شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم - الصفحة 2 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         تحت العشرين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 167 - عددالزوار : 116817 )           »          قراءة في الاحتياجات والعوائق.. ماذا تريد المرأة بعد الخمسين؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 49 )           »          عالم التقنية والذكاء الاصطناعي.. هل تتغيّر طبيعته أم أدواته فقط؟ الإنسان بعد الذكاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 47 )           »          كبار السِنّ في الإسلام ..كرامة مصونة وخبرة لا يُـستغنى عنها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 47 )           »          في الاختبار الكل ناجح عدا! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 48 )           »          الخط الحديدي الحِجازي.. من أعظم المشروعات الوقفية في العصر الحديث (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 50 )           »          محبة واتباع لا ادّعاء وابتداع (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 49 )           »          دراسة تربوية اجتماعية عن دورها في البيت – الخادمة.. الأم البديلة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 35 )           »          من مكتبة التراث (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 14 - عددالزوار : 5217 )           »          بين الإعمار والدمار (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 48 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #11  
قديم 04-05-2026, 07:49 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,904
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم.. باب: تَحْريمُ بَيْعِ الخَمْر


  • الخَمرُ أمُّ الخبائثِ وضَررُها أكثرُ مِن نفْعِها ولا يحلّ للمُسلمِ أنْ يَشرَبَها وقد حرَّمَ الشَّرعُ كلَّ أنواع الخَمرِ وكلَّ أنواع الانْتِفاعِ بها
  • أحلَّ اللهُ لعِبادِهِ الطَّيِّباتِ وحرَّمَ عليهِمُ الخَبائِثَ مِن كُلِّ شَيءٍ وفي كُلِّ شَيءٍ مِن المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَكْسَبِ والتِّجارَةِ
عَنْ عبدالرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ السَّبَئيِّ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ: أَنَّهُ سَأَلَ عبداللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَمَّا يُعْصَرُ مِنْ العِنَبِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: إِنَّ رَجُلًا أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَاوِيَةَ خَمْرٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَهَا؟» قَالَ: لَا، فَسَارَّ إِنْسَاناً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «بِمَ سَارَرْتَهُ؟» فَقَالَ: أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا، فَقَالَ: «إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا؛ حَرَّمَ بَيْعَهَا». قَالَ: فَفَتَحَ المَزَادَةَ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيها، الحديث رواه مسلم في المساقاة (2/1206) باب: تحريم بيع الخمر.
في هذا الحَديثِ يَرْوي التَّابِعيُّ عبدالرَّحمنِ بنُ وَعْلةَ، أنَّه سألَ عبداللهِ بنَ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- عن حُكمِ الشَّرابِ الَّذي يُعصَرُ مِنَ العنَبِ، وظاهِرُه أنَّه يَسألُ عنِ الخَمرِ الَّتي تُتَّخذُ منَ العنَبِ، فأخبَرَه عبداللهِ بنُ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- أنَّ رجُلًا أَهْدَى إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - «رَاويةَ خَمرٍ» والرَّاويةُ: هي القِرْبةٌ منَ الجِلدِ.
هَلْ علِمْتَ أنَّ اللهَ -عزَّوجلَّ- قدْ حرَّمَها؟
فسَألَه النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هَلْ علِمْتَ أنَّ اللهَ -عزَّوجلَّ- قدْ حرَّمَها؟» لعلَّ السُّؤالَ كان ليَعرِفَ حالَه، فإنْ كان عالِماً بتَحريمِها، أنكَرَ عليه هَديَّتَها، وإمْساكَها، وحَملَها، وعزَّرَه على ذلك، فلمَّا أخبَرَه أنَّه كان جاهلاً بذلك عذَرَه، ولعلَّ الرَّجلَ كان مِنْ خارجَ المدينةِ قبلَ أنْ يَنتشِرَ حُكمُ تَحريمِها، فنَفى الرَّجلُ عِلمَه بالنَّهيِ والتَّحْريمِ.
قوله: «فَسَارَّ إِنْسَانا»ً
  • قوله: «فَسَارَّ إِنْسَانا»ً أي: فكلَّمَ هذا الرَّجلُ رَجلاً آخَرَ بجِوارِه سرّاً، دونَ أنْ يَسمَعَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فسَألَه - صلى الله عليه وسلم -: «بِمَ سَارَرْتَه؟» وإنَّما سأَلَه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عمَّا سرَّ به؛ لمَا غلَبَ في ظنِّه أنَّ كلامَه للآخَرِ؛ كان فيه ما يتعَلَّقُ بتلك الخَمرِ، فأرادَ أنْ يُبيِّنَ له شُموليَّةَ حُكمِ الخَمرِ، وأنَّ التَّحريمَ يَتعدَّى شُربَها كما سيأْتي، فَأجابَ الرَّجلُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أمَرْتُه بِبَيْعِها»، وفي رِوايةٍ لأحمدَ: «فأقبَلَ الرَّجلُ على غُلامِه، فقال: اذهَبْ فبِعْها».
إنَّ الَّذي حرَّمَ شُربَها حرَّمَ بيْعَها
  • قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الَّذي حرَّمَ شُربَها حرَّمَ بيْعَها» أي: فبَيعُها حَرامٌ مِثلُ شُربِها، وقولُه: «الَّذي» كنايةٌ عنِ اسمِ اللهِ -تعالى-، فكأنَّه قال: إنَّ اللهَ حرَّمَ شُربَها، وحرَّمَ بَيعَها. ويَحتمِلُ أنْ يكونَ مَعناه: إنَّ الَّذي اقْتَضى تَحريمَ شُربِها، اقْتَضى تَحريمَ بَيعِها؛ إذ لا تُرادُ إلَّا للشُّربِ، فإذا حُرِّمَ الشُّربُ لم يجُزِ البَيعُ؛ لأنَّه يكونُ من أكْلِ المالِ بالباطِلِ، وهو داخل في قوله -تعالى-: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة:2)، فيأمر عباده المؤمنين بالتعاون على فعل الخيرات وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى، وينهاهم عن التناصر على الباطل، والتعاون على المآثم والمحارم. قال ابن جرير: «الإثم» تَركُ ما أمَرَ الله بفعله، و»العُدْوان» مُجاوزة ما حدّ الله في دِينكم، ومُجَاوزة ما فَرَضَ اللهُ عليكم في أنفسكم، وفي غيركم.
  • قوله: «فَفتحَ الرَّجلُ المَزادةَ» وهي القِرْبةُ، «حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيها» أي: حتَّى سَكَبَ ما فيها، وتَخلَّصَ منه، وظاهرٌ من إيرادِ ابنِ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- هذا الحديثَ جواباً لسُؤالِ عبدالرَّحمنِ بنِ وَعْلةَ: أنَّه أرادَ أنَّ التَّحريمَ يقَعُ في كُلِّ ما يكونُ يُعَدُّ خَمراً، ويكونُ مُسكِراً، ومُغيِّباً للعقلِ، سواءٌ أكانت مُتَّخَذةً منَ العنبِ، أو من غيرِها.
فوائد الحديث
  • النَّهْيُ عَن بَيْعِ الخَمرِ.
  • وفيه: أنَّ مَن أَهْدَى المُحَرَّمَ لم تُقبَلْ هَدِيَّتُه.
  • وفيه: أنَّ مَنِ ارتكَبَ مَعْصيةً جاهلًا بتَحْريمِها لا إثْمَ عليه، ولا تَعزيرَ.
  • وأنّ الخَمرُ أمُّ الخبائثِ، وضَررُها أكثرُ مِن نفْعِها، ولا يحلّ للمُسلمِ أنْ يَشرَبَها، وقد حرَّمَ الشَّرعُ كلَّ أنواع الخَمرِ، وكلَّ أنواع الانْتِفاعِ بها.
  • وفيه: حُسنُ تَعليمِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه.
باب: تَحْريمُ بيعِ المَيْتَةِ والْأَصْنَامِ والخِنْزِيرِ
عَنْ جَابِرِ بْنِ عبداللَّهِ -رضي الله عنهما-: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ؟ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، ويَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؛ فَقَالَ: «لَا هُوَ حَرَامٌ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَ ذَلِكَ: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا؛ أَجْمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ»، الحديث رواه مسلم في المساقاة (2/1207) باب: تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام.
تحريم بيع الخمور بكل أنواعها
في هذا الحديثِ يُخبِرُ جابرُ بنُ عبداللهِ أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خطبَ الناس عامَ فتْحِ مكَّةَ في السَّنةِ الثامنةِ مِن الهِجرةِ، فحرَّمَ بَيعَ الخمرِ بكلِّ أنْواعِها، وحرَّمَ المَيتَةِ مِن الحَيَواناتِ والطُّيورِ، والخِنزيرِ الَّذي حَرَّمه اللهُ في كِتابِه، وحرَّمَ بيعَ الأصنامِ، وهي التَّماثيلُ المُصوَّرةُ المُجسَّمةُ؛ لأنَّها تكونُ ذَريعةً إلى الشِّركِ باللهِ -تعالى-، سَواءٌ كان بمُضاهاتِهم ومُشابَهتِهم اللهَ -تعالى- في خلْقِه، أو بعِبادتِها كما فَعَل الناس في الجاهليَّةِ. وقال ابن التين: بيعها ما دامتْ مُصوّرة ممنوع، وإذا طُمِست صُورها؛ جاز بيعها، كانت فضةً أو نحاساً أو حَجَراً، والنّهي في الشحوم منصب عند أكثر العلماء إلى البيع دُون الانتفاع، وأجاز أبو حنيفة بيع شحوم الميتة وخالف الحديث؟ ونَحَا إليه ابن وهب وسلف، واستدل الخطّابي بجواز الانتفاع؛ بإجماعهم أنّ مَنْ ماتتْ له دابة؛ ساغ له إطْعامها لكلابه، فكذلك الدُّهن، وظاهر كلام عبدالملك منعه.
أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ؟
  • قوله: «فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، ويَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ، أي: أخْبَرَه النَّاسُ أنَّ شُحومَ الحَيواناتِ الَّتي تَموتُ؛ يُنتفَعُ بها في طِلاءِ السُّفنِ ودَهْنِ الجُلودِ، ويَجعَلُها النَّاسُ في مَصابيحِهم يَستضِيئونَ بها، فهلْ يَجوزُ ذلك؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا، هو حَرامٌ» أي: قَطْعاً؛ لأنَّ اللهَ حرَّمَ المَيتةَ في كِتابِه، وكل وجوه الانتفاع بها،
ثُمَّ قال رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عندَ ذلك: «قاتَلَ اللهُ اليَهودَ» أي: أهلَكَهُم ولَعَنَهم؛ «إنَّ اللهَ لَمَّا حرَّمَ شُحومَها» والمرادُ: شُحومُ المَيتةِ، أو شُحومُ البقَرِ والغنَمِ، كما أخْبَرَ -تعالى- بقَولِه: {وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} (الأنعام: 146).
  • قوله: «جَمَلُوه» أي: أذابُوه، أي: أذابُوا هذه الشُّحومَ ثُمَّ باعُوها؛ تَحايُلاً على الشَّريعةِ، وعلى ما حرّم الله، وأخَذوا ثَمَنَها، فاستَحقُّوا اللَّعنةَ مِنَ اللهِ -تعالى-، وفي هذا تَحذيرٌ مِن التَّحايُلِ على المُحرَّماتِ كما فَعَلَت بَنو إسرائيلَ.
فوائد الحديث
  • إبطالُ الحِيَلِ والوَسائلِ إلى المُحرَّمِ.
  • وفيه: أنَّ الشَّيءَ إذا حُرِّمَ عَينُه حُرِّم ثَمَنُه.
  • وفيه: أنّ اللهُ أحلَّ لعِبادِهِ الطَّيِّباتِ، وحرَّمَ عليهِمُ الخَبائِثَ مِن كُلِّ شَيءٍ وفي كُلِّ شَيءٍ؛ مِن المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، والمَكْسَبِ والتِّجارَةِ، وغيرِ ذلك.



اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #12  
قديم 04-05-2026, 08:05 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,904
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: النَّهْيُّ عن ثَمَنِ الكَلْبِ ومَهْرِ البَغِيِّ وحُلْوَانِ الكَاهِنِ


