
15-12-2025, 10:15 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,651
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى عشر
صـــ 82 الى صـــ 91
(256)
قال : ( وإن عوض من نصف الهبة شيئا كان له أن يرجع فيما بقي اعتبارا للبعض بالكل ) وهذا ; لأن التعويض مما يحتمل التحري في الموهوب فإذا أضاف العوض إلى بعض الهبة اقتصر حكمه عليه - بخلاف الطلاق والنكاح ; فإنه لا يحتمل التحري في المحل - ويجوز أن يثبت حق الرجوع في النصف دون النصف ابتداء ، كما لو وهب منه النصف ، وتصدق عليه بالنصف . فلأن يجوز ذلك بقاء أولى ، .
قال : ( وليس للواهب أن يرجع في هبته عند غير قاض ، إلا أن يرد عليه الموهوب له ; فيجوز ) ; لما بينا أن الرجوع في الهبة مختلف فيه بين العلماء رحمهم الله منهم من رأى ، ومنهم من أبى . وفي أصله وهي فيكون الفصل بينهما في القضاء والرضا ; لأن الواهب إن كان يطالب بحقه فالموهوب له يمنع ملكه ، والملك مطلق له ذلك ، فلا بد من اعتبار قضاء القاضي بينهما
قال : ( ولو كانت الهبة عبدا ، فباعه الموهوب له أو أعتقه ، قبل أن يقضي به القاضي للواهب أجاز ما صنع الموهوب له فيه من ذلك ) ; لأن ملكه قائم ، ما لم يقض القاضي عليه بالرجوع ، والملك في المحل منفذ للبيع فيه ، والعتق إذا صدر من أهله في محله ينفذ ، ولا يجوز ذلك إن فعله بعد قضاء القاضي عليه بالرد قبل أن يرده ; لأن بقضاء القاضي عاد العبد إلى ملك الواهب ، وتصرف ذي اليد في ملك الغير لا يكون نافذا ، إلا أن يجيز المالك ، قال : ( وإن مات في يد الموهوب له قبل أن يقبضه الواهب بعد ما قضى القاضي له : لم يكن للواهب أن يضمنه قيمته ) ; لأن أصل قبضه لم يكن موجبا ضمان المقبوض عليه ، واستدامة الشيء معتبر بأصله ، وكذلك منعه قبل قضاء القاضي منع بسبب ملكه ; فلا يكون موجبا للضمان عليه ، ولم يوجد بعد القضاء في الموهوب سبب موجب للضمان عليه ، والضمان لا يجب بدون السبب ، إلا أن يكون منعه بعد القضاء ، وقد طلب منه الواهب .
فهذا المنع يتقرر بسبب الضمان - وهو قصر يد المالك عن ملكه بإزالة تمكنه من أخذه - وهو حد الغصب الموجب للضمان .
قال : ( فإن كانت الهبة هالكة ، أو مستهلكة ، أو خارجة من ملك الموهوب له إلى ولده الصغير أو [ ص: 83 ] إلى أجنبي بهبة ، أو غيرها ، أو زادت عنده خيرا : فلا رجوع فيها للواهب ) . ، وقد بينا هذه الموانع ، والفرق بين زيادة العين ، وزيادة السعر ، وبين الزيادة في البدن ، والنقصان في حكم الرجوع . قال : ( وإن كانت الهبة دارا ، أو أرضا فبنى في طائفة منها ، أو غرس شجرا ، أو كانت جارية صغيرة فكبرت ، وازدادت خيرا ، أو كان غلاما فصار رجلا ، فلا رجوع له في شيء من ذلك ) ، وقال ابن أبي ليلى له أن يرجع في جميع ذلك ; لأن حق الرجوع كان ثابتا في الأصل فيثبت في البيع فإن ثبوت الحكم في البيع بثبوته في الأصل ولا يجوز أن يبطل الحكم الثابت في الأصل بسبب المنع ، ولكنا نقول : حق الرجوع للواهب مقصور على الموهوب بعينه ، فلا يثبت فيما ليس بموهوب - تبعا كان أو أصلا - وهنا الحق في الأصل ضعيف ، وحق صاحب الزيادة في الزيادة قوي . فإذا تعذر التمييز بينهما : رجحنا أقوى الحقين ، وجعلنا الضعيف مرفوعا بالقوي . والبناء في بعض الأرض كالبناء في جميعها ; لأن البناء في جانب من الأرض يعد زيادة في جميع الأرض ; ألا ترى أنه يزداد به مالية الكل ، وهذا إذا كان ما بني بحيث يعد زيادة ، فإن كان لا يعد زيادة - كالآري - أو يعد نقصانا - كالتنور في الكاشانة - ; فإنه لا يمنع الرجوع ; لانعدام المانع ، وهو زيادة مالية الموهوب بزيادة في عينه .
