
14-12-2025, 11:23 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,570
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر
صـــ 112 الى صـــ 121
(233)
وفي النوادر : لو اشترى دينارا بعشرة دراهم ، ونقد الدراهم المغصوبة : لم يحل له أن ينتفع بالدينار ، ما لم يؤد الضمان ; لأن صاحب الدراهم إذا استحق دراهمه فسد العقد ، ووجب عليه رد الدينار ، فكانت كالمقبوض بحكم عقد فاسد . بخلاف ما لو نقدها في ثمن الطعام ; لأنه بالاستحقاق هناك لا يبطل الشراء ، بل يبقى الثمن دينا في ذمته - كما كان - . وعلى هذا قالوا : لو غصب ثوبا واشترى به جارية ، لم يحل له أن يطأها ; لأنه لو استحق الثوب لزمه رد الجارية ، ولو تزوج بالثوب المغصوب امرأة : حل له أن يطأها ; لأن المغصوب منه إذا استحق الثوب ، لا يبطل النكاح ولا التسمية .
( فإن ) كان أخذ بعض الوديعة لينفقه في حاجته ، ثم بدا له ، فرده إلى موضعه ، ثم ضاعت الوديعة : فلا ضمان عليه ; لأن رفعه حفظ ، فلا يكون موجبا للضمان عليه . بقي مجرد نية الإنفاق في حاجته ، وبمجرد النية لا يصير ضامنا ، كما لو نوى أن يغصب مال إنسان ; وهذا لقوله - صلى الله عليه وسلم - { : إن الله - تعالى - تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسهم ما لم يعملوا ، أو يتكلموا } . والعراقيون يقولون : كاد ولما . أي : كاد يعصي فعصم ، والمعصوم لا يعاقب بعقوبة من عصى ، ولئن صار ضامنا بالرفع فقد عاد إلى الوفاق برد العين إلى مكانه ، وذلك يبرئه عن الضمان " عندنا " - على ما نبينه - بخلاف [ ص: 113 ] ما سبق ; لأن هناك إنما جاء بملك نفسه ، فوضعه مكان ما أنفق ، ولهذا لا يكون عودا إلى الوفاق فيما خالف فيه ، وهنا إنما جاء الوديعة بعينها ، فتحقق عوده إلى الوفاق ، وهذا أولى الوجهين " عندي " ; فإنه لو باعها ثم ضمن قيمتها ، نفذ البيع من جهته ، وإنما يستند ملكه بالضمان إلى وقت وجوب الضمان ، فلو لم يكن الرفع للبيع موجبا للضمان عليه قبل البيع والتسليم ، لم يستند ملكه إلى تلك الحالة ، فينبغي أن لا ينفذ بيعه ، والرواية محفوظة في هذا الكتاب . وفي المضاربة أن البيع نافذ ، فعرفنا أن الأوجه هو الطريق الثاني .
وإذا طلب المودع الوديعة فقال المستودع : قد رددتها عليك فالقول قوله مع يمينه ; لأنه أمين والقول قول الأمين مع اليمين ; لإنكاره السبب الموجب للضمان ، وإخباره بما هو مسلط عليه - وهو رد الوديعة على صاحبها - والمودع هو الذي سلطه على ذلك ، فيجعل قوله كقول المسلط إلا أنه يستحلف لنفي التهمة عنه ، وكذلك لو سرقت أو ضاعت ، أو ذهبت وقال : لا أدري كيف ذهبت ; لأنه أمين أخبر بما هو محتمل ، ولأنه ينكر وجوب الضمان عليه ، والمالك يدعي عليه سبب الضمان - وهو المنع بعد الطلب - فلا يصدق إلا بحجة .
( واختلف ) المتأخرون رحمهم الله فيما إذا قال - ابتداء - : لا أدري كيف ذهبت ، فمنهم من يقول : هو ضامن لها ; لأنه جهلها بما قال ، والمودع بالتجهيل يصير ضامنا ، بخلاف ما إذا قال : ذهبت ولا أدري كيف ذهبت ; لأنه بقوله : ذهبت ، يخبر بهلاكها ، ويكفيه هذا المقدار ، فلا معتبر بعد ذلك بقوله : لا أدري كيف ذهبت . والأصح : أنه لا يصير ضامنا ; لأنه مخبر بهلاكها ، محترز عن الكذب والمجازفة في القول بقوله : لا أدري كيف ذهبت ; وهذا لأن أصل الذهاب معلوم من هذا اللفظ - لا محالة - وإنما التجهيل في كيفية الذهاب . والإخبار بأصل الذهاب يكفي في براءته عن الضمان . وإن قال : بعثت بها إليك مع رسولي ، وسمى بعض من في عياله : فهو كقوله : رددتها عليك ; لأن يد من في عياله لما جعل كيده في الحفظ ، فكذلك في الرد : يد من في عياله كيده ; فلا يصير بهذا مقرا بالسبب الموجب للضمان عليه .
