
يوم أمس, 01:20 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,803
الدولة :
|
|
رد: حياة القلوب - قلوب الصائمين انموذجا**** يوميا فى رمضان
حياة القلوب - قلوب الصائمين انموذجا
الشيخ سعد بن ناصر الشثرى
(11)
التــــــــفكّـــــــر
أحمده سبحانه... وأشهد أن لا إله الا هو وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أما بعد..
فإن من عبادات القلوب التي يتقرب بها المؤمنون إلى ربهم ، التفكّر والاعتبار ..
والتفكر هو تأمل القلب في المعاني لإدراك العواقب وفهم الحقائق..
والاعتبار قياس حال النفس بحال الغير ، إذ ما حلّ بغيرك سيحلُّ بك ، متى كانت أسباب ذلك حاصلة عندك ، والسعيد من وعظ بغيره
ومما تكرر في القرآن ، مدح المتفكّرين .. وفتح الباب للتفكّر والاعتبار ، والأمر الجازم بذلك ، قال تعالى) فَاعتَبِرُوا يَا أُولِي الأبصَار(كأنه قال : ( انظروا إلى فعل هؤلاء الّّذين نزلت بهم العقوبات ، فاجتنبوا فعلهم ، لئلا ينزل بكم عقاب مثل عقابهم ).
وأصل الخير والشر:.. من قبل التفكّر ، فإن الفكر مبدأ الإرادة والطلب في الزهد ، والترك والحب والبغض .
كثر الحث في كتاب الله تعالى على التدبّر ، والاعتبار والنظر والافتكار ، ولا يخفى أن الفكر هو مفتاح الأنوار.. ومبدأ الاستبصار ، وهو شبكة العلوم ، ومصيدة المعارف والفهوم ،وأكثر الناس قد عرفوا فضل التفكّر ورتبته ، ولكن جهلوا حقيقته وثمرته ومصدره .
إن التفكّر في آيات الله الكونية والشرعية: مفتاح الإيمان ، وطريق العلم والإيقان ) فَإنَها لا تَعمَى الأبصَار ولَكن تَعمَى القُلُوبُ التي في الصُدُور إنَّ في ذَلِكَ لآيات لقوم ٍيعقِلُون
( أي يستفيد من التفكّر في ذلك ، من لهم عقول يستعملونها في التدبر و التفكّر فيعرفون ما هم مهيئون له ، فيُفارقون حال الغافلين ، الّذين يكون استعمالهم لحواسّهم مماثلاً لحظ البهائم ، إذ لا يجعلون إحساسهم سبب للتفكّر والتأمل .
إن التفكر في آيات الله الكونية والشرعية مفتاح الإيمان وطريق العلم والإيقان؛ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤]أي يستفيد من التفكر في ذلك مَنْ لهم عقول يستعملونها في التدبر والتفكر، فيعرفون ما هم مهيئون له، فيفارقون حال الغافلين الذين
يكون استعمالهم لحواسهم مماثلًا لحظ البهائم؛ إذ لا يجعلون إحساسهم سبباً للتفكر والتأمل.
التفكر والاعتبار يكون في أمور عديدة، منها: الاعتبار بنصر الله لأوليائه المؤمنين، قال تعالى: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ۚ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ (13) [آل عمران: ١٣].
كذلك الاعتبار بالعقوبات التي نزلها الله على الأمم المكذبة السابقة قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]،
وقال تعالى عن فرعون: (فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ (21) ثُمَّ أَدۡبَرَ يَسۡعَىٰ (22) فَحَشَرَ فَنَادَىٰ (23) فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ (24) فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلۡأٓخِرَةِ وَٱلۡأُولَىٰٓ (25) إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّمَن يَخۡشَىٰٓ (26)[النازعات: ٢١ - ٢٦]، وقال: ﴿ كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ﴾ [طه: ٥٤]،(وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ (102) إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّمَنۡ خَافَ عَذَابَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّجۡمُوعٞ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّشۡهُودٞ (103) [هود: ١٠٢ – ١٠٣].
