حاجة البشر إلى الرسل - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         تحت العشرين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 167 - عددالزوار : 116782 )           »          قراءة في الاحتياجات والعوائق.. ماذا تريد المرأة بعد الخمسين؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          عالم التقنية والذكاء الاصطناعي.. هل تتغيّر طبيعته أم أدواته فقط؟ الإنسان بعد الذكاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          كبار السِنّ في الإسلام ..كرامة مصونة وخبرة لا يُـستغنى عنها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          في الاختبار الكل ناجح عدا! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          الخط الحديدي الحِجازي.. من أعظم المشروعات الوقفية في العصر الحديث (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          محبة واتباع لا ادّعاء وابتداع (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          دراسة تربوية اجتماعية عن دورها في البيت – الخادمة.. الأم البديلة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          من مكتبة التراث (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 14 - عددالزوار : 5182 )           »          بين الإعمار والدمار (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 09-04-2026, 06:21 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,904
الدولة : Egypt
افتراضي حاجة البشر إلى الرسل

حاجة البشر إلى الرسل

د. محمود بن أحمد الدوسري


الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ؛ إِذَا كَانَ النَّاسُ قَدِيمًا يُجَادِلُونَ الرُّسُلَ، وَيَرْفُضُونَ عُلُومَهُمْ، وَيُعْرِضُونَ عَنْهُمْ؛ فَإِنَّ الْبَشَرَ الْيَوْمَ أَشَدُّ جِدَالًا لِلرُّسُلِ، وَأَكْثَرُ رَفْضًا لِعُلُومِهِمْ، وَأَعْظَمُ إِعْرَاضًا عَنْهُمْ، فَحَالُهُمْ - مِنَ الرُّسُلِ وَتَعَالِيمِهِمْ؛ كَحَالِ الْحُمُرِ الْمُسْتَنْفِرَةِ حِينَ تَرَى الْأَسَدَ فَتَفِرُّ لَا تَلْوِي عَلَى شَيْءٍ، فَهُمْ يَأْبَوْنَ التَّسْلِيمَ لِتَعَالِيمِ الرُّسُلِ؛ اغْتِرَارًا بِعُلُومِهِمْ، وَاسْتِكْبَارًا عَنْ مُتَابَعَةِ رِجَالٍ عَاشُوا فِي عُصُورٍ مُتَقَدِّمَةٍ عَلَى عُصُورِهِمْ: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [التَّغَابُنِ: 6].

فَهَلْ صَحِيحٌ أَنَّ الْبَشَرِيَّةَ بَلَغَتْ مَبْلَغًا يَجْعَلُهَا تَسْتَغْنِي عَنِ الرُّسُلِ وَتَعَالِيمِ الرُّسُلِ؟ وَتَقُودُ نَفْسَهَا بَعِيدًا عَنْ مَنْهَجِ الرُّسُلِ؟ يَكْفِي فِي الْإِجَابَةِ أَنْ نَنْظُرَ فِي حَالِ الْعَالَمِ الْيَوْمَ، الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ الْبَشَرُ فِي هُمُومٍ وَأَوْجَاعٍ نَفْسِيَّةٍ، وَعُقَدٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ خَسِرَ إِنْسَانِيَّتَهُ، وَخَسِرَ نَفْسَهُ، وَلَا يُنْكِرُ أَحَدٌ أَنَّ الْهُمُومَ وَالْأَوْجَاعَ النَّفْسِيَّةَ وَالْعُقَدَ النَّفْسِيَّةَ سِمَةُ الْعَالَمِ الْمُتَحَضِّرِ الَّذِي فَقَدَ إِنْسَانِيَّتَهُ، وَانْحَدَرَ انْحِدَارًا بَعِيدًا، فَحَضَارَتُهُمْ تَقْتُلُهُمْ، وَتُفْرِزُ سُمُومًا تَسْرِي فِيهِمْ فَتَقْتُلُ الْأَفْرَادَ، وَتُفَرِّقُ الْمُجْتَمَعَاتِ!

