سبب آخر واضح فى الخمسين سنة الأخيرة ، و هو كثرة النزاع و الخلاف بين المتدينين. هذا النزاع هد عافية الصحوة الاسلامية و شغلها بما لم يكن لها أن تنشغل به فصرف جهود المتدينين فى معارك وهمية و أنشا حالة من التوجس بين عامة الناس عندما رأوا أهل الدين يتعاركون و يقذف بعضهم بعضا و يلعن بعضهم بعضا. سألت مرة شابا نشطا فى أحد المواقع الشبابية لماذا لا تنشط فى ساحة الحوار الاسلامى ، فقال : أشارك بكثافة فى ساحات الكمبيوتر و التنمية البشرية فالشباب فيها يتعاملون بلطف و مودة و يتعاونون و بينهم دائما حسن الثناء ، أما الساحة الاسلامية فكلها نزاعات و اتهامات و كأننا فى حرب.
إننا لم نر نزاعا ينشأ بين طائفتين أو بين أشخاصا ، إلا و زادت الردود بينهم من حدة النزاع و وفرت أسبابا جديدة و وقودا جديدا لالتهاب و احتقان الخلاف. بينما رأينا بعض الدعاة إلى الله لا يلتفتون و يمضون فى طريقهم و يتحملون الأذى الذى يصيب أشخاصهم بينما عيونهم و فكرهم مركز على تلال التحديات التى أمامهم فمليارات من البشر لا تعرف لها ربا و غارقة فى وحل الفساد و الإلحاد و مئات الملايين من المسلمين مغيبون عن شرعهم و غافلون عن دينهم و غارقون فى بحار من المعاصى و المخالفات. و هؤلاء الدعاة يرون أن كل التفات عن هذه المسئوليات هو شر أنواع العبث ( و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم .. و أصبروا .. ).
إن الدعوات التى تتعالى الآن بضرورة الحوار مع "الآخر" ينبغى أن يسبقها دعوات للحوار مع " النفس" ، ففاقد الشيئ لا يعطيه.
هذا بالنسبة لنا – نحن المسلمين - تخلف عنا نصر الله لبعدنا عن دينه و لكثرة نزاعنا و فرقتنا.
و أما بالنسبة لغير المسلمين فيشتبه على كثير من المسلمين و يحتاروا فى رؤية تقدمهم و سيطرتهم مع كفرهم و إلحادهم. و هذه الشبهة تتردد على الألسنة منذ سنوات طويلة و لكنها الآن أكثر إلحاحا مع تدهور حال المسلمين.
لله تعالى فى كونه سنن و قوانين لا تتبدل و لا تتغير ، و من سننه مع الكفار أنه يمهلهم ثم يمهلهم فإذا أخذهم لم يفلتهم. تأمل قوله تعالى ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ، فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ، وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) فترى بعينك أن هذا هو بالضبط ما يحدث الآن ، ثم يقول تعالى ( فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ) ، فما نراه الآن من فتح أبواب الدنيا عليهم و انبساطها هو من سنة الله فى خلقه ، ثم يقول جل شأنه (حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ) و هذا ما سيحدث لا محالة. رأيناه بالأمس القريب حدث مع الإلحاد الشيوعى ، انهارت امبراطوريتهم و ذهب تسلطهم على رقاب الخلق و ينحدرون تدريجيا إلى الهاوية ، و أقسم بالله العظيم أن هذا سيكون مآل غيرهم ممن كفروا بالله و صدوا عن سبيله.
و هذا شأن الله مع خلقه ( و أملى لهم ، إن كيدى متين ) ، و لا ينبغى لنا أن يكون هذا هاجسنا الأكبر ، بعض المسلمين كل همه متى سيرى اندحار الظالمين الطغاة ، و يستعجل فى هذا و ربما يندفع فيخرج عن شرع الله. لله تعالى سنن لا نستعجلها و له نظام لا يخضع لاستعجالنا و لا إلى تهورنا.
و لكن ينبغى أن نتوجه بالكليه إلى اصلاح أحوالنا نحن ، نرمم أخطاءنا و نصلح معاملاتنا و نقيم شرع الله فى أنفسنا قبل أن نلوم الآخرين عليه. المشكلة فينا نحن ، أحوالنا الآن لا تستحق نصرة الله تعالى ، و الاعتراف بهذا أول طريق الحل. إن الأمة بحاجة ماسة الآن إلى منهج معتدل يقيم الدين فى حياتها بعيدا عن التشدد المقيت أو التسيب الذى يخرج عن دائرة الشرع. إن قوى عديدة الآن - و لأسباب مختلفة – تدفع المجتمع الاسلامى نحو هذين الطرفين - التشدد و الانفلات - و كل جهد يبذل الآن لإعادة التوازن لهذه الأمة المباركة جهد محمود و منصور من الله تبارك و تعالى.
امة الله احترامي تقبلي