
07-02-2026, 07:01 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,654
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (10)
من صـــ 291 الى صـــ 310
الحلقة (285)
الصدقة؛ لأن زينب هي التي كانت تحب الصدقة. واليد ها هنا: يدها
للعطاء. وهو من مجاز الكلام. ومثله قول اليهود: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤].
١٢ - باب صَدَقَةِ العَلَانِيَةِ
وَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ إِلَي: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤] [فتح ٣/ ٢٨٨].
اختلف في سبب نزول هذِه الآية:
فروى مجاهد عن ابن عباس: أنها نزلت في علي بن أبي طالب، كان معه أربعة دراهم فأنفق بالليل درهمًا، وبالنهار درهمًا، وسرًا درهمًا، وعلانية درهمًا (١).
وقال الأوزاعي: نزلت في الذين يرتبطون الخيل خاصة في سبيل الله ينفقون عليها بالليل والنهار (٢).
وقال قتادة: نزلت في من أنقق ماله في سبيل الله؛ لقوله - ﷺ -: «إِنَّ الأَكْثَرِينَ هُمُ الأَقَلُّونَ يوم القيامة، إِلَّا مَنْ قَالَ بِالمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا -عن يمينه وعن شماله- وَقَلِيلٌ مَا هُمْ» (٣) هؤلاء قوم أنفقوا في سبيل الله الذي آفترض وارتضى في غير سرف ولا إملاق ولا تبذير ولا فساد (٤).
ونقل الواحدي قول الأوزاعي عن جماعة غيره: أبي أمامة وأبي الدرداء ومكحول. قَالَ: والأوزاعي، عن رباح (٥). ورواه ابن غريب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا (٦)، ووافق مجاهد والكلبي الأول، زاد
------------
(١) رواه الواحدي في «أسباب نزول القرآن» ص ٩٤ - ٩٥ (١٨٠، ١٨١).
(٢) المصدر السابق ص ٩٣ (١٧٥).
(٣) سيأتي برقم (٦٦٣٨) كتاب: الإيمان والنذور، باب: كيف يمين النبي - ﷺ -، ورواه
مسلم برقم (٩٩٠) كتاب: الزكاة، باب: تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة.
(٤) رواه ابن جرير في «تفسيره» ٣/ ١٠١ (٦٣٣١).
(٥) «أسباب النزول» ص ٩٣.
(٦) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٧/ ٤٣٣، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٥/ =
الكلبي: فقال له رسول الله - ﷺ -: «ما حملك على هذا؟» قَالَ: حملني أن أستوجب على الله الذي وعدني. فقال له: «ألا إن ذلك لك» فأنزل الله هذِه الآية (١). وفي «الكشاف»: نزلت في أبي بكر إذ أنفق أربعين ألف دينار عشرة آلاف سرًا، ومثلها جهرًا، ومثلها ليلًا، ومثلها نهارًا (٢).
وقال الطبري عن آخرين: عني بها قوم أنفقوا في سبيل الله في غير إسراف ولا تقتير (٣). وهذا سلف.
فروي عن ابن عباس أن قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١] إلى قوله: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤] كان هذا يعمل به قبل أن تنزل براءة، فلما نزلت براءة بفرائض الصدقات انتهت الصدقات إليها (٤). وقال قتادة: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا﴾ [البقرة: ٢٧١] كل مقبول إذا كانت النية صادقة، وصدقة السر أفضل. وذكر لنا أن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وقاله أيضًا الربيع (٥). وعن ابن عباس: جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها، يقال: بسبعين ضعفًا. وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها، يقال: بخمسة وعشرين ضعفًا. وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها (٦).
--------
= ١٥٨ (٢٦٩٦)، والطبراني ١٧/ ١٨٨ (٥٠٤)، والواحدي في «أسباب نزول القرآن» ص ٩٢ (١٧٥)، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٣/ ٢٧، وقال: رواه الطبراني، وفيه مجاهيل. وقال الألباني: موضوع، وهذا إسناد هالك. انظر: «الضعيفة» ٧/ ٤٧٢ - ٤٧٣ (٣٤٧٥).
(١) انظر: «أسباب نزول القرآن» ص ٩٥ (١٨٢).
(٢) «الكشاف» ١/ ٢٨٣.
(٣) «تفسير الطبري» ٣/ ١٠١ (٦٢٣١).
(٤) «تفسير الطبري» (٦٢٣٢).
(٥) «تفسير الطبري» ٣/ ٩٢ (٦١٩٣، ٦١٩٤).
(٦) «تفسير الطبري» ٣/ ٩٣ (٦١٩٥).
وقال سفيان: سوى الزكاة (١). وهذا قول كالإجماع.
وقال آخرون: إنما عني بـ: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ يعني: على أهل الكتابين من اليهود والنصارى ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾» قالوا: فأما من أعطى فقراء المسلمين من زكاة وصدقة وتطوع فإخفاؤه أفضل، ذكر ذلك يزيد بن أبي حبيب وقال: إنما أنزلت فيهم (٢).
قَالَ الطبري: لم يخص الله صدقة دون صدقة، وذلك على العموم إلا ما كان من زكاة واجبة، فإن الواجب من الفرائض قد أجمع الجميع على أن الفضل في إعلانه، وإظهار سوى الزكاة التي ذكرنا اختلاف المختلفين فيها مع إجماع جميعهم على أنها واجبة، فحكمها في أن الفضل في أدائها علانية حكم سائر الفرائض غيرها (٣).
وقال الحسن: إظهار الزكاة أفضل، وإخفاء التطوع أفضل.
وعند الزجاج: كانت صدقة الزكاة سرًّا أيام رسول الله - ﷺ -، فأما اليوم فالظن يساء بمن لم يظهرها. وروى أبو الفضل الجوزي من حديث القاسم، عن أبي أمامة أن أبا ذر سأل رسول الله - ﷺ -: أي الصدقة أفضل؟ قَالَ: «سر إلى فقير أو جهد من مقل» (٤) ثم تلا: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾.
-----------
(١) «تفسير الطبري» (٦١٩٦).
(٢) رواه الطبري في «تفسيره» ٣/ ٩٣ (٦١٩٧).
(٣) المرجع السابق.
(٤) رواه أحمد ٥/ ٢٦٥ - ٢٦٦ مطولًا، والطبراني ٨/ ٢١٧ (٧٨٧١)، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٣/ ١١٥، وقال: فيه علي بن يزيد، وفيه كلام. وضعفه الألباني كما في «ضعيف الترغيب والترهيب» (٥٣١).
وعن الشعبي: لما نزلت: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ جاء عمر بنصف ماله يحمله على رءوس الناس، وجاء أبو بكر بجميع ماله يكاد أن يخفيه من نفسه، فقال - ﷺ -: «ما تركت لأهلك؟» قَالَ: عدة الله وعدة رسوله (١).
واعلم أن البخاري لم يذكر في الباب حديثًا، وكأنه -والله أعلم- اكتفي بما أسلفه في الصلاة من الأمر بالصدقة والمبادرة إليها.
---------
(١) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٢/ ٥٣٦ (٢٨٤٨).
١٣ - باب صَدَقَةِ السِّرِّ
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ». وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. [فتح ٣/ ٢٨٨]
الشرح:
أما الآية الكريمة فقد سلف الكلام فيها في الباب قبله واضحًا، ومعنى أولها: ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ أي: إن تظهروا. وفي: ﴿نِعِمَّا﴾ قراءات، ليس هذا موضعها، ومعنى الإخفاء: السر.