قال : ( وإن كانت الهبة دارا فهدم بناءها : كان له أن يرجع في الأرض ) وكذلك في غير الدار إذا استهلك بعض الهبة ببيع ، أو غيره ، وبقي بعضها كان له أن يرجع في الباقي - اعتبارا للبعض بالكل - ; وهذا لأن ما فعله من هدم البناء نقصان في الأرض ، وليس بزيادة .
قال : ( وإن كانت الهبة ثوبا فصبغه أحمر ، أو أصفر ، وخاطه لم يكن له أن يرجع فيه ) ; لأن ما فعله زيادة وصف قائم في العين ، ولو قطعه ، ولم يخطه فله أن يرجع فيه ; لأن القطع قبل الخياط نقصان ، ولم يذكر ما لو صبغه أسود ( والجواب ) : أن عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى له أن يرجع فيه ; لأن السواد عنده نقصان ، وعندهما : ليس له أن يرجع ، وقد بينا المسألة في كتاب الغصب .
قال : ( وإذا وهب دينا له عليه ، فقبله : لم يكن له أن يرجع فيه ) ; لأنه سقط عنه ; فإنه قابض للدين بذمته ، فيملك بالقبول ، ومن ملك دينا عليه : سقط ذلك عنه ، والساقط يكون متلاشيا ، فلا يتحقق الرجوع فيه - كما لو كان عينا فهلك عنده - قال : ( فإن قال الموهوب له مكانها : لا أقبلها ، فالدين عليه بحاله ) ، والحاصل أن هبة الدين ممن عليه الدين لا تتم إلا بالقبول والإبراء يتم من غير قبول ، ولكن للمديون حق الرد قبل موته إن شاء الله ، وعن زفر رحمه الله أنه يسوي بينهما ، وقال : تتم الهبة والإبراء قبل القبول بناء على أصله ، أنه [ ص: 84 ] يعتبر ما هو المقصود ، والمقصود في الوجهين : الإسقاط دون التمليك ; لأن ما في الذمة ليس بمحل للتمليك ، ولكنه مجرد مطالبة يحتمل الإسقاط ، ولكن عند زفر رحمه الله إن رده المديون صح رده في الوجهين جميعا ، وكان ابن شجاع رحمه الله يقول : لا يعمل رده ; لأن الإسقاط يتم بالمسقط ، والمسقط يكون متلاشيا فلا يتصور فيه الرد ، وقاس ذلك بالطلاق والعتاق ، والعفو عن القصاص ، ولكنا نقول : الدين مملوك للطالب في ذمة المديون فيكون قابلا للتملك بملك العين ، ويجعل ذلك في الحكم كأنه ذلك الدين - خصوصا في السلم والصرف - فإذا ثبت أنه قابل للتمليك - والهبة عقد تمليك - فإذا ذكر لفظ الهبة ، وجب اعتبار معنى التمليك فيه ، والتمليك لا يتم بالملك قبل قبول الآخر ; لأن أحدا لا يملك إدخال الشيء في ملك غيره ، قصدا من غير قبوله .
وهو محتمل للإسقاط أيضا ; لأنه في الحقيقة ليس إلا مجرد حق المطالبة ، وإبراء إسقاط ، إذا ذكر لفظ الإبراء ، وكان تصرفه إسقاطا - والإسقاط تصرف من المسقط في خالص حقه - ; فلهذا يتم بنفسه ، ولكنه يتضمن معنى التمليك من وجه ; لما بينا أن الدين مملوك في ذمته ; فإنما يسقط عنه إذا ملكه ، فلاعتبار هذا المعنى قلنا : له إن يرده بخلاف الطلاق ، والعتاق ; فإنه إسقاط محض لا يتضمن معنى التمليك ، حتى إن الإبراء لو كان إسقاطا محضا لم يرتد بالرد أيضا ، وهو إبراء الكفيل ; فإنه إسقاط محض لأن الدين يبقى على الأصل على حاله فلا يرتد برد الكفيل - والهبة من الكفيل تمليك منه - حتى يرجع على المكفول عنه ، فلا يتم إلا بقبوله . فإن كان الموهوب له غائبا ، ولم يعلم بالهبة ، حتى مات : جازت الهبة ، وبريء مما عليه ، وهذا الاستحسان . فأما في القياس : لا يبرأ ، فأصله في الموصى له ، إذا مات بعد موت الموصي قبل قبوله ، في القياس : تبطل الوصية ; لأنه قبل القبول لم يملك وإنما يخلفه وارثه في ملكه بعد موته . وفي الاستحسان : جعل موته بمنزلة القبول ، فكذلك هنا في الاستحسان يجعل موت الموهوب له بمنزلة قبوله قال : ( وإن وهبه له ، وهو معه قائم فسكتا حتى افترقا : جازت الهبة ) ، وهذا استحسان أيضا فإن سكوته عن الرد دليل على رضاه بالهبة منه عرفا ، ودليل الرضا كصريح الرضا ; ألا ترى أن السكوت من البكر جعل إجازة لعقد الولي - استحسانا - ، فهذا مثله . ومن مشايخنا رحمهم الله من بنى الجواب في هذا الفصل على الظاهر ، ويقول : هبة الدين ممن عليه الدين بمنزلة الإبراء يتم بنفسه من غير قبول ، وإن كان له حق الرد فيها ، فالموت قبل الرد يبطل حقه في الرد ويبقى تاما في نفسه ، وكذلك بالسكوت حتى افترقا ينعدم الرد فتبقى الهبة تامة ولكن الأول ، وهو الفرق بين الهبة والإبراء من حيث المعنى أصح ، ويتضح ذلك [ ص: 85 ] في الفرق بين إبراء الكفيل ، وبين هبة الدين منه .
قال : ( رجل وهب لرجل هبة ، وقبضها الموهوب له ، ثم وهبها الموهوب له لآخر وسلمها إليه ، ثم رجع فيها ، أو ردها عليه الآخر فللواهب الأول أن يرجع فيها ) . أما إذا رجع فيها بقضاء القاضي فلأن القاضي يفسخ بقضائه العقد الثاني فيعود إلى الأول ملكه المستفاد بالهبة من الأول ، وقد كان حق الرجوع ثابتا له في ذلك الملك ، وما سقط بزواله تعذر استيفاؤه ; لانعدام محله فإذا عاد المحل كما كان عاد حقه في الرجوع ، وإن رده عليه بغير قضاء القاضي فكذلك عندنا . وقال زفر رحمه الله : ليس للأول أن يرجع ; لأن هذا ملك حادث له ثابت بتراضيهما ، فهو بمنزلة ما لو وهبه له ابتداء ، أو تصدق به عليه ، أو أوصى به له أو مات فورثه ، والدليل عليه أنه لو رده في مرضه بغير قضاء ، ومات من ذلك المرض اعتبر من ثلثه ، والدليل على الفرق بين القضاء والرضا : الرد بالعيب ، فإنه إذا كان بقضاء القاضي : كان فسخا ، وإن كان بغير قضاء : فهو كالبيع المبتدإ ، ولكنا نقول حق بقضاء القاضي كان فسخا ، وإن كان بغير قضاء فهو كالبيع المبتدإ ، ولكنا نقول : حق الواهب في الرجوع مقصور على العين ، وفي مثله القضاء ، وغير القضاء سواء كالأخذ بالشفعة ، وهذا لأنهما فعلا بدون القاضي عين ما يأمر به القاضي ، أن لو رفعا الأمر إليه ، وإنما يكون التراضي موجبا ملكا مبتدأ إذا تراضيا على سبب موجب للملك منه : كالهبة ، والصدقة ، والوصية ، وهنا تراضيا على دفع السبب الأول ، وذلك لا يصح موجبا ملكا مبتدأ - بخلاف الرد بالعيب - فحق المشتري ليس في عين الرد ، بل بالمطالبة في الجزء الثابت ; ولهذا لو تعذر الرد رجع بحصة العيب من الثمن .
وهنا حق الواهب في فسخ العقد مقصور على العين . قال : ( وإذا رجع في مرض الموهوب له ففيه روايتان - كلاهما في الكتاب - ) ، في إحدى الروايتين قال : يعتبر من جميع ماله وذكر ابن سماعة فيه القياس . والاستحسان في القياس : يعتبر من جميع ماله ، وفي الاستحسان يعتبر من الثلث ; لا لأنه تمليك ابتداء ، ولكن الراد في مرضه باختياره يتم بالقصد إلى إبطال حق الورثة ، كما تعلق حقهم به ، فلرد قصده جعل معتبرا من ثلثه .
قال : ( رجل وهب عبدا لرجلين : فله أن يرجع في نصيب أحدهما ، وكذلك إن جعل نصيب أحدهما هبة ، ونصيب الآخر صدقة : كان له أن يرجع في الهبة - اعتبارا للجزء بالكل - ) . وهذا في العبد غير مشكل ; فإن الشيوع فيما لا يحتمل القسمة لا يمنع ابتداء الهبة ، فكذلك الرجوع . وفيما يحتمل القسمة كالدار ، ونحوها : الجواب كذلك ، وهو دليلنا على زفر ; فإن الرجوع بغير قضاء القاضي لو كان بمنزلة الهبة ابتداء لما صح في مشاع يحتمل القسمة ، وحيث صح ، عرفنا أنه فسخ ، وأن العقد يبقى في النصف الآخر ; فيكون [ ص: 86 ] ذلك شيوعا طارئا ، ولا أثر للشيوع الطارئ في الهبة .
والدليل عليه : أن بالرد بالتراضي يعود الملك إلى الواهب قبل القبض ، وابتداء الهبة لا يوجب الملك إلا بالقبض ، وهو الدليل على أن الشيوع لا يمنع منه ; لأن تأثير الشيوع في المنع من إتمام القبض ، فلا يؤثر فيما لا يشترط فيه القبض .
قال : ( فإن وهب لمكاتب رجل هبة ، ثم عتق المكاتب أو عجز : فله أن يرجع في الهبة ، في قول أبي يوسف ) ، وقال محمد : فله أن يرجع فيها إذ أعتق ، وليس له أن يرجع فيها إذا عجز ، فلا خلاف أن قبل العتق ، والعجز له أن يرجع فيها ، وفيه نوع إشكال : فالمكاتب فقير ، والهبة من الفقير صدقة ولا رجوع فيها ، قال : ( ولكنا نقول : المكاتب فقير ملكا ، ولكنه غني يدا وكسبا ; فالهبة منه لا تنفك عن قصد العوض ، إما بمنافعه ، أو كسبه - كالهبة من العبد - فله أن يرجع فيها إذا لم ينل العوض ) ، وكذلك بعد العتق ; لأن حق الرجوع ثبت له في ملك المكاتب ، فقد تقرر ذلك بعتقه . فأما إذا عجز : فالأصل عند أبي يوسف إن عجز المكاتب : يقرر ملك المولى في كسبه كما أن عتقه يقرر ملكه ; لأن لكل واحد منهما حق الملك في الكسب ، وعند محمد عجز المكاتب ناقل للملك من كسبه إلى مولاه بمنزلة موت الحر ، فكما أن موت الحر الموهوب له يقطع حق الواهب في الرجوع ، فكذلك عجز المكاتب .
والدليل على الفرق : أن المكاتب إذا استبرأ جارية محيضة ، ثم عتق فليس عليه فيها استبراء جديد ، ولو عجز كان على المولى أن يستبرئها . وسنقرر هذا الأصل في كتاب الإجارات - إن شاء الله تعالى - .
قال : ( فإن كان المكاتب أخ الواهب : لم يرجع فيها في حال قيام الكتابة ، ولا بعد عتقه ) ; لأن الحق للمكاتب ، والمانع من الرجوع - وهو الأخوة بينهما - قائم ، وبعد العجز كذلك عند محمد رحمه الله ، وعند أبي يوسف يرجع فيها بعد العجز ; لأنه يقرر الملك للمولى ، والمولى أجنبي عنه . وقد بينا أنه لو وهب لأخيه ، وهو عبد : كان له أن يرجع فيها والمكاتب بعد العجز بمنزلة العبد . وكان أبو يوسف يعتبر معنى قطيعة الرحم بسبب المنازعة في الرجوع ; فيقول : قبل العجز خصومته في الرجوع مع المكاتب ; فيؤدي إلى قطيعة الرحم ، وبعد العجز خصومته مع المولى ، وليس فيه قطيعة الرحم ; ولأن هبته تنفك عن قصد العوض ما دام الحق فيها لقريبه ، فإذا تقرر الحق لأجنبي : لم ينفك عن قصد العوض .
قال : ( رجل وهب لرجل أرضا فبنى فيها الموهوب له ، ثم أراد الرجوع فيها ، وخاصمه إلى القاضي فقال له القاضي : ليس لك أن ترجع فيها ، ثم هدمها الموهوب له ، فعادت كما كانت : فللواهب أن يرجع فيها ; لزوال المانع - وهو البناء - ) . وفرق بين هذا وبين ما إذا اشترى عبدا على أنه بالخيار ثلاثة أيام ، فحم العبد في الأيام [ ص: 87 ] الثلاثة ، وخاصمه في الرد فأبطل القاضي حقه ; للحمى ، ثم أقلعت قبل مضي الأيام الثلاثة : ليس له أن يرده ; لأن هناك حقه في الخيار بعرض السقوط ، حتى يسقط بإسقاطه ; فكذلك يسقط بقضاء القاضي . وهنا : حق الواهب في الرجوع ليس بعرض السقوط ; حتى لا يسقط بإسقاطه ، فكذلك القاضي لا يسقط بقضائه حقه في الرجوع ، ولكن يكف عن القضاء بالرجوع ; لتعذر ذلك بسبب البناء ، فإذا زال ذلك ، فقد زال المانع ، وحقه قائم ، وكان له الرجوع فيها . يوضحه : أن السبب هناك للفسخ عدم لزوم العقد ، فبقضائه يصير لازما ; لأن صفة اللزوم تليق بالبيع ، وهنا : السبب : كون العقد تبرعا ، ويمكن الخلل في مقصوده ، وهو العوض ، وبقضائه لا يرتفع هذا السبب ، فكان له أن يرجع إذا زال المانع .
قال : ( رجلان وهبا لرجل عبدا ، وقبضه ، ثم أراد أحدهما أن يرجع في حصته ، والآخر غائب : فله ذلك ) ; لأن كل واحد منهما مباشر للتصرف في نصيب نفسه ، فيكون متمكنا من الرجوع فيه - كما لو انفرد بهبة نصيبه - .
قال : ( وإذا أراد الواهب الرجوع في الهبة ، وقال الموهوب له : أنا أخوك ، أو قال : قد عوضتك ، أو قال : إنما تصدقت بها علي ، وكذبه الواهب : فالقول قول الواهب ) ; لأن السبب المثبت لحق الواهب في الرجوع ظاهر ، والموهوب له يدعي المانع ; فالقول فيه قول المنكر ، ثم إذا قال : " تصدقت علي " فالتمليك من جهة الواهب اتفاقهما ، والقول قول المملك في بيان سبب التمليك ، وإذا قال : " عوضتك " فهو يدعي تسليم شيء من ماله إليه ، وهو منكر . وإذا قال : أنا أخوك فالأخوة لا تثبت بمجرد دعواه ، ولا يتبين به أنه لم يكن قصد الواهب العوض .
قال : ( وإن كانت الهبة خادمة فقال : وهبتها لي ، وهي صغيرة ، فكبرت عندي ، وازدادت خيرا ، وكذبه الواهب : فالقول قول الواهب - عندنا - ) ، وقال زفر القول قول الموهوب له ; لأنه مالك لها في الحال ، وهو منكر حق الواهب في الزيادة الحادثة فيها ، فيكون القول قوله . كما إذا كان الموهوب أرضا ، وفيها بناء ، أو شجر ، وقال الواهب : وهبتها لك ، وقال الموهوب له : لم يكن فيها بناء ولا شجر حين وهبتها : فالقول قول الموهوب له . ولكنا نقول : الموهوب له يدعي تاريخا سابقا في الهبة ، والهبة حادثة ، فمن يدعي فيها تاريخا سابقا : لا يقبل قوله إلا بحجة ، ثم ليس فيها زيادة من غيرها ، وحق الواهب ثابت في عينها - باتفاقهما - فكأن الموهوب له يدعي انتفاء حقه من الزيادة المتولدة من العين - مثل السمن والكبر - بخلاف البناء والشجر ; فإنه غير متولد من الأرض ، ولكنه ملك مبتدأ للموهوب له في الحال ، وهو ينكر تملكه من جهة الواهب ، وثبوت حقه فيه يوضح الفرق أن البناء من وجه أصل ، حتى يجوز إفراده بالبيع ، [ ص: 88 ] فالظاهر فيه شاهد للموهوب له دون الواهب ، والسمن والكبر وصف ، وهو بيع محض ، وثبوت الحق في البيع بثبوته في الأصل ، فكان الظاهر شاهدا للواهب . وذكر في اختلاف زفر ويعقوب رحمهما الله : لو وهب له عبدا ، فعلمه الموهوب له الكتابة أو الخبز ; فليس للواهب أن يرجع فيه ، عند أبي يوسف . وقال زفر : له أن يرجع ; لأنه لا زيادة في عين الموهوب ، فهو كزيادة القيمة بتغيير السعر .
وقال أبو يوسف رحمه الله : تعلم الكتابة والخبز معني في العبد تزداد به ماليته ، فهو بمنزلة السمن ، بخلاف زيادة السعر ; فإن ذلك ينبني على كثرة الرغائب فيه ، إلا أن يكون معني في العين . والدليل عليه : أن صفة الكتابة والخبز يصير مستحقا للمشتري بالشرط ، ويثبت له الخيار عند فواته بمنزلة صفة السلامة عند إطلاق العقد . فبه يتبين أنه وصف في العين ، وكل شيء زاد فيه من غيره - نحو الثوب يصبغه ، والسويق يلته ، والثوب يخيطه - فالقول فيه قول الموهوب له ، بمنزلة البناء والغرس . وأما ما كان من حيوان : فالقول فيه قول الواهب بمنزلة الكبر في الخادم .
قال : ( وإذا كانت الهبة جارية فولدت عند الموهوب له - من زوج أو فجور - فللواهب أن يرجع فيها دون الولد ) ; لأن الولد ليس بموهوب ، وحق الرجوع مقصور على عين الموهوب ، والولادة في الجارية نقصان . وقد بينا أن النقصان لا يمنع الرجوع ، والزيادة المنفصلة ليست كالزيادة المتصلة ; لأن الأصل هناك لا يتميز عن الزيادة ، ليرجع فيها ، وهنا : الزيادة منفصلة عن الأصل ; فله أن يرجع فيه . وهذا بخلاف البيع ; فإن بعد الزيادة المنفصلة هناك لو رد الأصل ردها بجميع الثمن فيسلم له الولد مجانا بحكم عقد المعاوضة ، وذلك في المعاوضات ربا ، وفي الهبة يسلم له الولد مجانا ، وهذا غير ممتنع في التبرعات ، وقد كان الأصل سالما له مجانا . قال : ( وإذا أراد الواهب الرجوع ، وهي حبلى ، فإن كانت قد ازدادت خيرا : فليس له أن يرجع فيها ، وإن كانت قد ازدادت شرا : فله أن يرجع فيها ) . والجواري في هذا تختلف فمنهن من إذا حبلت سمنت وحسن لونها ، فكان ذلك زيادة في عينها فيمنع الرجوع . ومنهن من إذا حبلت اصفر لونها ، ورق ساقها ; فيكون ذلك نقصانا فيها ; فلا يمنع حق الواهب من الرجوع .
قال : ( وإذا وهب جاريتين ، فولدت إحداهما ، فعوضه الولد عنهما : لم يكن له أن يرجع في واحدة منهما ) ; لأنه لا حق للواهب في الولد ; فهو كسائر أملاك الموهوب له في صلاحية العوض . فإذا عوضه عنهما ، ورضي به الواهب ، فقد تم مقصوده .
قال : ( وإن وهب له حديدا فضرب منه سيفا أو غزلا ، فنسجه ، أو وهب له دفاتر ، فكتب فيها : لم يكن له أن يرجع فيها في شيء من ذلك أبدا ) ; إما لتبدل العين ، أو للزيادة [ ص: 89 ] الحادثة في العين ، أو في ماليته بفعله ; فإن ذلك مانع من الرجوع ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم بالصواب
باب الرقبى قال : ( رجل حضره الموت فقال : " داري هذه حبيس " : لم تكن حبيسا ، وكان ذلك ميراثا ) ; لأن قوله " حبيس " أي : محبوس ، فعيل بمعنى مفعول ، كالقتيل بمعنى المقتول ، ومعناه : محبوس عن سهام الورثة ، وسهام الورثة في ماله بعد موته حكم ثابت بالنص ، فلا يتمكن من إبطاله بقوله . وهو معنى قول شريح : لا حبيس عن فرائض الله - تعالى - وجاء محمد - صلى الله عليه وسلم - ببيع الحبيس .