( وإذا ) قال : بعثت بها إليك مع أجنبي : فهو ضامن حتى يقر المودع بوصولها إليه " عندنا " . ( قال ) ابن أبي ليلى رحمه الله : لا ضمان عليه ، وهذا بناء على أن " عنده " للمودع أن يودع غيره ; لأنه يحفظ الوديعة على الوجه الذي يحفظ ماله ، وقد يودع الإنسان مال نفسه من أجنبي ، فكذلك له أن يودع الوديعة من غيره ; فلا يصير ضامنا بالدفع إلى غيره ليحفظ ، أو يرد - كما في حق من في عياله - " وعندنا " : ليس للمودع أن يودع غيره ; لأن الحفظ يتفاوت فيه الناس ، والمودع إنما رضي بحفظه وأمانته دون غيره ، فإذا [ ص: 114 ] دفع إلى أجنبي ، فقد صار تاركا للحفظ الذي التزمه ، مستحفظا عليه من استحفظ منه ; فيكون ضامنا ، بخلاف من في عياله : فإن المودع هو الحافظ له بيد من في عياله ; لأن من في عياله في يده ، فما في يد من في عياله كذلك .
فأما إذا دفع إلى أجنبي : لا يكون هو حافظا له ، بل الأجنبي هو الحافظ له ، والمودع لم يرض بهذا ; فيكون ضامنا حتى يقر المودع بوصولها إليه ، فإذا أقر بذلك برئ عن الضمان بوصول المال إلى يد صاحبه - كما يبرأ الغاصب بوصول المغصوب إلى يد صاحبه - . وكذلك العارية - في جميع ذلك - ; لأنها أمانة كالوديعة . وفي هذا بيان أن المستعير ليس له أن يودع أجنبيا كالمودع ، وقد قال بعض مشايخنا رحمهم الله : له ذلك ; لأن للمستعير أن يعير فيما لا تتفاوت الناس في الانتفاع به . وفي الإعارة إيداع وزيادة ، ولكن الأول أصح ; لأن المستعير " عندنا " مالك للمنفعة ، فإعاراته من الغير تصرف فيما هو مملوك له - وهو المنفعة - ثم يتعدى تسليمه إلى العين حكما ; لتصرفه في ملك نفسه ، فلا يكون موجبا للضمان عليه .
فأما إيداعه من الغير فهو تصرف في العين ، ولا حق له في العين ، فيكون موجبا للضمان عليه كالإيداع من المودع .
فإن قال : بعثت بها إليك مع هذا الأجنبي أو استودعتها إياه ، ثم ردها علي ، فضاعت : " عندي " لم يصدق وهو ضامن لها ; لأنه أقر بوجود السبب الموجب للضمان عليه ثم ادعى ما يسقط عنه ، فلا يصدق - كالغاصب إذا ادعى رد المغصوب - فإن أقام البينة على ذلك برئ من الضمان ; لأنه أثبت البراءة بالحجة والثابت بالبينة كالثابت بإقرار الخصم ، وهو مذهبنا ، فإن المودع إذا خالف ثم عاد إلى الوفاق : يبرأ عن الضمان . " وعند الشافعي " : لا يبرأ ، وبيانه : في هذه المسألة ، وفيما إذا لبس ثوب الوديعة ثم نزعه ، فهلك . وحجة الشافعي قوله - صلى الله عليه وسلم - { : على اليد ما أخذت حتى ترد } . وهو حين أخذها للاستعمال صارت مضمونة عليه ، حتى لو هلكت في تلك الحالة : ضمنها ، فلا يبرأ إلا بالرد على المالك - ولم يوجد - ولأن الوديعة تضمن بالخلاف من طريق القول - وهو الجحود - تارة ، وبالخلاف من طريق الفعل أخرى ، ثم إذا ضمنها بالجحود لم يبرأ بذلك الخلاف ما لم يردها إلى المالك فكذلك بالاستعمال بل أولى ; لأن الاستعمال يتصل بالعين ، والجحود لا يتصل به . وقاس بالمستأجر للدابة إلى مكان : إذا جاوزه ثم عاد إليه لم يبرأ . وكذلك المستعير يعلم أنه أمين ضمن الأمانة بالخيانة ، ولأن المودع معير يده من المودع في الحفظ ، فإذا خالف فقد استرد يد عاريته ، وهو ينفرد به ، ثم إذا عاد إلى الوفاق فقد أراد إعادة يده ثانيا منه ، وهو لا ينفرد به ، ولأن موجب العقد هو الحفظ للمالك ، وبالخلاف [ ص: 115 ] يفوت موجب العقد ، إما لتركه الحفظ أصلا ، أو لتركه الحفظ للمالك حين حفظها لنفسه ; فلا يبقى العقد بعد فوات موجبه ، ولأن الإنسان إنما يأتمن الأمين على ماله - دون الخائن - ومطلق العقد يتقيد بدلالة العرف - كالشراء بمطلق الدراهم يتقيد بنقد البلد - وإذا تقيد العقد بما قبل الخلاف : لا يبقى بعده ، وحجتنا في ذلك : أن الإيداع مطلق فكان باقيا بعد الخلاف ، وبيان الوصف أنه قال : احفظ مالي ، أو قال : احفظه أبدا . ولا يشكل على أحد أن هذا اللفظ يتناول الحفظ قبل الخلاف وبعده ، ثم لم يبطل بالخلاف ; لأن بطلان الشيء بما هو موضع لإبطاله ، أو بما ينافيه ، والاستعمال ليس بموضع لإبطال الإيداع ، وهو لا ينافيه .
ألا ترى أن الأمر بالحفظ مع الاستعمال صحيح - ابتداء - بأن يقول للغاصب : أودعتك ، وهو مستعمل له ، والخلاف ليس يرد ; لأن الأمر قول ، ورد القول بقول مثله ، ولأن الخلاف يكون في حال غيبة المودع ، ولو قال : رددت الأمر في هذه الحالة : لم يرتد . ولأنه تصرف في حفظ الواجب بالأمر على خلاف ما يوجبه ، وليس بتصرف في الأمر وصحة الأمر ، كأن يكون الآمر أهلا له . وكون الحفظ مقصودا من المأمور ، ولم ينعدم شيء من ذلك - بخلاف الجحود - فإنه رد للأمر بعينه ; لأن الجاحد يكون متملكا للعين . والمالك في ملكه لا يكون مأمورا بالحفظ من جهة غيره . والدليل عليه : أوامر الشرع ، فالجحود فيها رد ، والخلاف لا يكون ردا ، حتى لو ترك صوما أو صلاة : لم يكفر .
( وكذلك ) في أوامر العباد إذا وكله ببيع عين بألف ، فباعه بخمسمائة ، وسلم : لم تبطل الوكالة مع تحقق الخلاف ، ومع أن الوكالة جائزة غير لازمة - كالإيداع - . وعذره أن البيع لا يستغرق المدة ، فالأمر به لا يبطل بالخلاف ، والحفظ يستغرق المدة ، فيبطل الأمر به إذا خالف في بعض المدة هنا وهناك حتى يصير ضامنا ، ويشكل بالاستئجار للحفظ ، فإنه يستغرق المدة ثم لا يبطل بالخلاف من طريق الفعل . وعذره عن الإجارة أنها لازمة حتى لا يبطل بالجحود ضعيف ; لأن بطلان العقد " عنده " بفوات المعقود عليه ، واللازم وغير اللازم فيه سواء . إنما يفترق اللازم وغير اللازم فيما هو رد ، ثم في الاستئجار العقد ورد على منفعة الحافظ في المدة ، والمنفعة تحدث شيئا فشيئا ، فبترك الحفظ في بعض المدة يبطل العقد في ذلك القدر ، ويكون باقيا فيما وراءه كبقاء المعقود عليه ، فكذلك في الحفظ بغير بدل .
