عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 06-02-2026, 03:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,782
الدولة : Egypt
افتراضي رد: لماذا التشكيك في مكان المسجد الأقصى ومكانته عند المسلمين؟!




لماذا التشكيك في مكان المسجد الأقصى ومكانته عند المسلمين؟! (4)


لولا أن الإسلام دين الله -تعالى- الذي تكفل بحفظه لكانت بعض مؤامرات أعدائه كافية للقضاء عليه وامحاء أثره
تضافرت نصوص العلماء على أن الزهري كان أعلم الناس بالسنة في عصره، واتهامه بأنه وضع الأحاديث للأمويين كذب محض
كيف يكون الأمويون هم من أشاعوا قداسة بيت المقدس وقد جاء وصفها بالأرض المباركة والمقدسة في كتاب الله -تعالى- وعلى لسان نبيه الصادق المصدوق؟


نستكمل معًا الرد على المزاعم التي أشاعها يوسف زيدان في تشكيكه لمكانة المسجد الأقصى في الشريعة الإسلامية؛ حيث يقول في برامج فضائية وندوات مختلفة عدة: «إن المسجد الأقصى أشاع قداسته الأمويون بوصفه لعبة سياسية وأهدافاً ماكرة، وأن المسلمين خُدعوا بإعطاء القداسة لمسجد القدس على مر العهود والأزمان».
أكذوبة أشاعها اليهود
وتلك الأكذوبة أشاعها الأكاديميون اليهود قبله بأكثر من ثلاثة عقود، يقول إسحق حسون -الباحث اليهودي-: «إن معاوية الذي بويع بالخلافة في القدس هو الذي أسمى القدس وبلاد الشام: الأرض المقدسة، وأشاع عن القدس أنها أرض المحشر والمنشر».
ورَدد تلك المقولة بعض الكتاب العرب الذين قالوا: «إن قدسية القدس والمسجد الأقصى في الإسلام حديثة العهد جدّاً، وأن كتب التاريخ لا تذكر أن أحداً من الخلفاء الراشدين قد فكر أو ادعى قدسية القدس، أو تفضيلها على يثرب عاصمة الخلافة».
مكانة متأخرة
بل بعضهم ذهب لأبعد من ذلك بقوله: إن مكانتها بدأت بعد أن حررها صلاح الدين الأيوبي وأسماها: الأرض المقدسة، وأن صلاح الدين لم يخرج بنية تحرير القدس وإنما ليحارب جيوش دويلات وممالك فلسطين، وهي حرب تجارية توسعية لا علاقة لها بالدين ولا بالقدسية.
ومن كتابات (جولد تسيهر) -المستشرق اليهودي-، الذي شكك فيها بالإسلام، ورددها من بعده أتباعه من الباحثين اليهود؛ فقد زعم أن عبد الملك بن مروان أراد أن يعطي مكانةً للمسجد الأقصى فوجد صديقه الزهري - وهو ذائع الصيت في الأمة الإسلامية- مستعداً لأن يضع له أحاديث كحديث: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد..»، وزعم أن الأحاديث التي وردت في فضائل بيت المقدس مروية من طريق الزهري فقط.
فأراد (جولد تسيهر) أن يطعن في أول من دوّن السنة من التابعين؛ والذي يعد من كبار أئمة السنة في عصره؛ فقد هاجم مِن قبل أبا هريرة وهو ركن من أركان السنة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا تم له ذلك انهارت السنة بعد أن وجه إليها المعول من ناحيتين: من ناحية رواتها وأئمتها، وناحية الشك بها جملة.
ولولا أن الإسلام دين الله -تعالى- الذي تكفل بحفظه لكانت بعض مؤامرات أعدائه كافية للقضاء عليه وانمحاء أثره.