وأما هذا التعليق فقد أسنده فيما مضى في باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة (١). ويأتي قريبًا أيضًا (٢)، وتأولوا الإخفاء فيه على صدقة التطوع، وهو ضرب مثل في المبالغة في الإخفاء؛ لقرب الشمال من اليمين، وإنما أراد بذلك أن لو أراد أن لا يعلم من يكون على شماله من الناس ما تتصدق به يمينه لشدة استتاره، وهذا على المجاز كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ القَرْيَةَ﴾ (٣) [يوسف: ٨٢]؛ لأن الشمال لا توصف بالعلم. وكافة العلماء على الإسرار في التطوع دون الفرض (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي: في صدقاتكم من إخفائها وإعلانها، وفي غير ذلك من أموركم، ذو خبرة
----------
(١) سلف برقم (٦٦٠) كتاب: الأذان.
(٢) سيأتي برقم (١٤٢٣) باب: الصدقة باليمين.
(٣) سيأتي الكلام عن نفي المجاز عن القرآن في كتابه: التفسير.
(٤) انظر: «المجموع» ٦/ ٢٣٦.
وعلم لا يخفي عليه شيء، فهو محيط به محصٍ له حَتَّى يجازيهم بالقليل والكثير. فإن قلت (١): بداءة المصنف بالحديث ثم بالآية وكان الأولى عكسه. قلتُ: كأن -والله أعلم- أن الآية في الباب قبله نص فيه، فأشار إليها ثم أردفه بالأخرى.
----------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: لما كانت الآية في الباب قبله صريحة فيه وفي هذا الباب فكأنها مذكررة هنا لقوة الصراحة، وإذا كانت مُنزَّلة مَنْزِلة المذكورة فقد قدمها على الحديث، لكن يبقى عليه أن يقال: فلم قدم الحديث على الآية الأخرى، والحديث والآية متساويان في الدلالة؟.
١٤ - باب إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ
١٤٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَىْ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، عَلَى سَارِقٍ، وَعَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى غَنِيٍّ. فَأُتِيَ، فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللهُ». [مسلم: ١٠٢٢ - فتح: ٣/ ٢٩٠]
ذكر فيه حديث أبي هريرة في الصدقةِ على السَّارِق والزانية والغنيِّ، بطوله.
وقد أخرجه مسلم بزيادة: فقيل له: «أما صدقتَكَ فقد قُبِلَت» (١). وهو ظاهر في الحض على الاغتباط بالصدقات، وكان هذا الرجل فيمن كان قبلنا فجازاه بها وقبل ذلك منه كما سلف، نبه عليه ابن التين قَالَ: وقوله: «فأتي فقيل له». يحتمل أن يكون أخبره بذلك نبي، أو أخبر في نوم.
قلتُ: قد جاء مصرحًا بالثاني. ففي «مستخرج أبي نعيم»: «فأتي في منامه فقِيْلَ له: إن الله -عز وجل- قد قَبل صَدَقَتَكَ». وجزم به المهلب فقال: يعني: أنه أُري في المنام، والرؤيا حق.
----------
(١) «صحيح مسلم» (١٠٢٢) كتاب: الزكاة، باب: أجر المتصدق وإن وقعت الصدقة
في يد غير أهلها.
وقوله: «فلعله أن يستعفف عن سرقته». (العل) من الله تعالى على معنى القطع والحتم. ودل ذلك أن صدقة الرجل على السارق والزانية والغني قد يقبلها الله تعالى، وقد صرح به كما سلف، لا سيما إذا كانت سببًا إلى ما يرضي الرب تعالى، فلا شك في فضلها وقبولها.
وقوله: «فعلَّها أنْ تَسْتَعِفَّ عن زناها». قَالَ ابن التين: رويناه بالمد. وعند أبي ذر بالقصر، وهي لغة أهل الحجاز، والمد لأهل نجد.
واختلف العلماء في الذي يعطي الفقير من الزكاة على ظاهر فقره ثم يتبين غناه، فقال الحسن البصري: إنها تجزئه. وهو قول أبي حنيفة ومحمد (١)، وقبلهما إبراهيم. قالوا: لأنه قد اجتهد وأعطى فقيرا عنده، وليس عليه غير الاجتهاد، وأيضًا فإن الصدقة إذا خرجت من مال المتصدق على نية الصدقة أنها جازئة عنه حيث وقعت ممن بسط إليها يدًا إذا كان مسلمًا بهذا الحديث، وقال أبو يوسف والثوري والحسن بن حي والشافعي: لا يجزئه؛ لأنه لم يضع الصدقة موضعها، وقد أخطأ في اجتهاده، كما لو نسي الماء في رحله وتيمم لصلاة لم تجزئه صلاته (٢). واختلف قول ابن القاسم: هل تجزئه أم لا (٣)؟ قَالَ ابن القصار: وقول مالك يدل على هذا؛ لأنه نص في كفارة اليمين: إن أطعم الأغنياء فإنه لا يجزئه، وإن كان قد اجتهد فالزكاة أولى.
فأما الصدقةُ على السارِقِ والزَّانيةِ فإنَّ العلماءَ مُتفقون أنَّهما إذا كانا فقيرين فهما ممن تجوز له الزكاة.
-----------
(١) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٥٣.
(٢) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ٥٠، «روضة الطالبين» ٢/ ٣٣٨، «المغني» ٤/ ١٢٧.
(٣) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٥١، «عيون المجالس» ٢/ ٥٩٩.
وفيه: وجوب الاعتبار والمنافسة في الخير كما سلف، وزعم بعضهم أن هذا كان في صدقة التطوع.
وقوله: (تُصدق) روي بضم التاء وفتحها.
١٥ - باب إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ
١٤٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، حَدَّثَنَا أَبُو الجُوَيْرِيَةِ، أَنَّ مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ - رضي الله عنه - حَدَّثَهُ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي، وَخَطَبَ عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي، وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي المَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ: وَاللهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ. فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ». [فتح: ٣/ ٢٩١]
ذكر فيه حديث أبي الجويرية (خ، د، س) -بالجيم- حِطَّان بن خفاف الجرمي الكوفي أَنَّ مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ (خ، د) -وهو ابن الأخنس- حَدَّثَهُ وهما من أفراد البخاري (١) قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي، وَخَطَبَ عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي، وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي المَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ: والله مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ. فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ».
الشرح:
هذا الحديث من أفراده، وَمْعن هذا أدرك إمرة مروان. وهو ووالده وجده الأخْنس بدريون من الأفراد، فيما قاله يزيد بن أبي حبيب. وأما الصحابة فبيت الصديق فيه أربعة في نسق، وهو من الأفراد أيضًا.
وقوله: (وَخَطَبَ عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي) يريد: رسول الله - ﷺ -، وهذِه فضيلة، واتفق العلماء على أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى الأبن ولا إلى
-------------
(١) في هامش الأصل: أي عن مسلم.
الأب إذا كانا ممن تلزم المزكي نفقتهما (١)؛ لأنها وقاية لماله، ولم يختلفوا أنه يجوز له أن يعطيهما ما شاء من صدقة تطوع أو غيرها. قالوا؛ وهذا الحديث في التطوع.
وعن الشافعي: أنه يجوز للوالد الإعطاء إذا كان الولد غارمًا أو غازيًا، ويحمل حديث الباب عليه، وإذا كانا فقيرين وقلنا بعدم وجوب النفقة فلهما تناولها كالأجنبي.
واختلفوا في دفع الزكاة إلى سائر الأقارب المحتاجين الذين لا تلزم نفقتهم، فروي عن ابن عباس أنه يجزئه، وهو قول عطاء والقاسم وسعيد بن المسيب وأبي حنيفة والثوري والشافعي وأحمد (٢)، وقالوا: هي لهم صدقة وصلة.
وقال ابن المسيب: أولى الناس بزكاة مالي يتيم ومن كان مني (٣).
وروى مطرف، عن مالك: أنه لا بأس أن يعطي قرابته من زكاته إذا لم يعط من يعول، وقال: رأيت مالكًا يعطي قرابته من زكاته. وهو قول أشهب (٤).