وكذلك إن قال : داري هذه حبيس على عقبي بعد موتي : فهو باطل ; لأن معناه محبوس على ملكهم لا يتصرفون فيه بالإزالة ، كما يفعله المالك ، وهو مخالف لحكم الشرع ; فكان باطلا . قال : ( ولو قال داري هذه لك رقبى : فهو باطل في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وقال أبو يوسف رحمه الله : هي هبة صحيحة إذا قبضها ، وكذلك لو قال : لك حبيس ) ، فأبو يوسف استدل بحديث ابن الزبير عن جابر رضي الله عنهما { أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاز العمرى والرقبى . } والمعنى فيه : أن قوله : " داري لك تمليك " صحيح . وقوله : " حبيس أو رقبى " باطل . فكأنه لم يذكر ذلك . يوضحه : أن معنى قوله : داري لك رقبى ، ملكتك داري هذه ، فأرقب موتك ; لتعود إلي ، فيكون بمنزلة العمرى في معنى الانتظار والتعليق بالعود إليه دون التمليك ، فيبقى التمليك في الحال صحيحا . وحجتهما في ذلك : حديث الشعبي عن شريح رحمهما الله { أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاز العمرى ، ورد الرقبى } ، والحديثان صحيحان ; فلا بد من التوفيق بينهما ، فنقول : الرقبى قد تكون من الإرقاب ، وقد تكون من الترقب ، حيث قال : أجاز الرقبى ، يعني : إذا كان من الإرقاب ، بأن يقول : رقبة داري لك . وحيث قال : رد الرقبى إذا كان من الترقب ، وهو أن يقول : أراقب موتك ، فراقب موتي ، فإن مت فهي لك ، وإن مت فهي لي ; فيكون هذا تعليق التمليك بالخطر ، وهو موت المملك قبله ، وذلك باطل ، ثم لما احتمل المعنيان جميعا ، والملك لذي اليد فيها يقينا ، فلا يزيله بالشك ، وإنما يكون قوله : " داري لك " تمليكا ، إذا لم يفسر هذه الإضافة بشيء .
أما إذا فسرها بقوله : رقبى أو حبيس ، يتبين أنه ليس بتمليك ، كما لو قال : داري لك سكنى تكون عارية ; وهذا لأن الكلام المبهم إذا تعقبه تفسير ، فالحكم لذلك التفسير .
قال : ( رجل قال لرجلين : عبدي هذا لأطولكما حياة ، أو حبيس على أطولكما حياة ; فهذا باطل ) ; لأنه لا يراد بهذا اللفظ طول الحياة فيما مضى ، حتى لو كان أحدهما شابا والآخر [ ص: 90 ] شيخا لا يتعين الشيخ بالتمليك منه بهذا اللفظ ولكن المراد : طول الحياة في المستقبل . معناه : للذي يبقى منكما بعد موت الآخر ، فهو تعليق التمليك بالخطر ، وهو معنى الرقبى ، من حيث إنه يأمر كل واحد منهما أن يراقب موت صاحبه ; لتكون الدار له وذلك باطل ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم .
باب الشهادة في الهبة قال : ( وإذا شهد شاهدان على الهبة ومعاينة القبض : جازت الهبة ) ; لأن الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ، والهبة مع القبض سبب ملك تام ، وإن شهدا على إقرار الواهب بالقبض ، وهو يجحده لم تجز شهادتهما في قول أبي حنيفة الأول ، ثم رجع فقال : الشهادة جائرة ، وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله .
والصدقة والرهن على الخلاف أيضا . وجه قوله الأول : إن تمام هذه العقود بقبض يوجد ، وهو فعل لا قول ، والإقرار يحتمل الصدق والكذب ، والمخبر به إذا كان كذبا ، فبالإخبار لا يصير صدقا ، وما لم يكن موجودا من القبض ، فبإقراره لا يصير موجودا ، فظهر أن هذه الشهادة ليست بما هو سبب ملك تام . وجه قوله الآخر : أن القبض في هذه العقود لا يكون أقوى من القتل والغصب ، ثم فعل القتل والغصب كما يثبت بالشهادة على معاينته ، يثبت بالشهادة على الإقرار به ; وهذا لأن الثابت من الإقرار بالبينة كالمسموع من المقر في مجلس الحكم ، ولو أقر الخصم بأنه وهبه وسلمه إليه : قضي بالملك له . فكذلك إذا ثبت إقراره بالبينة .
قال : ( وإن كان العبد في يد الموهوب له ، فشهد على إقرار الواهب بالهبة ، والقبض : جازت الشهادة ، كما لو سمع القاضي إقراره بذلك . وكذلك إن كان العبد في يد الواهب فأقر عند القاضي أنه وهبه منه ، وسلمه إليه أخذ بإقراره ) ; لأن كون العبد في يده لا ينافي ما أقر به من الهبة ، وقبض الموهوب والمقر يعامل في حق نفسه كأن ما أقر به حق . وفرق أبو حنيفة - على القول الأول - بين ما إذا أقر بنفسه ، وبين ما إذا شهد الشهود على إقراره ; لأن الإقرار موجب بنفسه من غير قضاء ، والشهادة لا توجب إلا بقضاء القاضي ، والقاضي لا يقضي إلا أن يشهدوا بسبب ملك تام .
