاسِ فَهُوَ عَقْدٌ[14].

10- الْجَهْلُ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ مِنْ أَهَمِّ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى نَقْضِ الْعُهُودِ، وَاسْتِحْلَالِ الدِّمَاءِ الْمَعْصُومَةِ، وَإِبْطَالِ عَهْدِ الْحُكَّامِ بَعْدَ تَكْفِيرِهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ اسْتِحْلَالِ دِمَاءِ الْمُعَاهَدِينَ وَالْمُسْتَأْمَنِينَ.

11- النَّهْيُ عَنِ الْغَدْرِ، وَنَقْضِ الْعُهُودِ، وَالْخِيَانَةِ، وَالتَّشْدِيدُ عَلَى مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ.

12- الْعُقُوبَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِمَنْ نَقَضَ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ، وَأَخَلَّ بِهَا.

[1] ﴿ أَوْفُوا ﴾: أَدُّوا مع التَّمام. وأصلُ الوفاء: تمامُ الشَّيءِ، وإتْمامُ العَهدِ، والقيامُ بمُقتضاه، وإكمالُ الشَّرط. انظر: مقاييس اللغة، (6/ 129)؛ المفردات، (ص878).

[2] ﴿ بِالْعُقُودِ ﴾: بِالعُهود المُوَثَّقَةِ. وأصلُ (عقد) يدلُّ على: شَدٍّ، وشِدَّةِ وُثُوقٍ. انظر: مقاييس اللغة، (4/ 86)؛ تذكرة الأريب، لابن الجوزي (ص78).

[3] انظر: تفسير ابن عثيمين – سورة المائدة، (1/ 7).

[4] تفسير السعدي، (ص218).

[5] المُستأمَنون: هم الكُفَّار الذين يُؤذَنُ لهم بدخول بلاد المسلمين والإقامةِ فيها لمدة مُحدَّدة؛ كالسُّفراء، والتُّجار، والعُمَّال، والزُوَّار، ونحوهم.

[6] أهل الذّمَّة: هم الكُفَّار من أهل الدِّيار الإسلامية، وقام بينهم وبين المسلمين عهدٌ يستوجِبُ عِصمَةَ دمائهم وأموالِهم وأعراضِهم، ووجوب حمايتهم؛ مقابل خضوعهم لسلطان الدًَّولة. انظر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين، (7/ 296).

[7] المُعَاهَد: هو الكافِرُ الذي له عَهْدٌ شَرعِيٌّ مع المسلمين؛ سواء كان بعقد جِزيةٍ، أو هُدنةٍ من سلطانٍ، أو أمانٍ من مُسْلِمٍ. انظر: فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام، لابن عثيمين (5/ 235).

[8] يَرَحْ: أَيْ: لَمْ يَشُمَّ رِيحَها. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، (2/ 272).

[9] الفتاوى الكبرى، (4/ 88).

[10] انظر: تفسير ابن جرير، (8/ 53).

[11] انظر: تفسير ابن عثيمين – المائدة، (1/ 6).

[12] انظر: تفسير ابن عثيمين – المائدة، (1/ 11).

[13] انظر: تفسير ابن عثيمين – المائدة، (1/ 12).

[14] انظر: تفسير ابن عثيمين – المائدة، (1/ 11، 12).





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 81.28 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 79.60 كيلو بايت... تم توفير 1.68 كيلو بايت...بمعدل (2.07%)]