«عون الرحمن في تفسير القرآن»
الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
فوائد وأحكام من قوله تعالى:
﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ... ﴾
قوله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ [آل عمران: 133 - 136].
1- الحث والترغيب والإغراء بالمسارعة إلى مغفرة الله عز وجل وجنته؛ لقوله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ الآيات.
2- أن الحياة مَيدان للمنافسة والمسابقة والمسارعة إلى مغفرة الله تعالى وجنته، فأين المشمِّرون؟! ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حث على الصدقة فجاء عمر - رضي الله عنه - بنصف ماله، وقال: لأَسبقنَّ أبا بكر إن سبقته، فجاء أبو بكر- رضي الله عنه - بجميع ماله، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر: ما تركت لأهلك؟ قال: تركتُ لهم مثله، وسأل أبا بكر: ما تركت لأهلك؟ فقال: تركت لهم الله ورسوله، قال عمر رضي الله عنه: فعلمت أنني لن أسبق أبا بكر بعد اليوم»[1].
وقد رُوي عن الحسن: «إذا رأيتُ الرجل ينافسك في الدنيا، فنافِسه في الآخرة»[2]. وفي هذا المطلب العظيم أُزهقت نفوس المجاهدون، وأُفنيت أعمار العلماء الربانيين في خدمة القرآن والسنة والشرع المبين، وفيه أُنفقت أموال المحسنين، وسهِرت لأجله عيون العابدين.
3- عناية الله - عز وجل - بالمؤمنين؛ حيث يأمرهم بالمسارعة إلى مغفرته وجنته.
4- إثبات صفة المغفرة العظيمة الواسعة لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾، ففي تنكيرها وكونها منه - عز وجل - إشارة إلى عظمتها وسعتها.
5- إثبات ربوبية الله عز وجل الخاصة بعباده المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾.
6- سَعة الجنة وعظمتها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾، ولأنها من الله - عز وجل - وعنده.
7- أن التخلية قبل التحلية، وإزالة المرهوب مقدَّمة على توفير المطلوب؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ)، فقدَّم ﴿ مَغْفِرَةٍ ﴾؛ لأن بها التخلية وزوال المرهوب، ثم ذكر الجنة التي بها حصول المطلوب؛ كما قال تعالى: ﴿ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾.
8- فضل التقوى والترغيب فيها والبشارة لأهلها؛ لقوله تعالى: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾.
9- أن الجنة موجودة الآن معدَّة للمتقين؛ لقوله تعالى: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾.
10- امتداح الله - عز وجل - للمتقين وثناؤه عليهم بقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾.
11- فضل الاتصاف بالصفات المذكورة، وهي الإنفاق، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس والإحسان إليهم، والاستغفار من الذنوب، وعدم الإصرار عليها؛ لأن الله امتدح المتقين بها، وخصها من بين خصال التقوى.
وإذا كان عز وجل قال: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، ثم ذكر صفاتهم، وقال في سورة الحديد: ﴿ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾ [الحديد: 21]، ففي هذا وذاك دلالةٌ على دخول الأعمال في مسمى الإيمان، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافًا للمرجئة.
12- فضيلة الإنفاق والترغيب فيه في جميع الأحوال؛ لأن الله امتدح به المتقين وقدَّمه على الصفات بعده؛ لما فيه من نفع الآخرين.
13- فضيلة كظم الغيظ، والترغيب في الإمساك بزمام النفس عند الغضب؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾.
14- الترغيب في العفو عن الناس وفضله؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾.
15- إثبات صفة المحبة لله تعالى كما يليق بجلاله؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾.
16- محبة الله تعالى للمحسنين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وهذا غاية مطلبهم، ويُفهم من الآية عدمُ محبته للمسيئين.
17- الترغيب في الإحسان إلى الناس مطلقًا، وأن منه الإنفاق، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس؛ لأن الله لما ذكر هذه الصفات أتبعها بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾.
18- أن المتقين ليسوا بمعصومين عن فعل الفاحشة أو ظُلم الناس؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾.
19- أن فعل الفاحشة أو ظلم النفس، لا يَخدش التقوى إذا استغفر الإنسان وتاب، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يُذنبون فيستغفرون الله، فيغفر لهم»[3]، وقال صلى الله عليه وسلم: «كل ابن آدم خطاء، وخيرُ الخطائين التوابون»[4].
وهذان الأبوان - عليهما السلام - لما تابا وأنابا إلى الله تعالى، وتاب الله عليهما، صارت منزلتهما عند الله تعالى بعد التوبة أفضلَ مِن منزلتهما قبل المعصية والتوبة، وهكذا حال كلِّ تائبٍ إلى الله تعالى إذا صدَق في توبته ورجوعه إلى الله تعالى، وذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء.
20- أن الذنوب منها ما هو مُستفحَش، ومنها ما هو دون ذلك، لكنه ظلم للنفس؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾؛ أي: فعلوا ما يُستفحش، أو ظلموا أنفسهم بما دون ذلك، مع أن الكل ظلم للنفس، لكن الذنوب بعضها أفحش من بعض، كما أن منها كبائرَ، ومنها صغائرَ.
21- مبادرة المتقين إذا فعَلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم إلى ذكر الله تعالى، والاستغفار لذنوبهم؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾.
22- أن ذكر الله تعالى سببٌ للتوبة والاستغفار؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾.
23- لا أحد يغفر الذنوب إلا الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾، فهو سبحانه يغفر الذنوب جميعًا مغفرة تامةً؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ [الزمر: 53]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ﴾ [طه: 82].
وعن الأسود بن سريع - رضي الله عنه - قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بأسير، فقال: «اللهم إني أتوب إليك، ولا أتوب إلى محمد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عرف الحق لأهله»[5].
فلا يتعاظَمه – سبحانه - ذنبٌ أن يغفره، بل إنه يبدِّل السيئات حسنات، كما قال تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ [الفرقان: 70].
أما المخلوق، فإنه لو غفر لمن أساء إليه - وهذا في الناس قليل - فإنه غالبًا يتبع ذلك بالمن والأذى لمن عفى عنه، وربما يذكِّره بين حين وآخرَ بذلك.
24- عدم إصرار المتقين على ما فعلوا من فاحشة أو ظلم للنفس وهم يعلمون؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾.
25- وجوب الاستغفار من الذنوب، والتحذير من الإصرار عليها؛ لأن الإصرار على الذنب سبب لعدم التوفيق للتوبة، وقد يجعل من الصغيرة كبيرة؛ ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: «لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار»[6].
26- أن من استمر على ذنبٍ وهو لا يعلم أنه ذنب، فإنه قد يُعذر؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾.
27- رفعة شأن المتقين بالإشارة إليهم بإشارة البعيد ﴿ أُولَئِكَ ﴾.
28- التنويه بما أُعدَّ للمتقين من الجزاء العظيم؛ من مغفرة ربهم لذنوبهم، وجنات تجري من تحتها الأنهار؛ لقوله تعالى: ﴿ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾، وبهذا يزول عنهم المرهوبُ، ويحصل لهم المطلوب.
29- أن من أعظم نِعم الجنة جَريان الأنهار من تحت قصورها وغرفها وأشجارها؛ لقوله تعالى: ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾.
30- خلود أهل الجنة فيها خلودًا أبديًّا؛ وأمنُهم من الخروج منها، ومن انقطاع نعيمهم؛ لقوله تعالى: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾، وهذا نعيم معنوي يضاف إلى ما هم فيه من ألوان النعيم.
31- امتداح الله تعالى وثناؤه لما أعدَّه للمتقين من عظيم الأجر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾، عمِلوا قليلًا فأُجروا كثيرًا، وعند الصباح يَحمَدُ القوم السُّرى، وعند الجزاء يجد العامل جزاءَه كاملًا موفورًا.
32- الحث والإغراء على العمل؛ أي: العمل الصالح؛ لقوله تعالى: ﴿ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾.
33- تكفل الله عز وجل بثواب أهل الجنة وجزائهم، لهذا سمَّاه «أجرًا» تفضلًا منه وكرمًا.
[1] أخرجه أبو داود في الزكاة (1678)، والترمذي في المناقب (3675)، من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».
[2] أخرجه ابن أبي شيبة المصنف (7/ 88)، وأحمد في الزهد (ص176)، وابن أبي الدنيا في الزهد (ص229).
[3] سبق تخريجه.
[4] أخرجه الترمذي في صفة القيامة (2499)، وابن ماجه في الزهد - ذكر التوبة (4251)، من حديث أنس رضي الله عنه، وقال الترمذي: «حديث غريب».
[5] أخرجه أحمد (3/ 435).
[6] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 651).