|
|||||||
| ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا ﴾ [النحل: 80] د. محمد بن عبدالله بن إبراهيم السحيم الحمدُ للهِ ذي النعمِ السابغةِ، والحجةِ البالغةِ، وأشهدُ ألا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأشهدُ أنّ محمداً عبدُه ورسولُه، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلَّمَ أعظمَ سلامٍ بالغَه. أما بعدُ، فاتقوا اللهَ -عبادَ اللهِ- ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. أيها المؤمنون! البيتُ من عظيمِ نعمِ اللهِ على العبادِ وإنْ كان خيمةً منسوجةً من وبرٍ وصوفٍ، أو كان كهفاً منحوتاً في جبلٍ، ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا ﴾ [النحل: 80، 81]. وما ذاك إلا لما تحويه تلك البيوتُ من المصالحِ التي لا تقومُ حياةُ الناسِ إلا بها؛ فبها قرارُهم وسكنُهم، وراحتُهم ومنامُهم، وكنزُ أشيائهم، وتكوينُ أُسَرِهم واجتماعُ شملِهم، وسترُهم وحفظُ خصوصيتِهم، واحترامُ جنابِهم. هذا وإنَّ أعظمَ ما أوْلتْه الشريعةُ في المنازلِ وجعلتْه أهمَّ مقاصدِها تحقيقُ السكنِ فيها؛ بأنْ يكونَ البيتُ مصدرَ اطمئنانٍ نفسيٍّ ومكانَ استقرارٍ شعوريٍّ لأهلِ البيتِ؛ يأمنونَ فيه، ويُجِمُّون أنفسَهم من رهقِ الحياةِ، ويَبْنُونَ من خلالِه أُسَراً تربطُها وشيجةُ الدينِ وآصرةُ الرحمِ ويسودُها الاحترامُ المتبادَلُ. وذاك ما راعتْه الشريعةُ في حفظِ مهابةِ المنازلِ وأمنِها واحترامِها بوجوبِ الاستئذانِ قبلَ دخولِها، وبذلِ السلامِ عندَه، وتحريمِ النظرِ إليها من غيرِ إذنٍ، بل أهدرتْ حرمةَ تلك العينِ المعتديةِ بنظرِها، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ اطَّلَعَ فِي دَارِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَفَقَؤا عَيْنَهُ فَقَدْ هَدَرَتْ عَيْنُهُ" رواه أبو داودَ وصحَّحَه الألبانيُّ. عبادَ اللهِ! ليس من معنى السكنى ولا من حقيقتِها أن تربطَ بالبناءِ الحسيِّ ورفاهيَّتِه وفراهتِه ورغدِ عيشِ أهلِه؛ بل ربّما كان القصرُ المنيفُ بؤرةَ نكدٍ وإحزانٍ ووحشةٍ وقطيعةٍ لأهلِه إنْ خلا من حقيقةِ السكنى، وربّما كان البيتُ المتواضعُ عامراً بالاستقرارِ ومصدرَ أُنْسٍ وبهجةٍ لأهلِه. فما سرُّ ذلك؟ إنَّ التأملَ في قولِ اللهِ -تعالى-: ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا ﴾ [النحل: 80] يكشفُ مصدرَ تحققِ السكينةِ في البيوتِ وغَمْرِها بالطمأنينةِ؛ إذ لا مصدرَ لها إلا اللهُ -جلَّ وعلا-، ومنِ ابتغاها من غيرِه فكأنما يطلبُ سراباً يَتعَبُ في طلبِه، حتى إذا جاءه لم يجدْه شيئاً، خاصةً في هذا العصرِ الذي طغتْ فيه المادةُ وكثرتْ فيه الشكوى من نكدِ المنازلِ، وشقاءِ خصامِها الدائمِ، واضطرابِ استقرارِها، وانعزالِ أهلِها المتجاورين في الغُرَفِ، بل قد تكونُ العزلةُ بين أهلِ الغرفةِ الواحدةِ. ومن هنا باتَ لزاماً على مَن يَنْشُدُ الطمأنينةَ في بيتِه أنْ يبحثَ عن الأسبابِ التي جعلها اللهُ سبيلاً لتنزُّلِها وبقائها ونمائها مما جاء به الوحيُ المعصومُ، وأنْ يأخذَها بقوةِ اليقينِ، ويجاهدَ نفسَه بلزومِها والصبرِ على الظفرِ بها؛ ليحققَ اللهُ له مبتغاه، ويَنعَمَ بالاستقرارِ البيتيِّ، وتطيبَ له الحياةُ. هذا وإنَّ أعظمَ ما تتحققُ به الطمأنينةُ في المنازلِ أنْ يَشعَّ فيها ذكرُ اللهِ الذي به تطمئنُّ القلوبُ وتنشرحُ الصدورُ، فإذا اطمأنتْ تلك القلوبُ وانشرحتِ الصدورُ فاضتْ طمأنينتُها وانشراحُها لِتعمَّ أرجاءَ البيتِ، وتطيفَ بأهلِه. ومن أعظمِ ما يتحققُ به ذكرُ اللهِ في المنازلِ العنايةُ بالصلاة؛ فعلاً وحثاً وتخصيصاً بأداءِ النوافلِ في البيتِ، يقولُ النبيٌّ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا قَضَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ، فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلَاتِهِ؛ فَإِنَّ اللهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْرًا" رواه مسلمٌ؛ أي: خيراً كثيراً عظيماً، ومن ذلك الخيرِ -كما قال أهلُ العلمِ-عمارتُه بذكرِ اللهِ، وبطاعتِه، وبالملائكةِ، وبدعائِهم، واستغفارِهم، وما يحصلُ لأهلِه من الاقتداءِ والثوابِ والبركةِ؛ ولذا كان من عادةِ السلفِ أنْ يتخذوا في بيوتِهم أماكنَ معدةً للصلاةِ فيها -كما قال ابنُ رجبٍ-. وقراءةُ القرآنِ في البيتِ من أعظمِ ما تُعمَرُ به البيوتُ من ذكرِ اللهِ وتَنالُ بركتَه، قال أبو هريرةَ -رضي الله عنه-: "إنَّ البيتَ لَيتسعُ على أهلِه، وتحضرُه الملائكةُ، وتهجرُه الشياطينُ، ويَكثرُ خيرُه؛ أنْ يُقرأَ فيه القرآنُ. وإنَّ البيتَ لَيَضيقُ على أهلِه، وتهجرُه الملائكةُ، وتحضرُه الشياطينُ، ويَقِلُّ خيرُه؛ ألا يُقرأَ فيه القرآنُ"، لا سيما قراءةِ سورةِ البقرةِ -ولو عبرَ جهازِ تسجيلٍ-؛ يقولُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ" رواه مسلمٌ. وابتداءُ دخولِ البيتِ بذكرِه المخصصِ والسلامِ على أهلِه وذكرُ اللهِ عند الطعامِ بركةٌ مِن ذكرِ اللهِ تَحلُّ في المنزلِ وعلى أهلِه؛ لاقترانِها به، يقولُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ" رواه مسلمٌ، ويقولُ اللهُ -تعالى-: ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ﴾ [النور: 61]، ويقولُ أنسٌ - رضي الله عنه -: قَالَ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَا بُنَيَّ، إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أهْلِكَ، فَسَلِّمْ، يَكُنْ بَرَكَةً عَلَيْكَ، وعلى أهْلِ بَيْتِكَ». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وإقامةُ حِلَقِ الذكرِ في المنزلِ -ولو لدقيقةٍ واحدةٍ في تلاوةِ آيةٍ أو حديثٍ أو تذكيرٍ بخيرٍ يُقرأُ من كتابٍ أو رسالةِ جوّالٍ- من أعظمِ ما ينشرُ السكينةَ فيه وتُكسبُه فضائلَ مجالسِ الذكرِ، كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ" رواه مسلمٌ. الخطبة الثانية الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ.أما بعدُ، فاعلموا أنَّ أحسنَ الحديثِ كتابُ اللهِ... أيها المؤمنون! إنَّ استحفاظَ اللهِ البيوتَ وأهلَها، واستيداعَه إياهم، وتعويذَهم من الشرورِ وأهلِها من صورِ ذكرِ اللهِ الذي به تَحلُّ السكينةُ في البيوتِ وتبقى. قال ابْنُ عُمَرَ -رضيَ اللهُ عنهما-: أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم "أَنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- كَانَ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- إِذَا