
14-12-2025, 11:17 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,570
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر
صـــ 102 الى صـــ 111
(232)
وكذلك العبد المرتد لا يضمن للذمي بالإتلاف ، وإن كان هو يعتقد أنه مال متقوم ، وأنه محق في اعتقادها ، ثم لم يصر اعتقاده حجة في إيجاب الضمان على المتلف ، إلا أن هناك يتعرض له في ذلك ; لأنا بعقد الذمة ما ضمنا ترك التعرض لهم في ذلك . وحجتنا في ذلك قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حين سأل عماله ماذا تصنعون بما يمر به أهل الذمة من الخمر فقالوا : نعشرها فقال : لا تفعلوا ، ولو هم ببيعها ، وخذوا العشر من أثمانها فقد جعلها مالا متقوما في حقهم حيث جوز بيعها ، وأمر بأخذ العشر من الثمن .
وذكر أبو عبيدة في كتاب الأموال أن عمر رضي الله تعالى عنه كتب إلى عماله أن اقتلوا خنازير أهل الذمة ، واحتسبوا لأصحابها بقيمتها من الجزية فهذا تنصيص منه على أنه مال متقوم في حقهم يضمن بالإتلاف عليهم ، والمعنى فيه أن الخمر كان مالا متقوما في شريعة من كان قبلنا ، وكذلك في شريعتنا في الابتداء ، ثم إن الشرع أفسد تقومه بخطاب خاص في حق المسلمين حيث قال : { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان } إلى قوله تعالى : { فهل أنتم منتهون } فبقي في حق من لم يدخل تحت هذا الخطاب على ما كان من قبل . هذا من حيث الصورة ، ومن حيث المعنى أن حرمة العين وفساد التقوم ثبت بخطاب الشرع ، وقد أمرنا أن نتركهم ، وما يدينون لمكان عقد الذمة فقصر الخطاب عنهم حين لم يعتقدوا الرسالة في المبلغ ، وانقطعت ولاية الإلزام بالسيف والمحاجة لمكان عقد الذمة ، ويصير في حقهم كأن الخطاب غير نازل فيبقى الحكم على ما كان ، ألا ترى أن من [ ص: 103 ] شرب الخمر من المسلمين بعد ما نزل خطاب التحريم قبل علمه به لم يكن معاتبا بذلك كما قال الله تعالى : { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } الآية .
وكذلك أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس بعد ما نزلت فريضة التوجه إلى الكعبة ، وجاز ذلك منهم كأن الخطاب غير نازل حين لم يبلغهم ، فهذا مثله أيضا وأمر الأنكحة على هذا ، وليس في هذا توسعة الأمر عليهم بل فيه استدراج وترك لهم على الجهل ، وتمهيد بعقوبة الآخرة والخلود في النار ، وتحقيق لقول النبي صلى الله عليه وسلم : { الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر } وبهذا تبين فساد ما قال : أن اعتقاده لا يكون حجة على المتلف ; لأنا لا نوجب الضمان باعتبار اعتقاده ، ولكن يبقى ما كان على ما كان ، وهو المالية والتقوم .
ثم وجوب الضمان بالإتلاف لا يكون به المحل مالا متقوما ، ولكن شرط سقوط الضمان بالإتلاف انعدام المالية والتقوم في المحل ، وهذا الشرط لم يثبت في حقهم مع أنا لما ضمنا بعقد الذمة ترك التعرض لهم فقد التزمنا حفظها وحمايتها لهم ، والعصمة والإحراز تتم بهذا الحفظ ، ووجوب الضمان بالإتلاف ينبني على ذلك ، فكان هذا من ضرورة ما ضمناه بعقد الذمة ، بخلاف قتل المرتد فإنا ما ضمنا لهم ترك التعرض في ذلك لما فيه من الاستخفاف بالدين ، وكان نظير ذلك من العقود الربا ، فإنه يتعرض لهم في إبطال عقود الربا بينهم ; لأنا لم نضمن لهم ترك التعرض لهم في ذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إلا من أربى فليس بيننا ، وبينه عهد } وهذا لأن ذلك فسق منهم في الاعتقاد ، ولا ديانة فقد ثبت بالنص حرمة الربا في اعتقادهم قال الله تعالى : { وأخذهم الربا وقد نهوا عنه } وكذلك الجواب في موقوذة المجوسي الصحيح أن المسلم يضمنها له بالغصب والإتلاف ، وهو قول أبي يوسف رحمه الله ، وقد روي عن محمد رحمه الله أنه لا يضمنها كالميتة والدم ; لأنها ليست بمال في اعتقاد أهل الذمة ، وقد أمرنا أن نبني أحكام المجوس على أحكام أهل الكتاب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : { سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب } الحديث ، إلا أن هذا ضعيف ، فإنا في حكم الأنكحة اعتبرنا اعتقاد المجوس من غير أن نبني ذلك على اعتقاد أهل الكتاب ، والعذر عن فضل الميراث بالزوجية بيناه في النكاح أنه ليس من ضرورة الحكم بصحة النكاح استحقاق الميراث ، وهذا كله بخلاف ما لو أتلف متروك التسمية عامدا على شفعوي المذهب ; لأن ولاية الإلزام بالمحاجة ، والدليل هنا ثابت ، وقد ثبت لنا بالنص أن متروك التسمية حرام ليس بمال ، فلهذا لا يعتبر اعتقادهم في إيجاب الضمان .
( ولو ) غصب نصراني من نصراني خمرا فاستهلكها فعليه مثلها [ ص: 104 ] لأن الخمر من ذوات الأمثال ، والمصير إلى القيمة في ذوات الأمثال عند العجز عن أداء المثل ، وذلك في حق المسلم دون النصراني ; لأنه قادر على تمليك الخمر من غيره بعوض ; ولهذا جازت المبايعة بالخمر فيما بينهم ، وإن أسلم الطالب بعد ما قضي له بمثلها ، فلا شيء له على المستهلك ; لأن الخمر في حق المسلم ليس بمال متقوم .
ولو احتبس عينها عند النصراني له بالغصب والاستهلاك لم يضمنه شيئا ، فكذلك إذا احتبس ما صار دينا منها ، ولكنه بإسلامه يكون مبرئا له عما كان له في ذمته من الخمر ; لأنه يخرج بفعله من أن يكون مالا متقوما في حقه ، ومن أن يكون متمكنا من قبضه ، وكذلك لو أسلما معا ; لأن في إسلامهما إسلام الطالب ، ولو أسلم المطلوب وحده أو أسلم المطلوب ثم الطالب فعلى قول أبي يوسف وهو روايته عن أبي حنيفة رحمهما الله الجواب كذلك ، وفي قول محمد رحمه الله تعالى ، وهو رواية عافية وزفر عن أبي حنيفة رحمهما الله على المطلوب قيمة الخمر . وجه قول محمد رحمه الله أن الإسلام الطارئ بعد تقرر سبب الضمان يجعل كالمقترن بالسبب . كما أن الإسلام الطارئ بعد العقد قبل القبض يجعل كالمقترن بالعقد ، ثم اقتران إسلام المطلوب بغصب الخمر واستهلاكها لا يمنع وجوب ضمان القيمة بخلاف إسلام الطالب فكذلك الطارئ ، وهذا لأن خمر الذمي يجوز أن يكون مضمونا في يد المسلم ، فكذلك يجوز أن يكون مضمونا في ذمة المسلم .
وبهذا تبين أنه ليس في إسلام المطلوب معنى البراءة ، وأما خمر المسلم يجوز أن يكون مضمونا في يد الذمي فكذلك في ذمته فكان إسلامه مبرئا بهذا الطريق ، وهو أنه يمنع بقاءها في ذمته بعده ، ولا يمكن جعل أصل السبب موجبا للقيمة في الإسلام المقارن ; لأنه وجب به ضمان المثل ، فلا تجب به القيمة أيضا بخلاف النكاح ، فإن على قول محمد يجب قيمة الخمر بعد إسلام أحدهما كانت بعينها أو بغير عينها ; لأن إسلام الطالب مبرئ من حيث تعذر إبقائها في الذمة أو مضمونا في يد الزوج بعد إسلامهما ، ولكن هذا لا يمنع وجوب ضمان القيمة بأصل السبب ; لأن هذه القيمة عوض عن البضع ، وشرط وجوبها صحة التسمية لإبقاء استحقاق المسمى ، وقد كانت التسمية صحيحة حين كان المسمى مالا متقوما يومئذ وأبو يوسف رحمه الله يقول : تعذر قبض الخمر المستحق في الذمة بسبب الإسلام ، فلا تجب القيمة كما لو أسلم الطالب ، وتحقيقه أنه لما وجب الخمر بالسبب دينا في ذمته ، فلا يمكن إيجاب القيمة باعتبار أصل السبب ، ولا يمكن إيجاب القيمة عوضا عما كان في الذمة ; لأن شرطها تمليك ما في الذمة بها . والذمي لا يقدر على تمليك الخمر من المسلم بعوض كما أن المسلم [ ص: 105 ] لا يتملك الخمر بعوض ; فلانعدام الشرط يتعذر استيفاء القيمة ، كما لو هشم قلب فضة إنسان ، ثم تلف المكسور في يد صاحب القلب ليس له أن يضمن الكاسر شيئا ; لأن شرط تضمين القيمة تمليك المكسور منه ، وذلك فائت ، وبه فارق الإسلام المقارن ; لأن وجوب القيمة هناك باعتبار أصل السبب ، وهو الغصب والاستهلاك ، فإنه موجب للضمان باعتبار الجناية من غير أن يكون موجبا الملك في المحل عند التعذر كما في غصب المدبر .
