|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
تأملات في قول الإمام الترمذي: «وفي الحديث قصة» محفوظ أحمد السلهتي يُعَدُّ «جامع الترمذي» من أهمّ كتب الحديث الشريف؛ لما اشتمل عليه من علومٍ حديثيةٍ متنوّعةٍ كثيرةٍ. وقد تجلَّتْ في هذا الكتاب الجامع براعةُ الإمام الترمذي رحمه الله في الصناعة الحديثية، وعلوُّ كعبه في هذا الفن، إذ أودع فيه من دقائق العلوم وأسرارها وكنوزها ما يدلُّ على سعة اطِّلاعه ودقَّة نظره. وقد اتَّبع الإمام الترمذي في كتابه منهج شيخه الإمام البخاري، حيث اكتفى بإخراج حديثٍ أو حديثين – أي عددٍ قليل – في كل بابٍ، كما سار في الوقت نفسه على طريقة الإمام مسلم، فكان يُشير إلى ما في الباب من رواياتٍ كثيرةٍ. وقد اعتنى العلماء بشرح قول الإمام الترمذي: «وفي الباب عن فلان وفلان»، وذلك بتخريج تلك الأحاديث من الكتب الحديثية المسندة، ومن أبرز مَن عُني بذلك العلامة الدكتور محمد حبيب الله مختار رحمه الله، المتوفى سنة 1418هـ، في كتابه «كشف النقاب عما يقوله الترمذي: وفي الباب» المطبوع في عشرة مجلدات. كما اهتم شُرَّاح «جامع الترمذي» بهذا الجانب اهتمامًا بالغًا، ومنهم العلامة عبد الرحمن المباركفوري رحمه الله تعالى في «تحفة الأحوذي»، والشيخ عبد المتين الكُمِلَّائي حفظه الله تعالى في «كفاية المغتذي». وسلك الإمام الترمذي في كتابه مسلكًا آخرَ، يتمثّل في أنه يكتفي أحيانًا بذكر جزءٍ من الحديث أو يورده مختصرًا، ثم يُشير إلى باقي الرواية بقوله: «وفي الحديث قصة». وقد شَرَّف الله تعالى هذا العبدَ الضعيف بشرح «جامع الترمذي» كاملًا منذ سنواتٍ عدّة في مدرسة قوة الإسلام (وهي معهدٌ شرعيٌّ للدراسات الإسلامية العليا) في لندن، فلاحظتُ أثناء ذلك أن شُرّاح الكتاب قد حرصوا على استقصاء تمام تلك القصص – من الأحاديث والروايات – اعتمادًا على ما تيسَّر لديهم من مصادر الحديث. غير أنهم في بعض الأحيان لم يقفوا على تمام القصة، ولعلَّ ذلك راجعٌ إلى عدم توفّر بعض الكتب أو المخطوطات لديهم آنذاك. أما في الوقت الحاضر، ومع توفُّر كثيرٍ من الكتب المطبوعة والمخطوطة، فقد أصبح الاطلاعُ على تلك القصص أيسرَ إلى حدٍّ ما؛ فجمعتُ تمام ما وقفتُ عليه منها في ملفٍّ خاصٍّ، راجيًا نشره وطباعته متى تيسّرت الأسباب. غير أنّني عدلتُ عن فكرة النشر والطباعة لأمرين: أولًا: أنّه لم تَعُد هناك حاجةٌ ماسَّةٌ إلى طباعة مثل هذه الأعمال في زمنٍ انتشرتْ فيه وسائل البحث السريعة، وتيسَّرت فيه أدوات الوصول إلى النصوص الحديثية. وثانيًا: أنّه كانت لي رحلةٌ إلى مدينة بلاكبيرن في شمال بريطانيا في شهر رجب سنة 1445هـ، التقيتُ خلالها بالباحث الشابّ الرحَّالة، فضيلة الدكتور يوسف شبير البريطاني حفظه الله تعالى في منزله العامر بالكتب ومذاكرة العلم. وجرى بيننا الحديث حول هذا الموضوع، أعني قول الترمذي: «وفي الحديث قصة»، فذكرتُ له أنني قد جمعتُ في ذلك ملفًّا خاصًّا، فأخبرني بدوره أنّه قام بالعمل نفسه. غير أنّه بدا لي أنّ جمعه اقتصر على مواضع «وفي الحديث قصة» من «جامع الترمذي»، فذكرتُ له على سبيل الاستطراد أنّ لهذه العبارة مواضعَ أخرى أيضًا في «الشمائل المحمدية» للإمام الترمذي. فقد وردتْ هذه العبارة ثلاثًا وثلاثين مرةً في «جامع الترمذي»، وستَّ مراتٍ في «الشمائل». فلما اطّلعتُ على جمعه، تراجعتُ عن فكرة النشر، وقلتُ في نفسي: إنّ الشيخ يوسف شبير أكبرُ مني عمرًا، وأسبقُ علمًا وتجربةً، فلا حاجة إلى نشر عملي المتواضع. وبالفعل، وبعد أشهرٍ قليلةٍ من ذلك اللقاء، صدر له كتابٌ بعنوان «الصلة في قول الترمذي: وفي الحديث قصة»، في 136 صفحة، عن مكتبة إسماعيل في بريطانيا، فجزاه الله تعالى خيرًا. وعلى الرغم من تلك الجهود في الجمع والتخريج، فقد تأمّلتُ أنّ في هذا المنهج الذي سلكه الإمام الترمذي، ولا سيَّما قوله: «وفي الحديث قصة»، جملةً من الفوائد والأمور المنهجية التي يمكن لطالب الحديث أن ينتفع بها. وقد أشرتُ إلى هذه الفوائد غيرَ مرّةٍ في دروسي على «جامع الترمذي» بمدرسة قوة الإسلام، فأذكرها هنا إجمالًا: الأوَّل: أنّ الإمام الترمذي لم يكن منفردًا في سلوك هذا المنهج، بل شاركه فيه غيرُه من أئمة الحديث المتقدمين. فقد استعمل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عباراتٍ مماثلةً في «مسنده»، حيث يقول في غير موضع: «فذكر القصة»، اكتفاءً بالإشارة إلى تمام الحديث أو قصته دون استقصائها. كما أنّ الإمام مسلم رحمه الله تعالى كان يستعمل أحيانًا في ختام بعض الروايات قوله: «واقتصَّ الحديث»، إشارةً إلى أنَّ للحديث سياقًا أو قصةً أطولَ معروفةً عند أهل هذا الشأن. وهذا يدلُّ على أنّ هذا الأسلوب في الاختصار والإحالة كان معهودًا عند أئمة الحديث، ومبنيًّا على ثقةٍ بانتشار الروايات، ومعرفة أهل العلم بسياقاتها، لا على الإهمال أو الاختصار المخلّ. الثَّاني: أنّ الإمام الترمذي – وقبله الإمام أحمد وغيره من أئمة الحديث – كان يستعمل هذه العبارة في الغالب إشارةً سريعةً إلى سبب إيراد الرواية في المصادر الأخرى، دون الحاجة إلى سوقها بتمامها في ذلك الموضع. كما استُعملت هذه العبارة أحيانًا عند تجزئة الحديث، فيُذكر منه الجزء الذي له تعلّق بالباب أو المسألة المقصودة، ويُحال على باقي الحديث أو قصته بقولهم: «وفي الحديث قصة» أو ما يقاربه من العبارات. ويظهر هذا المعنى بوضوحٍ في صنيع الإمام الترمذي خاصَّةً، إذ قد يُورد الحديث بتمامه في بابٍ سابقٍ من كتابه، ثم يُعيد ذكره في بابٍ آخر لمناسبةٍ فقهيةٍ مختلفةٍ، فيكتفي حينئذٍ بذكر الشاهد الذي يريده، ويُشير إلى الرواية المتقدمة المطوَّلة بقوله: «وفي الحديث قصة». وهذا يدلُّ على دقة نظره في التبويب، وحسن تصرُّفه في تكرار الحديث، مع المحافظة على الإيجاز وعدم الإخلال بالسياق العام للكتاب. الثَّالث: ويمكن ملاحظة هذا الأسلوب – أي الاختصار والتجزئة – في كثيرٍ من كتب السنن ونحوها، حيث يكتفي المصنفُ بإيراد الجزء المتعلق بالموضوع فحسب، دون الإحاطة بالحديث كاملًا. بينما نجد أن المسانيد والمصنفات المماثلة التي تهدف إلى جمع الأحاديث في مواضعها بحسب أسماء الصحابة، لا تتبع هذا الأسلوب عادةً، إذ يُتوقع أن تورد الأحاديث كاملةً، باستثناء الحالات التي تقتضي التقطيع عند النقل عن الرواة السابقين. ولا شكّ أنَّ هذا التفرقة بين المسانيد والسنن دليلٌ على حرص المؤلفين على تيسير الوصول إلى الحديث بما يناسب الغرض المرجوّ من كل نوعٍ من المصنفات، مع المحافظة على الدقة العلمية في التوثيق. وللاطلاع التفصيلي على شروط اختصار الحديث وتقطيعه وما يتصل بهما من مسائلَ علميَّةٍ، يُستحسن الرجوع إلى كتب أصول الحديث وشروحها. الرَّابع: وعلى أيِّ حالٍ، فإنَّ الاطلاع على القصة التي أشار إليها الإمام الترمذي بإشارةٍ سريعةٍ يُعدُّ أمرًا مهمًّا جدًّا لطالب الحديث، إذ يمنحه صورةً أوضحَ وأشملَ للحديث ومعناه. ويزداد ذلك أهميةً إذا كانت القصة المشار إليها تُوضح سبب إيراد الحديث أو سبب ورود الرواية في هذا السياق، فتساعد على فهم المقاصد والأحكام المقصودة من الحديث. وللاطلاع الأوسع، يُرجع إلى كتاب الأستاذ الدكتور بكر قوزودشلي «أسباب إيراد الحديث»، فهو غني بالمعلومات المهمة والنافعة ما شاء الله. الخامس: بعد البحث ومراجعة المصادر الحديثية الأولية القديمة، يتضح لنا تمام القصة المشار إليها، وهذا يعكس مصداقية قول الإمام الترمذي حيث أشار إلى ما هو موجود في الواقع. كما يدلُّ على سعة علمه واطلاعه الواسع على مصادرَ حديثيةٍ متداولةٍ في عصره وبين الأوساط العلمية المعاصرة. السَّادس: ويمكن اعتبار هذا المنهج من الإمام الترمذي – أي قوله: «وفي الباب» و«وفي الحديث قصة» – تدريبًا عمليًّا مهمًّا للطلاب والباحثين على مراجعة المصادر المتعلقة وتوسيع آفاق البحث العلمي لديهم. ففي هذا الأسلوب، يتعلَّم الطالب والباحث كيفية تتبع القصص والروايات المشار إليها، وتخريجها من كتب الحديث الأخرى، مما يعزِّز مهاراتهم البحثية، ويقوِّي إدراكهم لمنهجية الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في الإحالة والاختصار. وبالجملة، هذه تأملاتٌ بسيطةٌ ومتواضعةٌ، إلا أنني حاولتُ أن أبيِّن لطلاب الحديث وطالباته أنّه لا ينبغي الاكتفاء بسطحية كلام العلماء وعباراتهم، بل يجب الغوص في معاني كلماتهم وفهم ما وراء هذه العبارات. إنَّ هذا الفهم العميق سيفتح أمامَنا أبوابًا جديدةً للبحث والدراسة، ويعزِّز قدرتنا على الاستفادة من تُراث العلماء بشكلٍ أعمقَ. والله وليُّ التوفيق.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |