عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 15-12-2025, 03:39 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,047
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر

صـــ 252 الى صـــ 256
(247)






قال : ( فإن رمى صيدا بسهم فأصاب فمر السهم في سننه فأصاب ذلك الصيد أو غيره أو أصابه ونفذ إلى غيره فأصابه حل جميع ذلك ) لما بينا أن فعل الرمي يذكي لما يصيبه في سننه ، سواء أصاب صيدا أو صيدين ، وإن عرض للسهم ريح فرده إلى ما وراءه فأصاب صيدا لم يؤكل . لأن الإصابة لم تكن بقوة الرامي بل بقوة الريح فهو نظير سهم موضوع في موضع حمله الريح فضربه على صيد فمات ، وفعل الريح لا يكون ذكاة الصيد ، وكذلك إن رده يمنة أو يسرة حتى إذا أصاب صيدا لم يحل ، وإن لم يرده عن جهته حل صيده ; لأنه ما دام يمضي في سننه فمضيه مضاف إلى قوة الرامي ، فأما إذا رده الريح يمنة أو يسرة فقد انقطع حكم هذه الإضافة ; لأن الرامي لا يحب مضي السهم يمنة أو يسرة فيصير مضافا إلى الريح لا إلى الرامي ، وما دام يمضي في جهته فالريح يزيده في قوته ، فلا ينقطع به حكم إضافة القوة إلى الرامي ، وعن أبي يوسف قال ، وإن رده يمنة أو يسرة يحل أيضا ; لأنه ليس بضد للجهة التي قصدها الرامي ، ولا يمكن الاحتراز عنه إذا كان يصطاد في يوم ريح ، وكذلك لو أصاب السهم حائطا أو شجرا أو شيئا آخر فرده فهو ورد الريح سواء في جميع ما ذكرنا ; لأن مضيه إلى ما وراءه بصلابة الشجر والحائط لا بقوة الرمي ، وكذلك لو أصابه سهم آخر قبل أن يصيب الصيد فرده عن وجهه فأصاب صيدا لم يؤكل ، وتأويل هذا إذا كان الرامي بالسهم الثاني مجوسيا أو لم يكن قصده الاصطياد إنما كان قصده الرمي إلى [ ص: 253 ] ذلك السهم ، فأما إذا كان قصد الثاني الاصطياد وسمى ، فإن الصيد يكون له ويحل تناوله ، ولا فرق بين أن يصيبه سهم أو يرد سهما آخر فيصيبه ، وقيل : بل لا يحل على كل حال ; لأن الحل باعتبار فعل الرامي ، وجرح الآلة والسهم الذي رماه للثاني ما جرح الصيد ، والذي جرح الصيد ما رماه الثاني ، ولا كان مضيه بقوة من رمى به فهو بمنزلة ما لو أصاب السهم قصبة محدودة منصوبة في حائط ، وأصابت تلك القصبة الصيد بحدها فجرحته ، وذلك غير مأكول ، فهذا مثله .
قال : ( ولا يحل صيد البندق والحجر والمعراض والعصا وما أشبه ذلك ، وإن جرح ) ; لأنه لم يخرق ، إلا أن يكون شيئا من ذلك قد حدده وطوله كالسهم ، وأمكن أن يرمي به ، فإذا كان كذلك وخرقه بحده حل لما بينا أن المطلوب بالذكاة تسييل الدم ، وذلك يحصل بالخرق والبضع ، فأما الجرح الذي يدق في الباطن ولا يخرق في الظاهر ، فلا يحصل تسييل الدم به فهو في معنى الموقوذة ، والموقوذة حرام بالنص ، والمثقل بالحديد وغير الحديد في ذلك سواء ، وكذلك لو رمى الصيد بالسكين فأصابه بحده وجرحه يؤكل ، وإن أصابه بقفا السكين أو بمقبض السكين لم يؤكل ، والمزراق كالسهم يخرق ، ويعمل في تسييل الدم
وإن حدد مروة فذبح بها صيدا حل لحصول تسييل الدم بحد الآلة ، وفي حديث { محمد بن صفوان أو صفوان بن محمد رضي الله عنه قال : أخذت أرنبتين فذبحتهما بمروة محددة ثم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجوز لي أكلهما }
قال : ( وما توحش من الأهليات حل بما يحل به الصيد من الرمي ) لما بينا من الخبر أن لها أوابد كأوابد الوحش ، وقد روي عن محمد في البعير والبقرة إذ أنه في المصر أو خارج المصر فرماه إنسان حل به ; لأنه يدفع عن نفسه نصيبا له ، ويخاف فوته ، وإن كان في المصر ، وأما الشاة إذا مدت في المصر فلا تحل بالرمي ; لأنه يمكنه أخذها في المصر عادة فلم يتحقق العجز عن ذكاة الاختيار ، وإذا مدت خارج المصر تحل بالرمي ; لأنه يخاف فوتها خارج المصر ، فللعجز عن ذكاة الاختيار يكتفى فيها بذكاة الاضطرار .

قال : ( وإذا أصاب السهم الظلف والقرن فقتله حل أيضا به إذا أدماه ، ووصلت الرمية إلى اللحم ) ; لأن ما هو المقصود وهو تسييل الدم قد حصل ، وكذلك المتردي في بئر لا يقدر على ذكاته ، فأينما وجئ منه فأدماه فهو ذكاة ; لأن المعتبر وقوع العجز عن ذكاة الاختيار ، وقد يتحقق ذلك بالتردي في البئر فهو وما ند سواء .
قال : ( وإن رمى صيدا بسيف فأبان منه عضوا ومات أكل الصيد كله إلا ما بان عنه ) لقوله عليه الصلاة والسلام : { ما أبين من الحي فهو ميت } ومراد رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 254 ] تحريم ما كانوا يعتادونه في الجاهلية ، فإنهم كانوا يقطعون بعض لحم الألية من الشاة وربما لا يقطعون بعض لحم العجز منها فيأكلونه فحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ; لأن فعل الذكاة لا يتحقق في المبان مقصودا ، وأصل الشاة حية ، وبدون الذكاة لا يثبت الحل ، وهذا المعنى موجود هنا فحكم الذكاة استقر في الصيد بعد ما مات ، وهذا العضو مبان من حين مات ، فلا يسري حكم الذكاة إلى ذلك العضو ، ولا يمكن إثبات حكم الذكاة في ذلك العضو مقصودا بالإبانة ، كما لو بقي الصيد حيا ; فلهذا لا يؤكل ذلك العضو ، وإن لم يكن بان ذلك العضو منه أكل كله ; لأن بقاء الاتصال يسري حكم الذكاة إلى ذلك العضو فيكون حلالا كغيره ، وإن كان تعلق منه بجلدة ، فإن كان بمنزلة ما قد بان منه فلا يؤكل ، ومراده من ذلك إذا كان بحيث لا يتوهم اتصاله بعلاج فهو والمبان سواء ، وإن كان بحيث يتوهم ذلك ، فهذا جرح وليس بإبانة فيؤكل كله ، وإن قطعه نصفين يؤكل كله ; لأن فعله أثمر ما يكون من الذكاة إذ لا يتوهم بقاؤه حيا بعد ما قطعه نصفين طولا ، وإن قطع الثلث منه مما يلي العجز فأبانه ، فإنه يؤكل الثلثان اللذان مما يلي الرأس ، ولا يؤكل الثلث مما يلي العجز ، فإن قطع الثلث مما يلي الرأس فأبانه ، فإنه يؤكل كله ; لأن ما بين النصف إلى العنق مذبح يريد به أن الأوداج من القلب إلى الدماغ ، وإن قطع الثلث مما يلي العجز لم يستقر فعل الذكاة بهذا حين لم تقطع الأوداج ، وإنما استقر بموته ، وهذا الجرح مبان عنه عند ذلك ، فأما إذا أبان الثلث مما يلي الرأس فقد استقر حكم الذكاة بقطع الأوداج بنفسه ، وكذلك إن قده نصفين فقد استقر فعل الذكاة بقطع الأوداج ; فلهذا يؤكل كله ، فإن أبان طائفة من رأسه ، فإن كان أقل من النصف لم يؤكل ما بان منه ; لأن الرأس ليس بمذبح فهو كما لو أبان جزءا من الذنب ، وإن كان النصف أو أكثر أكل ; لأنه يتقطع الأوداج به فيكون فعله ذكاة بنفسه .

