
16-09-2026, 11:05 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,678
الدولة :
|
|
رد: لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (مناظرة في العقيدة الواسطية)
والنفاق له شعب ودعائم؛ كما أن للإيمان شعبًا ودعائم؛ ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان )). وفيهما أيضًا أنه قال: (( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا ائتمن خان ))[8].
جواب الإمام لما قالوا له: فأنت تخالف الأئمة الأربعة
وقلت له: هذه القضية أكبر مما في نفوسكم؛ فإن طائفة من هؤلاء الأعداء ذهبوا إلى بلاد التتر. فقال: إلى بلاد التتر؟ فقلت: نعم. هم من أحرص الناس على تحريك الشر عليكم إلى أمور أخرى لا يصلح أن أذكرها لك.
وكان قد قال لي: فأنت تخالف المذاهب الأربعة، وذكر حكم القضاة الأربعة. فقلت له: بل الذي قلته عليه الأئمة الأربعة، المذاهب، وقد أحضرت في الشام أكثر من خمسين كتابًا: من كتب الحنفية والمالكية والشافعية وأهل الحديث، والمتكلمين والصوفية، كلها توافق ما قلته بألفاظه؛ وفي ذلك نصوص سلف الأمة وأئمتها. ولم يستطع المنازعون مع طول تفتيشهم كتب البلد وخزائنه أن يخرجوا ما يناقض ذلك عن أحد من أئمة الإسلام وسلفه.
وكان لما أعطاني الدرج، فتأملته، فقلت له: هذا كله كذب؛ إلا كلمة واحدة. وهي أنه استوى على العرش حقيقة؛ لكن بلا تكييف ولا تشبيه. قلت: وهذا هو في "العقيدة" بهذا اللفظ، بلا تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل. فقال: فاكتب خطك بهذا. قلت: هذا مكتوب قبل ذلك في "العقيدة"، ولم أقل: بما يناقضه؛ فأي فائدة في تجديد الخط؟
وقلت: هذا اللفظ قد حكى إجماع أهل السنة والجماعة عليه غير واحد من العلماء: المالكية والشافعية وأهل الحديث وغيرهم؛ وما في علماء الإسلام من ينكر ذلك إلا هؤلاء الخصوم[9].
اعتراف الأمير بأن الإمام على الحق وأن معارضيه على الباطل
قلت: فإن هؤلاء يقولون: ما فوق العرش ربٌّ يُدعى، ولا فوق السماء إلهٌ يُعبد؛ وما هناك إلا العدم المحض والنفي الصرف، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يُعرج به إلى الله تعالى، ولكن صعد إلى السماء ونزل. وأن الداعي لا يرفع يديه إلى الله. ومنهم من يقول: إن الله هو هذا الوجود؛ وأنا الله، وأنت الله، والكلب والخنزير والعذرة، ويقول: إن الله حالٌّ في ذلك.
فاستعظم ذلك وهاله أن أحدًا يقول هذا. فقال: "هؤلاء"، يعني ابن مخلوف وذويه. فقلت: هؤلاء ما سمعت كلامهم ولا خاطبوني بشيء؛ فما يحل لي أن أقول عنهم ما لم أعلمه؛ ولكن هذا قول الذين نازعوني بالشام وناظروني وصرحوا لي بذلك، وصرح أحدهم بأنه لا يقبل من الرسول صلى الله عليه وسلم ما يقوله في هذا الباب مما يخالفهم.
وجعل الرجل في أثناء الكلام يصغي لما أقوله ويعيه؛ لما رأى غضبي، ولهذا بلغني من غير وجه أنه خرج فرحًا مسرورًا بما سمعه مني. وقال: هذا على الحق، وهؤلاء قد ضيَّعوا الله؛ وإلا فأين هو الله؟ وهكذا يقول كل ذي فطرة سليمة. كما قاله جمال الدين الأخرم للملك الكامل لما خاطبه الملك الكامل في أمر هؤلاء، فقال له الأخرم: هؤلاء قد ضيَّعوا إلهك، فاطلب لك إلهًا تعبده.
ومن المعلوم باتفاق المسلمين أن الله حيٌّ حقيقةً، عليمٌ حقيقةً، قديرٌ حقيقةً، سميعٌ حقيقةً، بصيرٌ حقيقةً، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته؛ وإنما ينكر ذلك الفلاسفة الباطنية. فيقولون: نطلق عليه هذه الأسماء ولا نقول إنها حقيقة. وغرضهم بذلك جواز نفيها؛ فإنهم يقولون: لا حيَّ حقيقةً، ولا ميتَ حقيقةً، ولا عالمَ ولا جاهلَ، ولا قادرَ ولا عاجزَ، ولا سميعَ ولا أصمَّ.
فإذا قالوا إن هذه الأسماء مجازٌ، أمكنهم نفي ذلك؛ لأن علامة المجاز صحة نفيه. فكل من أنكر أن يكون اللفظ حقيقةً لزمه جواز إطلاق نفيه. فمن أنكر أن يكون استوى على العرش حقيقةً، فإنه يقول: ليس الرحمن على العرش استوى، كما أن من قال إن لفظ الأسد للرجل الشجاع والحمار للبليد ليس بحقيقة، فإنه يلزمه صحة نفيه. فيقول: هذا ليس بأسد ولا بحمار، ولكنه آدمي.
وهؤلاء يقولون لهم: لا يستوي الله على العرش، كقول إخوانهم: ليس هو بسميع ولا بصير ولا متكلم؛ لأن هذه الألفاظ عندهم مجاز. فيأتون إلى محض ما أخبرت به الرسل عن الله سبحانه، يقابلونه بالنفي والرد؛ كما يقابله المشركون بالتكذيب؛ لكن هؤلاء لا ينفون اللفظ مطلقًا[10].
ذكر أقوال علماء الطوائف ممن حكوا مذهب السلف في مسألتي العلو والاستواء
وقال الطلمنكي أحد أئمة المالكية - قبل ابن عبد البر والباجي وطبقتهما - في "كتاب الوصول إلى معرفة الأصول": أجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ [الحديد: 4] ونحو ذلك من القرآن: أن ذلك علمه، وأن الله فوق السموات بذاته، مستوٍ على العرش كيف شاء.
وقال أيضًا: قال أهل السنة: في قول الله تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه: 5] إن الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة؛ لا على المجاز.
وقال ابن عبد البر في "التمهيد" - شرح الموطأ وهو أشرف كتاب صنف في فنه - لما تكلم على حديث النزول قال: هذا حديث ثابت لا يختلف أهل الحديث في صحته. وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم إنه في كل مكان؛ وليس على العرش.
قال: والدليل على صحة ما قاله أهل الحق قول الله تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه: 5] وقال: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ [فاطر: 10] وقال ﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ﴾ [المعارج: 4] وقال ﴿ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾ [آل عمران: 55] وذكر آيات. إلى أن قال: وهذا أشهر عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد، ولا خالفهم فيه مسلم.
وهذا مثل ما ذكر محمد بن طاهر عن أبي جعفر الهمداني أنه حضر مجلس بعض المتكلمين فقال: "كان الله ولا عرش". فقال: يا أستاذ، دعنا من ذكر العرش. أخبرنا عن هذه الضرورات التي نجدها في قلوبنا، ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد في قلبه ضرورة تطلب العلو، لا تلتفت يمنة ولا يسرة. فضرب بيده على رأسه وقال: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني.
أراد الشيخ أن إقرار الفِطَر بأن معبودها ومدعوها فوق هو أمر ضروري عقلي فطري، لم تستفده من مجرد السمع، بخلاف الاستواء على العرش - بعد خلق السموات والأرض في ستة أيام - فإن هذا علم من جهة السمع. ولهذا لا تُعرف أيام الأسبوع إلا من جهة المقرين بالنبوات، فأما من لا يعرف ذلك - كالترك المشركين - فليس في لغتهم أسماء أيام الأسبوع. وهذا من حكمة اجتماع أهل كل ملة في يوم واحد في الأسبوع، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( اليوم لنا، وغدا لليهود وبعد غد للنصارى )). وبسط ابن عبد البر الكلام في ذلك.
إلى أن قال: وأما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ ﴾ [المجادلة: 7] فلا حجة فيه لهم؛ لأن علماء الصحابة والتابعين قالوا في تأويل هذه الآية: هو على العرش وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يُحتج بقوله.
قال أبو عمر: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة؛ لا على المجاز؛ إلا أنهم لا يكيفون شيئًا، ولا يحدون فيه صفة محصورة. وأما أهل البدع: الجهمية والمعتزلة والخوارج، فكلهم ينكرها؛ ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم - عند من أقر بها - نافون للمعبود، والحق ما نطق به كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهم أئمة الجماعة[11].
النهي عن تكفير أو تفسيق المعين الذي لم تقم عليه الحجة
والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول، لكن قد يكون الرجل حديث عهدٍ بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة. ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة. وقد يكون الرجل لا يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئًا.
وكنت دائمًا أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: (( إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا من العالمين، ففعلوا به ذلك فقال الله له: ما حملك على ما فعلت. قال خشيتك: فغفر له )).
فهذا رجل شكَّ في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك. والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من مثل هذا[12].
فصل فيما ذكرتم من لين الكلام
ما ذكرتم من لين الكلام والمخاطبة بالتي هي أحسن، فأنتم تعلمون أني من أكثر الناس استعمالًا لهذا، لكن كل شيء في موضعه حسن، وحيث أمر الله ورسوله بالإغلاظ على المتكلم لبغيه وعدوانه على الكتاب والسنة، فنحن مأمورون بمقابلته، لم نكن مأمورين أن نخاطبه بالتي هي أحسن.
ومن المعلوم أن الله تعالى يقول: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 139]، فمن كان مؤمنًا فإنه الأعلى بنص القرآن. وقال: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [المنافقون: 8]، وقال: ﴿ نَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ﴾ [المجادلة: 20، 21]، والله محقق وعده لمن هو كذلك كائنًا من كان.
ومما يجب أن يعلم أنه لا يسوغ في العقل ولا الدين طلب رضا المخلوقين لوجهين:
أحدهما: أن هذا غير ممكن. كما قال الشافعي رضي الله عنه: رضا الناس غاية لا تدرك. فعليك بالأمر الذي يصلحك فالزمه، ودع ما سواه ولا تعانه.
والثاني: أنا مأمورون بأن نتحرى رضا الله ورسوله. كما قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ﴾ [التوبة: 62]، وعلينا أن نخاف الله، فلا نخاف أحدًا إلا الله، كما قال تعالى: ﴿ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 175]. وقال: ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾ [المائدة: 44]، وقال: ﴿ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾ [النحل: 51] ﴿ وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴾ [البقرة: 41].
فعلينا أن نخاف الله ونتقيه في الناس، فلا نظلمهم بقلوبنا ولا جوارحنا، ونؤدي إليهم حقوقهم بقلوبنا وجوارحنا، ولا نخافهم في الله فنترك ما أمر الله به ورسوله خيفة منهم. ومن لزم هذه الطريقة كانت العاقبة له، كما كتبت عائشة إلى معاوية: " أما بعد: فإنه من التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس وعاد حامده من الناس ذاما، ومن التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس ".
فالمؤمن لا تكون فكرته وقصده إلا رضا ربه واجتناب سخطه، والعاقبة له، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
هذا مع أن المرسل فرح بهذه الأمور جوانيه في الباطن، وكل ما يظهره فإنه مراءاة لقرينه، وإلا فهما في الباطن متباينان. وثم أمور تعرفها خاصتهم، ويكفيك الطيبرسي قد تواتر عنه الفرح والاستبشار بما جرى، مع أنه المخاصم المغلظ عليه. وهذا سواء كان أو لم يكن. الأصل الذي يجب اتباعه هو الأول، وقول النبي: (( لا تبدءوهم بقتال وإن أكثبوكم فارموهم بالنبل )) على الرأس والعين، ولم نرم إلا بعد أن قصدوا شرنا وبعد أن أكثبونا، ولهذا نفع الله بذلك[13].
فصل ما ذكرتم من أني أطلب تفويض الحكم إلى شخص معين فهذا لا يصلح
ما ذكرتم من أني أطلب تفويض الحكم إلى شخص معين "فهذا لا يصلح، بل فيه ضرر على ذلك الشخص وعلي وفساد عام، وذلك أنكم تعلمون عن القاضي "بدر الدين" أني كنت من أعظم الناس موالاة له ومناصرة ومعاونة له ومدافعة لأعدائه عنه في أمور متعددة، بل ما أعلم أحدًا أكثر في مخالصة له ومعاونة. وذلك لله وحده، لا لرغبة، ولا لرهبة مني.
وقطعة قوية مما حصل لي من الأذى - بدمشق وبمصر أيضًا - إنما هو بسبب انتصاري له ولنوابه: مثل الزرعي والتبريزي وغيرهما من حاشيته، وتنويهي بمحاسنه في مصر أيضًا قد عرفت بذلك؛ فإنه حزب الردى وغيره يعادوني على ذلك.
والله يعلم أن منزلته عندي ومكانته من قلبي ليست قريبة من منزلة غيره، فضلًا عن أن تكون مثلها. وحاشا لله أن يشبه بدر الدين بمن فرق الله بينه وبينه من وجوه كثيرة زائدة. وفي سنن أبي داود عن (( عائشة قالت: أمرنا رسول الله أن ننزل الناس منازلهم ))[14].
فصل في أن القوم مستضعفون عن المحاقة إلى الغاية
ومما ينبغي أن تعلمه: أن القوم مستضعفون عن المحاقة إلى الغاية - ابن مخلوف وغيره -، وقد أداروا الرأي بينهم، وعلموا أنهم عند المحاقة مقهورون متهوكون. والطيبرسي طلب مني غير مرة ترك المحاقة. فقلت له: أنا ما بغيت على أحد، ولا قلت لأحد: وافقني على اعتقادي وإلا فعلت بك، ولا أكرهت أحدًا بقول ولا عمل، بل ما كتبت في ذلك شيئًا قط إلا أن يكون جواب استفتاء بعد إلحاح السائل واحتراقه وكثرة مراجعته، ولا عادتي مخاطبة الناس في هذا ابتداء.
وهؤلاء هم الذين دعوا الناس إلى ما دعوهم إليه وأكرموهم عليه؛ فيبينون للناس ما الذي أمروهم به وما الذي نهوهم عنه. فإن كانوا أمروهم بما أمرهم الله به ورسوله، فالسمع والطاعة لله ولرسوله ولمن أمر بما أمر الله به ورسوله. وإن كانوا أمروا بحق وباطل، ونهوا عن حق وباطل، وأمروا ونهوا عن أمور لا يعرفون حقيقتها، كانوا بذلك من الجاهلين الظالمين، وكان الحاكم بذلك من القاضيين اللذين في النار، ولم تجز طاعتهم في ذلك، بل تحرم.
وأنا لو شئت المحاقة كانت أمور عظيمة، لكن من أنكر شيئًا مما قلته فليقل: إني أنكر كذا، ويكتب خطه بما أنكره، ويوجه إنكاره له، وأنا أكتب خطي بالجواب، ويعرض الكلامان على جميع علماء المسلمين - شرقًا وغربًا - وأنا قائل ذلك. وقد قلت قبل ذلك بدمشق: هذه الإنكارات المجملة لا تفيد شيئًا؛ بل من أنكر شيئًا فليكتب خطه بما أنكره وبحجته، وأنا أكتب خطي بجواب ذلك، ويرى أهل العلم والإيمان الكلامين؛ فهذا هو الطريق في الأمور العامة.
وأما الألفاظ التي لا تكتب، فيكثر فيها التخليط والزيادة والنقصان، كما قد وقع. وقد قلت فيما قلته للطيبرسي: هذا الأمر الذي عملتموه فساد في ملتكم ودولتكم وشريعتكم، والكتاب "السلطاني" الذي كتب على لسان السلطان فيه من الكذب عليكم ومخالفة الشريعة أمور كثيرة تزيد على عشرة أوجه. وكتاب "غازان" الذي قرئ على منبر الشام أقرب إلى شريعة الإسلام من هذا الذي كتب على لسان سلطان المسلمين وقرئ على منابر الإسلام، فإذا كان بحضورهم يكتب على الكذب عليكم وعلى القضاة، ويبدل دين الإسلام، فكيف فيما سوى ذلك مما غاب عنكم؟
وكذلك أرسلت مع الفتاح إلى نائب السلطان أقول: هذا الاعتقاد عندكم، وهو الذي بحثه علماء الشام، فمن كان منكرًا منه شيئًا فليبينه[15].
لابد لمنكر المنكر من حجة وبيان
ومما يجب أن يعلم أن الذي يريد أن ينكر على الناس ليس له أن ينكر إلا بحجة وبيان، إذ ليس لأحد أن يلزم أحدًا بشيء، ولا يحظر على أحد شيئًا بلا حجة خاصة، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم المبلِّغ عن الله، الذي أوجب على الخلق طاعته فيما أدركته عقولهم وما لم تدركه، وخبره مصدق فيما علمناه وما لم نعلمه. وأما غيره إذا قال: هذا صواب أو خطأ، فإن لم يبين ذلك بما يجب به اتباعه، فأول درجات الإنكار أن يكون المنكر عالمًا بما ينكره وما يقدر الناس عليه.
فليس لأحد من خلق الله كائنًا من كان أن يبطل قولًا أو يحرم فعلًا إلا بسلطان الحجة، وإلا كان ممن قال الله فيه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ ﴾ [غافر: 56]، وقال فيه: ﴿ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾ [غافر: 35].
هذا وأنا في سعة صدر لمن يخالفني، فإنه وإن تعدى حدود الله في بتكفير أو تفسيق أو افتراء أو عصبية جاهلية، فأنا لا أتعدى حدود الله فيه. بل أضبط ما أقوله وأفعله وأزنه بميزان العدل، وأجعله مؤتمًّا بالكتاب الذي أنزله الله، وجعله هدى للناس، حاكمًا فيما اختلفوا فيه. قال الله تعالى: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ [البقرة: 213]. وقال تعالى: ﴿ نْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ [النساء: 59] الآية. وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ [الحديد: 25].
وذلك أنك ما جزيت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ [النحل: 128]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ [آل عمران: 120].
وإن أرادوا أن ينكروا بما شاءوا من حجج عقلية أو سمعية، فأنا أجيبهم إلى ذلك كله وأبينه بيانًا يفهمه الخاص والعام، أن الذي أقوله: هو الموافق لضرورة العقل والفطرة، وأنه الموافق للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وأن المخالف لذلك هو المخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول. فلو كنت أنا المبتدئ بالإنكار والتحديث بمثل هذا، لكانت الحجة متوجهة عليهم؛ فكيف إذا كان الغير هو المبتدئ بالإنكار؟ ﴿ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ﴾ [الشورى: 41] الآيتين ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ [الصافات: 171 - 173]﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾ [غافر: 51] [16].
طاعة أولى الأمر ما لم تكن في معصية
وليس لي ولله الحمد حاجة إلى شيء معين يطلب من المخلوق، ولا في ضرر يطلب زواله من المخلوق، بل أنا في نعمة من الله سابغة ورحمة عظيمة أعجز عن شكرها. ولكن علي أن أطيع الله ورسوله، وأطيع أولي الأمر إذا أمروني بطاعة الله، فإذا أمروني بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. هكذا دل عليه الكتاب والسنة، واتفق عليه أئمة الأمة.
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء: 59].
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لا طاعة لمخلوق في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف )). وأن أصبر على جور الأئمة، وأن لا أخرج عليهم في فتنة؛ لما في الصحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فمات فميتته جاهلية )).
ومأمور أيضًا مع ذلك أن أقول - أو أقوم - بالحق حيث ما كنت، لا أخاف في الله لومة لائم، كما أخرجا في الصحيحين عن عبادة بن الصامت قال: ((بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في يسرنا وعسرنا ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول - أو نقوم - بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم )).
فبايعهم على هذه الأصول الثلاثة الجامعة، وهي الطاعة في طاعة الله، وإن كان الآمر ظالمًا، وترك منازعة الأمر أهله، والقيام بالحق بلا مخافة من الخلق.
والله سبحانه قد أمر في كتابه عند تنازع الأمة بالرد إلى الله ورسوله، لم يأمر عند التنازع إلى شيء معين أصلًا. وقد قال الأئمة: إن أولي الأمر صنفان: العلماء والأمراء. وهذا يدخل فيه مشايخ الدين وملوك المسلمين؛ كل منهم يطاع فيما إليه من الأمر. كما يطاع هؤلاء بما يؤمرون به من العبادات، ويرجع إليهم في معاني القرآن والحديث، والإخبار عن الله، وكما يطاع هؤلاء في الجهاد وإقامة الحد وغير ذلك: مما يباشرونه من الأفعال التي أمرهم الله بها.
وإذا اتفق هؤلاء على أمر فإجماعهم حجة قاطعة، فإن أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا تجتمع على ضلالة، وإن تنازعوا فالمرد إلى الكتاب والسنة[17].
[1] انظر: مجموع الفتاوى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ج3 ص160-161.
[2]انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص161-163.
[3] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص164.
[4] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص170.
[5] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص177-180.
[6] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص187.
[7] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص188-189.
[8] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص211-216.
[9] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص217.
[10] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص218-219.
[11] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص220-221.
[12] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص231.
[13] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص232-233.
[14] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص234.
[15] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص243-244.
[16] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص245-246.
[17] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص249-250.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|