وقال الحسن البصري وطاوس: لا يعطي قرابته من الزكاة شيئًا.
وذكر ابن المواز عن مالك أنه كره أن يخص قرابته بزكاته وإن لم تلزمه نفقتهم (٥).
-------------
(١) انظر: «الإجماع» لابن المنذر ص ١٤٢.
(٢) انظر: «الأصل» ٢/ ١٤٨، «مختصر المزني» ١/ ٢٥٦، «المغني» ٤/ ٩٩.
(٣) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٤١٢ (١٠٥٣٢).
(٤) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٩٤، ٢٩٥.
(٥) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٩٤.
وفيه: أن الابن يخاصم أباه، وليس بعقوق إذا كان ذلك في حق، على أن مالك قد كره ذلك ولم يجعله من باب البر.
وفيه: أن ما خرج إلى الابن من مال الأب على وجه الصدقة أو الصلة أو الهبة لله تعالى وحازه الابن أنه لا رجوع للأب فيه، بخلاف الهبة التي للأب أن يقتصرها. أي: يرجع فيها. ولم يكن له أن يقتصر الصدقة، وكل هبة وعطية لله فليس له أن يقتصرها؛ لقوله - ﷺ -: «العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالعَائِدِ فِي قَيْئِهِ» (١) وهذا مذهب مالك (٢)، وسيأتي مذهبنا في الرجوع في كتاب الهبة إن شاء الله.
وقال ابن التين: يجوز دفع الفرض إليه بشرطين:
أحدهما: أن يتولن غيره صرفها إليه.
الثاني: أن لا يكون في عياله، فإن كان في عياله وقصد إعطاءه فروى مطرف عن مالك: لا ينبغي له أن يفعل، فإن فعل أساء ولا يضمن إن لم يقطع عن نفسه إنفاقه عليهم.
قَالَ ابن حبيب: فإن قطع الإنفاق عن نفسه بذلك لم يجزئه، فإن لم يكن في عياله وتولى هو صرفها إليه. فاختلف قوله على ثلاث روايات: روى عنه ابن القاسم كراهية ذلك، وروى عنه مطرف جوازه، وروى عنه الواقدي: إن أفضل من وضعت فيه زكاتك أهل رحمك الذين لا تعول (٣).
-------------
(١) سيأتي برقم (٢٥٨٩) كتاب: الهبة، باب: هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها.
(٢) انظر: «المعونة» ٢/ ٥٠٣.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٩٥ - ٢٩٦.
وقد قَالَ بعض أهل العلم: إن نفقة الولد الكبير تلزم أباه وإن بلغ صحيحًا. واحتج بظاهر حديث هند: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» (١) فعلى قوله لا يجوز دفعها للولد على كل حال؛ لأن النفقة له لازمة بالشرع، وفي الحديث: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّات» (٢) وصح: «الصَّدقة على غير ذِي الرَّحِمِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَة» (٣)
وممن قَالَ بإعطاء الأقارب ما لم يكونوا في عياله ابن عباس وابن المسيب وابن مسعود وسعيد بن جبير وإبراهيم والحسن وعطاء والضحاك وطاوس ومجاهد، حكاه في «المصنف» عنهم (٤)، وفي «مسند الدارمي» من حديث حكيم مرفوعًا: «أفْضل الصَّدقة على ذي الَرَّحمِ الكاشح» (٥).
-------------
(١) سيأتي برقم (٢٢١١) كتاب: البيوع، باب: من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم …
(٢) سبق برقم (١) كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -.
(٣) رواه الترمذي (٦٥٨) مطولًا، كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في الصدقة على ذي القربى، وقال أبو عيسى: حديث سلمان حسن، والنسائي ٥/ ٩٢ كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على الأقارب، وابن ماجه (١٨٤٤) كتاب: الزكاة، باب: فضل الصدقة، وأحمد ٤/ ١٨، والدارمي ٢/ ١٠٤٦ (٧٢٢ - ١٧٢٣) كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على القرابة، والبيهقي ٤/ ١٧٤ كتاب: الزكاة، باب: الاختيار في أن يؤثر بزكاة فطره وزكاة ماله ذوي رحمه … وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٥٣١) و«ابن ماجه» (١٤٩٤).
(٤) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٤١٢، ٤١٣ (١٠٥٣١ - ١٠٥٤٢).
(٥) «مسند الدارمي» ٢/ ١٠٤٥ (١٧٢١) كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على القرابة.
١٦ - باب الصَّدَقَةِ بِاليَمِينِ
١٤٢٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ». [انظر: ٦٦٠ - مسلم: ١٠٣١ - فتح: ٣/ ٢٩٢]
١٤٢٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ الخُزَاعِىَّ - رضي الله عنه - يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «تَصَدَّقُوا، فَسَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأَمْسِ لَقَبِلْتُهَا مِنْكَ، فَأَمَّا اليَوْمَ فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهَا». [انظر: ١٤١١ - مسلم: ١٠١١ - فتح: ٣/ ٢٩٣]
ذكر فيه حديث أبي هريرة: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ …» وقد سلف (١).
وحديث حارثة بن وهب: «تصدقوا ..» السالف في باب الصدقة قبل الرد (٢).
ولم يظهر لي وجه إيراده في الصدقة باليمين إلا أن يقال: إن قوله: «تصدقوا» يحمل على ما مدح فيه في الحديث الأول، وهو اليمين.
------------
(١) برقم (٦٦٠) كتاب: الأذان، باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، وفضل المساجد.
(٢) برقم (١٤١١) كتاب: الزكاة.
قَالَ ابن التين هنا: وقوله: «يُظِلّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ» جاء في [الأثر] (١): أن الشمس تقرب من الخلائق يوم القيامة حَتَّى يبلغ الكافر في رشحه إلى أنصاف أذنيه، فيظل الله من يشاء في ظله. وقد سلف ما في ذلك مستوفي.
وبدأ بالإمام العادل؛ لأن الله تعالى يصلح به أمر العباد في [نفي] (٢) الظلم، وإصلاح السبل، ودفع العدو، وغير ذلك. ويقال: للإمام مثل أجر من عمل بأمره وانتهى بنهيه ووعظه مع أجره، وليس أحد أقرب من الله منزلة منه بعد الأنبياء. وقال عثمان: الذي يزع بالإمام (٣) أكثر مما يزع يالقرآن. يعني: يكف. وإنما خص اليمين لأن الصدقة لما كانت لله استعمل فيها أشرف الأعضاء وأفضل الجوارح. وقد سلف أن إخفاء النوافل والتستر بها أفضل عند الله من إظهارها، بخلاف الفرائض. وهذا مثل ضربه - ﷺ - لإخفاء الصدقة لقرب الشمال من اليمين. وإنما أراد بذلك أن لو قدر على أن لا يعلم من يكون على شماله من الناس ما تصدقت به يمينه لشدة استتاره. وهذا على المجاز إذ لا يوصف بالعلم. وهذا قد سلف أيضًا.
-----------
(١) في الأصل: الآية وهو خطأ.
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) وقع قبلها في الأصل: الإمام، وبيض مكانها في (م).
١٧ - باب مَنْ أَمَرَ خَادِمَهُ بِالصَّدَقَةِ وَلَمْ يُنَاوِلْ بِنَفْسِهِ
وَقَالَ أَبُو مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - «هُوَ أَحَدُ المُتَصَدِّقِينَ». [١٤٣٨]
١٤٢٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا». [١٤٣٧، ١٤٣٩، ١٤٤٠، ١٤٤١، ٢٠٦٥ - مسلم: ١٠٢٤ - فتح: ٣/ ٢١٣]
ذكر فيه عن شقيق، عن مسروق، عن عائشة: قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا».
أما التعليق فيأتي مسندًا قريبًا (١). وحديث عائشة أخرجه مسلم (٢)، والأربعة (٣). ولما رواه الترمذي من حديث أبي وائل عن عائشة، وحسنه قَالَ: حديث أبي وائل عن مسروق أصح، فإنه لا يذكر في حديثه عن مسروق (٤). وقال الدارقطني: روي من حديث أبي وائل الأسود، وهو وهم، والصحيح عن أبي وائل عن عائشة.
إذا تقرر ذلك، فكأن البخاري أراد بالترجمة معارضة ما روى ابن أبي
-----------
(١) برقم (١٤٣٨) كتاب: الزكاة، باب: أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسد.
(٢) «صحيح مسلم» (١٠٢٤) كتاب: الزكاة، باب: أجر الخازن الأمين، والمرأة إذا تصدقت من بيت زوجها …
(٣) أبو داود (١٦٨٥)، الترمذي (٦٧٢)، النسائي ٥/ ٦٥، ابن ماجه (٢٢٩٤).
(٤) «سنن الترمذي» (٦٧١) كتاب: الزكاة، باب: في نفقة المرأة من بيت زوجها.
شيبة، عن وكيع، عن موسى بن عبيدة، عن عباس بن عبد الرحمن المدني قَالَ: خصلتان لم يكن النبي - ﷺ - يكلهما إلى أحد من أهله: كان يناول المسكين بيده، ويضع الطهور لنفسه (١). وكان الحسين يفعله (٢). وروى الجُوزي من حديث ابن عباس: كان النبي - ﷺ - لا يكل طهوره ولا صدقته التي يتصدق بها إلى أحد، يكون هو الذي يتولاهما بنفسه (٣). وفيه: كان ابن مكتوم إذا تصدق قام بنفسه.
والترجمة تتخذ من قوله في الحديث: «وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ» والمراد: الخادم كما ستعلمه؛ لأن الخادم لا يجوز أن يتصدق من مال مولاه إلا بإذنه.
وقوله: «أَحَدُ المُتَصَدَّقَيْنِ» هو بالتثنية. ذكر القرطبي أنه لم يُروَ إلا بالتثنية. ومعناه أنه بما فعل متصدق، والذي أخرج الصدقة بما أخرج متصدق آخر، فهما متصدقان. ويصح أن يقال على الجمع، ويكون معناه أنه متصدق من جملة المتصدقين (٤). وبنحوه ذكره ابن التين وغيره.
وفي الباب أحاديث في إنفاق المرأة والمملوك: منها حديث أبي هريرة الآتي في البيوع «إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأةُ مِنْ كسْبِ زَوْجِهَا عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِهِ» (٥).
-----------
(١) «المصنف» ١/ ١٧٨ (٢٠٤٥) كتاب: الطهارات، باب: من كان يحب أن يلي طهوره بنفسه.
(٢) رواه أحمد بن حنبل في «الزهد» ١/ ١٦٦.
(٣) رواه ابن ماجه (٣٦٢) قال الألباني في «الضعيفة» (٤٢٥٠): ضعيف جدًا.
(٤) «المفهم» ٣/ ٦٨.
(٥) برقم (٢٠٦٦) باب: قول الله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾.
وفي أبي داود -بإسناد جيد- من حديث سعد: لَمَّا بَايَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - النِّسَاءَ قَالت امْرَأَةٌ: يارسُولَ اللهِ إِنَّا كَلٌّ عَلَى آبَائِنَا وَأَبْنَائِنَا وأزواجنا فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ. فَقَالَ: «الرَّطْبُ تَأكلْنَهُ وَتُهْدِينَهُ». قَالَ أَبُو دَاوُدَ: الرَّطْبُ: الخُبْزُ وَالبَقْلُ وَالرُّطَبُ. (١).
قَالَ ابن المديني: سعد ليس بابن أبي وقاص، فهو مرسل.
قلتُ: بل هو كما ذكره البزار وغيره.
وفي مسلم من حديث عمير مولى آبي اللحم: أتصدق يا رسول الله من مال مولاي؟ قَالَ: «نعم، والأجرُ بينكُما نِصْفان» (٢). وللترمذي من حديث أبي أمامة الباهلي قَالَ: سمعت رسول الله - ﷺ - في خطبته عام حجة الوداع: «لا تنفق امرأةٌ شيئًا من بيت زوجها» قيل: يا رسول الله ولا الطعام؟ قال: «ذلك أفضل أموالنا» (٣) ولأبي داود من حديث أبي هريرة في المرأة تصدق من بيت زوجها (٤) قَالَ: لا إلا من قوتها ثم قَالَ: هذا يضعف رواية أبي هريرة (٥).
------------
(١) «سنن أبي داود» (١٦٨٦) كتاب: الزكاة، باب: المرأة تتصدق من بيت زوجها، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» برقم (٣٠١) قائلًا: ضعيف لانقطاعه بين زياد وسعد وهو: ابن أبي وقاص.
(٢) «صحيح مسلم» (١٠٢٥) كتاب: الزكاة، باب: ما أنفق العبد من مال مولاه.
(٣) «سنن الترمذي» (٦٧٠) كتاب: الزكاة، باب: في نفقة المرأة من بيت زوجها، وقال: هذا حديث حسن.
(٤) «سنن أبي داود» (١٦٨٨) كتاب: الزكاة، باب: المرأة تتصدق من بيت زوجها، قال أبو داود: هذا يضعف حديث همام، وصححه الألبانى في «صحيح أبي داود» برقم (١٤٨١) قائلًا: إسناده صحيح موقوف، وهو تفسير للمرفوع الذي قبله.
(٥) يعني حديث «إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فلها نصف أجره» وسيأتي برقم (٢٠٦٦).
وقال الشعبي لمملوك سأله؛ يكتسب ويتصدق: الأجر لمواليك (١).
وقَالَ إبراهيم: لا بأس أن يتصدق العبد من الفضل. وقال الحسن: يتصدق من قوته بالشيء الذي لا يضر به. وقَالَ ابن جبير: يتصدق بثلاثة دراهم أو أربعة. وقال ابن المسيب: يتصدق من ماله بالصاع وشبهه (٢). وقال إبراهيم: بما دون الدرهم. وقال عمر وعلي: بالدرهم. زاد عمر: والرغيف. وعن الشعبي وخيثمة: لا يتصدق بما فوق الدرهم (٣).
واختلف الناس في تأويل هذا الحديث على قولين كما قَالَ ابن العربي: فمنهم من قَالَ: إنه في اليسير الذي لا يؤبه إلى نقصانه، ولا يظهر. ومنهم من قَالَ: إذا أذن فيه الزوج، وهو اختيار البخاري. قَالَ: ويحتمل أن يكون محمولًا على العادة يوضحه قوله: «بطيب نفس» و«غَيْرَ مُفْسِدَةٍ»، وهو محمول على اليسير الذي لا يجحف به (٤)، فإن زاد على المتعارف لم يجز. وذكر الإطعام؛ لأنه يسمح به في العادة، بخلاف الدراهم والدنانير في حق أكثر الناس. وزعم بعضهم أن المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن النفقة على عيال صاحب المال، وغلمانه، ومصالحه، وكذا صدقتهم المأذون فيها عرفًا أو تصريحًا. وقال بعضهم: هذا على طريقة أهل الحجاز
---------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٩١ (١٠٢٨١) كتاب: الزكاة، باب: من كره للعبد أن يتصدق بغير إذن مولاه.
(٢) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ٢/ ٣٩٠ (١٠٢٦٥ - ١٠٢٦٨) كتاب: الزكاة، باب: في العبد يتصدق من رخص أن يفعل.
(٣) السابق ٢/ ٣٩١ (١٠٢٧٠)، (١٠٢٧٢)، (١٠٢٧٥).
(٤) «عارضة الأحوذي» ٣/ ١٧٧ - ١٧٨.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|