  • حرص الإسلامُ على اتِّخاِذ سُبُلِ الرِّزقِ الطيِّبةِ والبُعدِ عن كُلِّ كسب خَبيث
  • نَهَى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن بَيعِ الكلْبِ وأخْذِ ثَمَنِه مُطلقاً وما يُكتسب مِنْ ذلك فهو مالٌ غيرُ طَيِّبٍ
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ - رضي الله عنه -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، ومَهْرِ الْبَغِيِّ، وحُلْوَانِ الْكَاهِنِ» رواه مسلم في المساقاة (3/1198) باب: تحريم ثمن الكلب، وحلوان الكاهن، ومهر البغي، والنّهي بيع السنّور.
  • في هذا الحديثِ نَهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ثَلاثةِ أشياءَ:
الأوَّلُ: النهي عن بيع الكلب
نَهَى النبي - صلى الله عليه وسلم- عن بَيعِ الكلْبِ، وأخْذِ ثَمَنِه مُطلقاً، وما يتمَّ كَسْبُهُ مِنْ ذلك فهو مالٌ غيرُ طَيِّبٍ؛ وذلك لأنَّ الكلْبَ مَنْهِيٌّ عَنِ اقتنائِهِ وتَربيتِهِ، إلَّا كلْبَ الماشيةِ والحَرْث. قيل: إنَّ هذا حكْمٌ عامٌّ، سُواءٌ كان مُعلَّماً على الصَّيدِ أو غيرَ مُعلَّمٍ، أو كان ممَّا يَجوزُ اقتِناؤه، أو ممَّا لا يَجوزُ اقتِناؤُه.
  • والصحيح: أنّه يُستثنَى مِن ذلك كَلبُ الحِراسةِ والصَّيدِ؛ لأنَّه ذُو مَنفَعةٍ، مأذونٍ فيه، كما في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنِ اقتَنى كَلباً إلَّا كَلباً ضارياً لصَيدٍ، أو كَلبَ ماشيةٍ، فإنَّه يَنقُصُ مِن أجرِه كُلَّ يَومٍ قيراطانِ»؛ متفق عليه.
وكما في سُنَنِ أبي داود والتِّرمذيِّ: «نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكلْبِ، إلَّا كلبِ الصيدِ»، أخرجه أبو داود (3484) أوله بنحوه في أثناء حديث، والترمذي (1281) واللفظ له، والنسائي (4675)، وابن ماجة (2160)، وأحمد (10489)، ويُحتمَلُ أنْ يكونَ النَّهيُ عن ثمَنِ الكلْبِ كان في بَدءِ الإسلامِ، ثمَّ نُسِخَ ذلك، وأُبِيحَ الاصطيادُ به، وكان كسائرِ الجَوارحِ في جَوازِ بَيْعِه, قال الحافظ: «ظاهرُ النّهي تَحريم بيعه، وهو عامٌّ في كلّ كلبٍ معلّماً كان أو غيره، ممّا يَجُوز اقتناؤه أو لا يجوز، ومِنْ لازم ذلك: أنْ لا قيمةَ على مُتْلفه، وبذلك قال الجمهور؛ انتهى. وقال عطاء والنّخعي: يجوزُ بيع كلبِ الصّيد دون غيره». «فتح الباري» (4/ 426).
الثاني: النهي عن مَهْرِ البَغِي
  • قوله: «ومَهْرِ البَغِي» هو ما تُعطاه على الزّنا، وسُمّي مَهْراً لكَونِه على صُورتِه، أو على سبيل المجاز، إذْ هو حَرام؛ لأنه في مقابلة حرام، فمَهْرِ البَغيِّ، وهو الثَّمَنُ الَّذي تَتَقاضاهُ الزَّانيةُ مُقابلَ تَسليمِ نفْسِها للرجُلِ الأجْنبيِّ، وقدْ كانوا في الجاهليَّةِ يُكرِهون إماءَهم على الزِّنا والاكتسابِ به، فأنْكَرَ الإسلامُ عليهم ذلك، كما في قَولِ اللهِ -تعالى-: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (النور: 33), في حديث أبي هريرة: «نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن كَسْبِ الإمَاء». زاد أبو داود: من حديث رافع بن خُديج: «نَهَى عن كسْبِ الأمَة، حتّى يُعْلمَ مَنْ أينَ هو؟».
الثالث: النهي عن حلوان الكاهن
  • قوله: «وحُلْوانِ الكَاهِن» وهو ما يُعطَاه على كهانته، وأصْله مِنَ الحَلاوة، شُبّه بالشيء الحُلو؛ مِنْ حيث إنه يأخذه سَهلاً بلا كلفةٍ ولا مَشقّة، قال الحافظ: وهو حرامٌ بالإجْماع، لما فيه مِنْ أخَذ العِوض على أمرٍ بَاطل، وفي معناه: التنجيم والضرب بالحصى، وغير ذلك ممّا يَتعاطاه العَرّافون من استطلاع الغيب». «الفتح» (4/ 427).
وقال في كتاب الطب: «والكهانة ادّعاء علم الغيب، كالأخْبار بما سيقع في الأرض مع الاسْتناد إلى سبب، والأصلُ فيه استراقُ الجِنّي السمع من كلام الملائكة، فيلقيه في أذُن الكاهن، والكاهن لفظٌ يُطلق على العَرّاف، والذي يَضرب بالحَصَى والمُنْجم، ويُطلق على مَنْ يقوم بأمرٍ آخر، ويَسَعى في قضاء حوائجه». «الفتح» (10/ 216).
أنواع الكهانة
وقال الخطابي: «الكهنة قومٌ لهم أذهانٌ حادّة، ونفوسٌ شريرة، وطباعٌ نارية، فألِفَتهم الشياطين لما بينهم مِنَ التّناسب في هذه الأمُور، ومساعدتهم بكلّ ما تَصل قُدرتهم إليه، وكانت الكهانة في الجاهلية فاشية، خُصُوصاً في العرب، لانقطاع النبوة فيهم، وهي على أربعة أصناف:
النوع الأول: التلقي من الجن
منها: ما يتلقّونه مِنَ الجنّ، فإنّ الجنّ كانوا يَصْعدُون إلى جِهة السّماء، فيركبُ بعضُهم بعضاً إلى أنْ يدنُو الأعلى؛ بحيثُ يسمعُ الكلام، فيُلقيه إلى الذي يليه إلى أنْ يتلقّاه مَنْ يلقيه في أذُن الكاهن، فيزيدُ فيه، فلمّا جاء الإسلام ونَزَل القرآن، حُرسَت السّماء مِنَ الشّياطين، وأُرْسلت عليهم الشُّهُب، فبقيَ مَن اسْتراقِهم ما يَتخطّفُه الأعلى، فيُلقيه إلى الأسْفل قبل أنْ يُصيبه الشّهاب، وإلى ذلك الإشارة بقوله -تعالى-: {إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} (الصافات: 10)، وكانت إصابةُ الكهان قبل الإسلام كثيرة جدًّا؛ كما جاء في أخبار شقّ وسطيح ونحوهما، وأمّا في الإسْلام فقد ندر ذلك جدّاً، حتى كادَ يَضمحلُ، ولله الحمد.
النوع الثاني: ما يُخبر الجنّيّ به مَنْ يُواليه
ما يُخبر الجنّيّ به مَنْ يُواليه، بما غابَ عن غيره ممّا لا يطلع عليه الإنسان غالباً، أو يطّلع عليه مَنْ قرُب منه لا من بعد.
النوع الثالث: ما يُستندُ إلى الظَنٍّ والتخمينٍ
ما يُستندُ إلى ظَنٍّ وتخمينٍ وحدس، وهذا قد يجعل الله فيه لبعض الناس قوة؛ مع كثرة الكذب فيه.
النوع الرابع: ما يستند إلى التّجربة والعادة
رابعها: ما يستند إلى التّجربة والعادة، فيستدلُّ على الحادث بما وقع قبل ذلك، ومن هذا القسم الأخير ما يُضَاهي السِّحر، وقد يعتقد بعضهم في ذلك بالزّجر والطَّرْق والنُّجوم، وكلُّ ذلك مذمومٌ شرعًا، وورد في ذمّ الكِهَانة ما أخرجه أصحاب السنن وصححه الحاكم: من حديث أبي هريرة رفعه: «ومَنْ أتَى كاهِناً أو عَرّافاً فصدَّقه بما يقول، فقد كَفَر بما أنزلَ على مُحمّد». ولمسلم: من حديث امرأة من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ومَنْ أتَى عَرّافاً أو سَاحِراً أو كاهناً؛ فصَدّقه بما يقول، لمْ تُقبل له صلاةُ أرْبعينَ يوماً». «الفتح» (10/ 216). - قال الحافظ: «والوعيدُ قد جاء تارةً بعدَم قَبول الصلاة، وتارة بالتكفير، فيحمل على حالين من الآتي، أشارَ إلى ذلك القرطبي، والعَرّاف: مَنْ يَستخرج الوقوف على المغيبات؛ بِضَربٍ مِنْ فعلٍ أو قول». انتهى. - قال شيخ الإسلام: «وصناعةُ التّنْجيم، وأخذُ الأجْرة عليها، وبذلها، حَرامٌ بإجْماع المسلمين، وعلى وُلاة أمُور المُسْلمين المَنْع من ذلك، والقيام في ذلك؛ مِنْ أفضل الجِهادِ في سبيل الله». «مجموع الفتاوى» (35/ 197).
فوائد الحَديثِ
  • تحريم بيع الكلب؛ إلا كلبَ الصّيد المعلّم.
  • وفيه: الحثُّ على تَجنُّبِ البُيوعِ الخَبيثةِ، ببَيعِ المُحرَّماتِ أو المَنْهيِّ عنه.
  • حِرصُ الإسلامُ على اتِّخاِذ سُبُلِ الرِّزقِ الطيِّبةِ، والبُعدِ عن كُلِّ سَبيلٍ خَبيثةٍ.
باب: النَّهْيُّ عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ
عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِراً - رضي الله عنه -: عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ؟ قَالَ: «زَجَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم- عَنْ ذَلِكَ»، أخرجه مسلم في الباب السابق، في هذا الحديثِ يقولُ جابِرُ بنُ عبداللهِ -رضي الله عنهما-: «زَجرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- عن ثَمَنِ الكَلبِ»، أي: نَهَى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم- عن بَيعِ الكَلبِ أو شِرائِه بشدّةٍ، لأنَّ الكَلبَ لا يُؤكَلُ، ويَحرَّمٌ اقتناؤه؛ إلا الكلبَ المُعلّم للصّيد والحِراسة كما سبق. قال: «والسِّنَّوْرِ» أي: نَهَى أيضاً عن ثَمَنِ السِّنَّوْرِ، وهو القِطُّ، قيل: هو لا مَنفَعةَ له، أو هو كالمُتوحِّشُ الذي لا يُقدَر على تَسليمه، وقد ذهبَ جماعةٌ من العلماء إلى جواز بيع السّنّور، منْ أهل المَذَاهب الأربعة وغيرهم، وذهبَ بعضُ أهلِ العلم إلى تَحْريمه وهُم الظّاهريّة، وحكاه ابن المنذر عن أبي هريرة ومجاهد وجابر بن زيد، وحكاه المُنذري عن طاووس، وهو الراجحُ الذي يدلُّ عليه النَّصّ، كما في حديث الباب، وعند البيهقي: عن جابر أيضاً: نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم- عنْ أكل الهِرّة، وأكلِ ثَمَنها, وقد ذهبَ بعض أهلُ العلمِ إلى تَضعيف هذه الأحاديث؟ ولكن قولهم مَرْدُود.
  • قال الحافظ النووي في «المجموع»: «وأمّا ما ذَكره الخَطّابي وابن المنذر، أنَّ الحديث ضعيفٌ، فغلطٌ منهما؛ لأنَّ الحديثَ في صحيح مسلم بإسنادٍ صحيح», وقال الشوكاني في «النيل» ردَّاً على الجُمْهور؛ الذين حَمَلُوا النّهيَ في الحديث على كراهة التّنْزيه، وأنَّ بيعه ليسَ مِنْ مَكارِم الأخْلاق والمُرُوءات، فقال: «ولا يَخْفى أنَّ هذا إخْراجُ النّهْي عن معناه الحَقيقي؛ بلا مُقتضٍ».
  • وقال البيهقي في السنن: ردّاً على الجُمهور أيضاً: «وقد حَمَله بعض أهل العلم على الهرّ إذا تَوحشّ فلمْ يُقْدر على تَسْليمه، ومنْهم مَنْ زَعَمَ أنّ ذلك كان في ابتداء الإسْلام، حين كان مَحْكُوماً بنَجَاسته؟ ثُمّ حين صارَ مَحكوماً بطهارة سُؤْره؛ حَلّ ثَمنُه، وليسَ على واحدٍ مِنْ هذين القَولين دلالةٌ بيّنة». انتهى.
  • وجزم الإمام ابنُ القيم بتَحْريم بيعه في «زاد المعاد»، وقال: «وكذلك أفْتَى أبو هريرة - رضي الله عنه -، وهو مذهبُ طاووس ومجاهد وجابر بن زيد، وجميع أهل الظّاهر، وإحدى الروايتين عن أحمد، وهي اختيار أبي بكر، وهو الصواب لصحّة الحديث بذلك، وعدم ما يُعَارضه، فوجبَ القَولُ به». انتهى وقال ابن المنذر: «إنْ ثَبَتَ عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم- النّهيُّ عن بيعه؛ فبيعه باطلٌ، وإلا فجائز». انتهى, قد عرفتَ ثُبُوت الحديث، فلازم مذهب ابن المنذر: تحريم بيعه.



اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #13  
قديم 17-05-2026, 07:38 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,904
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ


  • احْتَجَمَ النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأعْطى الحجَّامَ أُجْرةً وفي ذلك جواز التداوي بالاحتجام
  • أحلَّ الله لعِبادِهِ الطَّيِّباتِ وحرَّمَ عليهِمُ الخَبائِثَ مِن كُلِّ شَيءٍ مِن المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَكْسَبِ والتِّجارَةِ وغيرِ ذلك
عن رَافِع بْن خَدِيجٍ - رضي الله عنه -: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ، ومَهْرُ البَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ»، الحديث رواه مسلم في المساقاة (2/1199) باب: تحريم ثمن الكلب، وحلوان الكاهن، ومهر البغي، والنهي عن بيع السنور, في هذا الحَديثِ يقولُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم-: «ثَمَنُ الكلبِ خَبيثٌ» أي: حَرامٌ، والمُرادُ ثَمَنُ بَيعِهِ أو شِرائِهِ، وما تمَّ كَسْبُهُ مِن ذلك فهو مالٌ غيرُ طَيِّبٍ؛ لأنَّ الكلبَ مَنْهيٌّ عَنِ اقْتنائِهِ وتَربيتِهِ، إلَّا كلْبَ الماشيةِ والحَرْثِ، كما سبق.
مَهْرُ البَغِيِّ خَبِيثٌ
  • قوله: «ومَهْرُ البَغِيِّ خَبِيثٌ» وكذلك ما تَأخُذُهُ البَغِيِّ مِن مالٍ مُقابِلَ فعلها، ومُقابلَ تَسليمِ نفْسِها للرَّجُلِ الأجْنبيِّ، فهو مُحرَّمٌ؛ لأنَّ الزِّنا حَرامٌ، وما أُخِذَ عليه مِن مالٍ فهو حَرامٌ، وسمَّاه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم- مَهراً؛ لكَونِه على صُورتِه؛ فهو مقابلُ تَمكينِ المرأةِ من نَفْسِها.
كَسْبُ الحَجَّامِ
  • قوله: «وكَسْبُ الحَجَّامِ خَبيثٌ» والحَجَّامُ هو مَنْ يقومُ بالحِجامةِ، وهي إخْراجُ الدَّمِ الفاسِدِ مِنَ نواحي الجسد، وتعتمد على استخدام أكوابٍ خاصة، يتم وضعها على الجلد ثُمّ شفط الدم، وهذا ممّا يحفّز تدفق الدّم، ثمّ يُجْرح الجلد فيخرج الدّم، وفي الحِجَامة منافعُ عظيمة للبدن، وشفاءٌ مِنْ أمْراض وعلل كثيرة، ولذا حثّ عليها النبيّ - صلى الله عليه وسلم- في أحاديث كثيرة؛ حيثُ قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: «خيرُ ما تَدَاويتُم به الحِجَامة». أخرجه البخاري ومسلم.
وروى جابر: عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: «إنْ كانَ في شيءٍ مِن أدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ، فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أوْ لَذْعَةٍ بنارٍ تُوافِقُ الدَّاءَ، وما أُحِبُّ أنْ أكْتَوِيَ». رواه البخاري، وعن أبن عباس: عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: «الشِّفَاءُ في ثَلَاثَةٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وكَيَّةِ نَارٍ، وأَنْهَى أُمَّتي عَنِ الكَيِّ». رواه البخاري في الطب (5680)، وكَوْنُ كَسْبِهِ خَبيثًا لا يَعني أنَّه مُحرَّمٌ؛ فالخَبيث هو الرّديءُ مٍنْ كلّ شيء، وقد يرِد الخَبيث بمعنى الحَرَام. ولأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم- قدِ احْتَجَمَ وأعْطى الحجَّامَ أُجْرةً، كما في الصَّحيحَينِ من حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما-، كما سيأتي، ولو كان ذلك حَراماً لَمَا أعْطاهُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم-؛ ولذا حُمِلتْ أحاديثُ النَّهيِ عن كَسْبِ الحجَّامِ، والتَّصريحِ بأنَّه خَبيثٌ؛ على التَّنْزِيهِ والتَّرَفُّعِ عن دَنيءِ المكاسبِ، والحَثِّ على مَكارمِ الأخْلاقِ، ومَعالي الأُمُورِ، ويَحتمِلُ أنْ يكونَ النَّهيُ كان في أول الإسْلامِ، ثمَّ نُسِخَ ذلك؛ فلَمَّا أعْطى الحَجَّامَ أجْرَه، كان ناسخاً لِمَا تَقدَّمَه.
من فوائد الحديث
  • أنّ اللهُ -تعالى- أحلّ لعِبادِهِ الطَّيِّباتِ، وحرَّمَ عليهِمُ الخَبائِثَ مِن كُلِّ شَيءٍ، وفي كُلِّ شَيءٍ؛ مِنَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، والمَكْسَبِ والتِّجارةِ، وغيرِ ذلك.
  • وفيه: الحَثَّ على أنْ يكونَ المسلِمَ كَريمَ النَّفْسِ، مُترَفِّعًا عَنِ الدَّنايا.
باب: إباحة أجْرة الحَجّام
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: «حَجَمَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم- عَبْدٌ لِبَنِي بَيَاضَةَ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم- أَجْرَهُ، وكَلَّمَ سَيِّدَهُ فَخَفَّفَ عَنْهُ مِنْ ضَرِيبَتِهِ، ولَوْ كَانَ سُحْتاً لَمْ يُعْطِهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم-»، وعَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رضي الله عنه - عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ، فَقَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-، حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ، وَكَلَّمَ أَهْلَهُ فَوَضَعُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ، وقَالَ: «إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ؛ الْحِجَامَةُ، أَوْ هُوَ مِنْ أَمْثَلِ دَوَائِكُمْ». في الباب حديثان، رواهما مسلم في المساقاة (1204-1205) باب: حلّ أجْرة الحِجامة، وروى الحديث الأول البخاري في الإجارة (2278، 2279) باب: خراج الحجّام، وروى الحديث الثاني البخاري في البيوع، وفي الإجارة أيضا (2277) باب: ضريبة العبد، وتعاهد ضرائب الإماء. وفي (2281) باب: مَنْ كلّم موالي العبد أنْ يُخففوا عنه من خراجه.
حَجَم النبيَّ - صلى الله عليه وسلم- عبدٌ لبني بياضة
  • قوله: «حَجَم النبيَّ - صلى الله عليه وسلم- عبدٌ لبني بياضة» وهو أبو طيبة، كما في حديث أنس، واسمه نافع على الصحيح، وكان مولًى لمحيصة بن مسعود من بني حارثة وعبد بني بياضة، وكان يقال له أيضاً: أبو هند، وفي لفظ لمسلم: دعا النبي - صلى الله عليه وسلم- غلاماً لنا، إلخ. ولا معارضة، فإنّ قول أنس: غلاماً لنا يعني الأنصار، وكونه من بني بياضة، أو بني حارثة، يدلُّ على تكرّر الاحْتِجام؛ إذْ إنّ بني بياضة غير بني حارثة.
  • قوله: «فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم- أَجْرَهُ» أجْره؛ أي: قِيمة عمله. وفي حديث أنس: «فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ».
قوله: «ولَوْ كَانَ سُحْتاً لَمْ يُعْطِهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم-» أي: ولو كان حَرَاماً لمْ يُعطه؛ أي: ولو كان أجرُ الحجَّام محرّمَاً؛ لم يُعطِه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- أُجرةً على عمله هذا؛ لأنّه - صلى الله عليه وسلم- لا يُعطي شيئاً محرَّمّاً - صلى الله عليه وسلم-، وفي بعضها: «ولو عَلِمَ كراهيةً لم يُعطه»؛ ولا تعارضَ فيه؛ إذ قد تُحمل الكراهية على كراهة التّحريم، أو على نفي التَّحْريم بل الكراهية فقط.
كسب الحَجّام
  • قوله: «وكَلَّمَ سَيِّدَهُ فَخَفَّفَ عَنْهُ مِنْ ضَرِيبَتِهِ» أي: شَفَع له عند سيّده، فخفّف عنه الخَراج الذي يَدفعه له، قال الحافظ: «واختلفَ العُلماء في كسب الحَجّام، فذهبَ الجُمهور إلى أنّه حلال، واحتجّوا بهذا بحديث ابن عباس، قالوا: هو كسبٌ فيه دَناءة وليس بمُحرّم، فحَمَلوا الزَّجر عنه على التنزيه، ومنهم مَنْ ادّعى النّسخ، وأنّه كان حراماً، ثم أبيح وجنح إلى ذلك الطحاوي، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، وذهب أحمد وجماعة إلى الفرق بين الحُرّ والعبد، فكرهوا للحُر الاحْتِراف بالحجامة، ويَحرُم عليه الإنْفاق على نفسِه منها، ويجوزُ له الإنْفاق على الرّقيق والدَّواب منها، وأباحُوها للعَبد مُطلقاً، وعُمْدتهم حديث محيصة: أنّه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم- عن كسب الحجام، فنَهَاه، فذكر له الحاجة فقال: اعْلفه نَواضِحك. أخرجه مالك وأحمد وأصحاب السنن ورجاله ثقات». «فتح الباري» (4/ 459).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «واتخاذُ الحِجَامة صناعةً يتكسّب بها، هو ممّا نهي عنه عند إمكان الاستغناء عنه، فإنّه يُفضي إلى كثرةِ مُباشرة النَّجاسات والاعتناء بها، لكن إذا عَمِل ذلك العَمل بالعِوض؛ استحقَّه، وإلا فلا يجتمع عليه استعماله في مباشرة النَّجاسة، وحِرْمانه أجرته، ونُهي عن أكله مع الاستغناء عنه، مع أنّه ملكه، وإذا كانت عليه نفقة رقيق أو بهائم يحتاج إلى نفقتها، أنفقَ عليها من ذلك؛ لئلا يَفْسد ماله، إذا كان الرجل محتاجاً إلى هذا الكسْب، ليس له ما يُغْنيه عنه إلا المسألة للناس، فهو خيرٌ له مِنْ مسألة الناس؛ كما قال بعض السلف: كسبٌ فيه دَنَاءة؛ خَيرٌ مِنْ مَسألة الناس». الفتاوى الكبرى (5/ 412).
  • قوله: - صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ؛ الحِجَامَةُ، أَوْ هُوَ مِنْ أَمْثَلِ دَوَائِكُمْ» وفيه الحثّ على الحِجامة، وأنّها منْ أحْسن الدّواء وأنفعه.
قال الحافظ: وفي الحديث إباحة الحِجَامة، ويلتحقُ به ما يتداوى مِنْ إخْراج الدم وغيره، وفيه: الأجْرة على المُعَالجة بالطب. انتهى. الفتح (4/ 459).
من فوائد الحديث
  • جوازُ أخذ الأجْرة على الحِجامة، والاكتساب بها، مع الكراهة.
  • جواز التداوي بالاحتجام.
  • وفيه: الشفاعة إلى أصْحاب الحُقُوق أنْ يُخفّفوا منها.
  • وجواز مُخارجة السيد لعبده، كأن يقول له: أذنت لك أن تكتسب على أن تعطيني كل يوم كذا، وما زاد فهو لك.
  • وفيه: أنّ الله أحلَّ لعِبادِهِ الطَّيِّباتِ، وحرَّمَ عليهِمُ الخَبائِثَ مِن كُلِّ شَيءٍ وفي كُلِّ شَيءٍ؛ مِن المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، والمَكْسَبِ والتِّجارَةِ، وغيرِ ذلك، كما حَثَّ الشَّرْعُ المُسلِمَ على أنْ يكونَ كَريمَ النَّفْسِ، مُتْرَفِّعاً عَنِ الدَّنايا.



اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #14  
قديم 25-05-2026, 05:47 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,904
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: بيع حَبَلِ الْحَبَلَةِ


  • في الحديث تحريمُ بيع الجَزُور إلى أنْ تلد الناقة ثُمّ يلد مولودها وكذا غيرها من الحيوان
  • من فوائد الحديث تحريم بيع الجنين منفردًا عن أمه وتحريم البيع إلى أجل مجهول
عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ: كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لَحْمَ الْجَزُورِ؛ إِلَى حَبَلِ الحَبَلَةِ، وحَبَلُ الحَبَلَةِ أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تَحْمِلَ التِي نُتِجَتْ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ ذَلِكَ، رواه مسلم في البيوع (2/1154) باب: تَحريم بيع حَبَل الحبلة، ورواه البخاري في كتاب البيوع (2143) باب: بيع الغَرر وحَبَل الحَبلة.
قوله: «كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لَحْمَ الْجَزُورِ؛ إِلَى حَبَلِ الحَبَلَةِ...» قال الحافظ ابن حجر: فظاهرُ هذا السّياق؛ أنّ هذا التفسير منْ كلام ابْن عمر، ولهذا جزم ابنُ عبدالبر بأنّه من تفسير ابن عمر، وقد أخرجه مسلم من رواية الليث، والترمذي والنسائي من رواية أيوب، كلاهما عن نافع بدون التفسير، وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة من طريق سعيد بن جبير عن ابن عمر، بدون التفسير أيضاً.
قال: وقال الإسماعيلي: وهو مُدْرج يعني: أنّ التفسير مِنْ كلام نافع، وكذا ذكر الخطيب في (المُدْرج) وسيأتي في آخر السلم عن موسى بن إسماعيل التبوذكي عن جويرية التصريح بأنّ نافعاً هو الذي فسَّره، لكنْ لا يلزم مِنْ كون نافع فسّرَه لجويرية؛ أنْ لا يكون ذلك التفسير ممّا حمله عن مولاه ابن عمر. انتهى «الفتح» (4/357)، وقوله: «كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ» أي: أنّه كان بيعاً جاهليّاً مشهوراً.
قوله: «لحْمَ الجَزُور»
  • قوله: «لحْمَ الجَزُور» بفتح الجِيم وضمّ الزّاي، هو البعيرُ ذكراً كان أو أنثى، إلا أنّ لفظه مُؤنّث تقول: هذه الجزُور وإنْ أردت ذكراً، فيحتمل أن يكون ذكره في الحديث قيدا فيما كان أهل الجاهلية يفعلونه، فلا يتبايعون هذا البيع إلا في الجزور أو لحْم الجَزُور، ويحتمل أنْ يكون ذُكر على سبيل المثال، وأمّا في الحُكم فلا فَرْقَ بين الجزور وغيرها في ذلك.
قوله: «بيع حَبَل الحَبلة»
  • قوله: «بيع حَبَل الحَبلة» حبل بفتح المُهملة والموحدة، وقيل: في الأول بسكون الموحدة وغلطه عياض، وهو مصدر حَبَلتْ تَحْبلُ حَبلاً، والحَبَلة: جمع حابل، مثل: ظَلَمة وظَالم، وكتَبَة وكاتب، والهاء فيه للمبالغة، وقيل: للإشعار بالأنوثة، وقد ندر فيه: امرأة حابلة، فالهاء فيه للتأنيث، وقيل: حبلة مصدر يسمّى به المحبول، قال أبو عبيد: لا يقال لشيء من الحيوان حبلت، إلا الآدميّات، إلا ما ورد في هذا الحديث. وأثبته صاحب «المحكم» قولاً، فقال: اختلف أهي للإناث عامّة، أم للآدميات خاصة؟ وفي ذلك تعقبٌ على نقل النووي؛ اتفاق أهلِ اللّغة على التّخْصيص.
قوله: «إلى أنْ تُنْتَج» بضم أوّله وفتح ثالثه، أي: تلدُ ولداً، والناقة فاعل، وهذا الفعل وقع في لغة العرب على صيغة الفعل المسند إلى المفعول، وهو حَرفٌ نادر.
وقوله: «ثُمَّ تَحْمِلَ التِي نُتِجَتْ» وفي رواية: «ثمّ تُنتج التي في بَطْنها» أي: ثمَّ تعيش المُولودة حتى تكبر؛ ثمّ تلد. فهو: أنْ يَبيعَ بثمنٍ إلى أنْ يلدَ ولدُ النّاقة. وقال بعضُهم: أنّ يبيع بثمنٍ إلى أن تحمل الدابة، وتلد ويحمل ولدها. وبه جزم أبو إسحاق في «التنبيه»، والمَنْعُ في الصُّور الثلاث؛ للجَهَالة في الأجَل، ومِنْ حقّه على هذا التفسير؛ أنْ يُذْكر في السلم.
وقال أبو عبيدة وأبو عبيد وأحمد وإسحاق وابن حبيب المالكي وأكثر أهل اللغة وبه جزم الترمذي: هو بيع ولد نتاج الدابة، والمنع في هذا مِنْ جِهة أنّه بيعُ مَعْدومٍ ومَجْهول، وغير مقدورٍ على تسليمه، فيدخل في بُيُوع الغَرَر، ولذلك صدّر البخاري بذكر الغَرَر في الترجمة، لكنّه أشار إلى التفسير الأول بإيراد الحديث في كتاب السَّلَم أيضاً، ورجّح الأول لكونه مُوافقاً للحديث، وإنْ كان كلام أهل اللغة موافقاً للثاني، لكن قد روى الإمام أحمد: من طريق ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر ما يوافق الثاني، ولفظه: «نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر»، قال: إنّ أهلَ الجاهلية كانوا يَتَبايعُون ذلك البَيع، يَبتاع الرجلُ بالشارف حَبَل الحَبَلة؛ فنُهوا عن ذلك».
هل المراد البيع إلى أجل أو بيع الجَنين؟
وقال ابن التين: محصّل الخلاف: هل المراد البيع إلى أجل، أو بيع الجَنين؟ وعلى الأول: هل المراد بالأجل ولادة الأم، أو ولادة ولدها؟ وعلى الثاني: هل المراد بيع الجنين الأول، أو بيع جنين الجنين؟ فصارت أربعة أقوال. انتهى.
وحكى صاحبُ «المحكم» قولاً آخر: أنّه بيعُ ما في بُطُون الأنْعام، وهو أيضا منْ بُيُوع الغَرَر، لكن هذا إنما فسّر به سعيد بن المسيب- كما رواه مالك في «الموطأ»- بيع المضامين، وفسّر به غيرُه بيع الملاقيح، واتفقت هذه الأقوال- على اختلافها- على أنّ المُراد بالحبلة: جمع حابل أو حابلة من الحيوان، إلا ما حكاه صاحب «المحكم» وغيره عن ابن كيسان أن المراد بالحبلة الكرمة؟ وأن النَّهْي عن بيع حبلها، أي: حملها قبل أنْ تبلغ، كما نهى عن بيع ثَمَر النَّخلة قبل أنْ تزهى، وعلى هذا فالحبلة بإسكان الموحدة وهو خلاف ما ثبتت به الروايات...
ثُمّ إنّ عطفَ بيع حَبَل الحَبلة، على بيع الغَرَر هو مِنْ عطف الخاص على العام.
فوائد الحديث
  • تحريمُ بيع الجَنين منْفرداً عن أمّه.
  • تحريم البيع إلى أجلٍ مَجْهول.
  • تحريمُ بيع الجَزُور إلى أنْ تلد الناقة، ثُمّ يلد مولودها، وكذا غيرها من الحيوان.
  • إبطالُ الإسْلام جهالات أهل الجاهلية.
من هَدْي النبي - صلى الله عليه وسلم - في البيع والشراء
السماحة في البيع والشراء
عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «رحم الله عبدًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا اقتضى»، وفي رواية: «غفر الله لرجل كان قبلكم، كان سهلًا إذا باع، سهلًا إذا اشترى، سهلًا إذا اقتضى»؛ و عن ابن عمر- رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من طلب حقًا فليطلبه في عفاف، وافٍ أو غير وافٍ».
إقالة النادم
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أقال مسلمًا بيعته، أقال الله عثرته» في لفظ عند البيهقي: «من أقال نادمًا أقال الله عثرته».
الأمانة في البيع
عن أبي هريرة- رضي الله عنه -» أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: مرَّ على صُبْرة من طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال: يا صاحب الطعام، ما هذا؟ قال: أصابته السماء، يا رسول الله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أفلا جعلتَه فوق الطعام حتى يراه الناس، ثم قال -صلى الله عليه وسلم -: من غشَّنا فليس منَّا، والمكر والخديعة في النار»، قال الصنعاني: والحديث دليل على تحريم الغشِّ، وهو مجمعٌ على تحريمه شرعًا، ومذموم فاعله عقلًا. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم قالوا :إنَّ الغشَّ حرام. وعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم - قال: «المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا فيه عيب إلا بيَّنه له»، وعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإنْ صدقا وبيَّنا بُورك لهما في بيعهما، وإنْ كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما».



اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي








__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #15  
قديم 25-05-2026, 05:50 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,904
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: النَّهْي عن بَيْع المُـلَامَسَةِ والمُنَابَذَةِ

المُلَامَسَة والْمُنَابَذَة كِلاهما مِن العُقُودِ المَنهِيِّ عنْها لِمَا فيها مِنَ الغرر والجهالة والغِشِّ المُلَامَسَة: أنْ يأتي بثوبٍ مَطْوي أو في ظلمة فَيَلمسه المستلم فيقول له صاحب الثوب بِعْتكه بكذا بشَرْط أنْ يَقومَ لَمْسك مقام نظرك
عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ - رضي الله عنه - قَال: «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعَتَيْنِ، ولِبْسَتَيْنِ، نَهَى عَنْ المُلَامَسَةِ والْمُنَابَذَةِ فِي الْبَيْعِ، والْمُلَامَسَةُ: لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الْآخَرِ بِيَدِهِ بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ، ولَا يَقْلِبُهُ إِلَّا بِذَلِكَ، والمُنَابَذَةُ: أَنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ بِثَوْبِهِ، ويَنْبِذَ الْآخَرُ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ، ويَكُونُ ذَلِكَ بَيْعَهُمَا، مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ ولَا تَرَاضٍ». أخرجه مسلم في أول كتاب البيوع (3/1152) باب: إبطال بيع المُلامسة والمُنابذة.
في هذا الحديثِ بيانٌ لبَعضِ المنهيَّاتِ في البيع، حيثُ يَرْوي أبو سعيد - رضي الله عنه - أنَّ رَسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهى عن بَيعتَين، وهما: المُلَامَسَةِ والْمُنَابَذَةِ، وفسَّرَهما في الحَديثِ بأنَّ «المُلامَسة» مِن اللَّمْسِ؛ وهي أنْ يَبِيعَ البائعُ شيئاً إلى المُشترِي؛ على أنَّه متى لَمَسَه؛ فقد تَمَّ البَيعُ، و»المُنابَذة» مِن النَّبْذِ، وهو الإلقاءُ؛ وهي أنْ يَجعَلَ إلْقاءَ السِّلعةِ إيجاباً للبَيعِ؛ فمتى أَلْقى إليه ثوباً أو غيرَه؛ التَزَمَ المُشترِي بشِرائِه، وكِلاهما مِن العُقُودِ المَنهِيِّ عنْها؛ لِمَا فيها مِنَ الغرر والجهالة والغِشِّ.
بيع الملامسة
قال الحافظ ابن حجر في «الفتح»: واختلفَ العُلماء في تفسير المُلامسة على ثلاث صور، وهي أوجه للشافعية أصحها: أنْ يأتي بثوبٍ مَطْوي أو في ظلمة، فَيَلمسه المستلم، فيقول له صاحب الثوب: بِعْتكه بكذا، بشَرْط أنْ يَقومَ لَمْسك مقام نظرك، ولا خِيار لك إذا رأيته، وهذا موافق للتفسيرين اللذين في الحديث. الثاني: أنْ يَجْعلا اللَمس نَفْسَه بَيعاً بغير صيغةٍ زائدة. الثالث: أنْ يَجْعلا اللمسَ شَرْطاً في قطع خيار المجلس وغيره، والبيع على التأويلات كلها باطل...
بيع المنابذة
قال: وأمّا المُنابذة فاختلفُوا فيها أيضاً على ثلاثة أقول، وهي أوجه للشافعية أصحها أنْ يجعلا النّبذ نفسَه بيعاً كما تقدّم في المُلامسة، وهو الموافق للتفسير في الحديث المذكور، والثاني: أنْ يجعلا النبذ بيعاً بغير صيغة, والثالث: أنْ يجعلا النبذ قاطعاً للخيار، واختلفوا في تفسير «النبذ» فقيل: هو طرح الثوب كما وقع تفسيره في الحديث المذكور، وقيل: هو نبذ الحصاة والصحيح أنه غيره. وعلة بطلان البيعتين لما تحتويان عليه من الغرر والجهالة. انتهى.
قوله: «ونهَى رَسولُ الله -صلى الله عليه وسلم - عَن لِبستَين»
قوله: «ونهَى رَسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عَن لِبستَين» وقد فسَّرَهما في الحديثِ الآخر: بأنَّهما «اشتِمال الصَّمَّاءِ» وهو أنْ يَلُفَّ الإنسانُ جميعَ جسَدِه بالثَّوبِ، ولا يَرفَعَ شيئاً مِن جَوانبِه، فلا يُمكِنُه إخراجُ يدِه إلَّا مِنْ أسفَلِه؛ وسُمِّيَ بذلك؛ لِسَدِّه المَنافِذَ كلَّها كالصَّخْرةِ الصَّمَّاءِ، وفيه تَشبُّهٌ باليهودِ الَّذين كانوا يَفْعَلون ذلك، وقد نَهى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم - عن التَّشبُّهِ بهم. قال ابن قتيبة: سُمّيت صَمّاء، لأنّه يَسدُّ المنافذ كلّها، فيصير كالصّخرة الصَّمّاء التي ليس فيها خرق، وقال الفقهاء: هو أنْ يَلتحفَ بالثّوب، ثُمّ يَرفعه مِنْ أحد جانبيه، فيَضعه على منكبيه، فيصير فرجه بادياً، قال النووي: فعلى تفسير أهل اللغة؛ يكونُ مَكروهاً، لئلا تعرض له حاجة فيتعسر عليه إخراج يده، فيلحقه الضرر، وعلى تفسير الفقهاء يَحْرم، لأجل انكشاف العورة.
حكم الاحتباء
قوله: «وعن الاحتِباءِ» وهو أنْ يَقعُدَ الإنسانُ على أَليَتَيْهِ ويَنصِبَ ساقَيْهِ، فيَضُمَّ رِجلَيْهِ إلى بَطنِه بثَوبٍ، ويَجمَعَهما مع ظهْرِه، ويَشُدَّ الثَّوبَ عليه بهذه الهيئةِ، أو يَشُدَّ على ساقَيْهِ بيَدِه؛ وإنَّما نَهَى عنه؛ لأنَّه إذا لمْ يكُنْ عليه إلَّا ثوبٌ واحدٌ، فرُبَّما تحرَّكَ أو زَالَ، فتنكشف عَوْرتُه، كما بيَّنه في قَولِه: «يُفْضي بِفَرجِه إلى السَّماء». وقيل: إنَّ الاحتِباءَ المَنْهِيَّ عنه في الجُلوسِ، هو احتِباءُ الرَّجُلِ الَّذي لا يملِكُ إلَّا ثوبًا واحداً بثوبِه، أمَّا الذي يَحتبي وهو ساترٌ لعَورتِه بالثيابِ، فلا بأسَ في ذلك.
فوائد الحديثِ
1-الابتعادِ عن كلِّ ما فيه غِشٌّ أو جَهالةٌ تُؤدِّي إلى التنازُعِ. 2- الحثُّ على سَترِ العَورةِ، والحِرصُ على حُسنِ الهَيئةِ وجَمالِها. 3- التزامُ هديِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم - في الأمْرِ والنَّهيِ في البَيعِ والشِّراءِ، وسائرِ العِباداتِ والمُعامَلاتِ، هو سبيلُ الخَيرِ والنَّجاةِ في الدُّنيا والآخِرةِ.
باب: بَيْعِ الغَرَرِ والْحَصَاةِ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ الحَصَاةِ، وعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» أخرجه مسلم في كتاب البيوع (2/1153) باب: بُطلان بيع الحَصَاة، والبيع الذي فيه غَرَر. في هذا الحديثِ يَرْوي أبو هُرَيرةَ - رضي الله عنه - أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهى عَن بَيعِ الحَصاةِ، وهو أحدُ بُيوعِ أهْلِ الجاهِليَّةِ الَّتي كانوا يَعقِدُونها بَيْنهُم؛ فكانَ المُتبايِعانِ إذا رَمَى أَحدُهما مِن يَدِهِ حَصاةً؛ كانَ ذلكَ عَلامةً لِتَمامِ البَيعِ، وله ثَلاثُ صُوَرٍ:
  • الأُولى: أنْ يقولَ البائعُ للمُشتري: بِعتُك مِن هذه الأثوابِ ما وقَعَت عليه الحَصاةُ الَّتي أرْمِيها، أو بِعتُك مِن هذه الأرضِ مِنْ هنا؛ إلى ما انتَهَت إليه هذه الحَصاةُ.
  • والثَّانيةُ: أنْ يَجعَلَا الرَّميِ نفْسَه بالحَصاةِ بَيعاً، فيقولَ: إذا رمَيتُ هذا الثَّوبِ بالحَصاةِ؛ فهو مَبيعٌ مِنكَ بكذا.
  • والثَّالثُ: أنْ يقولَ: بِعتُكَ على أنَّ لك بالخِيارِ؛ إلى أنْ أرمِيَ بهذه الحَصاةِ, وقيلَ: المرادُ به أنْ يُقالَ: ارْمِ بالحَصاةِ؛ فما خَرجَ؛ كان لي بعدَدِهِ دَنانيرُ أو دَراهِمُ, وهذا كلُّه مِن أنواع البيعِ الفاسدِ، الَّذي يَتحقَّقُ فيه الغَرر، والظُلمٌ لأحدِ المُتبايعَينِ.
قوله: «وعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ»
قوله: «وعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» أي: ونَهى أيضًا رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَن بَيعِ الغَرَرِ، ومعنى الغَرَرِ: الخطَرُ والغرورُ والخِداعُ، وهذا تَعميمٌ بعْدَ تَخصيصٍ، فهوَ شاملٌ لكُلِّ بَيعٍ اشتَملَ على أيِّ نَوعٍ مِنْ أنْواعِ الخِداعِ، أوْ كانَ مَجهولَ القدر أو الكم أو الكيف، أوْ مَعجُوزاً عن تسليمه. - قال الحافظ النووي: «وأمّا النّهيُّ عن بيع الغَرَر؛ فهو أصْلٌ عَظيمٌ مِنْ أصُول كتاب البُيوع، ولهذا قدَّمه مُسلم، ويدخل فيه مسائلُ كثيرةٌ غيرُ منحصرة، كبَيع الآبق، والمَعدُوم والمَجْهول، وما لا يُقدر على تسليمه، وما لمْ يتم مُلك البائع عليه، وبيع السّمك في الماء الكثير، واللّبن في الضَّرع، وبيع الحَمل في البطن، وبيع بعض الصُّبْرة مُبْهماً، وبيع ثوبٍ منْ أثواب، وشاة مِنْ شياه، ونظائر ذلك، وكلُّ هذا بيعه باطلٌ، لأنّه غرر مِنْ غير حاجة. قال: قد يُحْتمل بعض الغَرَر بيعاً؛ إذا دعت إليه حاجة، كالجَهْل بأساس الدار، وكما إذا باع الشّاة الحامل، والتي في ضَرْعها لبن، فإنّه يصحّ البيع، لأن الأساس تابع للظاهر من الدار، ولأنّ الحاجة تدعو إليه فإنه لا يمكن رؤيته. وكذا القول في حمل الشاة ولبنها.
جواز أشياء فيها غرر حقير
قال: وكذلك أجمع المُسْلمون على جواز أشياء فيها غرر حقير، منْها أنّهم أجمعوا على صحة بيع الجبة المحشوة، وإنْ لمْ يرَ حَشوها، ولو بيع حشوها بانفراده لم يجز. وأجمعوا على جواز إجارة الدّار والدابة والثوب ونحو ذلك شهراً، مع أنّ الشهر قد يكون ثلاثين يوماً، وقد يكون تسعةً وعشرين. وأجمعوا على جواز دُخُول الحمام بالأجرة، مع اختلاف الناس في اسْتعمالهم المَاء، وفي قدر مكثهم. وأجمعوا على جواز الشُّرب مِنَ السّقاء بالعِوض، مع جهالة قدرِ المَشْروب، واختلاف عادة الشاربين وعكس هذا.
أجْمَعُوا على بُطلان بيع الأجنّة في البطون
وأجْمَعُوا على بُطلان بيع الأجنّة في البطون، والطّير في الهواء, ثمّ قال: قال العلماء: مدار البُطْلان بسبب الغَرَر، والصّحة مع وجوده على ما ذكرناه، وهو أنّهن إنْ دَعت حاجة إلى ارتكاب الغرر، ولا يُمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة، وكان الغَرر حَقيراً، جاز البيع، وإلا فلا، وما وقع في بعض مسائل الباب من اختلاف العلماء في صحة البيع فيها وفساده، كبيع العين الغائبة، مَبْني على هذه القاعدة، فبعضُهم يرى أنَّ الغَرر حقير، فيجعله كالمَعْدُوم، فيصح البيع، وبعضُهم يراه ليس بحقير؛ فيُبطل البيع، والله أعلم. انتهى.
فوائد الحديث
1- النَّهيُ عن التَّغريرِ والخِداعِ في البَيعِ. 2- التَّحذيرُ مِن أكْلِ أمْوالِ النَّاسِ بالباطِلِ. 3- الإشارةٌ إلى أنَّ التَّبايُعَ لا بدَّ أنْ يكونَ في شَيءٍ مَعلومٍ، وثَمنٍ مَعلومٍ. 4- ومِنْ حِكَمِ النَّهيِ عنه: أنَّ ذلك مِن إضاعةِ المالِ؛ إذْ قدْ لا يَحصُلُ المبيعُ، فيكونُ بَذْلُ مالِه باطلاً. 5- كان يَسودُ في الجاهِليَّةُ أنواعٌ مِن المعامِلاتِ الَّتي تَمتلِئُ ظُلماً وإجحافاً؛ فلمَّا جاء الإسلامُ أقرَّ البَيعَ العادلَ، ونهَى عن كلِّ ما فيه ظُلمٌ؛ فمَنَع ما فيه الغِشُّ والجهالةُ لقَطْعِ النِّزاعِ والخُصومةِ بيْن النَّاسِ، وهذا مَقصِدٌ مِن المَقاصِدِ الشَّرعيَّةِ.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #16  
قديم 09-06-2026, 05:40 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,904
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم- بـاب: النَّهْــيُّ عَـنْ النَّـجْــشِ