فأما استئجار الدابة إلى مكان فقد قال بعض أصحابنا رحمهم الله : إن استأجرها ذاهبا وجائيا يبرأ عن الضمان بالعود إلى ذلك المكان ، فيصير ضامنا بالمجاوزة لوجود سبب الضمان ، ثم بالعود إلى ذلك المكان : لا يعود العقد بينهما . ولو سلمنا [ ص: 116 ] فنقول : العقد هناك يرد على منافع الدابة في ذلك المكان ، فبإخراج الدابة من ذلك المكان يفوت المعقود عليه أصلا ، وهنا العقد يرد على منفعة الحافظ ، وبالخلاف من طريق الفعل لم يفت جميع المعقود عليه ، إنما وقع التغير في التسليم في بعضه ; لأنه كان مأمورا بتسليم العين في المصر ، فإذا أخرجه يتغير التسليم ، من غير أن يفوت المعقود عليه ، حتى أن في الإجارة : لو حمل عليها حملا آخر في ذلك المكان ، ثم نزع : برئ عن الضمان لبقاء المعقود عليه ، وتمكن التغير كان في الاستيفاء ، ولأن المستأجر ضامن بالإمساك لا في المكان المأمور به ، وهو في الإمساك عامل لنفسه .
ألا ترى أنه لو أمسكها أياما في بيته : كان ضامنا . فلا يتحقق الرد منه بعد الخلاف إذا كان ممسكا لمنفعة نفسه ، فأما المودع لا يضمن بالإمساك ، بل بالاستعمال ، وقد زال ذلك كله ، حتى أن في الإجارة إذا لم يضمن بالإمساك : برئ بترك الخلاف ، على ما قال في الإجارات : إذا استأجرت المرأة ثوب صيانة لتلبسه أياما ، فلبست بالليل : كانت ضامنة ، فإذا جاء النهار برئت ; لأن الضمان عليها بالاستعمال ليلا - دون الإمساك - .
( إذا ) ثبت بقاء عقد الوديعة ، فنقول : يد المودع كيد المودع ، فإما أن يجعل في حالة الخلاف ، كان العين في يد المالك ، والمستعمل متشبث به فإن هلك من عمله : ضمن وإلا فلا . كما لو تشبث بثوب في يد صاحبه ، وهذا اختيار الهندواني - رحمه الله - ، والأصح : أنه ضامن إذا هلك في حالة الخلاف ، سواء كان من استعماله ، أو من غير استعماله ، وفي الكتاب ما يدل عليه ; فإنه قال : برئ عن الضمان وذلك لا يكون إلا بعد صيرورة العين مضمونا عليه . ولو تنازعا في الهلاك أنه كان في حالة الخلاف ، أو بعد ترك الخلاف : كان القول قول المالك ، فعرفنا أنه صار ضامنا ، وطريق صيرورته ضامنا تفويت المعقود عليه ونزع يده ضمنا للخلاف . ولكن ما ثبت ضمنا للشيء يتقدر بقدره ، ففيما وراء زمان الخلاف يد المودع كيد المودع ; لبقاء العقد ، والاستدامة فيما يستدام له حكم الإنشاء ، ولو أودعه ابتداء برئ عن الضمان باعتبار أن يد المودع كيد المودع ، فكذلك هنا ، وتبين بهذا أن استرداده يد عاريته كان مقصودا ، على حالة الخلاف ; لأنه ثبت ضمنا له ودعوى تقيد الأمر بما قبل الخلاف كلام باطل ; فإن أحدا لا يظن بصاحب المال أن يقول : احفظ مالي ما لم تخن ، فإذا خنت فلا تحفظ ، ولكنه يقول : احفظ ، ولا تخن ، فإذا خنت فاترك الخيانة ، واحفظه لي ; لأن مقصوده من الأمر بالحفظ أن يكون ماله مصونا عنده . والحاجة إلى ذلك في حالة الخلاف أظهر .
وإذا طلب المودع الوديعة ، فجحدها المستودع ، [ ص: 117 ] كان ضامنا لها ; لوجهين ( أحدهما ) : أنه بالجحود صار متملكا ; فإن الشرع جعل القول قوله فيما في يده ، ولا يتملك أحد مال الغير بغير رضاه إلا بالضمان ، ولأن المالك عزله عن الحفظ حين طالبه بالرد ، فهو بالجحود صار مانعا المالك عن ملكه ، مفوتا عليه يده الثابتة حكما ; فيكون كالغاصب : ضامنا بهذا الطريق ، ولم يذكر في الكتاب إذا جحدها ، لا في وجه المودع ، فإن قال له إنسان : ما حال وديعة فلان عندك ؟ فجحدها ، أو جحدها في وجه المودع ، من غير أن يطالبه بالرد بأن قال له : ما حال وديعتي عندك ؟ ليشكره على حفظها ، فجحدها . وذكر الفصلين في اختلاف زفر ويعقوب رحمهما الله أنه على قول زفر يكون ضامنا ; لما ذكر : أنه بالجحود متملك لها ، ومفوت يد المالك حكما .