اسْتُوْدِعَ شَيْئًا حَفِظَهُ" رواه أحمدُ وصحَّحَه أحمدُ شاكر والألبانيُّ. وقال ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، وَيَقُولُ: إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ؛ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ، وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ» رواه البخاريُّ، وفي روايةِ أحمدَ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُعَوِّذُ حَسَنًا وَحُسَيْنًا، يَقُولُ:" أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ"، وَكَانَ يَقُولُ: " كَانَ إِبْرَاهِيمُ أَبِي يُعَوِّذُ بِهِمَا إِسْمَاعِيلَ، وَإِسْحَاقَ". ومداومةُ الاستغفارِ والتوبةِ، والاستغفارُ لأهلِ البيتِ والداخلين فيه من أهلِ الإيمانِ وللمؤمنين والمؤمناتِ من أعظمِ خصالِ ذكرِ اللهِ التي تكونُ بها السكينةُ في البيوتِ، كما دعا نبيُّ اللهِ نوحٌ -عليه السلامُ- بقوله: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾ [نوح: 28]والدعاءُ بحلولِ البركةِ في المنزلِ من أسبابِ نزولِها بالسكينةِ عليه، كما أرشدَ اللهُ نبيَّه نوحاً -عليه السلامُ- بقولِه: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ﴾ [المؤمنون: 29]. والدعاءُ بسعةِ الدارِ التي تعني القناعةَ مع ما تحملُه من السعةِ الحسيةِ من أسبابِ سكينةِ البيتِ. قال أَبُو مُوسَى الأشعريُّ -رضيَ اللهُ عنه-: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَتَوَضَّأَ، فَسَمِعْتُهُ يَدْعُو يَقُولُ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَوَسِّعْ لِي فِي دَارِي، وَبَارِكْ لِي فِي رِزْقِي» قَالَ: فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، لَقَدْ سَمِعْتُكَ تَدْعُو بِكَذَا وَكَذَا قَالَ: «وَهَلْ تَرَكْنَ مِنْ شَيْءٍ؟!» رواه النسائيُّ وصحَّحَه ابنُ القيِّمِ. وصيانةُ البيتِ من حضورِ الشياطينِ من أعظمِ أسبابِ تنزلِ السكينةِ عليه؛ وذاك يوجبُ على المرءِ أنْ يحفظَ بيتَه من أسبابِ حضورِ الشياطينِ؛ بالاستعاذةِ من حضورِهم، ومعالجةِ الغضبِ الذي به يتملَّكُ الشيطانُ زمامَ العبدِ، والمبادرةِ بإزالةِ الشحناءِ والإصلاحِ بين المتخاصمين من أهلِ البيتِ، وعدمِ إدخال الصورِ والكلابِ والتماثيلِ التي تمنعُ دخولَ الملائكةِ، وإذا لم تحضرِ الملائكةُ حضرتِ الشياطينُ. والمعاشرةُ في البيتِ بالمعروفِ وحسنِ الإنصاتِ والتلطفِ والرِّفقِ بالكلمةِ الطيبةِ وخفضِ الصوتِ ومعالجةِ الأمورِ بالأسهلِ فالأسهلِ والتغافلِ المحمودِ وحسنِ الاقتصادِ في تدبيرِ المعيشةِ أسبابٌ لها الأثرُ المحقَّقُ في نشرِ الطمأنينةِ في البيتِ وتحقيقِ السكينةِ فيه. يقولُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَرَادَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا، أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ" رواه أحمدُ وجوّدَه العراقيُّ. وخيرُ منازلٍ زانتْ بناءً ![]() وفيها للحبورِ رضىً ومغْنى ![]() بيوتُ سكينةٍ يغْشاها ذكرٌ ![]() ويُمْنُ الرِّفْقِ يَغْمُرُها وأمْنا ![]() فيا نعمَ المَقامِ إذا تراءى ![]() ويا طوبى لساكنِه وأَهْنا
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |