
24-12-2025, 04:06 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,041
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى والعشرون
صـــ 172الى صـــ 181
(460)
وإذا دفع الرجل إلى الرجل ألف درهم مضاربة بالنصف فاشترى بها جارية تساوي ألفين فقبضها ، ولم ينقد الدراهم حتى باع الجارية بألفي درهم ، وقبض الألفين ، ثم هلكت الدراهم قبل أن ينقد الثمن ، وهلكت الجارية مع ما في يده معا ، فعلى رب المال أن يؤدي ألفا أخرى مكان الألف الأولى التي اشترى بها الجارية فيدفعها المضارب إلى الذي باعه الجارية ، ويغرم رب المال أيضا ألفا وخمسمائة ، فيدفعها إلى المضارب فيؤديها المضارب مع خمسمائة من ماله إلى مشتري الجارية ; لأن الألف الأولى كانت أمانة في يد المضارب ، قد هلكت ، وكان المضارب في شراء الجارية عاملا لرب المال فيرجع عليه بألف أخرى ليؤدي منها ثمنها به حين باع الجارية ، وقبض ثمنها كان هو في ثلاثة أرباعها عاملا لرب المال ، وكان في الربع عاملا لنفسه ، وهو مقدار حصته من الربح ، وبهلاك الجارية قبل التسليم انفسخ البيع فيجب عليه رد المقبوض من الثمن ، وقد هلكت في يده فيرجع على رب المال بمقدار ما كان عمله فيه لرب المال ، وذلك ألف وخمسمائة ، ويغرم من مال نفسه مقدار ما كان عمله فيه لنفسه ، وذلك خمسمائة ، فإن هلكت الدراهم الأولى أولا ، ثم هلكت الدراهم المقبوضة ، والجارية بعد ذلك فالثلاثة الآلاف كلها على رب المال ; لأن الدراهم الأولى حين هلكت استوجب المضارب الرجوع بمثلها على رب المال ، وكان ذلك دينا لحق المضارب ، ويصير رأس مال رب المال به ألفي درهم .
( ألا ترى ) أنه إن استوفى من رب المال ألفا أخرى ، ثم تصرف في ثمن الجارية ، وربح يحصل رأس ماله ألفا درهم أولا ، فيتبين أنه لا ربح فيما في يده ، وأنه في بيع جميع الجارية وقبض الثمن عامل لرب المال ، فيرجع عليه بالعهدة في جميعه ، يوضحه أن ألفا من الألفين المقبوضة وجب دفعها إلى بائع [ ص: 173 ] الجارية ، والألف الأخرى مشغولة برأس المال ، فظهر أنه لا ربح فيها ، والمضارب إنما يغرم من ماله شيئا باعتبار حصته من الربح .
ولو هلكت الجارية أولا ، ثم هلك المال الأول والآخر معا ، فعلى رب المال ألفان وخمسمائة ، وعلى المضارب خمسمائة ، وهذا هلاك المال كله معا سواء ; لأن بهلاك الجارية لا يزداد رأس مال المضاربة ، ولا يلحق المضارب دين ، فلا يخرج المضارب من أن يكون عاملا لنفسه في قبض ربع ثمن الجارية .
وكذلك إن هلكت الجارية أولا ، ثم هلك المال الآخر ، ثم هلك المال الأول ; فهذا وما لو هلك المالان بعد هلاك الجارية معا سواء ; لاستواء الفصلين في المعنى .
وإذا كانت المضاربة ألف درهم فاشترى عليها جارية بخمسمائة ، وكر حنطة وسط فقبض الجارية وهلكت الدراهم عند المضارب ، فالمضارب مشتر للجارية لنفسه وعليه ثمنها ; لأنه ليس في يده جنس ما اشترى من مال المضاربة صورة لا معنى فيكون شراؤه للمضاربة استدانة عليها وهو لا يملك ذلك ولا ضمان عليه في المضاربة ; لأنه اشترى الجارية لنفسه بثمن في ذمته ، وهذا التصرف منه لا يمس مال المضاربة ، وهو إنما يصير مخالفا ضامنا إذا تصرف في مال المضاربة ، على خلاف ما أمر به ، فإذا لم يمس تصرفه مال المضاربة ; لا يكون ضامنا .