وإن غصب خنزيرا فاستهلكه ، ثم أسلم أحدهما أو أسلما فعليه قيمته ; لأن بنفس الاستهلاك وجبت القيمة هنا ، فإن الحيوان ليس من ذوات الأمثال ، والقيمة دراهم أو دنانير ، فلا يمتنع بقاؤها في الذمة ، واستيفاؤها بعد إسلامهما أو إسلام أحدهما .
ولو غصب مسلم من مسلم خمرا فجعلها خلا ، ثم استهلكها فعليه خل مثلها ; لأنه بعد ما جعلها خلا بقيت على ملك صاحبها حتى كان له أن يأخذها منه ، فإذا استهلكها فقد استهلك مالا متقوما لغيره ، وذلك موجب للضمان عليه أمانة كانت عنده أو مضمونة .
وكذلك لو غصب جلد ميتة فدبغه بشيء لا قيمة له ثم استهلكه فعليه ضمان قيمته ; لأنه باق على ملك صاحبه ; ولهذا يتمكن من أخذه من غير أن يعطيه عوضا . ومن أصحابنا رحمهم الله من يقول : يضمنه قيمته طاهرا غير مدبوغ ; لأن صفة الدباغ حصل بفعله ، فلا يوجب الضمان عليه ، ولكن من ضرورته زوال صفة النجاسة ، وذلك غير حاصل بفعله بل يتميز الجلد من الدسومات النجسة . وأكثرهم على أنه يضمنه قيمته مدبوغا ; لأن صفة الدباغ هنا تبع للجلد ، وهو غير معتبر منفردا عن الجلد ; ولهذا لا يغرم باعتباره شيئا ، وإذا صار أصل الجلد مضمونا عليه بالاستهلاك فكذلك ما يتبعه كالخمر إذا خلله ، فأما إذا دبغه بشيء له قيمة ثم استهلكه ، فلا ضمان عليه في قول أبي حنيفة ، وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - يضمن قيمة الجلد مدبوغا ويعطيه ما زاد الدباغ فيه .
وجه قولهما أن الجلد باق على ملك صاحبه بعد الدباغ ، وهو مضمون الرد على الغاصب ، ولكن يشترط أن يعطيه ما زاد الدباغ فيه ، فإذا استهلكه كان ضامنا كالثوب المغصوب إذا صبغه ثم استهلكه ، وهذا لمعنيين :
( أحدهما ) أن الاستهلاك جناية موجبة للضمان في محل هو مال متقوم ، وقد وجد ذلك لما بقي الجلد على ملك صاحبه بعد ما صار مالا متقوما كما في الثوب ، إلا أن هناك السبب الأول وهو الغصب غير موجب للضمان أيضا ، فله أن يضمنه بأي السببين شاء ، وهنا الأول وهو الغصب موجب للضمان فيتعين التضمين بالسبب الثاني ، وكان هو في هذا السبب كغيره ، ولو استهلكه [ ص: 106 ] غيره كان للمغصوب منه أن يضمن المستهلك ويعطي الغاصب ما زاد الدباغ فيه .
( والثاني ) وهو أنه لما بقي الجلد مضمون الرد عليه ، وإذا تعذر رد عينها باستهلاكه يجب عليه رد قيمته ; لأنه بالاستهلاك فوت ما كان مستحقا عليه ، والتفويت موجب للضمان ، وبه فارق ما لو هلك في يده ، فإن التفويت منه لم يوجد ، وهو نظير المستعار إذا فوت المستعير رده بالاستهلاك ضمن قيمته ; بخلاف ما إذا فات بغير صنعه .
وكذلك لو دبغه بشيء لا قيمة له أو جعل الخمر خلا ، فلا يضمن إذا فوت الرد بالاستهلاك ، ولا يضمن إذا هلك في يده ، وحجة أبي حنيفة رحمه الله في ذلك أن المغصوب منه استفاد المالية والتقوم في هذا الجلد من الغاصب ببدل استوجبه الغاصب عليه ، فلا يكون له أن يضمنه شيئا بعد استهلاكه كما لو استهلك البائع المبيع قبل التسليم ، وتقريره من وجهين :
( أحدهما ) أن الاستهلاك غير موجب للضمان عليه باعتبار ما زاد الدباغ فيه ; لأن ذلك كان مملوكا له قبل الاتصال بالجلد ، وبعد الاتصال بقي حقا له حتى كان له أن يحبسه ليستوفي بدله ، والجلد بدون هذا الوصف لا يكون مضمونا عليه بالاستهلاك كما لو استهلكه قبل الدباغ ، وبه فارق الثوب ، فإن الاستهلاك فيه بدون صفة الصبغ موجب للضمان ، وبه فارق ما إذا دبغه بشيء لا قيمة له ; لأن الصنعة ما بقيت حقا للغاصب بعد الاتصال بالجلد ; ولهذا لا يحبسه ، ولا يرجع ببدله ، وكذلك الخمر إذا خلله .
( والثاني ) أن ما اتصل بالجلد من الصفة هنا مال متقوم للغاصب حقيقة وحكما وهو قائم من كل وجه ، وقد كان مالا قبل الاتصال بالجلد ، وبقي بعده كذلك ، وأما أصل الجلد لم يكن مالا متقوما قبل الدباغ ، وما كان مالا بنفسه ومتصلا بغيره يترجح على ما لم يكن مالا قبل الاتصال ، وإنما صار مالا بالاتصال فتكون العبرة للراجح واستهلاكه فيه غير موجب للضمان ، بخلاف الثوب ; لأن الأصل هناك كان مالا قبل الاتصال ، وإنما صار مالا بالاتصال ، ولما استويا في صفة المالية رجحنا ما هو الأصل . وإذا دبغه بشيء لا قيمة له فالوصف ليس بمال قبل الاتصال ولا بعده ، والأصل مال بعد الاتصال فرجحنا جانب الأصل لهذا ، ولا يقال في حال بقاء الجلد رجحنا حق صاحب الأصل حتى مكناه من أخذه . ويملك الوصف على الغاصب بعوض ، وهذا لأن أخذ العين كان باعتبار الملك دون المالية والتقوم ; ولهذا كان متمكنا من استرداده قبل الدباغ ، وفي حكم الملك الأصل مرجح ; لأنه كان مملوكا قائما بنفسه قبل الاتصال وبعده ، فأما وجوب الضمان عند الاستهلاك باعتبار صفة المالية والتقوم ، وصفة الدباغ في معنى المالية والتقوم يترجح على [ ص: 107 ] أصل الجلد فيعتبر ذلك في إيجاب الضمان .
يحقق ما قلنا أن فائدة وجوب الضمان الاستيفاء ، ولا يستوفي منه قدر مالية الدباغة بالاتفاق ، وكيف يستوفي منه ما هو واجب له على غيره .
ولو ظفر صاحب الحق بجنس حقه فاستهلكه لم يغرم شيئا ، فإذا ظفر بعين حقه فاستهلكه أولى أن لا يضمن شيئا ، فإذا تعذر إيجاب هذا القدر عليه انفصل أصل الجلد عن صفة الدباغة حكما فيعتبر بما لو كان منفصلا حقيقة ، فلا يجب عليه ضمان قيمة الجلد ، وهما قد اعتبرا هذا حتى قالا : لا يكون له أن يضمنه قيمة الجلد غير مدبوغ .
( ولو ) غصب من رجل عينا فقال المغصوب منه للغاصب أبرأتك عن الغصب ، ثم هلك في يد الغاصب لم يضمن شيئا في قول علمائنا رحمهم الله . وقال زفر هو ضامن للقيمة ; لأن الإبراء عن العين لغو ، فإن الإبراء إسقاط ، والعين ليست بمحل له إذ لا تسقط حقيقة ، ولا يسقط ملك المالك عنها أيضا ، وإضافة التصرف إلى غير محله لغو . ولكنا نقول : قوله أبرأتك عن الغصب أي عما وجب لي عليك بسبب الغصب بمنزلة إبراء المجني عليه الجاني عن الجناية ، وإبراء المشتري البائع عن العيب ، والواجب له بسبب الغصب رد العين عند قيامه ، ورد القيمة عند هلاكه ، وذلك قابل للإسقاط فيسقط عنه ، وإذا سقط عنه ذلك بقي العين أمانة في يده كالوديعة ، ولأنه لو أبرأه بعد تقرر الضمان عليه بالهلاك صح الإبراء فكذلك إذا أبرأه بعد تقرر السبب .
( ولو ) غصب جارية فحبلت عند الغاصب ثم ردها فولدت ثم هلكت بالولادة يجب عند أبي حنيفة رحمه الله على الغاصب ضمان قيمتها ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى تقوم حاملا وغير حامل ، فيكون على الغاصب ضمان النقصان ; لأن الرد قد صح مع الحبل ، ولكنها معيبة بعيب الحبل ، وذلك موجب ضمان النقصان عليه ، فأما هلاكها بسبب الآلام الحادثة بعد الرد وهو الطلق ، فلا يبطل به حكم الرد ، كما لو حمت الجارية عند الغاصب ثم ردها فهلكت أو زنت عند الغاصب ، ثم ردها فجلدت وماتت من ذلك لم يضمن الغاصب إلا نقصان عيب الزنا .
وكذلك المبيعة إذا سلمها إلى المشتري ، وهي حبلى فماتت في الولادة لم يرجع المشتري على البائع بجميع الثمن بالاتفاق وأبو حنيفة رحمه الله يقول : الواجب على الغاصب نسخ فعله بالرد ، ولم يوجد ذلك حين ردها لا على الوجه الذي قبضها ، ولما هلكت بالسبب الذي كان عند الغاصب يجعل في الحكم كأنها هلكت عند الغاصب كما لو جنت عند الغاصب ثم ردها فدفعت في الجناية ، فإنه يضمن قيمتها ويجعل كأنه لم يردها أصلا ، بخلاف الحمى لأن الهلاك لم يكن بالسبب الذي كان . [ ص: 108 ] عند الغاصب إنما كان لضعف الطبيعة عن دفع آثار الحمى المتوالية ، وذلك لا يحصل بأوله الحمى عند الغاصب ، وإن ذلك غير موجب لما كان بعده . وهنا أصل السبب ما كان عند الغاصب ; لأن الحبل يوجب انفصال الولد ، وانفصال الولد يوجب آلام الولادة ، فما يحدث به يكون محالا على السبب الأول ، بخلاف الجلد ; لأن الزنا يوجب جلدا مؤلما غير جارح ولا متلف ; ولهذا يختار سوطا لا ثمرة له ، فلم يكن الهلاك محالا به على السبب الذي كان عند الغاصب ، وهذا بخلاف الشراء ; لأن الشراء يوجب تسليم المبيع إلى المشتري على الوجه الذي يتناوله العقد ، وهو أنه مال متقوم ، وقد وجد ذلك باعتبار ظاهر الحال ، وهو أن الغالب في الولادة السلامة ، فإنما على الغاصب نسخ فعله وذلك في أن يرده كما قبضه ، ولم يوجد ذلك .
ألا ترى أن البائع لو قطع يده ثم باعه وسلمه إلى المشتري فمات من ذلك في يده لم يرجع بجميع الثمن ، بخلاف الغاصب إذا قطع يدها ، ثم ردها فماتت من ذلك .
ثم على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله هي قد تعيبت في يد الغاصب بعيب الزنا والحبل جميعا ففي القياس يضمن الغاصب نقصان العيب وهو قول محمد رحمه الله . وفي الاستحسان وهو قول أبي يوسف يضمن أكثرهما ، ويدخل الأقل في الأكثر . وكذلك عند أبي حنيفة إذا سلمت من الولادة ينظر إلى نقصان الزنا ، ونقصان الحبل فعليه ضمان أكثرهما ، ولكن إن كان عيب الحبل أكثر فقد زال ذلك بالولادة ، فلا يلزمه إلا قدر نقصان عيب الزنا ، وإن كان عيب الزنا أكثر فعليه ضمان ذلك ; لأن عيب الزنا لا ينعدم بالولادة فمحمد رحمه الله اعتبر الحقيقة ، وهو أن الحبل عيب آخر سوى عيب الزنا لتحقق انفصال كل واحد منهما عن الآخر وأبو يوسف رحمه الله اعتبر اتحاد السبب وقال : الحبل هنا حصل بذلك السبب ، فبحكم اتحاد السبب يدخل الأقل في الأكثر كما في نقصان البكارة مع العقر الواجب بالوطء ، فإنه يدخل الأقل في الأكثر لاتحاد السبب فكذلك هنا ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
كتاب الوديعة ( قال ) الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي - رحمه الله تعالى ، إملاء - : الإيداع عقد جائز ; لأنه تصرف من المالك في ملكه ، وقد يحتاج إليه عند إرادة السفر ، والحاج يحتاج إلى إيداع بعض ماله في كل موضع ; لينتفع به إذا رجع ، والمودع مندوب [ ص: 109 ] إلى القبول - شرعا - ; لما فيه من الإعانة على البر . قال الله - تعالى - { : وتعاونوا على البر والتقوى } . وقال - صلى الله عليه وسلم - { : إن الله - تعالى - في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه } . وبعد القبول ، عليه أداء ما التزم - وهو الحفظ - حتى يؤديها إلى صاحبها ; لقوله تعالى { : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } . وقد قيل في سبب النزول : إن المراد رد مفتاح الكعبة على عثمان بن أبي طلحة ; لأنه حين أتاه به قال : خذه بأمانة الله - تعالى - ولكن ظاهر الآية يتناول كل أمانة . قال - صلى الله عليه وسلم - { : من ائتمن أمانة فليؤدها } . وقال - صلى الله عليه وسلم - { : أد الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك } . وقال - صلى الله عليه وسلم - : { علامة المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان . } على الموحد أن يحترز عما هو من علامة المنافق ، وذلك بأن يحفظ الوديعة على الوجه الذي يحفظ به مال نفسه ; فيضعها في بيته ، أو صندوقه ; لأنه وعد لصاحبها ذلك ، وخلف الوعد مذموم ، وإذا ترك الحفظ بعد غيبة صاحبها : ففيه ترك الوفاء بما التزم ، والغرور في حق صاحبها ، وذلك حرام .
فإن وضعها في بيته أو صندوقه ، فهلكت : لم يضمنه ; لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : { من أودع وديعة فهلكت : فلا ضمان عليه . } ولحديث ابن الزبير عن جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : { ليس على المستعير غير المغل ضمان ، ولا على المودع غير المغل ضمان . } فالمراد بالمغل : الخائن . قال - صلى الله عليه وسلم - { : لا إغلال ولا إسلال في الإسلام } . والإغلال : الخيانة ، والإسلال : السرقة . وقد قيل : المغل المنتفع ، من قولهم : أرض مغل ، أي كثير الريع والغلة ، فعلى هذا : المراد : المنتفع بغير إذن صاحبه . وقال عمر : العارية كالوديعة ، لا يضمنها صاحبها إلا بالتعدي . وقال علي : لا ضمان على راع ، ولا على مؤتمن . والمعنى فيه : أن المودع متبرع في حفظها لصاحبها ، والتبرع لا يوجب ضمانا على المتبرع للمتبرع عليه ، فكان هلاكها في يده كهلاكها في يد صاحبها ، وهو معنى قول الفقهاء - رحمهم الله تعالى - : يد المودع كيد المودع . ويستوي إن هلك بما يمكن التحرز عنه ، أو بما لا يمكن ; لأن الهلاك بما يمكن التحرز عنه بمعنى العيب في الحفظ ، ولكن صفة السلامة عن العيب إنما تصير مستحقا في المعاوضة - دون التبرع - والمودع متبرع ، فإن دفعها إلى بعض من في عياله - من زوجته أو ولده أو والديه أو أجيره - فلا ضمان عليه إذا هلكت - استحسانا - وفي القياس : هو ضامن ; لأنه استحفظ - من استحفظ - منه ، ويؤيد وجه القياس - قوله تعالى - { : ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } . [ ص: 110 ] والمراد : النساء ، فإن كان هو منهيا عن دفع مال نفسه إلى امرأته ، فما ظنك في مال غيره ؟ . وجه الاستحسان : أن المطلوب منه : حفظ الوديعة على الوجه الذي يحفظ مال نفسه ، والإنسان يحفظ مال نفسه بيد من في عياله ، على ما قيل : قوام العالم بشيئين : كاسب يجمع ، وساكنة تحفظ ، ولأنه لا يجد بدا من هذا ، فإنه إذا خرج من داره - في حاجته - لا يمكنه أن يجعل الوديعة مع نفسه ، وإذا خلفها في داره صارت في يد امرأته حكما ، وما لا يمكن الامتناع عنه عفو . وذكر في جملة من في عياله : الأجير ، والمراد : التلميذ الخاص الذي استأجره مشاهرة ، أو مسانهة ، فأما الأجير بعمل من الأعمال - كسائر الأجانب - يضمن الوديعة بالدفع إليه .