( وقال ) أبو يوسف : لا يكون ضامنا ; لأن المالك ما عزله عن الحفظ ; فيكون العقد باقيا وباعتبار بقائه ، يده كيد المالك في العين ، ولأن الجحود في حال غيبة المالك من الحفظ ; لأنه طريق لدفع طمع الطامعين عنها ; فلا يكون موجبا للضمان عليه .
فإن أقام رب الوديعة البينة بعد جحود المودع أنه استودعه كذا ، ثم أقام المستودع البينة أنها ضاعت : فهو ضامن لها ; لأنه بالجحود صار ضامنا ، وهلاك المضمون في يد الضامن يقرر عليه الضمان ، وكذلك إن أقام البينة أنها كانت ضاعت قبل جحوده ; لأن البينة لا تقبل إلا بعد تقدم الدعوى ، وهو مناقض في كلامه ، فجحوده أصل الإيداع يمنعه من دعوى الهلاك قبله ; فلهذا لا تقبل بينته ، إلا أن يقر المودع بذلك ، فحينئذ لا ضمان على المودع ; لأن الإقرار موجب بنفسه في حق المقر ، ولأن المناقض إذا صدقه خصمه كان مقبول القول . وإن قال : لم تودعني شيئا ثم قال : قد أودعتني ولكنها هلكت : فهو ضامن لها ; لما بينا أن جحوده أصل الإيداع يمنعه من دعوى الهلاك قبله ، والهلاك بعد الجحود يؤكد الضمان عليه . وإن قال : قد أعطيتكها ، ثم قال بعد أيام : لم أعطكها ، ولكنها ضاعت ، لم يصدق وهو ضامن لها . وطعن عيسى في هذا وقال : لا ضمان عليه ; لأنه تكلم بكلامين ، لو تكلم بكل واحد منهما على الانفراد لم يكن ضامنا ، فبمجموعهما كيف يصير ضامنا ؟ وتقرير هذا من وجهين ، ( أحدهما ) :
أن الضمان يستدعي سببا - لا محالة - ولم يوجد ; لأن قبضه بإذن المالك ، ولم يوجد منه جحود ليكون ضامنا .
( والثاني ) :
أن قول المودع : رددتها ، أو هلكت ، معتبر في نفي الضمان عنه ، لا في ثبوت الرد به ; ولهذا لو ادعى الرد على الوصي ، لم يضمن الوصي شيئا ، وإذا كان المقصود نفي الضمان عنه ، ولا تناقض بين كلاميه فيما هو المقصود ، لا يكون ضامنا شيئا . ووجه ظاهر الرواية أنه مناقض في كلامه ; لأن إخباره بالرد [ ص: 118 ] يمنعه من دعوى الهلاك في يده ، وإخباره بالهلاك في يده يمنعه من دعوى الرد ; فسقط اعتبار كلامه للتناقض ، فيبقى ساكتا ممتنعا من رد الوديعة بعد ما طالب بها ، وذلك سبب موجب للضمان عليه ; فكان ضامنا لهذا .
فإن قال : استودعتني ألف درهم ، فضاعت ، وقال الطالب : كذبت ، بل غصبتها مني ، فالقول قول المستودع ; لأن المقر له يدعي عليه سبب الضمان - وهو الغصب - والمستودع منكر لذلك ، ولم يسبق منه إقرار بسبب موجب للضمان ، إنما ذكر أن صاحب المال وضع ماله في موضع ، فضاع ، وفعل الإنسان في مال نفسه لا يكون موجبا للضمان على غيره . وإن قال المستودع : أخذتها منك وديعة ، وقال الآخر : بل غصبتني ، فهو ضامن لها ; لإقراره بوجود الفعل الموجب للضمان منه في ملك الغير - وهو الأخذ - . قال - صلى الله عليه وسلم - { : على اليد ما أخذت حتى ترد } . ثم ادعى ما يسقط الضمان عنه ، وهو إذن المالك إياه في الأخذ ، فلا يصدق على ذلك ، ويكون ضامنا ، إلا أن يقيم البينة ، أو يأتي المالك اليمين ; فيقوم نكوله مقام إقراره .