ولو كان اشتراها بخمسين دينارا فقبضها ، ولم ينقد الثمن حتى ضاعت الدراهم ; رجع على رب المال بخمسين دينارا استحسانا ; لما بينا : أن المجالسة بين ما اشترى به ، وبين ما في يده من مال المضاربة موجود معنى ; فصار مشتريا للمضاربة ، وقد هلكت الدراهم في يده بصفة الأمانة ; فيرجع على رب المال بما اشترى به الجارية ، وذلك خمسون دينارا فيعطيها بائع الجارية ، فإذا باعها بعد ذلك بثلاثة آلاف ، أو أقل ، أو أكثر استوفى رب المال رأس ماله : ألف درهم وخمسين دينارا ، والباقي ربح بينهما ، وكذلك لو كان رأس المال نقدا ثبت المال فاشترى الجارية بألف غلة .
ولو دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف ، فاشترى بها جارية تساوي ألفا فقبض الجارية ولم ينقد الدراهم حتى باعها بألفين ، فقبضهما ولم يدفع الجارية حتى اشترى بالألفين جارية تساوي ألفين فقبضها ، ولم يدفع الدراهم فهلكت الدراهم كلها ، والجاريتان جميعا فعلى المضارب أن يؤدي إليهم خمسة آلاف : إلى بائع الجارية الأولى ، ثمنها ألف درهم ، ويرد على مشتري الجارية الأولى ما قبض منه من ثمنها ، وذلك ألفا درهم بانفساخ البيع فيها بالهلاك قبل التسليم ، وإلى بائع الجارية الثانية ألفي درهم ثمنها ; لأنه حين قبضها دخلت في ضمانه ، وتقرر عليه جميع الثمن بقبضها ، ثم يرجع على رب المال من هذه الجملة بأربعة آلاف درهم : ألف ثمن الجارية الأولى ، وألف وخمسمائة مما قبض [ ص: 174 ] من ثمن الجارية الأولى بعد بيعها ; لأنه في قبض الألفين كان عاملا لرب المال في ثلاثة أرباعها ، وذلك ألف وخمسمائة ، وفي الربع كان عاملا لنفسه باعتبار حصته من الربح ، وكذلك في شراء الجارية الثانية وقبضها ، كان عاملا لرب المال في ثلاثة أرباعها ، وذلك ألف وخمسمائة ، وفي الربع كان عاملا لنفسه باعتبار حصته من الربح ; فلهذا يغرم ألفا من ماله ، ويرجع على رب المال بأربعة آلاف .
ولو هلكت الألف الأولى ثم هلك ما بقي معا يرجع بجميع الخمسة آلاف على رب المال ; لأن بهلاك الألف الأولى لحق المضاربة دين بقدر ألف ، وصار رأس مال المضاربة ألفي درهم للطريقين اللذين بيناهما ، فتبين أنه في بيع جميع الجارية ، وقبض ثمنها كان عاملا لرب المال .
وكذلك في شراء الجارية الثانية ; فلهذا يرجع بالكل على رب المال .
ولو هلكت الجارية الأخيرة أولا ، ثم هلك ما بقي معا رجع على رب المال بأربعة آلاف درهم ; لأن بهلاك الجارية الأخيرة لا يلحق مال المضاربة دين ، فلا يخرج المضارب من أن يكون عاملا لنفسه في الربع ، وكذلك لو هلكت الجارية الأولى أولا ، أو هلكت الألفان أولا ثم هلك ما بقي فهذا وما لو هلك الكل معا في المعنى سواء .