فإذا انشق الكيس في صندوقه ; فاختلط بدراهمه : فلا ضمان عليه ; لانعدام الصنع الموجب للضمان عليه ، ولو يمكن تقصير ، فذلك من المودع بأن جعل دراهم الوديعة في كيس بال ، ولكن المختلط مشترك بينهما بقدر ملكهما ، فإن هلك بعضها هلك من مالها جميعا ويقسم الباقي بينهما على قدر ما كان لكل واحد منهما ; لأنه ليس أحدهما بأن يجعل الهالك من نصيبه بأولى من الآخر ، والأصل في المال المشترك إذا هلك شيء منه : أن ما هلك هلك على الشركة ، وما بقي على الشركة باعتبار أن الهالك يجعل كأن لم يكن .
( وإن ) فعل ذلك إنسان ممن هو في عيال المودع - من صغير ، أو كبير ، أو مملوك أو أجنبي - فلا ضمان فيه على المستودع ; لانعدام الخلط منه حقيقة وحكما ، فإن فعل من في عياله كفعله فيما هو مأمور به من جهته صريحا ، أو دلالة ، وذلك لا يوجد في الخلط ، ولكن الضمان على الذي خلطها بمباشرة الفعل الموجب للضمان . والصغير والكبير في ذلك سواء ; لأن الصغير مؤاخذ بضمان الفعل ، فإن تحقق الفعل بوجوده : لا ينعدم بالحجر بسبب الصغر . ثم الخلط أنواع ثلاثة : ( خلط ) يتعذر التمييز بعده - كخلط الشيء بجنسه - فهذا موجب للضمان ; لأنه يتعذر به على المالك الوصول إلى عين ملكه . وخلط يتيسر معه التمييز - كخلط السود بالبيض ، والدراهم بالدنانير - فهذا لا يكون موجبا للضمان ; لتمكن المالك من الوصول إلى عين ملكه ، فهذه مجاورة - ليس بخلط - . وخلط يتعسر معه التمييز - كخلط الحنطة بالشعير - فهو موجب للضمان ; لأنه يتعذر على المالك الوصول إلى عين ملكه ، إلا بحرج ، والمتعسر كالمتعذر - كما بيناه في الغصب - .
( فإن قيل ) : تمييز الحنطة من الشعير ممكن : بأن يصب من ماء فترسب الحنطة ، ويطفو الشعير ، ( قلنا ) : في هذا إفساد للمخلوط في الحال ، ثم الحنطة لا تخلو عن حبات الشعير ، كما لا يخلو الشعير عن حبات الحنطة ، فما كان من حبات الحنطة لصاحب الشعير يرسب ، وما كان من حبات الشعير لصاحب [ ص: 111 ] الحنطة يطفو ، فعرفنا أن التمييز متعذر بهذا الطريق أيضا . وكذلك خلط الجياد بالزيوف ، إن كان بحيث يتعذر التمييز ، أو يتعسر ، فهو موجب للضمان على الخالط ، وإن كان بحيث يتيسر التمييز ، لا يكون موجبا للضمان عليه ، يقول : فإن لم يظهر بالخلط ، فقال أحدهما : أنا آخذ المخلوط ، وأغرم لصاحبي مثل ما كان له ، فرضي به صاحبه : جاز ; لأن الحق لهما ، فإذا تراضيا على شيء صح ذلك في حقهما ، وإن أبى ذلك أحدهما ، فإنه يباع المخلوط ويقسم الثمن بينهما على قيمة الحنطة والشعير ، على التفسير الذي بيناه في الغصب قبل هذا الجواب . إنما يستقيم على قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله ورواية الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله في أن ملك المالك لا ينقطع عن المخلوط ، بل له الخيار بين الشركة في المخلوط وبين تضمين الخالط ، فأما على ما هو الظاهر من مذهب أبي حنيفة : المخلوط ملك للخالط ، وحقهما في ذمته ، فلا يباع ماله في دينهما ; لما فيه من الحجر عليه وأبو حنيفة لا يرى ذلك . والأصح : أنه قولهم جميعا ; لأن ملكهما - وإن انقطع عن المخلوط - فالحق فيه باق ، ما لم يصل إلى كل واحد منهما بدل ملكه ، ولهذا لا يباح للخالط أن ينتفع بالمخلوط قبل أداء الضمان ، فلبقاء حقهما يكون لهما أن يستوفيا حقهما من المخلوط ، إما صلحا بالتراضي ، أو بيعا وقسمة الثمن ، إذا لم يتراضيا على شيء .