وإن قال رب المال : بل أقرضتكها قرضا ، وقال المستودع : بل وضعتها عندي وديعة ، أو أخذتها منك وديعة ، وقد ضاعت ، فلا ضمان عليه ; لأنهما تصادقا على أن الأخذ حصل بإذن المالك ; فلا يكون موجبا للضمان إلا باعتبار عقد الضمان . والمالك يدعي ذلك بقوله : أقرضتكها ، والمودع منكر فكان القول قوله - لإنكاره - ثم بين في خلط الحنطة بالشعير أنه إن كان بحيث يستطاع أن يخلص ; فلا ضمان على المودع . وقد يكون ذلك بأن يدق حبات الحنطة فتغربل ، فتتميز من الشعير ، فإذا كان بهذه الصفة : كان هذا كخلط البيض بالسود ; فلا يكون موجبا للضمان .
( رجل ) استودع رجلا ألف درهم ، وله على المستودع ألف قرض ، فأعطاه ألف درهم ، ثم اختلفا بعد أيام فقال الطالب : أخذت الوديعة وقال المستودع : أعطيت القرض وقد ضاعت الوديعة : فالقول قول المستودع ; لأنه هو الدافع للألف ، فالقول قوله إنه من أي جهة دفعه ، وقد زعم أنه دفعه عن جهة قضاء الدين ; فبرئ من الدين به ، وبقيت الوديعة في يده ، وقد أخبر بهلاكها ; فالقول قوله في ذلك ، يوضحه : أنه لو لم يدفع إليه شيئا حتى أخبر بهلاك الوديعة ، كان القول قوله ، ولا يجب عليه إلا أداء الألف - بدل القرض - فكذلك إذا أخبر بهلاك الوديعة بعد أداء الألف .
( رجل ) استودع صبيا محجورا عليه مالا ، فاستهلكه : لم يضمن ، في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله . وهو ضامن في قول أبي يوسف والشافعي رحمهما الله . وجه قولهما : أن ضمان الاستهلاك ضمان فعل ، والصبي والبالغ فيه سواء ; [ ص: 119 ] لما بينا أن تحقق الفعل بوجوده .
ألا ترى أن الوديعة لو كانت عبدا ، أو أمة ، فقتلهما الصبي ، كان ضامنا بهذا الطريق . فكذلك في سائر الأموال . ولأن الإيداع من الصبي باطل ; لأنه استحفاظ من لا يحفظ ، فكأنه لم يودعه ولكنه جاء فأتلف ماله . واستحفاظ من لا يحفظ : تضييع للمال ، فكأنه ألقاه على قارعة الطريق ، ولو فعل ذلك فأتلفه صبي كان ضامنا ؟ فكذا هذا . وحجة أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ما قال في الكتاب : لأنه صبي ، وقد سلطه رب المال على ماله حين دفعه إليه .
( وفي ) تفسير هذا التسليط نوعان من الكلام ( أحدهما ) : أنه تسليط باعتبار العادة ; لأن عادة الصبيان إتلاف المال ; لقلة نظرهم في عواقب الأمور ، فهو لما مكنه من ذلك - مع علمه بحاله - يصير كالإذن له في الإتلاف . وبقوله : احفظ ، لا يخرج من أن يكون إذنا ; لأنه إنما يخاطب بهذا من لا يحفظ ، فهو كمقدم الشعير بين يدي الحمار ، وقال : لا تأكل ، بخلاف العبد والأمة ; لأنه ليس من عادة الصبيان القتل ; لأنهم يهابون القتل ، ويفرون منه ، فلا يكون إيداعه تسلطا على القتل - باعتبار عادتهم - . وهذا بخلاف الدابة ، فإن من عادتهم إتلاف الدواب ، ركوبا ، فيثبت التسليط في الدابة بطريق العادة ، وإلا صح أن تقول : معنى التسليط : تحويل يده في المال إليه ; فإن المالك - باعتبار يده - كان متمكنا من استهلاكه ، فإذا حول يده إليه ، صار ممكنا له من استهلاكه - بالغا كان المودع ، أو صبيا - إلا أنه بقوله : احفظ ، قصد أن يكون هذا التحويل مقصورا على الحفظ - دون غيره - وهذا صحيح في حق البالغ ، باطل في حق الصبي ; لأنه لما التزم بالعقد ، والصبي ليس من أهله ، فيبقى التسليط على الاستهلاك بتحويل اليد إليه مطلقا ، بخلاف العبد والأمة ، فإن المالك - باعتبار يده - ما كان متمكنا من قتل الآدمي ، فتحويل اليد إليه لا يكون تسليطا على قتله ; لأن الإيداع من المالك تصرف في ملكه ، والمملوك في حكم الدم مبقى على أصل الحرية ; فلا يتناوله الإيداع . والتسليط يثبت باعتباره ، بخلاف ما لو قال : اقتل عبدي ; لأن ذاك استعمال ، والاستعمال وراء التسليط ، فإن بعد الاستعمال إذا لحقه ضمان ، يرجع على المستعمل ، وبعد التسليط يسقط حق المسلط في التضمين - لرضاه به - ولا يثبت لأحد حق الرجوع عليه . ولهذا قلنا في هذا الموضع : إن الصبي المستهلك ، إذا ضمن للمستحق ، لا يرجع على المودع ، بخلاف ما لو قال له : أتلفه ، فذلك استعمال للصبي ، وهذا تسليط له بمنزلة قوله : أبحت لك أن تأكل هذا الطعام ، إن شئت ، ولو قال ذلك ، فأكله الصبي ، لم يضمن . ولو جاء مستحق وضمنه ، لم يرجع على الذي قال له ذلك ; فهذا مثله ، إلا أن أبا يوسف يقول : قوله : احفظه ، بمنزلة الاستثناء مما تناوله مطلق التسليم . [ ص: 120 ] والاستثناء تصرف من المستثني على نفسه في حقه ; فلا يعتبر لصحته حال المخاطب به ، أو ثبوت ولاية له عليه ، بل باستثنائه يخرج ما وراء الحفظ من هذا التسليط .
فإذا استهلكه الصبي كان مستهلكا بغير إذنه . ولكن أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله يقولان : التسليط : بالفعل ، وهو نقل اليد إليه مطلقا . وقوله : احفظ ، كلام ، فلا يتحقق استثناؤه من الفعل المطلق ، بل يكون معارضا لذلك الفعل الذي هو تسليط ، ولا يكون معارضا إلا بعد صحته حكما ; لكون المخاطب من أهل الالتزام بالعقد ، وذلك في حق البالغ دون الصبي ، فيبقى التسلط في حق الصبي . والدليل عليه : أن الصبي لو ضيع الوديعة ، لم يضمن ; بأن رأى إنسانا يأخذها ، أو دله على أخذها ، والبائع يضمن - بمثله - . فعرفنا أن العارض صحيح في حق البالغ - دون الصبي - . وعلى هذا : لو أودع عبدا ، محجورا عليه ، مالا فاستهلكه : لم يضمن ، عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله حتى يعتق ; لأن العارض صحيح في حقه دون المولى فإنه التزام بالعقد . وعلى قول أبي يوسف : يباع فيه في الحال ; لأن المودع يتصرف على نفسه في الاستثناء ; فيبقى الاستهلاك بغير إذنه .
فإن كان العبد صبيا لم يضمن " عندهما " في الحال ، ولا بعد البلوغ والعتق ; لأن العارض لم يصح في حقه ولا في حق المولى . وإن كان الصبي ، أو العبد مأذونا ، كان ضامنا في الحال ; لأن العارض قد صح في حقهما ، وفي حق المولى ; فالمأذون من أهل الالتزام بالعقد ، ولهذا يؤاخذان بضمان التضييع . وعلى هذا : الخلاف لو أقرض صبيا محجورا عليه ، أو عبدا محجورا عليه ، مالا فاستهلكه ; لأن التسليم إليه تسليط . وقوله : أقرضتك : معارض لقوله : احفظ في الوديعة - على ما بينا - ، وكذلك لو باع من صبي محجور عليه ، أو عبد محجور عليه شيئا ، فاستهلكه ، فهو على هذا الخلاف ; لأن التسليم إليهما تسليط . وقوله : بعت ، معارض فلا يعمل هذا المعارض في حق الصبي أصلا ، ولا في حق العبد حتى يعتق ، فهذا هو الحرف الذي يخرج عليه هذه المسائل .
( وإن ) هلكت الوديعة عند الصبي والعبد : فلا ضمان عليهما ; لانعدام صنيع موجب للضمان منهما . وفي قتل العبد والأمة يجب عليهما ما يجب قبل الإيداع ، فعلى عاقلة الصبي قيمة المقتول في ثلاث سنين - عمدا قتله أو خطأ ; لأن عمد الصبي وخطأه سواء - وعلى المملوك القصاص إن قتله عمدا ، وإن قتله خطأ : يخاطب المولى بالدفع ، أو الفداء في العبد ، وعليه القيمة في المدبر ، وأم الولد ، يعني الأقل من قيمة المقتول وقيمة القاتل . وعلى المكاتب أن يسعى في الأقل من قيمته ، ومن قيمة المقتول . ولو أودع رجلا شيئا فاستهلكه ابن له صغير ، أو عبد : فعلى المستهلك ضمانه في الحال ; [ ص: 121 ] لأن قبوله الوديعة يكون إذنا لمن في عياله بأن يحفظها . والصبي والعبد إذا كان مأذونا في حفظ الوديعة يؤاخذ بضمان الاستهلاك . .