ولو دفع إليه الألف مضاربة بالنصف فاشترى بها جارية تساوي ألفا وقبضها ولم ينقد الثمن ، ثم اشترى بالجارية عبدا يساوي ألفين وقبضه ولم يدفع الجارية ، ثم اشترى بالعبد جراب هروي يساوي ثلاثة آلاف درهم وقبضه ولم يدفع العبد ، فهلكت هذه الأشياء كلها ، ورأس مال الأول معا فعلى المضارب ستة آلاف درهم : ألف ثمن الجارية الأولى ، وألفان قيمة العبد ; لأنه اشتراه بالجارية ، وقد انفسخ البيع بهلاك الجارية قبل التسليم ، وتعذر عليه رد العبد بهلاكه في يده ; فعليه رد قيمته ، والثلاثة آلاف قيمة الجراب ; لأنه اشترى الجراب بالعبد ، وقد انفسخ العقد بهلاك العبد قبل التسليم ، وتعذر عليه رد الجراب بهلاكه في يده ; فيغرم قيمته ثلاثة آلاف درهم ، ويرجع على رب المال من ذلك بأربعة آلاف وخمسمائة ; لأنه في شراء العبد كان عاملا لرب المال في ثلاثة أرباعه ، وذلك ألف وخمسمائة ، وفي الربع كان عاملا لنفسه باعتبار حصته من الربح فيرجع عليه بألف وخمسمائة من قيمة العبد الأول ، وفي شراء الجراب كان عاملا لنفسه في الثلث ; لأن الثلث مشغول منه برأس المال والثلثان ربح بينهما نصفين ، فكان عاملا لنفسه في شراء الجراب في الثلث ، فحاصل ما استقر على المضارب ربع قيمة العبد ، وثلث قيمة الجراب ، وذلك ألف وخمسمائة فيرجع على رب المال بما سوى ذلك .
ولو هلك رأس المال أولا ، ثم هلك ما سواه معا رجع المضارب على [ ص: 175 ] رب المال بخمسة آلاف وخمسمائة ; لأنه حين هلك رأس المال أولا فقد لحق مال المضاربة دين : ألف درهم ، وصار رأس المال ألفين ، فهو في شراء جميع العبد عامل لرب المال ، وأما في شراء الجراب فهو عامل لنفسه في السدس : باعتبار حصته من الربح ، وفيما سوى ذلك عامل لرب المال فيغرم من ماله قيمة سدس الجراب وهو خمسمائة ، ويرجع بما سوى ذلك على رب المال .
ولو هلك الجراب أولا ، ثم هلك ما بقي معا ; رجع على رب المال بأربعة آلاف وخمسمائة ; لأنه لهلاك الجراب لا يلحق مال المضاربة دين يوجب زيادة في رأس المال .
وكذلك لو هلك العبد أولا ، ثم هلك ما بقي رجع على رب المال بأربعة آلاف وسبعمائة وخمسين ; لأن الجارية لو هلكت أولا انفسخ البيع في العبد ، ووجب على المضارب قيمة العبد ; لأنه أتلف العبد حين باعه بالجراب ، وقيمة العبد ألفا درهم فلما وجبت عليه قيمته كان في القيمة فضل ألف درهم على رأس المال ، فذلك ربح بينهما ، فعليه غرم حصته من ذلك وهو : خمسمائة ، وذلك ربعه فقد استوجب الرجوع على رب المال بألف وخمسمائة من قيمة العبد وبالألف الأولى ، ثم كان مشتريا ربع الجراب لنفسه فعليه قيمة ذلك عند انفساخ البيع فيه ، وذلك سبعمائة وخمسون ، فحاصل ما عليه من الغرم في ماله ألف ومائتان وخمسون ، وعلى رب المال ثلاثة أرباع قيمة الجراب ; لأن رأس ماله في الجراب ألفان وخمسمائة ، وقيمته ثلاثة أرباع الجراب دون رأس ماله ، فظهر أنه لا ربح فيها ; فلهذا رجع عليه بثلاثة أرباع قيمة الجراب ، وذلك ألفان ومائتان وخمسون مع الألفين والخمسمائة ، فيكون جملة ذلك أربعة آلاف وسبعمائة وخمسين .
( ألا ترى ) أنه لو لم يملك غير الجارية ، وغرم قيمة العبد أرباعا ، ثم باع الجراب بثلاثة آلاف درهم ; أخذ المضارب ربعها لنفسه ، واحتاج رب المال إلى الألفين وخمسمائة من بقية ثمن الجارية ولا وفاء فيه فيأخذ ما بقي فقط ، وبهذا تبين أنه لا ربح له في الجراب .
ولو اشترى بالألف جارية تساوي ألفا فقبضها ، ثم اشترى بالجارية جاريتين تساوي كل واحدة منهما ألفا فقبضهما ، ثم هلكت الجواري ورأس المال الأول معا ، فعلى المضارب ثمن الجارية الأولى ألف درهم ، وألفان قيمة الجاريتين ; لأن البيع قد انفسخ فيهما بهلاك الجارية قبل التسليم ، وقد تعذر عليه ردها ; فيرد قيمتها ، ويرجع بجميع ذلك على رب المال ; لأن كل واحدة من الجاريتين كانت مشغولة برأس المال ، إذ لا فضل في قيمة كل واحدة منهما على رأس المال ، وقد بينا أنه تعتبر كل واحدة منهما على حدة ; ولهذا لو أعتق المضارب واحدة منهما ; لم ينفذ عتقه ، فكان هو عاملا لرب المال في جميع كل واحدة [ ص: 176 ] منهما ، بخلاف ما لو كان اشترى بالجارية الأولى جارية تساوي ألفين وقبضها فهلكت الجاريتان ورأس المال معا ، فإن على المضارب ثلاثة آلاف درهم : ألف ثمن الجارية الأولى وألفان قيمة الجارية الثانية ، ويرجع على رب المال بألفين وخمسمائة ; لأن في قيمة الجارية الثانية فضلا على رأس المال بقدر الألف ، فكان المضارب في ربعها عاملا لنفسه ; فيغرم ربع قيمتها من ماله .
وكذلك لو هلكت إحدى الجاريتين أولا ، ثم هلك ما بقي معا ; لأن الجارية الأولى إن هلكت أولا فبهلاكها ينتقض البيع ولم يلحق رأس المال دين ; لأن الواجب رد الجارية الأولى وإن هلكت الأخرى أولا لم ينتقض البيع بهلاكها ; لأن المضارب قبض لها .
ولو هلكت الألف الأولى أولا ، ثم هلك ما بقي معا رجع بالثلاثة آلاف كلها على رب المال ; لأن بهلاك الألف الأول لحق رأس المال دين : ألف درهم ، فظهر أنه في شراء الجارية الثانية عامل لرب المال في جميعها إذ لا فضل في قيمتها على رأس المال .
ولو دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف ، فاشترى بها جارية تساوي ألفا وقبضها ، ثم باعها بألفي درهم ، وقبض الثمن ولم يدفع الجارية ، ثم اشترى بالألفين وبالألف الأولى وهي في يديه جارية تساوي أربعة آلاف وقبضها ، ثم دفع رأس المال الأول إلى صاحب الجارية الأولى ، ودفع الألفين إلى الذي اشترى منه الجارية الأخيرة فإن عليه غرم ألف درهم من ماله للذي اشترى منه الجارية الأخيرة ; لأنه اشتراها منه بثلاثة آلاف درهم : ألفان منها في المضاربة وهما الألفان الأخريان ، وألف منها على نفسه ; لأن الألف الأولى مستحقة عليه في ثمن الجارية الأولى ، فشراؤه بها مرة أخرى يكون استدانة على المضاربة ، وهو لا يملك ذلك فصار مشتريا ثلث الجارية الأخيرة لنفسه فعليه ثمنها ، وثلثاها على المضاربة ، فإن لم ينقد الألف الأولى حتى هلك ، وباع الجارية الأخيرة بستة آلاف درهم كان له من ثمنها ألفا درهم حصة ثلثها الذي كان اشترى لنفسه ، ويكون أربعة آلاف درهم على المضاربة ، يؤدي منها ألف درهم إلى الذي اشترى الأول منه ، ثم يأخذ رب المال رأس ماله ألف درهم من الباقي ، وما بقي وهو ألفا درهم ربح بينهما على الشرط ، فإن كان المضارب لم ينقد الألفين اللتين اشترى بهما الجارية الأخيرة حتى ضاعت والمسألة بحالها ; فإنه يؤدي ذلك أيضا من ثلثي الجارية الأخيرة ، ولا يبقى فيه ربح ; لأن ثلثي ثمنها أربعة آلاف ، وقد دفع ألفا من ذلك إلى بائع الجارية الأولى ، وألفين إلى بائع الجارية الأخيرة ، وألف يأخذه رب المال بحساب رأس ماله .
ولو اشترى وباع بالألف المضاربة حتى صار في يده ألفا درهم ، فاشترى بها جارية وقبضها ، ثم باعها بأربعة [ ص: 177 ] آلاف درهم نسيئة منه ، وقيمتها يوم باعها ألف درهم ، أو أكثر أو أقل فدفعها إلى المشتري ، ثم هلكت الألفان الأوليان قبل أن ينقد الثمن بائع الجارية الأولى ; فإنه يرجع بألف وخمسمائة على رب المال فيؤديها مع خمسمائة من ماله إلى بائع الجارية ; لأنه في شراء ربع الجارية كان عاملا لنفسه باعتبار حصته من الربح في مال المضاربة ، فإذا خرجت الأربعة آلاف كان للمضارب ربعها من غير المضاربة ; لأنه لما استقر عليه ربع ثمنها فقد ظهر أنه كان مشتريا ربعها لنفسه من غير المضاربة ، ويأخذ رب المال من الثلاثة الأرباع رأس ماله : ألفين وخمسمائة ; لأنه غرم هذا المقدار في دفعتين ، والباقي ربح بينهما .
ولو اشترى بألف المضاربة جارية قيمتها أكثر من ألف درهم ، ونقد الدراهم ثم باعها بجارية تساوي ألفا فقبضها ، ثم هلكت الجاريتان جميعا : فعلى المضارب قيمة الجارية الأخيرة لانفساخ البيع فيها بهلاك ما يقابلها قبل التسليم ، ويرجع بها على رب المال ; لأنه لا فضل في قيمتها على رأس المال ، فكان هو في شرائها عاملا لرب المال في الكل ، ولا ينظر إلى الفضل فيما اشترى به في هذه الجارية ; لأن الواجب عليه قيمة الجارية ، ولا فضل فيها .
ولو عمل بالمضاربة حتى صارت ألفي درهم ، ثم اشترى بها جارية قيمتها أقل من ألفين ، وقبضها فهلك ذلك كله عنده معا : فعلى المضارب ألفا درهم ثمن الجارية ; لأنه تقرر عليه بقبضها وهلاكها في يده ، ويرجع على رب المال بثلاثة أرباعها ; لأن الربع من ذلك حصته من الربح فيكون عاملا لنفسه في ذلك ، ولا ينظر إلى قيمة الجارية هنا ; لأن الثمن هو الواجب دون قيمتها ، بخلاف الأول .
ولو عمل بالمضاربة حتى صارت أربعة آلاف : ألفان منها دين ، وألفان عين في يده ، فاشترى بهاتين الألفين جارية فلم يقبضها حتى هلكت الألفان : فإنه يرجع بثلاثة أرباعها على رب المال ; لأن رأس المال في هاتين الألفين ألف درهم ، فإن الدين ، والعين في معنى جنسين ، وقد بينا أنه يعتبر جميع رأس المال في كل جنس كأنه ليس معه غيره .
( ألا ترى ) أن الدين لو توى كان رأس المال كله في الألفين ، فعرفنا أن ربحه في الألفين بقدر الربع ، فكان هو عاملا لنفسه في الشراء بربعها ، ولرب المال في الشراء بثلاثة أرباعها ، ويرجع على رب المال بألف وخمسمائة ، وإذا أخذ الجارية كان له ربعها من غير المضاربة ; لأنه أدى ربع ثمنها من مال نفسه ، فإن هلكت الجارية في يده ، ثم خرج الدين بعد ذلك كان كله لرب المال ; لأنه دون رأس المال ، فرأس ماله ألفان وخمسمائة ولا يرجع المضارب في هاتين الألفين بشيء ; لأنه صار له ربع الجارية باعتبار ما نقد ، وقد هلكت الجارية في يده فقدر الربع منها هلك في ضمانه .
( ألا ترى ) أنها لو لم تهلك ، وباعها [ ص: 178 ] بعشرة آلاف كان له ربع ثمنها من غير المضاربة ; فلهذا لا يرجع بشيء مما نقد من مال نفسه في الدين الذي خرج .
( قال - رحمه الله - : ) وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف وأمره أن يستدين على المال فهو جائز ; لأن الاستدانة شراء بالنسيئة .
قال الله تعالى { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } فقد وكله بالشراء بالنسيئة على أن يكون المشترى بينهما نصفين .
ولو وكله بالشراء بالنسيئة على أن يكون المشترى كله للموكل جاز ، فكذلك النصف فإن اشترى بالمضاربة غلاما ، ثم اشترى على المضاربة جارية بألف درهم دينا ، وقبضها ثم باعها بألفي درهم فقبض المال ثم هلك ما قبض ولم يدفع ما باع وما كان عنده فإن المضارب يلحقه نصف ثمن الجارية ، ويكون على رب المال نصف ثمنها ; لأنه فيما استدان كان مشتريا نصفه لنفسه ، ونصفه لرب المال على المضاربة ، فإن الشرط بينهما في المضاربة المناصفة ولا تكون المناصفة في الربح في المشترى بالنسيئة إلا بعد أن يكون المشترى بينهما نصفين ، وقد قررنا هذا في كتاب الشركة في شركة الوجوه فإذا ثبت أنه اشترى نصفها لنفسه ; كان عليه نصف ثمنها ، ونصف ثمنها كان على رب المال ; لأنه اشترى نصفها له بأمره ولو لم تهلك الجارية كانت بينهما نصفين يؤديان من ثمنها ما عليه من الثمن ، والباقي عليهما نصفان ، فإن لم يبع المضارب الجارية ولكنه أعتقها ولا فضل فيها على رأس المال فعتقه جائز في نصفها ; لأنه ملك نصفها بالشراء لنفسه ، فهي بمنزلة جارية بين رجلين أعتقها أحدهما ، وهذا بخلاف العبد المشترك بالمضاربة فإنه مملوك لرب المال إذا لم يكن فيه فضل على رأس المال ، فلا ينفذ عتق المضارب فيه .
ولو دفع إليه ألف درهم مضاربة ، وأمره أن يستدين على المال على أن ما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بينهما : للمضارب ثلثاه ، ولرب المال ثلثه ، فاشترى المضارب بالألف جارية تساوي ألفين ، ثم اشترى على المضاربة غلاما بألف درهم يساوي ألفين فباعهما جميعا بأربعة آلاف ، فإن ثمن الجارية يستوفي منه رب المال رأس ماله ، وما بقي فهو ربح بينهما على ما اشترطا : ثلثاه للمضارب ، وثلثه لرب المال .
وأما ثمن الغلام فيؤدي منه ثمنه ، والباقي بينهما نصفان ; لأن الأمر بالاستدانة كان مطلقا ، فالمشترى بالدين يكون مشتركا بينهما نصفين ، ومع المناصفة بينهما في المشترى لا يصح شرط التفاوت في الربح .
( ألا ترى ) أن رجلين لو اشتركا [ ص: 179 ] بغير مال على أن يشتريا بالدين ويبيعا ، فما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بينهما أثلاثا فاشتريا ، وباعا وربحا كان الربح بينهما نصفين فاشتراطهما الثلثين ، والثلث في الربح يكون لغوا ; لأنه لو صح ذلك استحق أحدهما جزءا من ربح ما ضمنه صاحبه ، وذلك لا يجوز ، فكذلك المضارب إذا أمره رب المال أن يستدين على المضاربة ، وشرط الثلث والثلثين في الربح لا في أصل الاستدانة ، فإن كان أمره أن يستدين على المال على أن ما اشترى بالدين من شيء فلرب المال ثلثه ، وللمضارب ثلثاه على أن ما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بينهما نصفان ، فاشترى المضارب بالمضاربة جارية تساوي ألفين ، واشترى على المضاربة جارية بألف دينا تساوي ألفين ، فباعهما بأربعة آلاف درهم فحصة جارية المضاربة يأخذ منه رب المال رأس ماله : ألف درهم ، والباقي بينهما نصفان على ما اشترطا ، وثمن الجارية المشتراة بالدين بينهما أثلاثا على قدر ملكيهما ; لأنه إنما وكله بالاستدانة على أن يكون ثلث ما يستدين لرب المال ، وثلثاه للمضارب ، فيكون الثمن بينهما على قدر ذلك ، واشتراط المناصفة في الربح في هذا يكون باطلا ; لأن أحدهما يشترط لنفسه ربح ما قد ضمن صاحبه وذلك باطل .
ولو دفع إليه الألف مضاربة على أن ما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بينهما كذلك أيضا ، فاشترى بالمضاربة جارية تساوي ألفين ، ثم اشترى على المضاربة جارية بألف دينار تساوي ألفين فباعهما بأربعة آلاف ، فأما حصة المضاربة فتكون بينهما على شرطهما بعد ما يستوفي رب المال رأس ماله ، وحصة الجارية المشتراة بالدين بينهما ; لأن ضمانها عليهما نصفين ; لإطلاق الأمر بالاستدانة ، فاشتراط كون الربح بينهما أثلاثا بعد المساواة في الضمان يكون باطلا .
وكذلك لو كان أمره أن يستدين على رب المال ; لأن قوله استدن على المضاربة ، وقوله استدن على سواء في المعنى ، وما استدان سواء كان بقدر مال المضاربة ، أو أقل أو أكثر ، فهو بينهما نصفان فربحه ووضيعته بينهما نصفان ، حتى لو هلكت المشتراة بالدين كان ضمان ثمنها عليهما نصفين .
ولو كان أمره أن يستدين على نفسه ، كان ما اشتراه المضارب بالدين له خاصة دون رب المال ; لأنه في الاستدانة على نفسه يستغني عن أمر رب المال فكان وجود أمره فيه وعدمه سواء بخلاف ما إذا أمره أن يستدين على المال أو على رب المال ; لأنه في الاستدانة على رب المال ، أو على المال لا يستغني عن أمر رب المال ، فلا بد من اعتبار أمره في ذلك ، وأمره بالاستدانة على المال كأمره بالاستدانة على رب المال ; لأن ملك المال لرب المال ، والمال محل لقضاء الواجب لا للوجوب فيه ، فالواجب يكون على رب المال ، ثم أمره [ ص: 180 ] بالاستدانة عليه مطلقا يقتضي الشركة بينهما فيما يستدين ، ولا تكون هذه الشركة بطريق المضاربة ; لأن المضاربة لا تصح إلا برأس مال عين ، فكانت هذه الشركة في معنى شركة الوجوه ، فيكون المشترى مشتركا بينهما نصفين ، فلا يصح منهما شرط التفاوت في الربح مع مساواتهما في الملك في المشترى .
ولو كان أمره أن يستدين على المال ، أو على رب المال فاشترى بالمضاربة جارية ، ثم استقرض المضارب ألف درهم على المضاربة ، واشترى بها جارية فهو مشتر لنفسه خاصة ، والقرض عليه خاصة منهم ، من يقول : إن الاستدانة هو الشراء بالنسيئة والاستقراض غيره ؟ فلا يدخل في مطلق الأمر بالاستدانة ، والأصح أن يقول : الأمر بالاستقراض باطل .
( ألا ترى ) أنه لو أمر رجلا أن يستقرض له ألفا من فلان فاستقرضها كما أمره كان الألف للمستقرض دون الآخر وهذا ; لأن القرض مضمون بالمثل في ذمة المستقرض ، وإذا كان البدل في ذمته ; كان المستقرض مملوكا له ، وهو غير محتاج في ذلك إلى أمر الآمر ، وما كان الأمر بالاستقراض إلا نظير الأمر بالتكدي وهو باطل ، وما يحصل للمتكدي يكون له دون الآمر إذا ثبت هذا ، فنقول ما استقرضه المضارب يكون مملوكا له ، فإذا اشترى به جارية فقد أضاف العقد إلى ملك نفسه فكان مشتريا الجارية لنفسه .
ولو دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالثلث ، وأمره أن يعمل في ذلك برأيه ، وأمره أن يستدين على المال ، فاشترى بألف ثيابا فأسلمها إلى صباغ يصبغها صفرا بمائة درهم ، ووصف له شيئا معروفا فصبغها ، ثم إن المضارب باع الثياب مرابحة بألفي درهم ، فإن رب المال يأخذ رأس ماله : ألف درهم ، ويؤدي المضارب أجر الصباغ : مائة درهم ، وما بقي من الربح قسم على أحد عشر سهما : عشرة أسهم من ذلك حصة المضاربة بينهما أثلاثا على الشرط ، وسهم حصة المائة التي بينهما نصفان ; لأنه لما أمره أن يعمل برأيه فقد ملك به خلط مال المضاربة بمال آخر ، والصبغ عين مال قائم في الثوب ، وهو في الصبغ مستدين بأمره ، فلا يصير مخالفا بخلط ما استدان بمال المضاربة ، ثم الثمن في بيع المرابحة يكون مقسوما على الثمن الأول ، وقد كان ثمن ثياب المضاربة ألف درهم ، وثمن الصبغ مائة درهم ، فيحصل من ثمن الباقي رأس مال المضاربة لرب المال ، ويعطي المائة ثمن الصبغ ، والباقي ربح ، فيكون مقسوما على أحد عشر سهما : عشرة من ذلك حصة ربح مال المضاربة ، فيكون بينهما أثلاثا على الشرط ، وسهم من ذلك ربح ما استدان ، فيكون بينهما نصفين ; لاستواء ملكيهما فيما استدان .