قال : ( وإذا استودع الرجل رجلا وديعة ، ثم وهبها له ، ثم جحده فشهد بذلك عليه شاهدان ، ولم يشهدا بالقبض : فهو جائز ) ; لأن العقد يثبت بالبينة ، وقبضه معلوم بالمعاينة ; فيتم به سبب الملك . قال : ( فإن جحد الواهب أن تكون في يده يومئذ ، وقد شهد الشهود على الهبة ، ولم يشهدوا على معاينة القبض ، ولا على إقرار الواهب ، والهبة في يد الموهوب له يوم [ ص: 91 ] تخاصم إلى القاضي : فذلك جائز ، إذا كان الواهب حيا ) ; لأنه في الحال قابض ، وقد أثبت عقده بالبينة ; فيجعل قبضه صادرا عن ذلك العقد ; لأن القبض حكم العقد ، أو متمم للعقد الذي هو سبب الملك ، والثابت من العقد بالبينة كالثابت معاينة ، فكما يجعل القبض هناك متمما للسبب ، فكذلك هنا ، ولكن هذا إذا كان الواهب حيا ، فإن كان ميتا فشهادتهما باطلة ; لأن الملك في الحال للوارث ، فلا يكون إثبات العقد على الواهب بعد موته سببا للملك ; ألا ترى أنه ما دام الواهب حيا ، إذا قبض الموهوب بإذنه تتم الهبة ، ويملكه بعد موته لا يملكه بالقبض ، وإن كان قد أذن له في ذلك ، إلا أن يشهدا على أنها كانت في يده في حياة الواهب ، أو على إقرار الواهب بذلك ، فحينئذ يثبت الملك للموهوب له ; لأن الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة .
قال : ( رجل وهب لرجل عبدا ، وقبضه الموهوب له ، ثم جاء رجل وأقام البينة أنه كان اشتراه من الواهب قبل الهبة والقبض : أبطلت الهبة ) ; لأنه أثبت الشراء من المالك ، والشراء يوجب الملك بنفسه ; فتبين به أنه وهب ، وسلم ما لا يملك ، قال : ( فإن شهدوا على الشراء ، ولم يذكروا أنه كان قبل الهبة : فهو للموهوب له ) ; لأنه في يده ، والاستحقاق له ثابت ، باعتبار يده ، وليس في هذه الهبة ما يوجب الاستحقاق عليه ; لأن شراءه محتمل ; فإنه لو كان قبل الهبة ثبت استحقاقه ، وإن كان بعد الهبة لا يثبت ، وبالاحتمال لا يثبت الاستحقاق ، وكذلك إن أرخ شهود الشراء شهرا أو سنة ; لأن اليد للموهوب له معاين ، وهو دليل سبق عقده ; فإن تمكنه من القبض دليل يدل على ذلك ، والتأريخ في حق الآخر مشهود به ، وليس الخبر كالمعاينة ، فإن كان العبد في يد الواهب ، فأقام الموهوب له البينة أنه وهبه له ، وقبضه قبل الشراء ، وأقام المشتري البينة أنه اشتراه قبل الهبة وقبضه : فالعبد لصاحب الشراء ; لأن سبب ملكه أقوى ، من حيث إن الشراء يوجب الملك بنفسه ، وأنه عقد ضمان ، وأنه يوجب الملك في البدلين ، وعند المعاوضة يترجح أقوى السببين فإن الضعيف مدفوع بالقوي ، ولا يظهر عند المقابلة بالقوي .
قال : ( رجل وهب لرجل متاعا ، ثم قال : إنما كنت استودعتك فالقول قول صاحب المتاع مع اليمين ) ; لأن المستودع يدعي تملك العين عليه بسبب ، وهو منكر ، فعليه أن يثبت السبب بالبينة ، والقول قول المنكر مع اليمين ، فإذا حلف أخذ المتاع . وإن وجده هالكا : فإن كان قد هلك بعد ما ادعى المستودع الهبة فهو ضامن للقيمة ; لأنه بدعوى التملك بالهبة يكون جاحدا للوديعة ، والمودع يضمن الوديعة بالجحود ; ولأنه صار مفوتا لليد الحكيمة التي كانت للمودع حين زعم أنه قابض لنفسه متملك فكان ضامنا القيمة ; لهذا [ ص: 92 ] فإن قيل ) : هذا أن لو ثبت الإيداع ، ( قلنا ) : لا حاجة إلى ذلك بقبض مال الغير لنفسه على وجه التملك موجب للضمان إلا أن يثبت تمليك من صاحبه إياه ، ولم يثبت ذلك ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|