عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 15-10-2026, 02:40 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,587
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مختارات من كتاب "عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين" مع تعليق مختصر

مختارات من كتاب «عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين مع تعليق مختصر» (3)

عاقب أمين آهنغر (أبو يحيى)

بيان أقسام الصبر:
الصبرُ بحسب اختلاف قوته وضعفه ومقاومته لجيش الهوى وعجزه عنه وباعث الدين بالإضافة إلى باعث الهوى، له ثلاث أحوال:
أحدها: أن يكون القهر والغلبة لداعي الدين، فيرد جيش الهوى مغلولًا، وهذا إنما يصل إليه بدوام الصبر، والواصلون إلى هذه الرتبة هم المنصورون في الدنيا والآخرة، وهم ﴿ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾ [فصلت: 30]، وهم الذين تقول لهم الملائكة عند الموت: ﴿ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾ [فصلت: 30، 31].

الحالة الثانية: أن تكون القوة والغلبة لداعي الهوى، فيسقط منازعه باعث الدين بالكُليَّة، فيستسلم البائس للشيطان وجنده، فيقودونه حيث شاءوا. وله معهم حالتان: أن يكون من جندهم وأتباعهم، وهذه حال العاجز الضعيف، أو أن يصير الشيطان من جنده، وهذه حال الفاجر القوي المتسلط والمبتدع الداعية المتبوع.

وهذه الحالة هي حالة جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء، وجند أصحابها: المكر والخداع والأماني الباطلة والغرور والتسويف بالعمل وطول الأمل وإيثار العاجل على الآجل، وهي التي قال في صاحبها النبي صلى الله عليه وسلم: «الْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسهُ هَواها، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّه الْأَمانِيَّ».

الحالة الثالثة: أن يكون الحرب سجالًا ودولًا بين الجندين، فتارةً له وتارةً عليه، وتكثر نوبات الانتصار وتقل، وهذه حال أكثر المؤمنين الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا.

وتكون الحال يوم القيامة موازنة لهذه الأحوال الثلاث: فمن الناس من يدخل الجنة ولا يدخل النار، ومنهم من يدخل النار ولا يدخل الجنة، ومنهم من يدخل النار ثم يدخل الجنة.

ومن الناس من يصبر بجهد ومشقة، ومنهم من يصبر بأدنى حمل على النفس. فمن اعتاد الصبر هابه عدوُّه، ومن عز عليه الصبر طمع فيه عدوُّه وأوشك أن ينال منه غرضه.

في ذكر أقسامه باعتبار متعلقه:
الصبر باعتبار متعلقه ثلاثة أقسام: صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤديها، وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقع فيها، وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخَّطها.

وهذه الأنواع الثلاثة هي التي قال فيها الشيخ عبدالقادر في فتوح الغيب: «لا بُدَّ للعبد من أمر يمتثله، ونهي يجتنبه، وقدر يصبر عليه».

فمرجع الدين كله إلى هذه القواعد الثلاث: فعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور.

وهذه الثلاثة هي التي أوصى بها لقمان لابنه في قوله تعالى: ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ ﴾ [لقمان: 17].

وذكر سبحانه هذه الأصول الثلاثة في قوله: ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ [الرعد: 22].

ثم جمع لهم سبحانه ذلك كله في أصل واحد هو الصبر، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ [الرعد: 22]، ثم ذكر لهم ما يعينهم على الصبر وهي الصلاة، فقال: ﴿ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ﴾ [الرعد: 22].

وهذان هما العونان على مصالح الدنيا والآخرة: الصبر، والصلاة، فقال تعالى: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ [البقرة: 45]، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 153].

ثم ذكر سبحانه إحسانهم إلى غيرهم بالإنفاق سرًّا وعلانيةً، وحالهم إذا جُهِل عليهم وأُوذوا، أنهم لا يقابلون ذلك بمثله بل يدرءون بالحسنة السيئة، فقال: ﴿ وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ﴾ [الرعد: 22]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ [هود: 114]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسنَةَ تَمْحُها».

والمقصود أن هذه الآيات تناولت مقامات الإسلام والإيمان كلها، واشتملت على: فعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور.

وقد ذكر تعالى هذه الأصول الثلاثة في قوله: ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ﴾ [آل عمران: 125]، وقوله: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ ﴾ [يوسف: 90]، وقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 200].

فكل موضع قرنت فيه التقوى بالصبر اشتمل على الأمور الثلاثة، فإن حقيقة التقوى: فعل المأمور وترك المحظور.

خلاصة القول:
وبهذا يتبيَّن أن الصبر ملازم للعبد في جميع أحواله؛ فهو الذي يُعينه على امتثال الأوامر، ويحجزه عن المحرمات، ويثبته عند نزول المكروهات. وكلما قوي إيمانُ العبد وقويت صلته بربِّه، كان أقدر على مجاهدة هواه والثبات على الحق؛ ولذلك كان الصبرُ من أعظم ما يحتاج إليه المسلم في سيره إلى الله؛ إذ لا يستقيم له أمر دينه إلا به.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 18.82 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 18.19 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.34%)]