كذلك الاعتبار بالمخلوقات العظيمة التي خلقها رب العزة والجلال، قال تعالى: ﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ۚ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣]،
وقال: (أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلْأَرْضِ كَمْ أَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍۢ كَرِيمٍ ٧ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ8 )[الشعراء: ٧ – ٨].
كذلك الاعتبار في إخراج الله للمخلوقات من بين الأمور المتضادات، قال تعالى: (وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةًۭ ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيْنِ فَرْثٍۢ وَدَمٍۢ لَّبَنًا خَالِصًۭا سَآئِغًۭا لِّلشَّـٰرِبِينَ ٦٦ وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًۭا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ٦٧ وَأَوْحَىٰ[النحل: ٦٦ - ٦٧]، فانظر كيف أخرج اللبن من بين الفرث والدم، وانظر كيف فرق بين السكر والرزق الحسن.
وكذلك الاعتبار بالتاريخ وقصص الأمم السابقة، وخصوصًا ما ذكره الله تعالى في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قال سبحانه: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١].
ومن ذلك الاعتبار والتفكر في أحوال قرابتك الذين ماتوا وتركوا الدنيا، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «زوروا القبور فإن فيها عبرة» وفي لفظ: «فإنها تذكركم الآخرة».
ومن ذلك الاعتبار والتفكر في أحوال الدنيا وتقلباتها، كم من غني أصبح فقيرًا؟! وكم من رئيس أصبح مرؤوسًا؟! بكى عمر بن عبد العزيز يومًا، فسئل عن ذلك فقال: «فكرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها فاعتبرت منها بها، ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تُكَدِّرَهَا مرارتها، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر إن فيها لمواعظ لمن ادَّكر».
ومن ذلك تفكر الإنسان في خلق الله له ونقله من حال إلى حال (فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴿٥﴾ خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ ﴿٦﴾ [الطارق: ٥ - ٦]،(مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًۭا ١٣ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ١٤[نوح: ١٣ – ١٤].
ومن ذلك: تفكر الإنسان في الأحوال التي مر عليها طعامه الذي
يأكله، قال تعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً (27) وَعِنَباً وَقَضْباً (28) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (29) وَحَدَائِقَ غُلْباً (30) وَفَاكِهَةً وَأَبّاً (31) مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32)﴾[عبس: ٢٤ – ٣٢].
فمن نظر في هذه النعم أوجب له ذلك شكر ربه، وجعله يبذل الجهد في الإنابة إليه، والإقبال على طاعته والتصديق بأخباره.
لقد اشتمل كتاب الله على الأدلة العقلية المقنعة في كل شأن مما عرض له كتاب الله، فهل من متفكر فيها؟!
إذ في الاعتبار بذلك تقوية الإيمان والزيادة له، بالاعتبار زيادة الخوف من الله والرجاء له، بالاعتبار تعريف الإنسان بحقائق المخلوقات ومعرفة الإنسان بحقيقة نفسه، بالاعتبار معرفة الدنيا وحقيقتها وزوالها وتذكُّر الآخرة مع الاستعداد لها، بالاعتبار بذلك
قناعة العبد بما رزقه الله وسعادة قلبه وطمأنينة نفسه، بالاعتبار تزيد البصيرة وتقوى الفراسة وتزيد الحكمة، بالاعتبار والتفكر يُدْرِكُ المرء عواقب الأمور، بالتفكر يدرك المرء قدرة ربِّهِ وعظَمَته، ويدرك عدله ورحمته وحكمته وتمام ملكه وتفرُّدِه بالتصرف في المخلوقات مع مشاهدة مقدار بعض نِعَمِ الله على العبد، بالتفكر والاعتبار ينتقل العبد إلى حمد الرب وشكر النِّعم والاستعداد ليوم المعاد، وإذا غذِّيَ القلب بالتذكر وسُقِي بالتفكر وسَلِمَ من الآفات رَأَى العَجَائب وأُلْهِم الحكمة.
أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من المتفكرين، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|