( رجل ) استودع رجلا ألف درهم ، فدفعها المستودع إلى آخر ، وادعى أن رب الوديعة أمره بذلك : لم يصدق عليه إلا ببينة . ( وقال ) ابن أبي ليلى : هو مصدق في ذلك مع يمينه ; لأن " عنده " : للمودع أن يودع ، وهو منكر لوجوب الضمان عليه . " فأما عندنا " : ليس للمودع أن يودع ، فدفعه إلى الثاني سبب لوجوب الضمان عليه . ثم يدعي ما يسقط الضمان عنه - وهو الإذن - ; فلا يصدق إلا ببينة ، كما لو أخذ مال إنسان فادعى أنه أخذه بإذنه ، وله أن يستحلف صاحبها أنه لم يأمره بالدفع ; لأنه لو أقر بالأمر برئ المودع ، فإذا أنكر يستحلف ; لرجاء نكوله .
فإن كان رب الوديعة أمره أن يدفعها إلى رجل ، فقال : قد دفعتها ، وقال الرجل : لم أقبضها منك ، وقال رب الوديعة : لم تدفعها ، فالقول قول المودع مع يمينه ; لأن دعواه الدفع إلى من أمر المالك بالدفع إليه بمنزلة دعواه الدفع إلى مالكها ; فيكون مصدقا في براءته عن الضمان دون وصول المال إلى ذلك الرجل ، حتى لا يضمن ذلك الرجل ، ما لم تقم البينة على قبضه . .
وإذا قال صاحب الوديعة للمودع : اخبأها في بيتك هذا ، فخبأها في بيت آخر في داره تلك ، فضاعت : فلا ضمان عليه - استحسانا - وفي القياس : هو ضامن ; لأنه خالف أمره نصا ، فهو كما لو قال : اخبأها في دارك هذه ، فخبأها في دار أخرى ; فهلكت . وفي الاستحسان يقول : إنما يعتبر من كلامه ما يكون مفيدا دون ما لا يكون مفيدا .
ألا ترى أنه لو قال : احفظها بيمينك دون يسارك ، أو : انظر إليها بعينك اليمنى دون اليسرى ، لم يعتبر ; لأنه غير مفيد . إذا ثبت هذا فنقول : البيتان في دار واحدة لا يتفاوتان في معنى الحرزية ; لأن الكل حرز واحد .
ألا ترى أن السارق إذا أخرج المتاع من أحد البيتين إلى البيت الآخر ، لم يقطع إذا أخذ قبل أن يخرجه من الحرز ، فأما الداران يتفاوتان في الحرز ، فكان تقييده في الدار مفيدا ; لأن كل دار حرز على حدة .
ألا ترى أنه لو قال له : لا تخرج بها من الكوفة ، فخرج بها إلى البصرة كان ضامنا ; لأن التقييد في المصرين مفيد ، فإن انتقل من الكوفة إلى البصرة ، أو إلى غيرها لشيء لم يكن له منه بد ، فهلكت : فلا ضمان عليه ; لأن المودع إنما يلتزم شرط المودع بحسب إمكانه .
ألا ترى أنه لو قال : أمسكها بيدك ولا تضعها ليلا ولا نهارا ، فوضعها في بيته ; فهلكت : لم يضمنها ، ; لأن ما شرط عليه ليس في وسعه - باعتبار العادة - فكذلك يسقط اعتبار شرطه .
إذا لم يجد بدا من الانتقال من بلد إلى بلد ، فلا ضمان عليه [ ص: 122 ] إذا هلكت ، وهذا بناء على أصلنا ; فإن للمودع أن يسافر الوديعة عند إطلاق العقد ، " وعند الشافعي " : ليس له ذلك ; لأن فيه تعريض المال للهلاك . قال - صلى الله عليه وسلم - { : المسافر ومتاعه وماله على قلت إلا ما وقى الله - تعالى - } . وليس للمودع تعريض الوديعة للمتلف ، وهذا بخلاف الأب والوصي والمضارب ; فإنهم يسافرون للتجارة وطلب الربح .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|