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ.. إِنَّنَا بِحَاجَةٍ إِلَى الرُّسُلِ وَتَعَالِيمِهِمْ؛ لِصَلَاحِ قُلُوبِنَا، وَإِنَارَةِ نُفُوسِنَا، وَهِدَايَةِ عُقُولِنَا، وَنَعْرِفُ وِجْهَتَنَا فِي الْحَيَاةِ، وَعَلَاقَتَنَا بِالْحَيَاةِ وَخَالِقِ الْحَيَاةِ[1]، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ – مُبَيِّنًا اضْطِرَارَ الْعِبَادِ إِلَى مَعْرِفَةِ الرُّسُلِ وَتَعَالِيمِهِمْ: (وَمِنْ هَاهُنَا تَعْلَمُ اضْطِّرَارَ الْعِبَادِ فَوْقَ كُلِّ ضَرُورَةٍ إِلَى مَعْرِفَةِ الرَّسُولِ، وَمَا جَاءَ بِهِ، وَتَصْدِيقِهِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ، وَطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَ، فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى السَّعَادَةِ وَالْفَلَاحِ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ الطَّيِّبِ وَالْخَبِيثِ عَلَى التَّفْصِيلِ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِمْ، وَلَا يُنَالُ رِضَا اللَّهِ الْبَتَّةَ إِلَّا عَلَى أَيْدِيهِمْ، فَالطَّيِّبُ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ وَالْأَخْلَاقِ لَيْسَ إِلَّا هَدْيَهُمْ وَمَا جَاءُوا بِهِ، فَهُمُ الْمِيزَانُ الرَّاجِحُ، الَّذِي عَلَى أَقْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ تُوزَنُ الْأَقْوَالُ وَالْأَخْلَاقُ وَالْأَعْمَالُ، وَبِمُتَابَعَتِهِمْ يَتَمَيَّزُ أَهْلُ الْهُدَى مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ، فَالضَّرُورَةُ إِلَيْهِمْ أَعْظَمُ مِنْ ضَرُورَةِ الْبَدَنِ إِلَى رُوحِهِ، وَالْعَيْنِ إِلَى نُورِهَا، وَالرُّوحِ إِلَى حَيَاتِهَا، فَأَيُّ ضَرُورَةٍ وَحَاجَةٍ فُرِضَتْ؛ فَضَرُورَةُ الْعَبْدِ وَحَاجَتُهُ إِلَى الرُّسُلِ فَوْقَهَا بِكَثِيرٍ)[2].

وَعَقَدَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ مُقَارَنَةً بَيَّنَ فِيهَا أَنَّ حَاجَةَ النَّاسِ إِلَى الشَّرِيعَةِ أَعْظَمُ مِنْ حَاجَتِهِمْ إِلَى عِلْمِ الطِّبِّ– مَعَ شِدَّةِ حَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ؛ لِصَلَاحِ أَبْدَانِهِمْ – فَحَاجَتُهُمْ إِلَى الرِّسَالَةِ أَعْظَمُ مِنْ حَاجَتِهِمْ إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الْعُلُومِ[3].

عِبَادَ اللَّهِ.. وَمِنْ أَهَمِّ وَظَائِفِ الرُّسُلِ، وَمُهِمَّاتِهِمْ:
1- تَبْلِيغُ النَّاسِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ، وَمَا يَغْضَبُ مِنْهُ وَيَأْبَاهُ: فَالرُّسُلُ هُمْ سُفَرَاءُ اللَّهِ إِلَى عِبَادِهِ، وَحَمَلَةُ وَحْيِهِ، وَمُهِمَّتُهُمُ الْأُولَى هِيَ إِبْلَاغُ هَذِهِ الْأَمَانَةِ الَّتِي تَحَمَّلُوهَا إِلَى النَّاسِ: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ [الْمَائِدَةِ: 67]. فَاللَّهُ تَعَالَى بَعَثَ الرُّسُلَ؛ لِإِخْرَاجِهِمْ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ رَبِّ الْعِبَادِ، فَلَوْ تُرِكَ النَّاسُ هَمَلًا دُونَ إِنْذَارٍ وَتَخْوِيفٍ؛ لَعَاشُوا عِيشَةً ضَنْكًا، فِي جَاهِلِيَّةٍ جَهْلَاءَ، وَضَلَالَةٍ عَمْيَاءَ، وَعَادَاتٍ مُنْحَرِفَةٍ، وَأَخْلَاقٍ فَاسِدَةٍ، مُجْتَمَعُ غَابٍ، الْقَوِيُّ فِيهِمْ يَأْكُلُ الضَّعِيفَ، وَالشَّرِيفُ فِيهِمْ يُذِلُّ الْوَضِيعَ، فَاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ جَلَّ وَعَلَا أَلَّا يَخْلُقَ عِبَادَهُ سُدًى، وَلَا يَتْرُكَهُمْ هَمَلًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾ [الْقِيَامَةِ: 36].

2- دَعْوَةُ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ: قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النَّحْلِ: 36]، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَالَ لِقَوْمِهِ: ﴿ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ[4] ﴾ [الْأَعْرَافِ: 59]؛ وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذَّارِيَاتِ: 56]. وَلَا يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَعْرِفَ حَقِيقَةَ الْعِبَادَةِ؛ مِنْ فِعْلِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ، وَتَرْكِ مَا يَكْرَهُهُ اللَّهُ وَيَأْبَاهُ، إِلَّا عَنْ طَرِيقِ الرُّسُلِ الَّذِينَ اصْطَفَاهُمُ اللَّهُ، وَفَضَّلَهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ، وَجَعَلَهُمْ مُبَرَّئِينَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ مَشِينٍ، وَكُلِّ خُلُقٍ مَعِيبٍ، وَأَيَّدَهُمْ بِالْمُعْجِزَاتِ وَالْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، وَعَرَّفَهُمْ بِهِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَدْعُوا النَّاسَ إِلَى عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ حَقَّ الْعِبَادَةِ.

3- إِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَى الْبَشَرِ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ: يَعْلَمُ اللَّهُ تَعَالَى – بِعِلْمِهِ الْأَزَلِيِّ – مَنْ يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ، وَلَكِنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَرْسَلَ الرُّسُلَ؛ لِيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، فَلَا يَعْتَذِرُوا عَنْ كُفْرِهِمْ بِعَدَمِ مَجِيءِ النَّذِيرِ، وَلِيُقِيمَ عَلَى عِبَادِهِ الْحُجَّةَ الدَّامِغَةَ، فَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيَانٍ وَبُرْهَانٍ.

قَالَ تَعَالَى: ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ [النِّسَاءِ: 165]؛ وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ [الْإِسْرَاءِ: 15]؛ وَقَالَ أَيْضًا: ﴿ وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴾ [طه: 134].

4- إِخْبَارُ النَّاسِ بِالْأُمُورِ الْغَيْبِيَّةِ: لِأَنَّهُمْ لَا يُدْرِكُونَ بِعُقُولِهِمْ عَالَمَ الْغَيْبِ؛ مِثْلَ مَعْرِفَةِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، وَمَعْرِفَةِ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ، وَمَعْرِفَةِ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِلطَّائِعِينَ فِي دَارِ رِضْوَانِهِ وَكَرَامَتِهِ، وَمَا أَعَدَّ لِلْعَاصِينَ فِي دَارِ سَخَطِهِ وَإِهَانَتِهِ. لِذَا فَإِنَّ حَاجَتَهُمْ إِلَى مَنْ يُعَلِّمُهُمْ هَذِهِ الْحَقَائِقَ، وَيُطْلِعُهُمْ عَلَى هَذِهِ الْمُغَيَّبَاتِ ضَرُورِيَّةٌ.

وَقَدِ امْتَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 2، 3]، فَلَوْ لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ الرُّسُلَ، لَمَا عَرَفَ النَّاسُ هَذِهِ الْأُمُورَ الْغَيْبِيَّةَ، وَلَمَا آمَنُوا إِلَّا بِمَا يُدْرِكُونَهُ بِحَوَاسِّهِمْ[5].

الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ... أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ.. وَمِنْ وَظَائِفِ الرُّسُلِ، وَمُهِمَّاتِهِمْ:
5- تَزْكِيَةُ النُّفُوسِ، وَتَطْهِيرُهَا، وَتَحْذِيرُهَا مِنْ كُلِّ مَا يُرْدِيهَا: بَعَثَهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِدَلَالَةِ الْخَلْقِ عَلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، وَإِرْشَادِهِمْ إِلَى الْمَنْهَجِ الْقَوِيمِ، وَتَوْجِيهِهِمْ نَحْوَ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ، وَتَنْفِيرِهِمْ مِنَ الْمَسَاوِئِ الذَّمِيمَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الْجُمُعَةِ: 2].

6- إِخْرَاجُ الْعِبَادِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ: قَالَ تَعَالَى: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: 1].

7- هِدَايَةُ الْعِبَادِ وَإِرْشَادُهُمْ إِلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾ [الشُّورَى: 52، 53].

8- تَبْشِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الطَّائِعِينَ، وَإِنْذَارُ الْعُصَاةِ الْمُجْرِمِينَ: قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ﴾ [الْأَنْعَامِ: 48].

9- بَيَانُ حَقِيقَةِ الدُّنْيَا، وَالتَّحْذِيرُ مِنْ فِتَنِهَا وَشَهَوَاتِهَا: قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 185]؛ وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [الْأَنْعَامِ: 31]؛ وَقَالَ أَيْضًا: ﴿ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ﴾ [الرَّعْدِ: 26]؛ وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 14].

10- الِاتِّعَاظُ وَالِاعْتِبَارُ بِأَحْوَالِ الْمُخَالِفِينَ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ: قَالَ تَعَالَى: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [يُوسُفَ: 111].

إِذًا؛ فَلَا غِنًى لِلْبَشَرِيَّةِ جَمْعَاءَ عَنِ الرُّسُلِ وَرِسَالَاتِهِمْ وَمَنْهَجِهِمْ وَتَعَالِيمِهِمْ، قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: (الرِّسَالَةُ ضَرُورِيَّةٌ لِلْعِبَادِ، لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهَا، وَحَاجَتُهُمْ إِلَيْهَا فَوْقَ حَاجَتِهِمْ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَالرِّسَالَةُ رُوحُ الْعَالَمِ، وَنُورُهُ، وَحَيَاتُهُ، فَأَيُّ صَلَاحٍ لِلْعَالَمِ إِذَا عُدِمَ الرُّوحُ وَالْحَيَاةُ وَالنُّورُ؟ وَالدُّنْيَا مُظْلِمَةٌ مَلْعُونَةٌ إِلَّا مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ شَمْسُ الرِّسَالَةِ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ مَا لَمْ تُشْرِقْ فِي قَلْبِهِ شَمْسُ الرِّسَالَةِ، وَيَنَالُهُ مِنْ حَيَاتِهَا وَرُوحِهَا؛ فَهُوَ فِي ظُلْمَةٍ، وَهُوَ مِنَ الْأَمْوَاتِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ﴾ [الْأَنْعَامِ، 122])[6]. وَقَالَ أَيْضًا: (إِنَّ اللَّهَ سَمَّى رِسَالَتَهُ رُوحًا، ‌وَالرُّوحُ ‌إِذَا ‌عُدِمَ فُقِدَتِ الْحَيَاةُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ﴾)[7].

[1] انظر: الرسل والرسالات، (ص29، 30).

[2] زاد المعاد، (1/ 68، 69).

[3] انظر: مفتاح دار السعادة، (2/ 863).

[4] تكررت هذه الآية "تسع مرات" في القرآن الكريم.

[5] انظر: النبوات، لابن تيمية (1/ 24).

[6] النبوات، (1/ 25، 26)؛ مجموع الفتاوى، (19/ 93، 94).

[7] مجموع الفتاوى، (19/ 94).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 58.41 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 56.74 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (2.86%)]