  • نظَّمَ الشَّرعُ أُمورَ التَّعامُلِ بيْن النَّاسِ في البَيعِ والشَّراءِ وأَوضَح أموراً لابُدَّ منها حتى لا يَتنازَعَ النَّاسُ فيما بيْنهم
  • في الحديث بَيانُ حِرصِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على كلِّ ما هو خَيرٌ لأمَّتِه ورِفقِهِ بها حتى في المصالحِ الدُّنيويَّةِ
  • لا يحلُّ لمسلمٍ أنْ يزيد في ثَمن سلعة وهو لا يُريد شراءها ولا يحل للبائع أنْ يدّعي أنّه أعطي في السلعة كذا وهو لمْ يُعط
عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- نَهَى عَنْ النَّجْشِ. الحديث رواه مسلم في البيوع (3/1156) باب: تحريم بيع الرجل على بيع أخيه، وسَوْمه على سومه، وتحريم النجش، وتحريم التصرية، وأخرجه البخاري في البيوع (2142) باب: النّجش، ومَنْ قال: لا يجوز ذلك البَيع.
في هذا الحديثِ يَنْهى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم- عن النَّجْشِ؛ بفتح النون وسكون الجيم، أصْلُه في اللغة: إثارة الصّيد مِنْ مَخْبئه ليصيدَه غيرُه، وفسّر ابن قتيبة النجش: بالخَتْل والخَديعة، وفي الاصْطلاح: هو أنْ يَزيدَ في ثَمَن السِّلْعة لا ليَشْتريها، بل ليخدَعَ غيرَه، ويُغْريه بشرائها، وقد يقع ذلك بعِلم البائع ومُواطأته، فيَشْتركان في الإثْم، وقد يقع بغيرِ علم البائع فيختصُّ بذلك الناجش، وقد يختصّ به البائع، كمَن يُخبر بأنّه اشْترى سلعةً بأكثر ممّا اشتراها به؛ ليَغرّ غيره بذلك. قاله الحافظ (4/355)، وعلّة النّهي عن النَّجش؛ مَا فيه مِنَ الغِشِّ والتَغريرِ بالنَّاسِ وخِداعِهم.
وقال البخاري في صحيحه: باب النَّجْش، ومَنْ قال: لا يجُوز ذلك البيع، وقال ابنُ أبي أوفى: الناجش آكلُ رِبَا خائن، وهو خِداعٌ باطلٌ لا يَحلّ، قال النّبي - صلى الله عليه وسلم-: «الخديعة في النار، ومَنْ عَمِل عملًا ليسَ عليه أمْرُنا، فهو ردٌّ». ثم ساق الحديث.
الناجش آكلُ ربا خائن!
وقول البخاري: وقال ابن أبي أوفى: الناجش آكلُ ربا خائن، قال الحافظ في الفتح: هذا طرف من حديث أورده المصنف في الشهادات، في باب: قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} (آل عمران: 77)، ثم ساق فيه من طريق السكسكي عن عبدالله بن أبي أوفى قال: أقام رجل سلعته؛ فحلف بالله لقد أعطى فيها ما لم يعط، فنزلت. قال ابن أبي أوفى: الناجش آكل ربا خائن، أورده من طريق يزيد بن هارون عن السكسكي، ثم قال الحافظ: وأطلق ابن أبي أوفى على مَنْ أخبَرَ بأكثر ممّا اشترى به أنه ناجش؛ لمشاركته لمن يزيدُ في السلعة، وهو لا يُريدُ أنْ يشتريها في غرور الغير، فاشْتَركا في الحُكم لذلك، وكونه آكل ربا بهذا التفسير، وكذلك يصح على التفسير الأول إنْ واطأه البائع على ذلك، وجعل له عليه جُعلًا، فيشتركان جميعاً في الخيانة. اهـ. وقد أوضح الحافظ -رحمه الله- أنّ قوله في الترجمة: وهو خداع باطل لا يحل، هو من تفقه المصنف، وليس من تتمة كلام ابن أبي أوفى.
فوائد الحديث
  • أنّه لا يحلُّ لمسلمٍ أنْ يزيد في ثَمن سلعة، وهو لا يُريد شراءها.
  • لا يحل للبائع أنْ يدّعي أنّه أعطي في السلعة كذا، وهو لمْ يُعط.
  • حريٌ بالبيع الذي يجري فيه النّجش، ألا يُبارك للبائع فيه.
  • الشَّرع نظّم أُمورَ التَّعامُلِ بيْن النَّاسِ في البَيعِ والشَّراءِ، وأَوضَح أمورًا لابُدَّ منها؛ حتى لا يَتنازَعَ النَّاسُ فيما بيْنهم، وحتى تَتِمَّ الصَّفقاتُ بيْنهم وهي خاليةٌ مِن الجَهالةِ أو الخِداعِ أو الحُرْمةِ.
باب: النَّهْي عنْ تَلَقّي السِّلَع
عن أَبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «لَا تَلَقَّوْا الجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ؛ فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ؛ فَهُوَ بِالْخِيَارِ»، الحديث رواه مسلم في البيوع (3/1156) باب: تحريم تلقّي الجلب. في هذا الحديثِ يَنْهى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم- عن بَعضِ المُعاملاتِ الَّتي يَترتَّبُ عليها الغِشُّ والخِداعُ في البُيوعِ، وتُؤدِّي إلى الضَّررِ بالبائِعِ أو المُشتري، فقال - صلى الله عليه وسلم-: «لا تَلَقَّوُا الجلب»، وفي رواية: «لا تَلَقَّوُا الرُّكبانَ» يَعنِي: لا تَستَقبِلوا الَّذين يَحمِلون بَضائِعَهم إلى بَلدٍ ما ليَبيعُوها، فتَشتَروا مِنهم قبْلَ قُدومِهم إلى الأسواقِ بالبلد ومَعرفَةِ أسعارِها؛ لأنَّ هذا يَضُرُّ بالبائعِ؛ لأنَّهم قد يَشتَرون منه بأَقلَّ مِنْ سِعرِها المَعروفِ، وقد يَضُرُّ بأهلِ البَلدِ؛ لأنَّهم قد يَزيدونَ في ثَمنِها عليهم. - قال النووي -رحمه الله-: «وفي هذه الأحاديث: تَحريمُ تلقّى الجَلَب، وهو مذهبُ الشافعي ومالك والجمهور، وقال أبو حنيفة والأوزاعي: يجوزُ التلقّي إذا لمْ يضر بالناس، فإنْ أضَرّ كُره، والصحيح الأول للنَّهْي الصّريح. قال: قال العلماء: وسببُ التّحريم: إزالة الضَّرَر عن الجالب، وصيانته ممّن يَخْدعه، قال الإمام أبو عبدالله المازري: فإنْ قيل: المنع مِنْ بيع الحاضر للبادي؛ سببه الرّفق بأهلِ البلد، واحْتمل فيه غبن البادي، والمنع مِنَ التلقّي؛ ألا يُغْبن البادي، ولهذا قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم-: «فإذا أتَى سَيّدُه السّوق؛ فهو بالخِيَار».
النظر إلى مصلحة الناس
فالجواب: أنّ الشّرع ينْظر في مثل هذه المَسَائل إلى مَصْلحة الناس، والمَصْلحة تقتضي أنْ ينظرَ للجَمَاعة على الوَاحد، لا للوَاحدِ على الوَاحد، فلمّا كان البادئ إذا باع بنفسِه؛ انتفعَ جميعُ أهلِ السُّوق، واشْتَروا رَخيصاً فانتفعَ به جميعُ سُكّان البلد؛ نَظَر الشّرعُ لأهلِ البَلَد على البَادي، ولمّا كانَ في التّلقّي إنّما يَنْتفع المُتلقّي خاصّة، وهو واحدٌ في قبالة واحد، لمْ يكنْ في إباحةِ التلقّي مَصْلحة، لا سيما ويَنَضاف إلى ذلك علةٌ ثانية، وهي: لُحُوقُ الضّررِ بأهلِ السُّوق، في انْفراد المتلقّي عنْهم بالرُّخْص، وقَطع المَواد عنهم، وهم أكثرُ مِنْ المُتلقّي، فنَظَرَ الشَّرْع لهم عليه، فلا تناقضَ بين المَسْألتين، بل هُما مُتّفقتان في الحِكْمة والمَصلحة، والله أعلم», وأما قوله - صلى الله عليه وسلم-: «فإذا أتَى سيّدُه السُّوق، فهو بالخِيار» سواءً أخبر المُتلقّي بالسّعر كاذباً أمْ لمْ يُخبر، وإنْ كان الشّراء بسِعر البلد أو أكثر، فوجهان: الأصح لا خيار له، لعدم الغَبْن، والثاني: ثُبُوته لإطلاق الحديث. قاله النووي.
فوائد الحديث
  • نظَّمَ الشَّرعُ أُمورَ التَّعامُلِ بيْن النَّاسِ في البَيعِ والشَّراءِ، وأَوضَح أموراً لا بُدَّ منها؛ حتى لا يَتنازَعَ النَّاسُ فيما بيْنهم، وحتى تَتِمَّ الصَّفقاتُ بيْنهم، وهي خاليةٌ مِنَ الجَهالةِ أو الخِداعِ أو الحُرْمةِ.
  • وفيه: بَيانُ حِرصِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم- على كلِّ ما هو خَيرٌ لأمَّتِه، ورِفقِهِ بها، حتى في المصالحِ الدُّنيويَّةِ.
  • وفيه: أنَّ الإمامَ ووَلِيَّ الأمرِ؛ يُرشِدُ النَّاسَ في بُيوعِهم وشِرائِهِم داخِلَ الأسواقِ.
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #17  
قديم 18-06-2026, 11:02 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,904
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم ..باب: لا يَـبِع حَاضِـرٌ لِبَادٍ