قال : ( ولو ضرب وسمى وقطع ظلفه فإن أدماه فلا بأس بأكله ، وإن لم يكن أدماه لم يؤكل ) ; لأن تسييل الدم النجس لم يحصل ، وعلى هذا لو ضرب عنق شاة بسيف فأبانه من قبل الأوداج فإنه يؤكل ، وفي الكتاب رواه عن عمران بن حصين رضي الله عنه ، وقد أساء فيما صنع حين ترك الإحسان في الذبح .
واختلف المتأخرون من مشايخنا رحمهم الله فيمن ذبح شاة في المذبح فلم يسل الدم منها ، وقد يكون ذلك إذا كانت قد أكلت العناب ، وكان أبو القاسم الصفار رضي الله تعالى عنه يقول : لا يحل لانعدام معنى الذكاة ، وهو تسييل الدم النجس ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : [ ص: 255 ] { ما أنهر الدم وأفرى الأوداج فكل } وكان أبو بكر الإسكاف رحمه الله تعالى يقول : لا بأس بأكله لوجود فعل الذكاة على ما قال عليه الصلاة والسلام : { الذكاة ما بين اللبة واللحيين } وقد يمتنع بعض الدم في العروق لحابس يحبسه ، وذلك غير موجب للحرمة بالاتفاق ، وهذا مثله لم يبن ما يؤكل وما لا يؤكل من الصيود ، وقد تقدم بيان ذلك .
وذكر في جملة ما لا يؤكل اليربوع والقنفذ وما أشبههما من الهوام ; لأن الطباع السليمة تستخبثها فيدخل تحت قوله تعالى : { ويحرم عليهم الخبائث }
قال : ( ولا يجوز بيع الضفدع والشرطان وما أشبههما ، وكذلك جمل الماء ، ولا يجوز بيع شيء من ذلك إلا السمك ) ; لأنه ليس له ثمن ، ومعنى هذا ما بينا أن البيع لا يجوز إلا فيما هو مال متقوم ، والمال ما يتمول ، والتقوم به يكون منتفعا به ، وسائر حيوانات الماء سوى السمك غير مأكول اللحم ، ولا منفعة لها سوى الأكل فلم يكن مالا متقوما ، فإن كان شيئا له ثمن كجلود الحمر ونحوها فبيعه جائز ; لأن هذا منتفع به بوجه حلال فيكون متقوما فيجوز بيعه .
قال : ( ولا خير في أكل النسر والعقاب وأشباههما من صيد البر ) { لنهي النبي عليه الصلاة والسلام عن كل ذي مخلب من الطير } ، فأما العقعق والسودانية وأشباه ذلك مما لا مخلب له فلا بأس بأكله ، وقد بينا الكلام في الغراب فيما سبق .
قال : ( ولا تكره الصلاة على جلد ما يكره أكله من ذي الناب ) ; لأن الذكاة تعمل فيما يؤكل لحمه في طيبة اللحم وطهارة الجلد ، وفيما لا يؤكل لحمه يعمل في طهارة الجلد ، وإن كان لا يعمل في طيبة اللحم ; لأن الجلد محل قابل لهذا الحكم ، ألا ترى أنه يطهر بالدباغ { قال عليه الصلاة والسلام : أيما إهاب دبغ فقد طهر } فكذلك بالذكاة ، وقد بينا هذا الفصل في كتاب الصلاة

، وتكره لحوم الإبل الجلالة والعمل عليها ، وتلك حالها إلى أن تحبس أياما لما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام { نهى عن أكل لحم الجلالة ، وفي رواية أن يحج على الجلالة ويعتمر عليها وينتفع بها } وتفسير الجلالة التي تعتاد أكل الجيف ولا تخلط فيتعين لحمها ، ويكون لحمها منتنا فحرم الأكل ; لأنه من الخبائث ، والعمل عليها لتأذي الناس بنتنها ، وأما ما يخلط فيتناول الجيف وغير الجيف على وجه يظهر أثر ذلك من لحمه ، فلا بأس بأكله ، والعمل عليه حتى ذكر في النوادر : لو أن جديا غذي بلبن خنزير فلا بأس بأكله ; لأنه لم يتغير لحمه وما غذي به صار مستهلكا ولم يبق له أثر ، وعلى هذا نقول : لا بأس بأكل الدجاجة وإن كانت تقع على الجيف ; لأنها تخلط ، ولا يتغير لحمها ولا ينتن ، وقيل : هي تنقش الجيف تبتغي الحب فيها لا أن تتناول الجيف ، وكان ابن عمر رضي الله عنه يكره أكل الدجاج [ ص: 256 ] لأنه يتناول الجيف ، ولسنا نأخذ بهذا ، وقد { صح أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يأكل من لحم الدجاج } ولو كان فيه أدنى خبث لامتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تناوله ، والذي روى أنه كان يحبس الدجاج ثلاثة أيام ثم يذبحها ، فذلك على سبيل التنزه من غير أن يكون ذلك شرطا في الدجاجة وغيرها مما يخلط ، وإنما يشترط ذلك في الجلالة التي لا تأكل إلا الجيف ، وفي الكتاب قال : تحبس أياما على علف طاهر قيل : ثلاثة أيام ، وقيل : عشرة أيام ، والأصلح أنها تحبس إلى أن تزول الرائحة المنتنة عنها ; لأن الحرمة لذلك ، وهو شيء محسوس ، ولا يتقدر بالزمان لاختلاف الحيوانات في ذلك فيصار فيه إلى اعتبار زوال المضر ، فإذا زال بالعلف الطاهر حل تناوله ، والعمل عليه بعد ذلك ، والله سبحانه وتعالى أعلم ( تم الجزء الحادي عشر ويليه الجزء الثاني عشر ، وأوله كتاب الذبائح )

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 28.02 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 27.39 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.24%)]