وإذا كان عند الرجل وديعة - دراهم أو دنانير ، أو شيء من المكيل ، أو الموزون - فأنفق طائفة منهما في حاجته : كان ضامنا لما أنفق منها - اعتبارا للبعض بالكل - ولو لم يصر ضامنا لما بقي منها ; لأنه في الباقي حافظ للمالك ، وبما أنفق لم يتعيب الباقي ، فإن هذا مما لا يضره التبعيض ، فهو كما لو أودعه وديعتين ، فأنفق إحداهما : لا يكون ضامنا للأخرى ، فإن جاء بمثل ما أنفق ، فخلطه بالباقي ، صار ضامنا لجميعها ; لأن ما أنفق صار دينا في ذمته ، وهو لا ينفرد بقضاء الدين بغير محضر من صاحبه ، فيكون فعله هذا خلطا لما بقي بملك نفسه ، وذلك موجب للضمان عليه ، فإن كان حين أنفق بعضها وجاء ، بمثله فخلط بالباقي أفتي بأنه صار ضامنا لها كلها ، فباعها ثم جاء رب الوديعة فضمنها إياه ، وفي الثمن فضل قال : يطيب له حصة ما خلطه بها من ماله من الفضل ; لأنه ربح حصل على ملكه وضمانه ، ويتصدق بحصة الثاني من الوديعة في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وفي قول أبي يوسف - رحمه الله - : لا يتصدق به ; لأنه بالضمان قد ملكه ، مستندا إلى وقت وجوب الضمان ، ولهذا نفذ بيعه ، فكان هذا ربحا حاصلا على ملكه وضمانه ، فيطيب له كما في حصة ملكه ، وهما يقولان : هذا ربح حصل له بكسب خبيث ، فإنه ممنوع من بيع الوديعة ، [ ص: 112 ] إما لبقاء ملك المودع - كما في الباقي بعد الخلط في إحدى الروايتين ، أو لبقاء حقه على ما قلنا - والربح الحاصل بكسب خبيث سبيله التصدق به ، ولأن المودع عند البيع يخبر المشتري أنه يبيع ملكه وحقه ، وهو كاذب في ذلك ، والكذب في التجارة يوجب الصدقة ; بدليل حديث قيس بن عروة الكناني قال : { كنا نتبايع في الأسواق بالأوساق ونسمي أنفسنا السماسرة ، فدخل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسمانا بأحسن الأسماء وقال : يا معشر التجار ، إن تجارتكم هذه يحضرها اللغو والكذب ; فشوبوها بالصدقة } . فعملنا بالحديث في إيجاب التصدق بالفضل . وهذا إذا كانت الوديعة شيئا يباع .
فإن كانت دراهم : فالدراهم يشترى بها ، ثم ينظر : إن اشترى بها بعينها ونقدها ، لا يطيب له الفصل أيضا ، وإن اشترى بها ، ونقد غيرها ، أو اشترى بدراهم مطلقة ، ثم نقدها : يطيب له الربح هنا ; لأن الدراهم لا تتعين بنفس العقد ، ما لم ينضم إليه التسليم . ولهذا لو أراد أن يسلم غيرها كان له ذلك ، فأما بالقبض يتعين نوع تعين ، ولهذا لا يملك استرداد المقبوض من البائع ليعطيه مثلها ; فلهذا قلنا : إذا استعان في العقد والنقد جميعا بالدراهم الوديعة أو المغصوبة ، لا يطيب له الفضل ، وكذلك إن اشترى بها مأكولا ونقدها ، لم يحل له أن يأكل ذلك قبل أداء الضمان . ولو اشترى بدراهم مطلقة ثم نقد تلك الدراهم : حل له أن ينتفع بها .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|