  • من واجب الإمام أنْ يُرشِد النَّاسَ في أعمالِ بُيوعِهم وشِرائِهِم داخِلَ الأسواقِ لما فيه الخير لهم
  • الإسلامُ دِينُ المحبَّةِ والتَّعاونِ والإيثارِ وقدْ مَنَعَ منْ استغلالَ الإنسانِ لأخيهِ الإنسانِ في حاجاتِه الضَّروريَّةِ
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى لله عليه وسلم - أَنْ تُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ». قَالَ فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُه:ُ «حَاضِرٌ لِبَادٍ؟», قَالَ: لَا يَكُنْ لَهُ سِمْسَاراً. الحديث رواه مسلم في البيوع (3/1157) باب: تحريم بيع الحاضر للبادي.
  • قوله: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى لله عليه وسلم - أَنْ تُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ» تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، هو أنْ يُقابِلَ التُّجَّارَ الذين يَأتُون بتِجارَتِهم لبَيعِها في الأسواقِ، فيَشترِيَ منهم بِضاعتَهم قبْلَ دُخولِهم السُّوقَ، ثُمَّ يَبِيعَها هو بِأكثرَ مِمَّا اشْتَرَاها به، استِغلالاً لجَهْلِ البَائعِ، أو لِحاجةِ المُشتري، وهذا فيه ضَرَرٌ على البائعِ؛ لأنَّه قد يَبِيعُها بأقلَّ مِن ثَمَنِها الحقيقيِّ في أسواقِ هذا البلدِ، كما أنَّ ذلك قد يَضُرُّ بأهلِ البلدِ؛ لأنَّ هذا المشترِيَ قد يَتحقَّقُ له احتكارُ السِّلعةِ، فيَتحكَّمُ في سِعْرِها، ويَزِيدُه كما يَشاءُ في الأسواقِ.
  • قوله: «وأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ» أي: ونَهى - صلى لله عليه وسلم - عن بَيعِ الحاضرِ للبادِي؛ وهو أنْ يَأتِيَ أحدُ أهلِ البادِيةِ -وهي الصَّحراءِ- ليَبِيعَ سِلعتَه في إحْدَى القُرَى أو المُدُنِ، فيَقولَ له أحدُ سُكَّانِ هذه القريةِ أو المدينةِ مثلًا: اتْرُكْها لي وأنا أَبِيعُها لك بثَمَنٍ أعْلى، فيكونُ له سِمْسَاراً.
وعِلَّةُ النَّهيِ: أنَّ هذا أقرَبُ إلى مَصْلحةِ النَّاسِ؛ فإذا باعَ الحاضرُ السلعة؛ شدَّدَ على النَّاسِ، وأمَّا البادي إذا باعَ بنَفْسِه سِلعته؛ كان أرْخَصَ للناسِ. وأيضاً: قد يَضُرُّ الحاضرُ الباديَ؛ بأنْ يكونُ سَبباً في خِداعِه.
فوائد الحديث
  • أنّ النَّبيُّ - صلى لله عليه وسلم - نَهى عن المُعامَلاتِ الَّتي يَترتَّبُ عليها ضَرَرٌ على النَّاسِ، وهذا مِنْ حِرصِه - صلى لله عليه وسلم - على كلِّ ما هو خَيرٌ لأُمَّتِه، ورِفقِهِ بها، حتى في المصالحِ الدُّنيويَّةِ.
  • وفيه: أنَّ من واجب الإمام ووَلِيّ الأمرِ؛ أنْ يُرشِد النَّاسَ في أعمالِ بُيوعِهم وشِرائِهِم داخِلَ الأسواقِ، لما فيه الخير لهم.
  • الأحكامُ الشَّرعيَّةُ جاءت لِتَكبَحَ جِماحَ النَّفْسِ المَجبولة على حُبِّ الخيرِ لنَّفْسِها، والحِرصِ عليهِ، ولو أَضَرَّت بغَيرِها.
باب: النَّهْي عن الحُكْرة
عن مَعْمَرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى لله عليه وسلم -: «مَنْ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ». فَقِيلَ لِسَعِيدٍ: فَإِنَّكَ تَحْتَكِرُ؟ قَالَ سَعِيدٌ: إِنَّ مَعْمَراً الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ؛ كَانَ يَحْتَكِرُ. الحديث رواه مسلم في المساقاة (3/1227) باب: تحْريم الاحْتكار في الأقوات، ومعمر هو الصَّحابيّ مَعْمَر بنَ عبدِ اللهِ بن نافع العدوي، مِنْ مهاجري الحَبشة.
  • قوله: «مَنْ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ» يقول النَّبيُّ - صلى لله عليه وسلم -: إنَّ مَنْ احتَكَرَ فهو خَاطئٌ، أي: عاصٍ آثمٌ، والخاطئُ مَنْ تَعمَّدَ ما لا يحلّ له ولا يَنْبغي، كما في قوله -تعالى-: {إنّ فِرعونَ وهامان وجنودَهُما كانوا خاطئين} (القصص: 8)، وأمّا المُخطِئُ: فهو مَنْ أرادَ الصَّوابَ؛ فصارَ إلى غيرِه.
والاحتكارُ: هو إمْساكُ السِّلعةِ ومَنعُها مِن الأسواقِ، وادِّخارُها حتَّى يَزيدَ الطَّلبُ عليها، والحاجةُ إليها، وحينئذٍ يَبِيعُها التاجر بأضعافِ ما كانتْ عليه وقْتَ شِرائِها.
تَحْريم الاحْتكار
قال الحافظ النووي: «وهذا الحديثُ صَريحٌ في تَحْريم الاحْتكار، قال أصحابنا: الاحتكار المُحرّم هو الاحْتكار في الأقوات خاصّة، وهو أنْ يَشْتري الطعام في وقتِ الغَلاء للتجارة، ولا يَبيعه في الحال، بل يدَّخره ليَغْلو ثمنه، فأمّا إذا جاء مِنْ قَريته، أو اشْتراه في وقتِ الرُّخْص وادّخَره، أو ابتاعه في وقت الغلاء لحاجته إلى أكله، أو ابتاعه ليَبيعه في وقته، فليسَ باحْتكار، ولا تَحْريم فيه». قال: «وأمّا غيرُ الأقْوات؛ فلا يَحْرمُ الاحْتكار فيه بكلّ حَال، هذا تفصيلُ مذهبنا».
الحِكْمة في تحريم الاحتكار
قال العلماء: والحِكْمة في تحريم الاحتكار: دفعُ الضّرر عن عامّة الناس، كما أجْمعَ العُلماء على أنّه لو كان عند إنسانٍ طعام، واضْطرّ الناس إليه، ولمْ يَجدوا غيره، أجْبرَ على بَيعه؛ دفعاً للضّرر عن الناس. قوله: فَقيلَ لِسعيدِ بنِ المسيِّبِ -وهو مِن رُواةِ هذا الحديثِ-: «فإنَّكَ تَحتكرُ؟» فقال سعيدٌ: إنَّ الصَّحابيَّ مَعْمَرَ بنَ عبدِ اللهِ، الَّذي كان يُحدِّثُ هذا الحَديثَ عن النَّبيِّ - صلى لله عليه وسلم - كان يَحتَكِرُ، والمقصودُ منه الاحتكارُ المُباحُ، وهو إذا كان لا يَضُرُّ بِأهلِ البلدِ، أو أنَّهما كانَا يَحتكرانِ الزَّيتَ، وحَمَلَا الحديثَ على احْتِكارِ الأقواتِ عند الحاجةِ إليها والغلاءِ. وقيل: إنَّ العِلَّةَ هي الإضرارُ بالمسْلِمين، ويَسْتوي في ذلك القُوتُ وغيرُه؛ لأنَّهم يَتضرَّرون بالجَميعِ. وكذا حمله الشافعي وأبو حنيفة وآخرون، وهو صحيح.
فوائد الحديث
  • النَّهْيُ عَنِ احتِكارِ الطَّعامِ ونحوِه مِمَّا يَحتاجُه النَّاسُ في وقتِ الشِّدَّةِ.
  • أن الإسلامُ دِينُ المحبَّةِ والتَّعاونِ والإيثارِ، يَدْعو إلى كلِّ ما يُحقِّقُ ذلك، وقدْ مَنَعَ منْ استغلالَ الإنسانِ لأخيهِ الإنسانِ، في حاجاتِه الضَّروريَّةِ.
موقف الاقتصاد الإسلامي من الاحتكار
اتفق علماء الأمة على تحريم احتكار السلع التي يحتاج إليها الناس إذا ترتب على ذلك الإضرار بهم، ولا سيما الأقوات والأغذية الأساسية؛ لأن في ذلك تضييقًا على الناس وإخلالًا بمصالحهم العامة؛ ولهذا أجازت الشريعة لولي الأمر أن يُلزم المحتكر ببيع ما لديه بسعر المثل عند حاجة الناس إليه، دفعًا للضرر وتحقيقًا للمصلحة العامة. وقد وسّع بعض الفقهاء، كالمالكية والظاهرية وأبي يوسف من الحنفية، مفهوم الاحتكار المحرم ليشمل كل ما يحتاج إليه الناس من السلع والمنافع، وليس الطعام وحده، متى أدى احتباسه إلى الإضرار بالمجتمع أو رفع الأسعار. أما التاجر الذي يجلب السلع من خارج البلد، فلا يُمنع من بيعها أو ادخارها؛ لأنه لم يتسبب في الإضرار بالناس، بل أسهم في توفير السلع وتحمل في سبيل ذلك التكاليف والمشقة، واستند الفقهاء في ذلك إلى ما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في إكرام الجالبين وعدم التضييق عليهم، ويرى ابن العربي أن هذا الحكم مبني على مراعاة المصلحة العامة؛ لأن التضييق على التجار الجالبين قد يؤدي إلى انقطاع السلع وإلحاق الضرر بالمستهلكين. ومن هنا يتضح أن تحريم الاحتكار في الإسلام يستهدف حماية المجتمع من آثاره الاقتصادية والاجتماعية السلبية؛ فهو يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وإضعاف المنافسة، والإضرار بالمستهلكين، كما يفتح أبواب الفساد والرشوة، ويكرّس التفاوت الطبقي والاحتقان الاجتماعي. ولذلك حرصت الشريعة على تحقيق التوازن بين حرية التجارة وحماية مصالح الناس، بما يضمن عدالة الأسواق واستقرارها.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #18  
قديم 18-08-2026, 09:55 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,904
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم.. باب: بيـع الخِيَار


  • بيَّنت الشريعة الإسلامية ضوابط البيع والشراء وجعلت التراضي بين المتبايعين من أهم شروط صحة البيع ونفاذه كما دلَّت على ذلك نصوص الكتاب والسنة
  • إثبات خيار المجلس للبائع والمشتري تمكينًا لهما من إمضاء البيع أو فسخه قبل التفرق حتى يتاح لهما التروّي ومراجعة القرار
عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ؛ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وكَانَا جَمِيعًا أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكِ؛ فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ، وإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، ولَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ؛ فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ»؛ الحديث أخرجه مسلم في البيوع (3/1163) باب: ثبوت خيار المجلس للمتبايعين، وأخرجه البخاري (2112).
  • يقول الرَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم-: «إذا تبايَعَ الرَّجلانِ» أي: إذا وقَعَ بين شَخصينِ بَيعٌ، والمُرادُ بهما البائعُ والمُشتري، «فكلُّ واحدٍ منهما بالخيارِ»، أي: مُخيَّرٌ في الرُّجوعِ عن بَيعِه، «ما لم يَفْتَرِقَا» أي: عنِ المَجلِسِ الَّذي وقَعَ فيه البيعُ، «وكانا جَميعًا» أي: مُجتمعينَ. وهو تأكيد لذلك.
  • قوله: «أو يُخَيِّرُ أحدُهما الآخرَ» أي: بينَ إتمامِ البيعِ أو فَسخِه.
  • قوله: «فإنْ خيَّرَ أحدُهما الآخَرَ» أي: خيَّرَه بين الرُّجوعِ عن البيعِ أو إتمامِه، «فتبايَعَا على ذلك، فقد وجَبَ البيعُ» أي: اختار إتْمام البيع، فقد وجَبَ نَفاذُ البَيعِ، أي: وبطل الخيار، ولا يحِقُّ لأحدِهما الرَّجعةُ فيه بعدَ هذا التَّخييرِ، وقوله: «وإنْ تَفرَّقَا بعدَ أنْ تَبايَعا، ولم يترُكْ واحدٌ منهما البَيعَ» أي: لم يفسخه، «فقد وجَبَ البيعُ» وكذلك يَنفُذُ البيعُ ويتمّ، إنْ تَفرَّقا عنِ المَجلسِ، وهذا ظاهر جدا في انفساخ البيع؛ بفَسْخ أحَدِهما.
تأكيدِ معنى التَّراضي
وهذا البيعِ إنَّما يقَعُ لِمَا في تلك الصُّورِ؛ مِن تأكيدِ معنى التَّراضي بينَ البائعِ والمُشْتري، كما أخرَجَ ابنُ ماجَة: عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ - رضي الله عنه - مرفوعاً: «إنَّما البيعُ عن تَراضٍ»، قال الخطابي: هذا أوْضحُ شَيءٍ في ثُبُوت خيار المجلس، وهو مُبْطلٌ لكلّ تأويلٍ مخالفٍ لظاهر الحديث، وكذلك قوله في آخره: «وإنْ تفرّقا بعد أنْ تَبايعا»، فيه البيان الواضح: أنّ التّفرّق بالبدن؛ هو القاطع للخِيار، ولو كان معناه التفرّق بالقول، لخلا الحديث عن فائدة. انتهى.
إلا بيع الخيار
قال الحافظ في الفتح: وقد اختلف العلماء في المراد بقوله في حديث مالك: «إلا بيع الخيار» فقال الجمهور، وبه جزم الشافعي: هو استثناء منْ امتداد الخيار إلى التفرّق، والمُراد أنّهما إنْ اختارا إمْضاء البيع قبل التفرّق، لزِمَ البيع حينئذ، وبطل اعتبار التفرَّق، فالتقدير: إلا البيع الذي جَرَى فيه التّخاير. قال النووي: اتفق أصحابنا على ترجيح هذا التأويل، وأبْطلَ كثيرٌ منهم ما سواه، وغلَّطوا قائله. انتهى.
البيّعان بالخيار
وقال البخاري: «باب: البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا، وبه قال ابن عمر» أي: بخِيار المجلس، وهو بيّن من صنيعه الذي مضى قبل باب، وأنّه كان إذا اشترى شيئاً يُعجبه؛ فارق صاحبه. وللترمذي: من طريق ابن فضيل عن يحيى بن سعيد: وكان ابنُ عمر إذا ابتاع بيعاً وهو قاعد، قام ليَجبَ له. وهو في مسلم: قال نافع: فكان إذا بايعَ رجلاً، فأرادَ أنْ لا يُقيله، قامَ فمَشَى هنيهة، ثمّ رجَع إليه.
فوائد الحديث
  • ضَرورةُ تَثَبُّتِ طرفَيِ البيعِ (البائع والمشتري) مِن إكمالِ البيعِ أو الرُّجوعِ فيه، قبْلَ انقضاءِ مَجلسِ البيعِ دونَ احتيالٍ.
  • وفيه: الحثُّ على التَّراضي في البَيعِ والشِّراءِ.
  • قد بيَّنَ الشَّرعُ ضَوابطَ البيع والشراء وما أشبهها مِن الأُمورِ الحَياتيَّةِ، ووضَّحَها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم-، والتَّراضي مِن أهمِّ شُروطِ نَفاذِ البيعِ.
باب منه: والصِّدْق في البَيع والبَيان
عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ - رضي الله عنه -: عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «الْبَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا؛ بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا؛ مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا»، الحديث أخرجه مسلم (1532) في البيوع (3/1164) باب: الصّدق في البيع والبيان، وأخرجه البخاري في البيوع (2079)، باب: إذا بيّن البيّعان ولمْ يكتما، ونَصَحا.
حد التفرق
يَقولُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم-: «البَيِّعانِ بِالخيارِ، ما لمْ يَتفرَّقَا» بالخِيار، أي: إنَّ كلًّا مِن البائعِ والمُشتري؛ يَحِلُّ لكلِّ واحدٍ منهما فسْخُ العقدِ، ما لم يَتفرَّقَا بِأبدانِهما عن مَكانِهما الَّذي تَبايَعا فيه؛ وهل للتفرّق المَذْكور حدٌّ ينتهي إليه؟ المشهور الراجح مِنْ مذهب العلماء في ذلك: أنّه مَوكولٌ إلى العُرْف، فكل ما عدَّ في العُرْف تفرقاً؛ حُكمَ به، وما لا فلا.
فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا
  • قوله: «فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا» فإنْ صَدقَ كلُّ واحد منهما فيما يتعلَّقُ به مِنَ الثَّمَنِ، ووَصْفِ الشَّيءِ المباعِ، ونحْوِ ذلك، وبيَّنا ما يُحتاجُ إلى بَيانِه مِنْ عيبٍ ونحْوِه في السِّلعةِ والثَّمَنِ، وقيل: صَدَق البائع في إخْبار المُشتري مثلاً ببان العَيْب إنْ كان في السّلعة، وصَدَق المشتري في قَدْر الثمن مثلاً وبيّن العيب إنْ كان في الثّمن. ويحتمل أنْ يكون الصّدق والبيان بمعنى واحد، وذِكْر أحدهما تأكيدٌ للآخر.
  • قوله: «بُورِكَ لهُما في بَيعِهما» أي: كثُرَ نفْعُ المَبيعِ والثَّمَنِ، وحَلَّت البَرَكةُ للطَّرَفَين؛ للبائعِ في الثَّمنِ، وللمُشتري في السِّلعةِ التي اشتَراها.
وإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا
  • قوله: «وإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا» أي: إنْ كَتمَ البائعُ عَيبَ السِّلعةِ، أو كَتَمَ المُشتري عَيبَ الثَّمَنِ، وكذَبَا على بعضهما؛ بأنْ كذَبَ البائِعُ في وَصْفِ السِّلعةِ بما فيها، وكذَبَ المُشتري في الوفاءِ بالثَّمنِ، أو ادَّعى أنَّه وافَقَ البائعَ على الشِّراءِ بأقلَّ ممَّا اتَّفَقا عليه، واحتالَ عليه، أو كذَبَ المُشتري على البائعِ في ذِكرِ سَببِ شِراءِ السِّلعةِ؛ ليُنزِّلَ له البائعُ في الثَّمنِ، والحقيقةُ غيرُ ذلك، فيَكونَا بذلك قدْ أخْفى كلٌّ منهما عن الآخَر؛ ما في البدَلِ الَّذي يكونُ مِن جِهتِه، وغَشَّ كلٌّ الآخَرَ فيما عليه البدَلِ، كمَنْ يساوَمَ على سِعرِ أرضٍ؛ بحُجَّةِ أنَّه سَيَبْنِيها مَسْجداً، ليُنزِّلَ له البائعُ في الثَّمَنِ، وبعْدَ الإتمامِ بَناها لنفْسِه؟
  • قوله: «مُحِقَتْ بَرَكةُ بَيعِهما» أي: أُذْهبَتْ زِيادة الصّفقة ونَماؤُها، بسَببِ هذا الكذِبِ والغِشِّ المُتبادَلينِ منْهما، وأنّ شُؤم التدليس والكذب، وقع في ذلك العقد فمُحق بركته، وإنْ كان الصادق مأجُوراً، والكاذب مأزُوراً؛ قال الحافظ: ويحتمل أنْ يكون ذلك مُخْتصّاً بمَنْ وَقَعَ منه التدليس والعَيْب؛ دُون الآخر، ورجّحه ابن أبي جمرة.
فوائد الحديث
  • إثباتُ خِيارِ المَجلسِ لكلٍّ مِنَ البائعِ والمشتري؛ مِن إمضاءِ البَيعِ أو فَسْخِه، فالبيعُ قد يقَعُ أحيانًا بلا تَفكُّرٍ ولا تَرَوٍّ، فيَحْصُلُ للبائعِ أوِ المُشترِي نَدَمٌ على فَواتِ بَعضِ مَقاصدِه؛ فجَعلَ له الشَّارعُ الحكيمُ أَمَداً يَتمكَّنُ فيه مِن فسْخِ العَقدِ.
  • وفيه: أنَّ مُدَّةَ الخيارِ تكونُ مِن حِين العَقدِ؛ إلى أنْ يَتفرَّقَا مِن مَجلسِ العَقدِ.
  • وفيه: أنَّ البيعَ يَلزمُ بِالتَّفرُّقِ بِأبدانِ المتبايعين مِن مَجلسِ العقدِ.
  • وفيه: بَيانُ وُجوبِ الصِّدقِ في البيعِ والشِّراءِ.
  • وفيه: أنَّ الدُّنيا لا يَتِمُّ حُصولُها، والبركة والنّماء فيها؛ إلَّا بالعمَلِ الصَّالحِ، وأنَّ شُؤمَ المَعاصي يُذهِبُ بخَيرِ الدُّنيا والآخِرةِ.
  • وفيه: بَيانُ فضْلِ الصِّدقِ، والحثُّ عليه، وأنَّه سَببٌ لبَرَكةِ كسْبِ العبْدِ.
  • وفيه: ذمُّ الكَذِبِ والغِش، والحثُّ على تَرْكِه، وأنَّه سَببٌ لذَهابِ البَرَكةِ مِن كسْبِ العبدِ.



اعداد: forqan





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #19  
قديم 18-08-2026, 09:57 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,904
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: مَنْ يُخْدَع في البُيُوع


  • التَّعاملُ في التِّجارةِ والأمورِ المادِّيَّةِ يَستلزِمُ الأمانةَ حتَّى تَتِمَّ الأمورُ والتَّعاملاتُ بين النَّاسِ بلا مُنازَعاتٍ وبلا إثارةِ شُرورٍ في المُجتمَعِ
  • في الحديث بيانٌ أنَّ الغِشَّ ليس مِنَ الإسلامِ وأنَّ الغشَّاشَ على خَطرٍ عَظيمٍ وفيه الزَّجرُ والنَّهيُ عنِ الغِشِّ في كلِّ المُعامَلاتِ
  • ضَبَط الإسلامُ عُقودَ المُعامَلاتِ بيْن النَّاسِ حتَّى يَحفَظَ عَلَيهم أموالَهُم ومَصالِحَهم مِن الغَرَرِ والخَديعةِ الَّتي رُبَّما تَقَعُ مِن بَعضِ المُتعاملين
عن ابْن عُمَرَ -رضي الله عنهما- قال: ذَكَرَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَايَعْتَ؛ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ»، فَكَانَ إِذَا بَايَعَ يَقُولُ: لَا خِيَابَةَ. (1533/48)، الحديث أخرجه مسلم في البُيوع (3/1165) وبوب عليه النووي بمثل تبويب المنذري، وأخرجه البخاري في الخصومات (2414) باب: من باع على الضعيف ونحوه فدفع ثمنه إليه، وأمره بالإصلاح والقيام بشأنه.
يَحكي الصحابي عبْدُ اللهِ بنُ عُمرَ -رَضيَ اللهُ عنهما- أنَّ رجُلًا أخبَرَ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بأنَّه كان يُخدع في البيوع، أي: لا يُحسِنُ البيعَ والشِّراءَ، ويَغُشُّه النَّاسُ لقلَّةِ رُشدِه، وهو حِبَّانُ بنُ مُنقِذِ بنِ عمْرٍو الأنصاري -رَضيَ اللهُ عنهما-، كما جاء في المُستدرَكِ للحاكمِ، أو القصَّةُ وَقَعَت لأبيهِ مُنقِذٍ، كما في سُننِ ابنِ ماجَة، وكان قدْ شُجَّ في رَأْسِه، فتَغيَّرَ بها عقْلِه، وثقُلَ لِسانُه، لكنَّه لم يَخرُجْ عن التَّمييزِ.
مَنْ بايعت فقل: لا خِلابة
  • قوله: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بايعت فقل: لا خِلابة» وكان إذا بايع يقول لا خيابة»؛ أما قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فقل لا خلابة» هو بِخاء مُعجمة مكسورة، وتخفيف اللّام وبالباء الموحدة، ومعنى «لا خِلابة» أي: لا خديعة، أي: لا تحل لك خديعتي، أو لا يلزمني خديعتك.
وإنَّما أمَرَه أنْ يَقولَ ذلك لِمَن يَتَعامَلُ معه؛ تَنْبيهًا له بوُجوبِ الصِّدقِ والأمانةِ، والنُّصحِ في المُعامَلةِ، أي: لا تُخادِعْني؛ فإنَّ الإسلامَ لا يُبيحُ الخَديعةَ، ولا يُقِرُّ بَيعَ الخَديعةِ، والمسلِمُ لا يَخدَعُ غيرَه، وأثْبَتَ له - صلى الله عليه وسلم - الخِيارَ ثَلاثةَ أيَّامٍ، كما في سُننَ ابنِ ماجَة.
  • قوله: «وكان إذا بايع قال: لا خيابة» هو بياء مثناة تحت بدل اللام، هكذا هو في جميع النسخ، قال القاضي: ورواه بعضهم «لا خيانة» بالنون، قال: وهو تصحيف. قال: ووقع في بعض الروايات في غير مسلم: «خذابة» بالذال المعجمة، والصواب الأول. وكان الرجل ألثغاً، فكان يقولها كذا، ولا يمكنه أن يقول: «لا خلابة».
المُغَابنة بين المُتَبايعين لازمةٌ
قال النووي: واختلف العلماء في هذا الحديث: فجعله بعضُهم خاصاً في حقّه، وأنّ المُغَابنة بين المُتَبايعين لازمةٌ، لا خِيارَ للمُغْبون بسببها، سَواءً قلّتْ أم كثُرَت، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وآخرين، وهي أصحّ الروايتين عن مالك. وقال البغداديون من المالكية: للمُغْبون الخِيار لهذا الحديث، بشرط أنْ يبلغ الغبن ثلث القيمة، فإنْ كان دُونه فلا. والصحيح الأول، لأنّه لمْ يَثبت أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أثبتَ له الخِيار، وإنما قال له: «قل لا خِلابة» أي: لا خديعة، ولا يلزم مِنْ هذا ثُبُوت الخِيار، ولأنّه لو ثبتَ أو أثبتَ له الخِيار، كانت قضيةَ عَينٍ لا عُمُوم لها، فلا ينفذ منه إلى غيره إلا بدليل، والله أعلم. انتهى. والصحيح: أنّه يَثبُتُ خِيارُ الغَبْنِ للمُسْترسِلِ، وهو مَن يَجهَلُ قِيمةَ السِّلعةِ، ولا يُحسِنُ المبايَعةَ. وكذا يَثُبُت خِيارُ الغَبْنِ للجاهلِ بالقيمةِ، حتَّى لو كان يُجيدُ المُماكَسة. ويُقدَّرُ الغَبْنُ الفاحشُ: بما جَرَت به العادةُ أنَّه فاحشٌ، وهو مَذهَبُ المالكيَّةِ والحنابِلةِ، وهو اختيارُ ابنِ تَيميَّةَ، وابنِ بازٍ، وابنِ عُثَيمينَ؛ وذلك لأنَّ ما لم يَرِد الشَّرعُ بتَحديدِه؛ يُرجَعُ فيه إلى العُرفِ.
فوائد الحديث
  • النَّهيُ عن الخَديعَةِ في البَيعِ، وما يَضُرُّ بمَصالِحِ المُسلِمين.
  • أنّ الإسلامُ ضَبَط عُقودَ المُعامَلاتِ بيْن النَّاسِ؛ حتَّى يَحفَظَ عَلَيهم أموالَهُم ومَصالِحَهم مِن الغَرَرِ والخَديعةِ، الَّتي رُبَّما تَقَعُ مِن بَعضِ المُتعاملين.
باب: مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا؛ فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟» قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ؛ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي». أخرجه مسلم في الإيمان (1/99) باب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «من غشنا فليس منّا». يَروي الصحابي أبو هُريرةَ - رضي الله عنه - أنَّ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ على صُبْرَةِ طَعامٍ، والصُّبرَةُ: هي الكَومةُ مِنَ الطَّعامِ، مِثلُ القمحِ أوِ الشَّعيرِ، يَعرِضُها التَّاجِرُ في السوق ليَبيعَها، فأدخَل النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَدَه في جَوفِها، فوَجَد بَللًا في أسفلِ الطَّعامِ، أي: لمست أصابعه - صلى الله عليه وسلم - رطوبة.
  • قوله: «ما هذا يا صَاحبَ الطّعام؟» أي: ما هذا البلل الذي بأسْفل الصُّبرة.
  • قوله: أصابته السّماء» أي: نَزَلَ عليه المطر، والعرب تسمي المطر: سماء، لأنه ينزل مِنَ السماء.
  • قوله: «أفلا جعلته فوق الطعام» أي: أفلا جعلت الطعام المبلول أعلى الصُّبرة. «كي يراه الناس» أي: حتى يراه المُشْترون، فيَحصل العلم بحالِ السّلعة؛ وهذا يَعني أنَّه جَعَل الجافَّ الصَّحيحَ ظاهراً، والمبلولَ الرَّديءَ في الأسفلِ، وقد كانوا يَتبايَعون بالصُّبرةِ كاملةً، دونَ النَّظرِ إلى كلّ ما فيها.
  • قوله: «مَنْ غَشّ» أي: خَانَ وخدع ودلّس. وقد عدَّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَمَلَ هذا التَّاجِرِ غِشًّا، فقالَ: «مَن غشَّ فليْس مِنِّي»، «فليس مني» أي: ليس ممّن اهتدى بهديي، وسار على طريقي ومنهجي في المعاملات.
فمَنْ خَدَعَ النَّاسَ بأيِّ طريقة، فليس على هَديِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وسُنَّتِه وطَريقتِه، وهذا زَجرٌ شَديدٌ منَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وفيه تَهديدٌ لمَن تَمادى في الغِشِّ، بأن يَخرُجَ عن طَريقةِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
من فوائد الحديث
  • في هذا الحديثُ بيانٌ أنَّ الغِشَّ ليس مِنَ الإسلامِ، وأنَّ الغشَّاشَ على خَطرٍ عَظيمٍ.
  • وفيه: الزَّجرُ والنَّهيُ عنِ الغِشِّ في كلِّ الأمورِ، وفي المُعامَلاتِ خاصَّةً.
  • وفيه: ضَرورةُ تَبيينِ عيبِ السِّلعةِ للمُشتَري.
  • وأنّ الأمانةُ من مَحاسِنِ الأخلاقِ، والتَّعاملُ في التِّجارةِ والأمورِ المادِّيَّةِ يَستلزِمُ الأمانةَ؛ حتَّى تَتِمَّ الأمورُ والتَّعاملاتُ بين النَّاسِ بلا مُنازَعاتٍ، وبلا إثارةِ شُرورٍ في المُجتمَعِ، وعلى العكسِ من ذلك؛ فإنِّ الغِشَّ والخِداعَ يَجلِبُ على المجتمَعِ الضرر والبَغضاءَ والتَّشاحُنَ بين النَّاسِ.
  • وفيه: أنَّ على الحاكِمَ أنْ يَستظهرُ أحوالَ النَّاسِ، ويَنصَحُ ويوجّه مَن يَحتاجُ منهم للنَّصيحةِ.



اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #20  
قديم 18-08-2026, 09:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,904
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: الصرف وبيع الذهب بالوَرِق نقدًا


  • الرِّبا نَوعٌ مِنْ أنْواعِ الاسْتِغلالِ في المعامَلاتِ وفيه قدْرٌ كَبيرٌ مِنَ الضَّررِ على الناس وفيه سُحتٌ وأخْذُ زِيادةٍ بِالباطلِ ومِن هنا كان مُحرَّماً في جميعِ الشَّرائعِ
  • يجُوز بيع الذّهب بالفِضّة، أو الفضّة بالذّهب، مُتفاضلاً، أي: غير متساويين في الوزن أو القيمة، لكنْ بشَرط التّقابض في المَجْلس، وكذلك بيع البُرّ بالشعير
  • الأصناف الستة: الذهب والفضة والبُرّ والشعير والتمر والملح لا يجوز بيع جنسٍ منها بجنسٍ آخر منها مؤجلًا ولا يجوز بيع جنسٍ منها بجنسه متفاضلًا
  • الأثمان المُتساوية متى جُعل بعضها أفضل مِنْ بعض؛ حَصَل الفساد، بل لابُدّ ألا تُقصد لأعيانها، بل يقصد التوسل بها إلى السلع
عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ - رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْتُ أَقُولُ: مَنْ يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِمَ؟ فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِاللَّهِ- وهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه -: أَرِنَا ذَهَبَكَ، ثُمَّ ائْتِنَا إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا نُعْطِكَ وَرِقَكَ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: كَلَّا وَاللَّهِ، لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ، أَوْ لَتَرُدَّنَّ إِلَيْهِ ذَهَبَهُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِبًا؛ إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا؛ إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا؛ إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا؛ إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ»، الحديث أخرجه مسلم.
في هذا الحَديثِ يُخبِرُ مالكُ بنُ أَوسِ بنِ الحَدَثَانِ - رضي الله عنه - أنَّه جاء إلى مجلِسٍ فيه عُمَرُ بنُ الخطَّابِ - رضي الله عنه -، وكان مالكٌ يقولُ: «مَنْ يَصطَرِفُ الدَّراهمَ؟» أي: مَن يَشتَري دَنانيرَ الذَّهبِ الَّتي مَعي؛ بِدراهمَ فِضَّةٍ، فقد كان معَ مالكِ بنِ أوْسِ بنِ الحَدَثانِ مائةُ دينارٍ -كما جاء في روايةِ البُخاريِّ- فيُريدُ أنْ يُغيِّرَها إلى دراهمَ، فقالَ له طَلحةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ- وكان في المجلِسِ عندَ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ - رضي الله عنه -: «أَرِنَا ذَهبَكَ» أي: أَعْطِنَا دَنانيرَكَ لنَراهَا، «ثُمَّ ائْتِنَا» أي: فِيما بعْدُ، «إذا جاءَ خادمُنَا، نُعطِكَ وَرِقَكَ» أي: الدَّراهمَ الفِضَّةَ، فقالَ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ - رضي الله عنه - لمَّا سمِعَ ذلك: «كلَّا» وهذا إنكارٌ منه لهذا النَّوعِ منَ المُعامَلةِ، ثُمَّ أقسَمَ عليه عُمرُ - رضي الله عنه - أنْ يُعطيَه الفضَّةَ الَّتي يُريدُ شِراءَها الآنَ؛ أو يرُدَّ إليه ذهَبَه الَّذي أخَذَه منه. ثمّ بيَّنَ سببَ ذلك فقال: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الْوَرِقُ بِالذَّهبِ رِبًا» أي: بيعُ الفضَّةِ بِالذَّهبِ رباً في جميعِ الأحْوالِ، «إلَّا هاءَ وهاءَ» أي: إلَّا ما كان في حالَ الحضورِ، وكان فيه التَّقابُضِ المباشرِ يداً بيدٍ، وكذلك بيعُ الْبُرِّ- وهو القَمحُ- بِالبُرِّ، وبيعُ الشَّعيرِ بِالشَّعيرِ، وَبيعُ التَّمرِ بِالتَّمرِ، كلُّ ذلك رِباً في جميعِ الأحْوالِ، إلَّا حالَ ما كان فيه الحضورِ والتَّقابُضِ يداً بيدٍ.
فوائد الحديث
  • النَّهْيُ عَنْ رِبَا الفضل، وهو بيع الشيء بجنْسِه مُتفاضلاً، أو مُؤجلًا.
  • يجوزُ بيع الجِنْس الربوي بجنسٍ آخر ربوي مُتفاضلاً، بشرط التَّقَابض في المجلس.
  • وفيه: إنْكار المنْكَرِ، ومنْعُ الناس منه، لِمَنِ استَطاعَ ذلكَ.
  • وفيه: ذِكْرُ الدَّليلِ عِندَ إنْكارِ المُنكَرِ.
  • وفيه: أنَّ مِنَ العِلْمِ مَا يَخْفى على الرَّجُلِ الكَبيرِ، حتَّى يُذكِّرَه به غيرُه.
  • أنّ الرِّبا نَوعٌ مِنْ أنْواعِ الاسْتِغلالِ في المعامَلاتِ، وفيه قدْرٌ كَبيرٌ مِنَ الضَّررِ على الناس، وفيه سُحتٌ وأخْذُ زِيادةٍ بِالباطلِ؛ ومِن هنا كان مُحرَّماً في جميعِ الشَّرائعِ.
باب: بيع الذَّهَب بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ والبُر بِالبُرِ وَسائر ما فيه الربا، سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، والْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، والْبُرُّ بِالْبُرِّ، والشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، والتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، والْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ؛ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَداً بِيَدٍ». الحديث رواه مسلم في البيوع (3/1211) باب: الصّرف وبيع الذّهب بالورق نقداً.
  • قوله: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، والْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ...» هذه الأصناف الستة؛ وهي: الذَّهبُ والفِضّة والبُرّ والشعير والتمر والملح، تسمّى الأمْوالَ الرّبويّة؛ أي: التي تخضع لقاعدة تَحريم الرّبا، لثبوتِ النّص النّبوي فيها، فلا يجوز بيعُ جنسٍ منها بجنسٍ آخر منها مُؤجّلًا، ولا يجوز بيع جنس منها بجِنْسه مُتفاضلًاً، فلا يجوز بيع الذّهبِ بالذّهب مُؤجلًا، أو مُتفاضلاً، مهْما كان نوع الذّهب فيهما، وكذلك كلّ جِنسٍ مِنَ الأجناس الأخرى التي وردت في هذا الحديث، لا يُباعُ بجنسه مُتفاضلاً أو مُؤجلاً، بقطع النّظَر عن جَودة أحد الجنسين أو رداءته.
لكنْ يجُوز بيع الذّهب بالفِضّة، أو الفضّة بالذّهب، مُتفاضلاً، أي: غير متساويين في الوزن أو القيمة، لكنْ بشَرط التّقابض في المَجْلس، وكذلك بيع البُرّ بالشعير، يجوز فيه التَّفاضل، ولكن لا بُدّ فيه مِنَ التقابض في المَجلس، وهكذا بقية الأصناف.
النّهي عن ربا الفَضل
وقد استفاضت السُّنّة النّبوية بالنّهي عن ربا الفَضل، في أصناف معينة، فقد أخرج البخاري ومسلم: عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -: أنّ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تَبيعُوا الذّهبَ بالذهب إلا مِثلًا بمثل، ولا تُشفّوا بعضَها على بعض، ولا تَبيعوا الوَرِق بالوَرِق إلا مِثلاً بمثل، ولا تُشفّوا بعضها على بعض، ولا تَبيعُوا منْها غائباً بِنَاجز». وفي لفظ: «الذّهب بالذهب، والفِضّة بالفضة، والبُرّ بالبر، والشَّعير بالشعير، والتَّمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يداً بيد، فمَنْ زاد، أو اسْتزاد، فقد أربى، الآخذُ والمُعْطي فيه سواء». أخرجه مسلم.
معنى «مثلًا بمثل»
ومعنى «مثلًا بمثل» ظاهرٌ جلي، لا يحتاج إلى مزيد شرح، فالمراد به النَّهي عن التفاضل، والأمر بالتساوي، وقد بين في الروايات الأخرى: «سواء بسواء»، «فمن زاد، أو استزاد، فقد أربى»، وقال ابن الجوزي: وقوله: «لا تشفّوا بعضَها على بعض» أي: لا تُفضّلوا، ولا تزيدوا. والشّفوف: الزيادة، يقال: شفّ يشف: إذا زاد. وقد يقال: شف: إذا نقص، فهو من الأضداد. اهـ. «كشف المشكل».
الحِكمة من النهي عن ربا البيوع
ويتم فقه هذا الأمر، بفهم الحِكمة التي مِنْ أجلها نَهَى الشّرْع عن ربا البُيوع بنوعيه: ربا النّسيئة، وربا الفضل، وننقل هنا كلاماً نفيساً لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يُبيّن فيه الحِكمة مِنْ ذلك، فيقول: «ولكن الدّراهم والدنانير هي أثمان المَبيعات، والثّمن هو المِعيار الذي به يُعرف تقويم الأمْوال، فيجب أنْ يكون مَحدوداً مضبوطًا، لا ترفع قيمته ولا تنخفض؛ إذْ لو كان الثمنُ يرتفع وينخفض كالسلع، لمْ يكنْ لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع، والحاجة إلى أنْ يكون للناس ثمنٌ يعتبرون به المبيعات؛ حاجة عامة، وقد حُرّم فيهما ربا النَّسَاء؛ لما فيه مِنَ الضّرر، ولو أبيح فيها ربا الفضل مثل أنْ يبيعوا دراهم بدراهم أكثر منها، صار ذلك تجارة في الثمن، ومتى اتّجروا فيها نقداً، تذرعوا إلى التجارة فيها نسيئة. ولو أبيحت التجارة في الأثمان؛ مثل أنْ يبيع دراهم بدراهم إلى أجل؛ لصارت الدراهم سلعةً مِنَ السلع، وخرجت عن أن تكون أثماناً، فحرّم فيها ربا الفضل؛ لأنّه يُفضي إلى ربا النَّسَاء، وربا النَّسَاء فيها يضر، وإنْ اختلفت بالصفات؛ لأنّه يُخرجها عن أنْ تكون أثماناً، وإذا وقعت فيها التجارة قصدت صفاتها، فيقصد كل واحد ادّخار ما يرتفع ثمنه في وقت، كما يصنعون بالدراهم إذا كانت نقوداً ينقون خيارها، وكما يصنعون بالفلوس أحيانًا، وهذا كلّه ممّا نَهي عنه في الأثمان، فالأثمان المُتساوية متى جُعل بعضها أفضل مِنْ بعض؛ حَصَل الفساد، بل لابُدّ ألا تُقصد لأعيانها، بل يقصد التوسل بها إلى السلع.
الأصنافُ الأربعة
قال: وأمّا الأصنافُ الأربعة، فالناس مُحتاجُون إلى القُوت، كالأصْناف الأربعة، وكما يشابهها مِنَ المَكيلات، فمِن تمام مَصْلحة الناس؛ أنْ لا يتجر في بيع بعضها ببعض؛ لأنّه متى اتُّجرَ في ذلك؛ خزَّنها الناس، ومَنَعوا المحتاج منها، فيُفْضي إلى أنْ يعزّ الطعامُ على الناس، ويتضرّرون بتقليل الانتفاع به، وهذا هو في بيع بعضها ببعض إلى أجل، فإنّه متى بِيعت الحِنْطة بالحِنْطة إلى أجل، أو التمر بالتمر، أو الشّعير بالشعير ونحوه، شحّت الأنفس ببيعها حالَّة، طمعاً في الربح إذا بيعت إلى أجل، وإذا لمْ تبع حالَّة؛ تضرّر الناس، بل حينئذ لا تُباع إلا بزيادة فيها، فيضر الناس، بخلاف بيعها بالدّراهم، فإنّ مَنْ عنده صنفٌ منها، هو مُحتاج إلى الصنف الآخر، فيحْتاج أنْ يبيعه بالدراهم؛ ليشتري به الصنف الآخر، أو يبيعه بذلك الصنْف بلا ربح. وعلى التّقْديرين؛ يحتاج إلى بيعه حالًّا، بخِلاف ما لو أمكنه التأخّر، فإنّه يُمكنه أنْ يَبيعه بفَضْل، ويحتاج أنْ يشتري الصنفَ الآخر بفضل؛ لأنّ صاحب ذلك الصنف يُربي عليه، كما أربى هو على غيره، فيتضرّر هذا، ويتضرر هذا من تأخر هذا، ومن تأخر هذا. فكان في التجارة فيها ضررًا عامّاً، فنهي عن بيع بعضها ببعض نَساء، وهذا مِنْ ربا النسيئة، وهو أصل الرّبا، وهو ما ثبت تحريمه بالنّص، والإجماع. فربا النسيئة يكون في الصنف الواحد، وفي الصنفين اللّذين مقصودهما واحد، كالدّراهم مع الدنانير، وكالأصْناف الأرْبعة التي هي قوت الناس.
ربا الفضل
وأمّا ربا الفضل فإذا باع حنطةً بحنطةٍ خيرٍ منها، مُدّاً بمدَّين؛ كان هذا تجارة فيها، ومَنْ سوَّغ التجارة فيها نقداً؛ طلبت النفوس التجارة فيها نَسَاء، كما تقدم في النقدين، فكان يَحْرم ربا الفضل؛ لأنّه ذريعةٌ إلى ربا النّساء، كما جاءت هذه العلّة منصوصةً عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين؛ فإني أخاف عليكم الرَّماءَ، والرَّماءُ هو الربا. وإلا فمعلوم أنه مع استواء الصفات، لا يبيع أحدٌ مدّ حنطة، أو تمراً مُدًّا بُمدٍّ، يداً بيد، هذا لا يفعله أحد، وإنما يفعل هذا عند اختلاف الصفات، مثل أنْ يكون هذا جيداً، وهذا رديئاً، أو هذا جديداً وهذا عتيقاً، وإذا اختلفت الصّفات، فهي مقصودة.
عِلّة تحريم الرّبا
قال: ولمّا خفيتْ عِلّة تحريم الرّبا؛ أباحه مثل ابن عباس حَبر الأمة، ومثل ابن مسعود، فإنّ الحنطة الجيدة، والتمر الجيد، يُقال لصاحبه: ألغ صفات مالك الجيدة، لكن لمّا كان المقصود أنك لا تتّجر فيها لجنسها، بل إنْ بِعْتها لجنسها؛ فلتكنْ بلا رِبح، ولا إلى أجل، ظَهَرت الحِكمة، فإنّ التجارة في بيعها لجِنسها؛ تفسد مقصود الأقوات على الناس». اهـ. باختصار من: «تفسير آيات أشكلت».


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 186.55 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 180.69 كيلو بايت... تم توفير 5.85 كيلو بايت...بمعدل (3.14%)]