|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
تفسير سورة الطارق أ. د. كامل صبحي صلاح الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإنَّ سورة الطارق من السور المكيَّة، وهي من سور المفصَّل، وآياتها (17) آية، وترتيبها في المصحف (86)، في الجزء الثلاثين من المصحف الشريف، وسُمِّيت سورة الطارق بهذا الاسم؛ لافتتاحها بقَسَم الله تبارك وتعالى بالسماء والطارق، وهو النجم المضيء الذي يطلع ليلًا. قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ * إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ * فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ * وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ * إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ﴾ [الطارق: 1 - 17]. تفسير السورة: قال الله تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴾؛ أي: أقسم ربُّنا تبارك وتعالى بالسماء وبالطارق الذي يطرق ليلًا من النجوم المضيئة، ويخفى نهارًا، وأقسم بالنجم الذي يَطْرُق ويَظْهر ليلًا، وكلُّ ما جاء ليلًا فقد طرق، ففي الحديث عن عبدالله بن عباس رضي الله تعالى عنهما في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴾ قال: السماء وما يطرق فيها، وعن قتادة في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ﴾ قال: "طارق يطرق بليل، ويخفى بالنهار". وكلمة الطَّارِق مأخوذة مِنَ (الطَّرْقِ)، وأصْلُ مَعْناهُ الضَّرْبُ بِوَقْعٍ وشِدَّةٍ يُسْمَعُ لَها صَوْتٌ، ومِنهُ المِطْرَقَةُ والطَّرِيقُ؛ لِأنَّ السّابِلَةَ تَطْرُقُها، ثُمَّ صارَ في عُرْفِ اللُّغَةِ اسْمًا لِسالِكِ الطَّرِيقِ، لِتَصَوُّرِ أنَّهُ يَطْرُقُها بِقَدَمِهِ، واشْتُهِرَ فِيهِ حتى صار حَقِيقَةً. وتَسْمِيَةُ الآتِي لَيْلًا (طارِقًا)؛ لِأنَّهُ في الأكْثَرِ يَجِدُ الأبْوابَ مُغْلَقَةً فَيَطْرُقُها. قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ ﴾؛ أي: وما أدراك ما عِظَمُ هذا النجم! هو النجم المضيء المتوهِّج. قال الله تعالى: ﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾؛ أي: ما من نفس إلا وكَّلَ الله تبارك وتعالى بها ملكًا رقيبًا يحفظ عليها أعمالها لتحاسَب عليها يوم القيامة، فيحفظ عليها أعمالها الصالحة والسيئة، وستجازى بعملها المحفوظ عليها. قال الله تعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾؛ أي: فليتأمل الإنسان وليتدبر خلقته ومبدأه الذي خلقه الله تعالى وتعالى منه، لتتضح له قدرة الله عز وعجز الإنسان الضعيف. قال الله تعالى: ﴿ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ﴾؛ أي: خلقه الله تبارك وتعالى من ماء ذي اندفاق يُصَبّ في الرحم، وهو: المني. قال الله تعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ﴾؛ أي: المني الذي يحتمل أنه من بين صلب الرجل وترائب وصدر المرأة، وهي ثدياها. بحيث يخرج هذا الماء من بين العمود العظمي الفقري للرجل، وعظام الصدر، وقيل: أن المراد المني الدافق، وهو مني الرجل، وأن محله الذي يخرج منه ما بين صلبه وترائبه، لكونه إنما وصف الله تبارك وتعالى به الماء الدافق، والذي يحس به ويشاهد دفقه، هو مني الرجل، وكذلك لفظ الترائب فإنها تستعمل في الرجل، فإن الترائب للرجل، بمنزلة الثديين للأنثى، فلو أريدت الأنثى لقال: "من بين الصلب والثديين". قال الله تعالى: ﴿ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ﴾؛ أي: فالذي أوجد الإنسان من ماء دافق، يخرج من هذا الموضع الصعب، قادر على بعثه بعد موته حيًّا في الآخرة، وإعادته