وقد اعتمد (جولد تسيهر) في الاستدلال على ما ذهب إليه برواية أوردها المؤرخ الشيعي أحمد بن جعفر اليعقوبي على سبيل التحامل والغض من مكانة الأمويين، يقول فيها: «ومنع عبد الملك أهل الشام من الحج، ذلك أن عبد الله بن الزبير كان يأخذهم إذا حجوا بالبيعة؛ فحين ضج الناس بنى على الصخرة قبة، وعلق عليها ستور الديباج، وأقام لها سدنة، وأخذ الناس بأن يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة، وأقام بذلك أيام بني أمية».
وهذه الرواية وردت -فعلاً- ولكنها من وضع أحد منافسي بني أمية، وهو: اليعقوبي، في (تاريخه)، ولم يذكرها غيره من المؤرخين قط، واليعقوبي ينتسب إلى الروافض، وموقفه معروف من بني أمية.
وليس من المعقول أن يقوم عبد الملك -الذي كان من التابعين الورعين- بمحاولة لتغيير أحد أركان الإسلام وهو الحج!
والرد على كل هؤلاء نجمله في الآتي:
- نقول للباحثين اليهود، ولمن سبقهم من المستشرقين، ولمن يلحق بهم من الفرق الباطنية ومن تبعهم من كتاب عرب ومن أسموهم مفكرين!: إن أحداً من الصحابة ولا التابعين ولا غيرهم من علماء الأمة قال بهذا القول، وإن ما فهموه من الآية والأحاديث أنه في الأرض المقدسة، وتلقت الأمة هذا الفهم من بعدهم على مدى أربعة عشر قرناً جميعاً أئمة وأصحاباً وتابعين ومحدثين وفقهاء وعلماء بالقبول، ولم ينكر أحد ذلك المُسمى.
- فمهما حاولتم دس السم فلن تفلحوا... فقلوب الصحابة كانت تواقة لفتح بيت المقدس قبل أن تفتح بلاد الشام، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدركون أن الأرض المقدسة المذكورة في القرآن الكريم هي أرض القدس وفلسطين.
- ونحمد الله -تعالى- أننا لسنا نحن الذين أسمينا أرض المسجد الأقصى بالأرض المقدسة، وإنما الاسم من الله السميع البصير، ولسنا نحن الذين نزعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، إنما هي الحقيقة الناصعة في صريح كلام الله -تعالى- في كتابه الكريم وفي السنة الصحيحة المتواترة.
- ولا نعلم في الدنيا أحداً اتهم الزهري بأمانته وصدقه في الحديث قبل هذا المستشرق اليهودي المتعصب (جولد تسيهر)، بل إن (جولد تسيهر) شكك في السنة بأكملها بقوله: «إن القسم الأكبر من الحديث ليس إلا نتيجة للتطور الديني والسياسي والاجتماعي للإسلام في القرنين الأول والثاني»!
الزهري أعلم الناس بالسنة
وقد تضافرت نصوص العلماء على أنه كان أعلم الناس بالسنة في عصره؛ حيث قال: «مكثت خمساً وثلاثين -أو ستاً وثلاثين- سنة أنقل أحاديث أهل الشام إلى الحجاز، وأحاديث أهل الحجاز إلى الشام، فما أجد أحداً يطرفني بحديث لم أسمعه».
وتضافرت أيضًا روايات الأئمة والحفاظ وعلماء الجرح والتعديل على توثيقه وأمانته وجلالته، ولا نعلم أحداً اتهم الزهري بأمانته وصدقه في الحديث قبل هذا المستشرق اليهودي المتعصب (جولد تسيهر)!
- هل يعقل أن الصحابة والتابعين وفقهاء الإسلام وأئمة الحديث ثلاثة عشر قرناً كاملة قد خدعوا بابن شهاب الزهري؟ ولم يفطنوا إلى وضعه للحديث وجرأته في الكذب إرضاء للأمويين؟! إلى أن فطن (جولد تسيهر) إلى تلك النتيجة ببصيرته النافذة!


حديث: ( لا تشد الرحال..)
- وحديث «لا تشد الرحال..» روته كتب السنة كلها، وهو مروي من طرق مختلفة غير طريق الزهري؛ فقد أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري من غير طريق الزهري، ورواه مسلم من ثلاث طرق:
إحداها: من طريق الزهري.
وثانيهما: من طريق جرير عن ابن عمير عن قزعة عن أبي سعيد.
وثالثهما: من طريق ابن وهب عن عبد الحميد عن عمران بن أبي أنس عن سلمان الأغر عن أبي هريرة.
فالزهري لم ينفرد برواية هذا الحديث؛ كما يزعم (جولد تسيهر)! بل شاركه فيه غيره.
- وهذا الحديث «لا تشد الرحال..» رواه الزهري عن شيخه سعيد بن المسيب، ومن المعلوم أن سعيداً ما كان ليسكت عن الزهري لو أنه وضع هذا الحديث على لسانه إرضاء لأهواء الأمويين؛ وهو الذي أوذي من قبلهم وضرب، وقد توفي سعيد سنة (93هـ) من الهجرة، أي: بعد مقتل ابن الزبير بعشرين سنة؛ فكيف سكت سعيد عن هذا الكذب -زعموا!- كل هذه المدة، وقد كان جبلاً شامخاً من جبال القوة في الحق لا يبالي في الله لومة لائم؟!
- لو فرضنا أن الزهري وضع هذا الحديث إرضاء لعبد الملك؛ فَلِم لم يصرح فيه بفضيلة قبة الصخرة، وقد أراد عبد الملك أن يحج الناس إليها؟ كل ما في هذا الحديث-وما صححوه من أحاديث بيت المقدس-: فضل الصلاة فيه، وفضل زيارته غير مقيدة بوقت معين، وهذا شيء أثبته القرآن جملة، فأين هذا مما يريده عبد الملك من الحج إلى القبة بدلاً من الكعبة في أيام الحج؟
- وكيف يكون الأمويون هم الذين أشاعوا قداستها، وجاء وصفها بالأرض المباركة والمقدسة في كتاب الله -تعالى- وعلى لسان نبيه الصادق المصدوق؟
- ثم إن الرجل الذي اعتمد عليه عبد الملك وكذلك ولده الوليد، اعتماداً أساسيّاً في بناء مسجد الصخرة، هو: رجاء بن حيوة -كان من علماء المسلمين، وكان صديقاً لعمر بن عبد العزيز الرجل الصالح-، ولم يكن هذا ليشارك أبداً في بناء يقصد به خديعة المسلمين وغشهم؛ بأن يتحولوا إلى الحج إليه بدلاً من مكة!
- يمكن أن يُرد على الشبهة القائلة بأن بناء قبة الصخرة بواسطة الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان هدفها: صرف الأنظار عن الحج إلى بيت الله الحرام؛ حيث أورد (جولد تسيهر): «أنّ عبد الملك بن مروان بنى قبة الصخرة ليصرف الناس عن الحج إلى بيت الله الحرام، مخافة أن يأخذهم ابن الزبير بالبيعة له، بما يأتي:
أ) إنّ دراسة شاملة للمصادر وتقويم الظروف التاريخية يوضّح أنّ بناء قبة الصخرة لم يُقصَد به: تحويل الحج من مكة إلى بيت المقدس، بينما الأحاديث المتناقضة المتعلّقة بقداسة هذا الأخير لم تبدأْ باقتصار أو حتى بطريقة رئيسة في الفترة ما بين بناء قبة الصخرة (عام 66 هـ) وموت ابن الزبير سنة (73هـ).
ب) إنّ مؤرّخي القرن الثالث المسلمين الذين أرّخوا للنزاع بين الأمويّين وابن الزبير بتفصيل كبير، فضلا عن الجغرافيين الأوائل بمن فيهم المقدسيّ -وهو أحد أبناء القدس- لم يلمّحوا ولو منْ بعيدٍ إلى أنّ عبد الملك قد ادّعى نية جعل بيت المقدس مركزاً للإسلام بدلاً من مكة.
وعلى النقيض من ذلك، يروي الطبري في أحداث سنة (18هـ) أنّ أربع ألوية قد اجتمعت معاً لأداء فريضة الحج بعرفات، وهي: لواء عبد الملك، وابن الزبير، ونجده الخارجي، وابن الحنفية، وهذه الرواية تؤكّد فقط الواقع العجيب وهو: أنّ أربعة أحزاب مختلفة التحقت مع بعضها في وقتٍ واحد لأداء فريضة الحج، ومن المؤكّد حقيقةً أنّ الرجال القادمين من الشام أدّوا فريضة الحج -أيضاً- في أوقات أخرى من تلك السنين الحاسمة.
جـ) أنّ المصدرين القديمين اللذين ذكرا ادّعاء أنّ عبد الملك ببنائه قبة الصخرة نوى أنْ يحوّل الحج إلى بيت المقدس هما: اليعقوبي؛ وهو شيعيّ صريح، والمؤرّخ النصراني المعروف (يوتيخويوس) -ابن البطريق-، وربط كلّ منهما بهذا الزعم روايات أخرى، أبطلهما زيفهما الظاهر.
قال ابن البطريق: «إنّ عبد الملك بن مروان -الذي حكم زمناً طويلاً بعد موت ابن الزبير- حرّم الحج إلى مكة»، بينما يوسّع اليعقوبي هذا الاتهام لينال به كلّ الأمويّين، وهو اتهامٌ مناقض للأحاديث الصحيحة في الحجّ إلى مكة زمن أولئك الخلفاء، واختباراً للمصادر قد تبيّن حتى الآن أنّه ليس فيها ما يدعو لتسويغ افتراض أنّ قبة الصخرة كانت كما هو المتصوّر في الأصل بديلاً عن الكعبة.
د) نص الحادثة كما ساقها (جولد تسيهر) بيّن البطلان؛ لأن بناء شيء ليحج الناس إليه كفر صريح، فكيف يتهم الخليفة عبد الملك بن مروان بهذا؛ مع أن أحداً من خصومه لم يتهمه بكفر ولا ردة؟! وهو الذي كان يلقب بـ «حمامة المسجد» لكثرة عبادته، ومع أن خصومه طعنوا فيه بأشياء كثيرة ولم نجدهم اتهموه بالكفر، ولا شنعوا عليه ببناء القبة، ولو كان الأمر ثابتاً لجعلوه في أول ما يشهرون به.
والعباسيون -أيضاً- قد أكدوا مكانة القدس؛ فقد زارها من خلفائهم المنصور والمهدي، وورد في كتب الملاحم والفتن أن: «خليفة من بني هاشم ينزل بيت المقدس يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً».
مرتكزات ثلاثة
وأخيراً: لا شك أن مكانة بيت المقدس في الإسلام تستمد من مرتكزات ثلاثة رئيسة:
الأول: أن بيت المقدس هو البيت الذي بنته الأنبياء وعمرته، والدين الإسلامي جاء مصدقاً لنبوة الأنبياء؛ الذين سبقوا محمداً صلى الله عليه وسلم ، والذين عاش أكثرهم في بيت المقدس وما حوله.
الثاني: بيت المقدس هو القبلة الأولى التي اتجه إليها المسلمون بالصلاة قبل أن يأمرهم الله بالتوجه نحو الكعبة.
الثالث: أن بيت المقدس هو المكان الذي أسرى بمحمد صلى الله عليه وسلم إليه، ومنه كان معراجه.
وهذه المكانة تأكدت بزيارة عمر بن الخطاب لها عند الفتح، ثم بشد الصحابة الرحال إلى بيت المقدس، وكذلك التابعون وعلماء المسلمين وعامتهم على مر العهود، ولما كانت تستمد هذه المكانة إلا ما جاء من فضله ومكانته في الكتاب والسنة.



اعداد: عيسى القدومي





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 25.96 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 25.34 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.42%)]