عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 19-01-2026, 06:24 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,188
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»

الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



تفسير قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا... ﴾


قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾[آل عمران: 118 - 120].

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾.

قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾: سبق الكلام عليه.

﴿ لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ ﴿ لا ﴾: ناهية، ﴿ تَتَّخِذُوا ﴾؛ أي: تجعلوا، وهو ينصب مفعولين، الأول هنا «بطانة»، والثاني محذوف تقديره «أصفياء»، أو نحو ذلك.

و«البطانة» بكسر الباء، وهي في الأصل: داخل الثوب الذي يلي البدن، وجمعها بطائن؛ كما قال تعالى: ﴿ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ [الرحمن: 54]، وبطانة الرجل هم أصفياؤه وأصدقاؤه، وخاصته الذين يُفضي إليهم بأسراره، ويُطلعهم على خاصة أموره وأحواله؛ قال الشاعر:
أولئك خُلْصاني نَعم وبِطانتي
وهم عَيبتي من دون كلِّ قريب[1]




سُموا بطانة؛ لأنهم يلونه، ويَطَّلعون على أسراره وأموره الباطنة، كما تلي بطانة الثوب بدنَ لابسه، والثوب له بطانة وله ظهارة، فالبطانة: ما وَلِيَ الجسد، والظهارة: ما كان فوق ذلك.

﴿ مِنْ دُونِكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لـ«بطانة»، ويجوز تعلقه بـ«لا تتخذوا»، و«من» للتبعيض؛ أي: من غيركم؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ﴾ [مريم: 81]؛ أي: من غير الله، فقوله: ﴿ مِنْ دُونِكُمْ﴾؛ أي: من غير أهل دينكم المسلمين.

وقيل: «مِن» زائدة من حيث الإعراب، مؤكدة من حيث المعنى، والتقدير على هذا: لا تتخذوا بطانة دونكم في الإيمان والعمل والمنزلة.

والمعنى: لا تتخذوا وتجعلوا أولياءَ وأصفياءَ وخواصَّ لكم من المنافقين، واليهود والنصارى، وغيرهم من أهل الكفر، تُفضون إليهم بأسراركم، وتُطلعونهم على دواخل أموركم وأحوالكم، وهم «الوليجة»؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [التوبة: 16].

وقد رُوي أن هذه الآيات نزلت في قوم من المؤمنين كان يُصافون المنافقين، ويواصلون رجالًا من اليهود، لما كان بينهم من القرابة والصداقة والحلف والجوار والرضاع، فأنزل الله تعالى هذه الآية عامة، فلا يجوز اتخاذ بطانة من غير المؤمنين مطلقًا.

قوله تعالى: ﴿ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾.

هذه الجملة مستأنفة؛ تعليلًا للنهي في قوله: ﴿ لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ ﴾؛ أي: لأنهم لا يألونكم خبالًا ويَودُّون ما عنتم، وقد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر.

﴿ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا ﴾ ﴿ لا ﴾: نافية، و«يألون»: ينصب مفعولين، الأول: ضمير المخاطبين، والثاني ﴿ خَبَالًا﴾؛ أي: لا يألون جهدًا، ولا يُقصرون في خبالكم، ومنه قول معاذ رضي الله عنه: «أجتهد رأي ولا آلو»[2]؛ أي: لا أقصِّر في ذلك.

والخبال: الفساد في الرأي والعقل، ولهذا يوصف به فاسد الرأي والعقل، والمعنى: أنهم يبذلون كل جهد لإفساد رأيكم، وتقليلكم، واختلال أموركم.

﴿ وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ ﴾: الود: خالص المحبة، و«ما»: مصدرية، و«العنت»: المشقة الشديدة والتعب؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 220]؛ أي: لشقَّ عليكم، وقال تعالى: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ﴾ [التوبة: 128]؛ أي: ما شقَّ عليكم.

فمعنى ﴿ وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ ﴾؛ أي: أحبُّوا بكل قلوبهم «عنتكم»؛ أي: المشقة الشديدة عليكم وإتعابكم، معنويًّا بقلوبكم، وحسيًّا بأبدانكم وأموالكم، في أمور دينكم ودنياكم، بإضعاف قوتكم المعنوية، قوة الدين والإيمان بالتشكيك في دينكم، وصد الناس عنه، ونحو ذلك، وإضعاف قوتكم المادية العلمية والاقتصادية والسياسية، وقوة العدة والعتاد، وغير ذلك.

﴿ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾: ﴿ قد ﴾: حرف تحقيق، ﴿ بدت ﴾؛ أي: ظهرت، ﴿ الْبَغْضَاءُ﴾: الكراهية والحنق والحقد والعداوة، ﴿ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾، ﴿ مِنْ﴾: لابتداء الغاية؛ أي: قد ظهرت الكراهة والعداوة الشديدة لكم، ﴿ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾؛ أي: من أقوالهم وفلتات ألسنتهم، فهم لشدة عداوتهم لا يملِكون أنفسهم، ولا يقدرون على حفظ ألسنتهم من النضح بما في قلوبهم، وإن حاولوا التكتم على ذلك بُغية الوصول إلى مآربهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ﴾ [محمد: 30].

وفي الأثر: «ما أسر أحدٌ سريرة إلا أظهرها الله عز وجل على صفحات وجهه، وفلتات لسانه»[3]، وكما قيل: «كوامن النفوس تظهر على صفحات الوجوه، وفلتات اللسان»؛ قال الشاعر:
فحسبُكم هذا التمايزُ بيننا
وكلُّ إناء بالذي فيه يَنضَح[4]




وقال الآخر:
ومهما تَكُن عند امرئ من خليقةٍ
وإن خالها تَخفى على الناس تُعلَم[5]



﴿ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾: «ما»: موصولة؛ أي: والذي تخفي صدورهم وقلوبهم من البغضاء والكراهية والعداوة لكم أكبر وأعظمُ مما يظهر من أفواههم وعلى ألسنتهم.

وفي هذه الجمل الأربع تأكيد للنهي السابق، وكشف وفضح لكثيرٍ ممن يتملقون ويُظهرون خلاف ما يُبطنون من البغضاء والعداوة، وإضمار الشر والغش، كما قيل:
لا تأْمَننَّ عدوًّا لانَ جانبُه
خُشونةُ الصل عُقبى ذلك اللين[6]



وقال الآخر:

إن الأفاعي وإن لانتْ ملامسُها
عند التقلُّب في أنيابها العَطَبُ[7]




وقال الآخر:
يَلقاك يَحلِف إنه بك واثقٌ
وإذا تَوارَى عنك فهو العقربُ[8]


واتخاذ بطانة من غير المسلمين خطرُه عظيم، وضرره جسيم على الأمة، على الأفراد والجماعات، وبخاصة ولاة الأمر وأرباب المسؤوليات في الأمة، ولهذا يجب الحذر كل الحذر من ذلك، فإنهم مهما أظهروا من النصح فلا يوثَق بهم، ولا ينبغي أن يطَّلعوا على أحوال المسلمين وأسرارهم.

وقد ذكر أن أبا موسى الأشعري - رضي الله عنه - اتخذ كاتبًا نصرانيًّا في بيت المال، فكتب إليه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بعزله، وقال: كيف نأمنهم وقد خوَّفهم الله؟ فكتب إليه أبو موسى: إن بيت المال بحاجة إليه، وإنه ذو معرفة بالكتابة والحساب، ولا يوجد من يقوم مقامه، فأرسل إليه عمر- رضي الله عنه - بطاقة صغيرة كتب فيها: «مات النصراني والسلام»[9]؛ أي: قدِّر أن هذا النصراني مات، هل تتعطل أمور الأمة؟ أي: ابحث عن غيره، فلسنا بحاجة إلى مثله.

كما ينبغي أن يُحذَرَ من البطانة السيئة، حتى ممن يُحسبون على الإسلام من أرباب الشبهات والشهوات الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 27].

وما أكثر هؤلاء من دعاة الديمقراطية والتطور والانفتاح، ونبذ الموروث القديم من أبواق أعداء الإسلام، ممن هم من أبناء جلدتنا، ويتكلمون بلُغتنا؛ كما في حديث حذيفة رضي الله عنه: «دُعاة على أبواب جهنم»[10].

وكم زال من مُلك، وتبدلت من دول، وزالت مِن نعم، وحلَّت مِن نِقم، بسبب التساهل في اختيار البطانة الصالحة؛ مما يوجب الحرص على اختيار البطانة الصالحة، والحذر من بطانة السوء؛ عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة، إلا كانت له بطانتان؛ بطانة تأمره بالخير وتحُضه عليه، وبطانة تأمره بالسوء وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله»[11].

ولهذا كان من أهم ما يُدْعَى به لولاة أمور المسلمين أن يرزُقهم الله البطانة الصالحة التي تدلهم على الخير، وتَحثهم عليه، وتحذِّرهم من الشر وتنهاهم عنه.

﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ﴾ أي: قد أوضحنا وأظهرنا لكم عنايةً بكم الآياتِ الكونية والشرعية، ومن ذلك الدلائل على سوء اتخاذ بطانة من دونكم؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾ [الحجر: 75].

﴿ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾؛ أي: إن كنتم ذوي عقول تَعقلون بها، وتفهمون ما بيَّناه لكم من الآيات، وتهديكم إلى ما ينفعكم، وتَمنعكم عما يضركم.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 32.23 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 31.61 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.95%)]