ولو كان باع الثياب مساومة قسم الثمن على قيمة الثياب ، وعلى ما زاد الصبغ فيها ; لأن في بيع [ ص: 181 ] المساومة الثمن بمقابلة الملك ، والملك الذي تناوله البيع أصل الثياب ، والصبغ القائم فيها فيقسم الثمن جملة على قيمة الثياب غير مصبوغة ، وعلى ما زاد الصبغ فيها ، فما يخص قيمة الثياب فهو مال المضاربة يعطى منه رب المال رأس ماله ، ويقسم الباقي بينهما أثلاثا على الشرط ، وما أصاب قيمة الصبغ يعطى منه أجر الصباغ مائة درهم ، والباقي بينهما نصفان ; لأنه ربح حصة الاستدانة .
ولو اشترى المضارب بألف المضاربة ثيابا ، واستقرض على المال مائة درهم ، فاشترى بها زعفرانا فصبغ به الثياب ، ثم باعها مرابحة على مال المضاربة ، وعلى ما استقرض بألفي درهم ، فإنها تقسم على أحد عشر سهما : عشرة أسهم منها مال المضاربة على شرطهما ، وسهم للمضارب خاصة ; لأن ما استقرض كان على نفسه خاصة ، وما اشترى به من الزعفران مملوك له ، إلا أنه لا يصير مخالفا إذا صبغ الثياب بها ; لأنه أمره أن يعمل في المال برأيه ، والثمن في بيع المرابحة مقسوم على الثمن الأول ، فيكون على أحد عشر سهما : عشرة أسهم حصة مال المضاربة ، وسهم حصة الصبغ وهو للمضارب خاصة ، فيكون بدله له .
ولو باعها مساومة قسم الثمن على قيمة الثياب ، وعلى ما زاد الصبغ في الثياب ، فما أصاب قيمة الثياب كان على المضاربة ، وما أصاب قيمة الصبغ كان للمضارب ، وكان عليه أداء القرض ; لأن في بيع المساومة الثمن بمقابلة الملك ، فإنما يقسم على قدر الملك .
ولو كان اشترى الزعفران بمائة درهم نسيئة فصبغ الثياب به ، كان هذا والذي كان استأجر الصباغ بمائة ليصبغها سواء في جميع ما ذكرنا ; لأن شراء الزعفران بالنسيئة استدانة ، فينفذ على رب المال وعلى المستدين ، ويكون الصبغ مشتركا بينهما نصفين ، فهو ومسألة استئجار الصباغ لنصفها سواء .
ولو خرج المضارب بالمال إلى مصر فاشترى بها كلها ثيابا ثم ، استكرى عليها بغالا بمائة درهم فجعله إلى مصره ، فله أن يبيعها مرابحة على ألف ومائة ; لأن الكراء مما جرى الرسم به بين التجار بإلحاقه برأس المال ، وقد بينا في البيوع إنما جرى العرف به بين التجار في إلحاقه برأس المال فله أن يلحقه به في بيع المرابحة ، وعلى هذا أجر السمسار ، فإن باعه مرابحة بألفي درهم كانت حصة المضارب من ذلك من كل أحد عشر سهما عشرة أسهم بينهما على شرطهما ، وحصة الكراء سهم واحد بينهما نصفان ; لأن الثمن في بيع المرابحة مقسوم على رأس المال الأول ، وذلك ألف درهم التي غرمها في شراء الثياب ، والمائة التي غرمها في الكراء ، فإذا جعلت كل مائة سهما ، كان على أحد عشر سهما : سهم من ذلك حصة الكراء وهو استدانة فيكون بينهما نصفين .
ولو باعها مساومة كان جميع الثمن في المضاربة على الشرط بينهما ; لأن الثمن في بيع [ ص: 182 ] المساومة بمقابلة الملك ، والملك الذي تناوله البيع الثياب دون منفعة الحمل من مصر إلى مصر ، وقد كان جميع الثياب على المضاربة ، فيكون الثمن كله في المضاربة على الشرط بينهما ، بخلاف ما تقدم من مسألة الصبغ ; لأن الصبغ عين مال قائم في الثوب يتناوله البيع ، ثم غرم الكراء على المضارب ورب المال نصفان ; لأن المضارب كان مستدينا فيها بأمر رب المال ، ففعله كفعلهما جميعا ; فلهذا كان غرم الكل عليهما نصفين .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|