للبعث، والنشور والحساب والجزاء، جلَّت قدرته، وتعالت أسماؤه وصفاته. قال الله تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ﴾؛ أي: تختبر سرائر الصدور، ويظهر ما كان في القلوب من خير وشر على صفحات الوجوه، ففي هذه الحياة الدنيا، تنكتم كثير من الأمور ولا تظهر عيانًا للناس، وأما في القيامة فيظهر بر الأبرار، وفجور الفجار، وتصير الأمور علانية، ويُكْشَف عما كانت تضمره النفوس والقلوب من النيات والعقائد وغيرها، فيتميز الصالح منها والفاسد. قال الله تعالى: ﴿ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ ﴾؛ أي: فما للإنسان في ذلك اليوم من قوة يدفع بها عن نفسه، ويمتنع بها من عذاب الله تبارك وتعالى حيث لا معين يعينه، عياذًا بالله تعالى. قال الله تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ﴾؛ أي: أقسم الله تبارك وتعالى بالسماء ذات المطر؛ لأنه ينزل من جهتها مرة بعد مرة، حيث ترجع السماء بالمطر كل عام، وتنصدع الأرض للنبات، فيعيش بذلك الآدميون والبهائم، وترجع السماء أيضًا بالأقدار والشئون الإلهية كل وقت، وتنصدع الأرض عن الأموات. وإن الناظر في طبيعة الآيات القرآنية التي احتوتها هذه السورة المباركة يجد أنها اشتملت مع وجازتها على البلاغة في إثبات وحدانية الله تبارك وتعالى، وإثبات البعث والجزاء. قال المفسر البقاعي في نظم الدرر في تناسب الآيات والسور: "ولَمّا اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمَلُ عَلى وجازَتِها عَلى الذُّرْوَةِ العُلْيا مِنَ البَلاغَةِ في إثْباتِ البَعْثِ والجَزاءِ والوَحْدانِيَّةِ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن بُحُورِ العُلُومِ، فَثَبَتَ أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما فِيهِ حَقٌّ مَعَ مُنازَعَتِهِمْ في ذَلِكَ [كُلِّهِ]، اقْتَضى الحالُ الإقْسامَ عَلى حَقِيقَتِهِ، فَقالَ: ﴿ والسَّماءِ ﴾؛ أيِ: الَّتِي كانَ المَطْلَعُ الإقْسامُ بِها ووَصَفَها بِما يُؤَكِّدُ العِلْمَ بِالبَعْثِ الَّذِي هو مَنبَعُ العُلُومِ والتَّقْوى، فَعَلَيْهِ مَدارُ السَّعادَةِ، فَقالَ: ﴿ ذاتِ الرَّجْعِ ﴾ الَّتِي تَرْجِعُ بِالدَّوَرانِ إلى المَوْضِعِ الَّذِي ابْتَدَأتِ الدَّوَرانَ مِنهُ، فَتَرْجِعُ الأحْوالُ الَّتِي كانَتْ وتَصَرَّمَتْ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ والشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ والفُصُولِ مِنَ الشِّتاءِ وما فِيهِ مِن بَرْدِ ومَطَرٍ، والصَّيْفِ وما فِيهِ مِن حَرٍّ وصَفاءٍ وسُكُونٍ وغَيْرِ ذَلِكَ والنَّباتُ بَعْدَ تَهَشُّمه وصَيْرُورَته تُرابًا مُخْتَلِطًا بِتُرابِ الأرْضِ، وترجع الماء على قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ السَّحابَ يَأْخُذُهُ مِنَ البَحْرِ ويَعْلُو بِهِ فَيَعْصِرُهُ في الهَواءِ ثُمَّ يَرُدُّهُ إلى الأرْضِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الدّالُّ كُلٌّ مِنها قطعًا عَلى أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ قادِرٌ عَلى إعادَةِ كُلِّ ما فَنِيَ كَما كانَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ أصْلًا. قال الله تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾؛ أي: إنَّ هذا القرآن الكريم المنزَّل على نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم لقول حق وصدق بيِّن واضح، ويفصل بين الحق والباطل، والصدق والكذب. قال الله تعالى: ﴿ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ﴾؛ أي: جد ليس بالهزل، وهو القول الذي يفصل بين الطوائف والمقالات، وتنفصل به الخصومات. قال الله تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ﴾؛ أي: إنَّ المكذبين للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، وللقرآن الكريم وبما جاءهم رسولهم يكيدون كيدًا كثيرًا ليردُّوا دعوته، ويبطلوها؛ ليدفعوا بكيدهم الحق، ويؤيدوا الباطل. وليس هو باللعب والباطل، بل هو الجد والحق. قال الله تعالى: ﴿ وَأَكِيدُ كَيْدًا ﴾؛ أي: وأكيد أنا كيدًا لإظهار الدين والحق ودحض الباطل، ولو كره الكافرون، ولدفع ما جاءوا به من الباطل، ويعلم بهذا من الغالب، فإنَّ الآدمي أضعف وأحقر من أن يغالب القوي العليم في كيده. قال الله تعالى: ﴿ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ﴾؛ أي: فأمهل- أيها الرسول- هؤلاء الكافرين، أمهلهم إمهالًا يسيرًا وقليلًا، ولا تستعجل عذابهم وإهلاكهم قليلًا، فسيعلمون عاقبة أمرهم، حين ينزل بهم العقاب، عياذًا بالله تعالى. من مقاصد وهدايات السورة: 1. إظهار رقابة الله تبارك وتعالى النافذة وقدرته البالغة. 2. التقرير والتأكيد أنَّ كلَّ إنسانٍ قد وُكِّل به من يحرسه ويحصي عليه أعماله، وأنَّ أعمال العباد محصية محفوظة، وأنَّ الحساب يجري بحسبها. 3. النقض لما أحاله المشركون من البعث؛ بذكر الأدلة على قدرة الله تبارك وتعالى على إعادة الإنسان بعد فنائه، وفي ضمنه التذكير بدقيق صنع الله تبارك وتعالى وحكمته في خلق الإنسان، وتقرير المعاد والبعث والجزاء. 4. التنويه بشأن القرآن الكريم، وفي ضمنه الإشارة إلى صدق ما ذكر فيه من البعث، وتهديد المشركين الذين عادَوا المسلمين، وتثبيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ووعده بأنَّ الله تبارك وتعالى منتصرٌ له عن قريبٍ. 5. بيان مادة تكوين الإنسان ومصدر تكوين تلك المادة. 6. التحذير من إسرار الشر وإخفاء الباطل، وإظهار خلاف ما في الضمائر، فإن الله تبارك وتعالى عليم بذلك، وسيختبر عباده في كل ما يسرُّون ويخفون. 7. إثبات أنَّ القرآن الكريم قولٌ فصلٌ ليس فيه من الباطل شيء، وقد تأكَّد هذا بمرور الزمان، فقد صدقت أنباؤه، ونجحت في تحقيق الأمن والاستقرار أحكامه. المصادر والمراجع: 1. جامع البيان عن تأويل آيِ القرآن (تفسير الطبري)، للإمام محمد بن جرير الطبري. 2. تفسير ابن أبي زمنين، ابن أبي زمنين. 3. الجامع لأحكام القرآن، (تفسير القرطبي)، للإمام محمد بن أحمد بن أبي بكر شمس الدين القرطبي. 4. معالم التنزيل (تفسير البغوي)، للإمام أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي. 5. تفسير القرآن العظيم، (تفسير ابن كثير)، للإمام عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير. 6. التسهيل لعلوم التنزيل، أبو القاسم، محمد بن أحمد بن محمد بن عبدالله، ابن جُزَيّ الكلبي الغرناطي. 7. جامع البيان في تفسير القرآن، محمد بن عبدالرحمن بن محمد بن عبدالله الإيجي الشيرازي الشافعي. 8. نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، برهان الدين أبو الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي. 9. فتح القدير، للإمام محمد بن علي بن محمد بن عبدالله الشوكاني. 10. التحرير والتنوير، للمفسر محمد الطاهر ابن عاشور. 11. محاسن التأويل، محمد جمال الدين بن محمد القاسمي. 12. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، الشيخ عبدالرحمن السعدي. 13. أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، الشيخ جابر بن موسى بن عبدالقادر، المعروف بأبي بكر الجزائري. 14. المختصر في التفسير، مركز تفسير. 15. التفسير الميسر، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |