
14-12-2025, 04:44 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,768
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر
صـــ 52 الى صـــ 61
(227)
فالجنس وغير الجنس فيه سواء ، كالخمر والصنعة من الملاهي والمعازف ، ثم وجوب ضمان النقصان لا يؤدي إلى الربا ، فإن حكم الربا يجري بالمقابلة على طريق المعادلة ، وذلك لا يوجد هنا خصوصا على أصله ، فإن ضمان الغصب عنده لا يوجب الملك في المضمون ، ولكنا نقول : لا قيمة للجودة في هذه الأموال منفردة عن الأصل قال صلى الله عليه وسلم : { جيدها ورديئها سواء } يعني في المالية التي ينبني عليها العقد ; لأنه لا يجوز الاعتياض عن هذه الجودة حتى لو باع قفيز حنطة جيدة بقفيز حنطة رديئة ودرهم لا يجوز ، وما يكون متقوما شرعا فالاعتياض عنه جائز ، وبهذا فارق حال اختلاف الجنس ، وثبوت الخيار عندنا ليس لفوات الجودة بل للتغير المتمكن بفعله في العين ، وإذا ثبت أنه لا قيمة للجودة منفردة عن الأصل قلنا : لو ضمنه النقصان كان فيه إقرار بجودته عن الأصل ، فأما إذا سلم العين إليه ، فلا يكون فيه إقرار بجودته عن الأصل ، وهي متقومة مع الأصل تبعا ، فلهذا كان له أن يضمنه المثل ، وقول شريح هو دليل له على أن المغصوب يصير ملكا للغاصب عند أداء الضمان كما هو مذهبنا
وذكر عن أبي البحتري أن أعرابيا أتى عثمان بن عفان رضي الله عنه فقال : إن بني عمك عدوا على إبلي فقطعوا ألبانها ، وأكلوا فصلانها فقال له عثمان : رضي الله تعالى عنه إذا نعطيك إبلا مثل إبلك ، وفصلانا مثل [ ص: 53 ] فصلانك ، قال : إذا تنقطع ألبانها ، ويموت فصلانها حتى تبلغ الوادي ، فغمزه بعض القوم بعبد الله بن مسعود رضي الله عنه . فقال : بيني ، وبينك عبد الله ، فقال عثمان : رضي الله عنه نعم ، فقال عبد الله رضي الله عنه أرى أن يأتي هذا واديه فيعطى ثمة إبلا مثل إبله ، وفصلانا مثل فصلانه فرضي عثمان رضي الله عنه بذلك وأعطاه
وبظاهر الحديث يستدل أهل المدينة في أن الحيوان مضمون بالمثل عند الغصب والإتلاف فقد اتفق عليه عثمان وابن مسعود رضي الله عنهما إلا أنا نقول : لم يكن هذا على طريق القضاء بالضمان ، وإنما كان ذلك على سبيل الصلح بالتراضي ; لأن المتلف لم يكن عثمان رضي الله عنه ، ووجوب الضمان على المتلف ، والإنسان غير مؤاخذ بجناية بني عمه إلا أن عثمان رضي الله عنه كان يتبرع بأداء مثل ذلك عن بني عمه ، ويقول إن قوتهم ونصرتهم بي ، وهذا لأنه كان به فرط الميل إلى أقاربه ، وإليه أشار عمر رضي الله عنه حين ذكر عثمان رضي الله عنه في الشورى فقال : إنه كلف بأقاربه وكان ذلك ظاهرا منه ; ولهذا جاء الأعرابي يطالبه ، وإنما غمزه بعض القوم بعبد الله رضي الله عنه لما كان بين عثمان رضي الله عنه وبينه من النفرة ، وسبب ذلك معلوم . ثم فيه دليل جواز التحكيم وأن الإمام إذا كان يخاصمه غيره فله أن يحكم برضى الخصم من ينظر بينهما كما فعله عثمان رضي الله عنه . وفيه دليل على أن رد مثل المغصوب أو المستهلك يجب في موضع الغصب والاستهلاك ; لأن ابن مسعود رضي الله عنه حكم بذلك وانقاد له عثمان رضي الله عنه ، وهذا لأن المقصود هو الجبران ، ورفع الخسران عن صاحب المال ، وذلك برد العين عليه في ذلك الموضع وأداء الضمان في ذلك الموضع ; ولهذا قلنا : إن مؤنة الرد تكون على الغاصب .
وذكر عن شريح رحمه الله أن مسلما كسر دنا من خمر لرجل من أهل الذمة فضمنه شريح قيمة الخمر ، وبه نأخذ ، فإن الخمر مال متقوم عندنا في حقهم لتمام إحرازها منهم بحماية الإمام ، فإنهم يعتقدون فيها المالية ، وإنما يكون المال متقوما بالإحراز ، والإمام مأمور بأن يكف عنهم الأيدي المتعرضة لهم في ذلك لمكان عقد الذمة فيتم إحرازها منهم بذلك ، وسنقرر ذلك في موضعه .
( ثم ) فيه دليل أن المسلم يضمن قيمة الخمر للذمي عند الإتلاف دون المثل ; لأن المسلم عاجز عن تمليك الخمر من غيره ، وعند العجز عن رد المثل يكون الواجب هو القيمة ، ولم يذكر تضمين قيمة الدن ; لأن ذلك غير مشكل ، وإنما ذكر الراوي ما هو المشكل ، وهو تضمينه قيمة الخمر .
( وإذا ) غصب الرجل جارية تساوي ألف درهم فازدادت عنده فالزيادة نوعان منفصلة متولدة [ ص: 54 ] منها كالولد والعقر ، ومتصلة كالسمن وانجلاء البياض عن العين ، وفي الكتاب بدأ ببيان الزيادة المتصلة ، ولكن الأولى أن يبدأ ببيان الزيادة المنفصلة فيقول : هذه الزيادة تحدث أمانة في يده عندنا حتى لو هلكت من غير صنعه لم يضمن قيمتها عندنا .
( وقال ) الشافعي رحمه الله تعالى تحدث مضمونة ; لأنها لما تولدت من أصل مضمون بيد متعدية فتحدث مضمونة كزوائد الصيد المخرج من الحرم ، وهذا لأن المتولد من الأصل يكون بصفة الأصل ، والأصل مضمون عليه فكذلك ما تولد منه ، ألا ترى أن الزيادة مملوكة للمغصوب منه كالأصل . ( ثم ) له في بيان المذهب طريقان :
( أحدهما ) أن الزيادة مغصوبة بمباشرة من الغاصب ; لأن حد الغصب الاستيلاء على مال الغير بإثبات اليد لنفسه بغير حق ، وقد كانوا في الجاهلية يتملكون بهذه اليد ، ويسمونه غصبا ، فالشرع أبطل حكم الملك بها في كل محترم ، وأثبت الضمان ، وبقي حكم الملك بها في كل مباح كالصيد ، ثم إنما يملك الصيد بإثبات اليد عليه فكذلك يجب الضمان بإثبات اليد عليه ، وهو مثبت يده على الولد حتى لو نازعه فيه إنسان كان القول قوله .
( والثاني ) هو أنه غاصب للولد تسبيبا ، فإن غصب الأم وإمساكها إلى وقت الولادة سبب لحصول الولد في يده وهو معتاد ; لأن أصحاب السوائم يمسكون الأمهات لتحصيل الأولاد ، وهذا تسبيب هو فيه متعد فينزل منزلة المباشرة ; لأن المال يضمن بالإتلاف تارة وبالغصب أخرى ، وفي الإتلاف المسبب إذا كان متعديا يجعل كالمباشر في حكم الضمان كحفر البئر ووضع الحجر في الطريق فكذلك في الغصب . وحجتنا في ذلك أن وجوب ضمان الغصب لا يكون إلا باعتبار تحقق الغصب ; لأنه سبب ; ولهذا يضاف إليه الحكم ، ولا يثبت بدون السبب ، ولم يوجد الغصب في الزيادة تسبيبا ولا مباشرة ; لأن حد الغصب الموجب للضمان الاستيلاء على مال الغير بإثبات اليد لنفسه على وجه تكون يده مفوتا ليد المالك ; لأن الضمان واجب بطريق الجبران ، فلا يجب إلا بتفويت شيء عليه ، وليس في الغصب تفويت العين ، فعرفنا أن وجوب الضمان باعتبار تفويت اليد عليه ، وذلك غير موجود في الولد ; لأن التفويت بإزالة يده عما كان في يده أو بإزالة تمكنه من أخذ ما لم يكن في يده ، وما كان الولد في يد المالك قط ، ولا زال تمكنه من أخذه لحصوله في دار الغاصب ما لم يمنعه الغاصب منه ، فلا يكون مضمونا عليه لانعدام سبب الضمان حتى يطالبه بالرد ، فإذا منعه يتحقق التفويت بقصر يده عنه بالمنع ، فيكون مضمونا عليه كالثوب إذا هبت [ ص: 55 ] به الريح وألقته في حجره ، وهذا بخلاف الاستيلاء الموجب للملك ; لأن الملك حكم مقصود على المحل فيتم سببه بإثبات اليد على المحل ، والضمان جبران لحق المالك ، فلا يتم سببه إلا بتفويت شيء عليه ، وبخلاف ضمان صيد الحرم ; لأن ذلك ضمان إتلاف معنى الصيدية فيه ، فإنه بالحرم أمن الصيد ، ومعنى الصيدية في تنفيره واستيحاشه وبعده عن الأيدي ، فإثبات اليد عليه يكون إتلافا لمعنى الصيدية فيه حكما ، وقد تحقق ذلك في الولد بإثبات اليد عليه .
فأما الأموال فمحفوظة بالأيدي ، فلا يكون إثبات اليد على المال إتلافا لشيء على المالك .
يوضح الفرق أن الحق في صيد الحرم للشرع ، والشرع يطالبه برد الأصل مع ولده إلى مأمنه ، فإنما وجد المنع منه بعد الطلب ، وذلك سبب الضمان . وعلى هذا الطريق يقول : إذا هلك الولد قبل تمكنه من الرد إلى الحرم لا يضمن ، وعلى الطريق الأول هو ضامن ، ولا وجه لإثبات حكم الضمان في الزيادة بتولدها من الأصل المضمون ; لأن الضمان ليس في العين بل هو في ذمة الغاصب ، وإنما توصف العين به مجازا . كما يقال : فلان مغصوب عليه ، والغصب صفة للغاصب بخلاف الملك ; لأنه وصف للمحل ، فإنه يوصف بأنه مملوكه حقيقة فيتعدى ذلك إلى الولد ، وإن باع الغاصب الولد وسلمه أو أتلفه فهو ضامن لقيمته لوجود التعدي منه على الأمانة كما لو باع المودع الوديعة .
( فإن قيل : ) فليس في البيع والتسليم تفويت يد المالك في الولد . ( قلنا : ) بل فيه تفويت يده ; لأنه كان متمكنا من أخذه من الغاصب ، وقد زال ذلك ببيعه وتسليمه ، فلوجود التفويت من هذا الوجه يكون ضامنا ، فأما الزيادة المتصلة فهي أمانة في يد الغاصب عندنا حتى لو هلكت الجارية بعد الزيادة ضمن قيمتها وقت الغصب ، ولا يضمن الزيادة ، وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه مضمونة كالزيادة المنفصلة عنده ، ويزعم أن كلامه هنا أظهر ، فإن الزيادة تصير مغصوبة بالوقوع في يد الغاصب ، ولأن الزيادة لا تنفصل عن الأصل فمن ضرورة كون يده على الأصل يد غصب أن تكون على الزيادة يد غصب أيضا ، ولكنا نقول : سبب وجوب الضمان في الأصل ليس هو يد الغصب بل اليد الغاصبة ; لأن ليد الغصب حكم الغصب ، وإنما يحال بالضمان على أصل السبب لا على حكمه فأصل السبب اليد الغاصبة المفوتة ليد المالك ، ولم يوجد ذلك في الزيادة ، وإن منعها بعد الطلب ففي إحدى الروايتين الزيادة تصير مضمونة بالمنع ; لأن قصر يد المالك عنها يثبت بالمنع ، وفي الرواية الأخرى لا تصير مضمونة ; لأن المطالبة بالرد في حق الزيادة لا تتحقق منفردة عن الأصل إذ لا يتصور [ ص: 56 ] ردها بدون الأصل ، ولا معتبر بهذا المنع في حق الأصل ; لأن الأصل مضمون بدون هذا المنع فلهذا لا يضمن الزيادة المتصلة بالمنع بعد الطلب بخلاف الزيادة المنفصلة .
وعلى هذا الاختلاف لو ازدادت قيمتها من غير زيادة في بدنها ، ثم هلكت لم يضمن الغاصب إلا قيمتها وقت الغصب عندنا ، وعند الشافعي يضمن قيمتها وقت الهلاك ; لأن من أصله أن سبب الضمان إثبات اليد ، واليد مستدام ، والأصل أن ما يستدام فإنه يعطى لاستدامته حكم إنشائه ، فبهذا الطريق يصير كالمجدد للغصب عند الهلاك . وعندنا سبب وجوب الضمان تفويت يد المالك ، وذلك بابتداء الغصب فتعتبر قيمتها عند ذلك ، فإن باعها وسلمها بعد ما صارت قيمتها ألفين بالزيادة المتصلة فهلكت عند المشتري ، ثم جاء صاحبها فله الخيار إن شاء ضمن المشتري قيمتها يوم قبض العين ، وإن شاء ضمن الغاصب ; لأن المشتري متعد بقبضها لنفسه على طريق التملك ، وفي هذا القبض تفويت يد المالك حكما على ما بينا أنه كان متمكنا من استردادها من الغاصب ، وقد زال ذلك بقبض المشتري على طريق التملك لنفسه فيضمن قيمتها حال قبضه ، وذلك ألفا درهم بمنزلة ما لو غصبها غاصب من الأول بعد الزيادة ، فإن للمالك أن يضمن الغاصب الثاني قيمتها وقت غصبه . وفيه طريقان : أحدهما ما بينا ، والثاني أن المولى باختياره تضمين الغاصب الثاني يكون مبرئا للغاصب الأول ; ولهذا لا يكون له أن يضمنه بعد ذلك ، وبهذا الإبراء تصير يده يد المالك ، والغاصب الثاني مفوت لهذه اليد ، فإذا صارت كيد المالك كان هو ضامنا بتفويته يد المالك حكما ، فإن اختار تضمين البائع ، فإن شاء ضمنه قيمتها وقت الغصب ألف درهم ، وإن شاء ضمنه قيمتها وقت البيع والتسليم ألفي درهم ، ولم يذكر فيه خلافا في الكتاب .
( وروى ) الحسن عن أبي حنيفة ، وابن سماعة عن محمد عن أبي حنيفة رحمهم الله أنه ليس له أن يضمن الغاصب وقت البيع والتسليم قيمتها .
وجه ظاهر الرواية ، وهو قولهما أن الزيادة حصلت في يد الغاصب أمانة ، وقد تعدى عليها بالبيع والتسليم فيكون ضامنا لها بزيادتها كما لو كانت الزيادة منفصلة ، وكما لو قتلها بعد حدوث الزيادة ، ولأنه وجد من الغاصب سببان موجبان للضمان الغصب والتسليم بحكم البيع ، فللمالك أن يضمنه بأي الشيئين شاء كما لو قتلها بعد الغصب .
وتحقيق هذا أن البيع والتسليم استهلاك ، ألا ترى أن من ادعى عينا في يد إنسان فأقام البينة أن فلانا باعه وسلمه منه إليه ، فإن القاضي يقضي بالملك له ، كما لو شهدوا بالملك له ، فهو بالبيع والتسليم باشر سببا لو أثبته المشتري بالبينة قضى القاضي بالملك له فيكون ذلك استهلاكا [ ص: 57 ] للملك على المغصوب منه حكما ، والاستهلاك بعد الغصب يتحقق ، ويكون سببا للضمان كالاستهلاك بالقتل .
وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن ضمان البيع والتسليم ضمان غصب ، والغصب لا يتحقق في المغصوب لوجهين :
( أحدهما ) أن الغصب الموجب للضمان لا يكون إلا بتفويت يد المالك ، والتفويت بعد التفويت من واحد لا يتحقق .
( والثاني ) أن الأسباب مطلوبة لأحكامها ، وتكرار الغصب من واحد في محل واحد غير مفيد شيئا ، فلا يعتبر كتكرار البيع بثمن واحد ، وإنما قلنا : إن ضمان البيع والتسليم ضمان غصب ; لأن ملك المغصوب منه باق بعد بيع الغاصب كما بعد غصبه .
والاستهلاك إما أن يكون بتفويت العين حقيقة أو بتفويت الملك فيه حكما ، وذلك غير موجود . والدليل عليه أن الحر لا يضمن بالبيع والتسليم كما لا يضمن بالغصب ، والحر يضمن بالإتلاف ، وكذلك العقار عند أبي حنيفة وأبي يوسف آخرا رحمهما الله لا يضمن بالبيع والتسليم كما لا يضمن بالغصب ، وهو مضمون بالإتلاف .
( فإذا ) ثبتت هذه القاعدة فنقول : السبب الثاني لا يمكن اعتباره في الأصل لما قلنا : إن الغصب بعد الغصب لا يتحقق مع بقاء حكم الأول ، ولا وجه لإبطال حكم الضمان الثابت بالغصب الأول بفعل الغاصب ; لأن المسقط للضمان عنه نسخ فعله بإعادته إلى يد المالك لا اكتساب غصب آخر ، ولا وجه لاعتبار السبب الثاني في الزيادة ; لأن الزيادة تابعة للأصل ، فلا يثبت الحكم فيها إلا بثبوته في الأصل ، ولأن الزيادة المتصلة لا تفرد بالغصب ، فلا تفرد بضمان الغصب ، ولأنه لما ضمن الأصل بالغصب ملك الأصل بزيادته من ذلك الوقت فتبين أنه باع ملك نفسه ; ولهذا نفذ بيعه هنا ، وبيع ملك نفسه لا يكون موجبا للضمان عنه ، وهذا بخلاف ما إذا قتلها ; لأن ذاك ضمان إتلاف ، والزيادة تفرد بالإتلاف ، ولأن اعتبار السبب الثاني هناك مفيد في حق الأصل ; لأن الضمان بالقتل يجب مؤجلا على العاقلة وبالغصب يجب على الغاصب ، فيجب اعتبار السبب الثاني في حق الأصل لكونه مفيدا ، ثم يعتبر في حق الزيادة تبعا للأصل إلا أنه إذا ضمن الأصل بالقتل لا يملكها ; لأن ضمان القتل لا يوجب الملك ، فلا يتبين به أن الزيادة كانت مملوكة له ، ولم يذكر هنا أن المغصوبة لو كانت دابة فاستهلكها الغاصب بعد الزيادة المتصلة هل يضمن قيمتها زائدة ، ذكر في كتاب الرجوع عن الشهادات أنه يضمن قيمتها زائدة ، فظن بعض المحققين من أصحابنا رحمهم الله أن ذلك الجواب قولهم جميعا ، وجعل يفرق لأبي حنيفة رحمه الله تعالى أن الاستهلاك بعد الغصب يتحقق في الأصل [ ص: 58 ] فيكون موجبا للضمان ، وأما الغصب بعد الغصب فلا يتحقق .
قال رضي الله عنه : والأصح عندي أنه لا فرق في الفصلين عند أبي حنيفة رحمه الله ، فإنه كما لم يذكر الخلاف ثمة لم يذكر هنا قال : وقد رأيت في بعض النوادر بيان الخلاف في الشاة إذا ذبحها الغاصب وأكلها بعد الزيادة أنه لا يضمن قيمتها زائدة ، وهذا لما بينا أن السبب إنما يعتبر إذا كان مفيدا ، وحكم الاستهلاك في الدواب ، وحكم الغاصب سواء ; لأنه يوجب الضمان على المستهلك حالا ، ويملك المضمون به ، فالاستهلاك وإن تحقق ، فلا فائدة في اعتباره في حق الأصل بخلاف القتل في الآدمي ، فإن حكم ضمان القتل مخالف لحكم ضمان الغصب فكان اعتبار السبب الثاني مفيدا ، وهذا بخلاف صيد الحرم إذا باعها ، وسلمها بعد الزيادة ; لأنا نثبت بهذا الكلام أن البيع والتسليم لا يكون سببا للضمان بعد الغصب ، وهناك الزيادة كانت مضمونة عليه قبل هذا إلا أن تصير مضمونة بالبيع والتسليم ، وإن اختار المغصوب منه تضمين المشتري بطل البيع ، ورجع بالثمن على الغاصب ; لأن استرداد القيمة منه كاسترداد العين ، ولأن ملك العين لم يسلم للمشتري بالبيع ، وإنما سلم له بضمان القيمة ، فلا يسلم الثمن للبائع أيضا ، فلهذا استرد الثمن من البائع .
( رجل ) غصب جارية فولدت عنده ، ثم مات الولد فعلى الغاصب رد الجارية مع نقصان الولادة ; لأنها دخلت في ضمانه بجميع أجزائها ، وقد فات جزء مضمون منها ، ولو فاتت كلها ضمن الغاصب قيمتها ، والجزء معتبر بالكل ، وإن كان الولد حيا فعليه ردهما ; لأن الولد جزء من الأصل فيكون مملوكا لمالك الأصل ، ومؤنة الرد في الولد على الغاصب ، وإن لم يكن مضمونا عليه كمؤنة الرد في المستعار على المستعير ، وإن لم يكن مضمونا عليه ، فإذا ردهما وفي قيمة الولد وفاء بنقصان الولادة لم يضمن الغاصب من نقصان الولادة شيئا عندنا ، وقال زفر رحمه الله هو ضامن لذلك ، وإن لم يكن في قيمة الولد وفاء بالنقصان فهو ضامن لما زاد على قيمة الولد من النقصان عندنا ، وعند زفر هو ضامن لجميع النقصان ; لأن ضمان النقصان واجب عليه بفوات جزء مضمون منها ، فلا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء ممن له الحق ، وقد انعدم الإسقاط ممن له الحق ، وهو برد الولد لا يكون مؤديا للضمان ; لأن الولد ملك المضمون له ، وأداء الضمان ملك غير المضمون له ; لأن الضمان لجبران ما فات عليه ، وملكه لا يكون جابرا لملكه ، ولا يجوز أن يكون الولد قائما مقام الجزء الفائت بالولادة ; لأن الولد أمانة في يده ، والفائت مضمون عليه فكيف تكون الأمانة خلفا عن المضمون .
( ألا ترى ) أنه لو دخلها عيب آخر في يده ، وفي [ ص: 59 ] قيمة الولد وفاء بنقصان ذلك العيب لم يكن الولد جابرا لذلك النقصان . وشبه هذا بمن قطع قوائم شجرة إنسان فنبت مكانها أخرى لم يسقط الضمان عن القاطع بما نبت ; لأن النابت ملك المضمون له بخلاف ما لو قطعت يدها فأخذ الغاصب الأرش فردها مع الأرش ; لأن الأرش ما تولد من ملك المضمون له ، فيمكن أن يجعل مؤديا للضمان به ، وبخلاف ما لو قلع سنها فنبت مكانها أخرى أو صارت مهزولة ثم سمنت ; لأن هناك انعدم سبب الضمان ; لأن السبب إفساد المنبت لا مجرد القلع ، وقد تبين أنه ما أفسد المنبت ; ولهذا لو كان نبات السن بعد الرد لم يجب على الغاصب شيء أيضا ، وهنا السبب وهو النقصان قائم مشاهد ، والولد لا يصلح أن يكون قائما مقام ذلك النقصان .
ألا ترى أن الوفاء بقيمته لو حصل بعد الرد لم يتخير به فكذلك قبله وحجتنا في ذلك أن سبب الضمان منعدم هنا حكما ، والنابت حكما كالثابت حسا أو أقوى منه . وبيان ذلك أن الولد خلف عن الجزء الفائت بالولادة بطريق اتحاد السبب ، وهو أن الولادة أوجبت فوات جزء من مالية الأصل وحدوث مالية الولد ; لأن الولد وإن كان موجودا قبل الانفصال فلم يكن مالا بل كان عيبا في الأم أو كان وصفا لها ، وإنما صار مالا مقصودا بعد الانفصال ، والسبب الواحد متى أثر في النقصان والزيادة كانت الزيادة خلفا عن النقصان كالبيع لما زال المبيع عن ملك البائع وأدخل الثمن في ملكه كان الثمن خلفا عن مالية المبيع له باتحاد السبب ، حتى لو شهد الشاهدان عليه ببيع شيء بمثل قيمته ، ثم رجعا لم يضمنا شيئا ، وكذلك الأرش خلف عن مالية اليد المقطوعة باتحاد السبب ، فكما ينعدم النقصان إذا رد ذلك الجزء بعينه بأن غصب بقرة فقطع جزءا منها ، ثم رد ذلك الجزء مع الأصل فكذلك ينعدم النقصان برد الخلف ; لأن الخلف عن الشيء يقوم مقامه عند فواته ، والدليل عليه فصل السمن والسن ، فإن الحادث هناك يجعل خلفا عن الفائت باتحاد المحل ; لأنه حادث في محل النقصان ، وتأثير السبب في الخلافة أكثر من تأثير المحل ، فإذا جعل باتحاد المحل هناك الحادث خلفا عن الفائت حتى ينعدم به سبب الضمان فهذا أولى ، وبهذا ظهر الجواب عن كلامه ، فإنا لا نجعل الغاصب مؤديا للضمان برد الولد ، ولكن نبرئه بانعدام سبب الضمان ، فإنما ينعدم سبب الضمان برد ملك المغصوب منه فيكون المردود ملكه يقرر هذا المعنى .
( فإن قيل : ) كيف يستقيم هذا ، والولد يبقى ملكا للمغصوب منه بعد انعدام النقصان . ( قلنا : ) لأنه في الملك لم يكن خلفا إنما كان مملوكا له بكونه متولدا من ملكه وذلك باق ، وإنما [ ص: 60 ] كان خلفا في حكم الانجبار ، فلا جرم بعد ارتفاع النقصان لا يكون الولد جابرا للنقصان ، وهو كالتراب خلف عن الماء في حكم الطهارة لا في الملك ، فبعد وجود الماء يبقى التراب مملوكا له ، ولا يكون خلفا في حكم الطهارة .
( وإذا ) ثبت هذا فيما إذا كان في قيمة الولد وفاء بالنقصان عند الولادة فكذلك إذا صار فيه وفاء بعد الولادة قبل الرد ; لأن حكم الخلافة باتحاد السبب لما انعقد فيه فالحادث فيه بعد انعقاد السبب يلتحق بالموجود وقت السبب ، كالزوائد في المبيع بعد البيع قبل القبض تلتحق بالموجود وقت العقد ، ولكن هذه الخلافة في حكم الانجبار ليكون رد الخلف كرد الأصل ، وهذا ينتهي بالرد ، فالزيادة فيه بعد الرد لا تجعل كالموجود عند السبب لهذا كالزيادة في المبيع بعد القبض لا تعتبر في انقسام الثمن ، فأما في السن يتبين انعدام سبب الضمان من حيث إن الحادث خلف عن الفائت باتحاد المحل من حيث الظاهر ، ومن حيث المعنى عدم إفساد المنبت ، وذلك يتحقق بعد الرد كما يتحقق قبله . ويوضحه أن هناك لا يشترط لإيجاب الضمان بالقلع كون الأصل في ضمانه عند القلع ، فكذلك لا يشترط لانعدام السبب بالنبات بقاء الأصل في ضمانه بخلاف ما نحن فيه ، وفي قطع قوائم الشجرة الواجب ضمان عين ما ذهب به القاطع وهو الجزء المقطوع ، وذلك لا ينعدم بنبات مثله . ثم النبات هناك ليس بسبب القطع بل ببقاء الشجرة الخضرة النامية ، والانجبار بحكم اتحاد السبب على ما قررنا فإن ماتت الأم ، وبالولد وفاء بقيمتها ففي هذه المسألة ثلاث روايات : روي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه يبرأ برد الولد ; لأن وجوب الضمان على الغاصب لجبران حق المغصوب منه ، وذلك حاصل بالوفاء في قيمة الولد ، وروي عنه أنه يجبر بالولد قدر نقصان الولادة ، ويضمن ما زاد على ذلك من قيمة الأم ; لأن الولادة لا توجب الموت فالنقصان يكون بسبب الولادة ، فأما موت الأم لا يكون بسبب الولادة ، ورد القيمة كرد العين ، ولو رد عين الجارية كان النقصان منجبرا بالولد ، فكذلك إذا رد قيمتها ، ( وفي ) ظاهر الرواية عليه قيمتها يوم الغصب كاملة لوجهين :
( أحدهما ) أنها لما ماتت تبين أن الولادة كانت موتا من أصله كالجرح إذا اتصل به زهوق الروح يكون قتلا من أصله لا أن يكون جرحا ، ثم قتلا بناء عليه ، ومن حيث إن الولادة موت لا يكون موجبا للزيادة ، وهذا بخلافه بحكم اتحاد السبب ، فإذا انعدم هناك لم يكن الولد جابرا للنقصان بالولادة ، ولا قائما مقام الأم ; لأنا نجعل اتحاد السبب كاتحاد المحل ، وهناك يتصور أن يكون الحادث خلفا عن الفائت إذا كان الفائت بعض الأصل [ ص: 61 ] كالسمن والسن لا ما إذا كان الفائت جميع الأصل ، فكذلك بسبب اتحاد السبب يجعل الحادث خلفا عن الفائت إذا كان الفائت بعض الأصل لا ما إذا كان الفائت كله ; لأن الحادث تبع والتبع لا يقوم مقام الأصل إنما يقوم مقام تبع مثله .
يوضحه أنه لما ضمن الأصل من وقت الغصب ملك الأصل بالضمان من ذلك الوقت ، وتبين أن النقصان حادث على ملكه ، فلا حاجة إلى ما يجبره ، بخلاف ما إذا رد الأصل فالحاجة إلى رد جابر النقصان هنا متقرر ، وباعتبار هذه الحاجة يجعل الولد خلفا في حكم الانجبار به .
( قال : ) وإذا جاء المغصوب منه يدعي جاريته في يد الغاصب ، وهو منكر فأقام شاهدا أنها جاريته غصبها هذا إياه ، وأقام شاهدا آخر على إقرار الغاصب بذلك لم يجز ; لأنهما اختلفا حين شهد أحدهما بالقول ، والآخر بالفعل ، إذ الفعل غير القول ، وبشهادة الواحد لا يثبت واحد من الأمرين . وكذلك لو شهد أحدهما بالملك له ، وشهد الآخر على إقرار الغاصب له بالملك ; لأن المشهود به مختلف ، وليس على واحد من الأمرين شهادة شاهدين ، وإن شهدا له بالملك وزاد أحدهما ذكر الغصب فالشهادة جائزة ; لأنهما اتفقا في الشهادة على الملك للمدعي ، وتفرد إحداهما بالشهادة بالغصب على المدعى عليه ، فيقضي القاضي بما اتفقا عليه ، وإن شهد أحدهما أنها جاريته ، وشهد الآخر أنها كانت جاريته قضيت بها له ; لأنهما اتفقا في المشهود به ، وهو المالك للمدعي ; لأن ما كان له فهو باق على ملكه أبدا حتى يخرجه من ملكه بحق ، ولم يظهر سبب ذلك ، فعرفنا أن كل واحد منهما شهد له بالملك في الحال وإن شهد أحدهما أنها جاريته اشتراها من فلان ، وشهد الآخر أنها جاريته ورثها عن أبيه لم يجز ; لأن أحدهما شهد له بملك هو أصل فيه مستفاد بسبب أحدثه وهو الشراء ، والآخر شهد له بملك هو خلف عن مورثه فيه ، وأحد الملكين متباين عن الآخر .
ألا ترى أن الوارث يرد بالعيب على بائع مورثه ، ويصير مغرورا بشراء مورثه ، والمشتري لا يرد على بائع بائعه ، ولا يصير مغرورا بسبب شراء بائعه .
( وإذا ) اختلف المشهود به حكما لم يتمكن القاضي من القضاء بشيء .
وإن شهد أحدهما بالشراء من رجل ، والآخر بالشراء من رجل آخر أو بهبة أو صدقة لم تجز الشهادة لاختلافهما في المشهود به وهو السبب ، إما لأن الصدقة والهبة غير الشراء ، أو لأن الشراء من زيد غير الشراء من عمرو ، وإن شهدا أنها جاريته غصبها إياه هذا وقد باعها الغاصب من رجل فسلم رب الجارية البيع بعد ذلك قال : يجوز ; لأن البيع انعقد من الغاصب موقوفا على إجازة المالك ، فإن من أصلنا أن ماله مجيز [ ص: 62 ] حال وقوعه يتوقف على الإجازة ، وأن الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء ، ولكن الشرط لتمام العقد بالإجازة بقاء المتعاقدين والمعقود عليه والمجيز ، وذلك كله باق هنا .
( وقد ) ذكر في النوادر أن المدعي إذا طلب من القاضي أن يقضي له بالملك ففعل لم يكن له أن يجيز البيع بعد ذلك ; لأنه طلب من القاضي أن يقرر ملكه ، وذلك يتضمن دفع السبب المزيل فيجعل ناسخا للبيع بهذا . وجه ظاهر الرواية أن الملك الذي ظهر له بقضاء القاضي لا يكون أقوى من ملك ظاهر له ، وذلك لا يمنع انعقاد البيع موقوفا ، فلا يمنع بقاء البيع إذا ظهر بالقضاء بطريق الأولى ، فإن كان الغاصب قد قبض الثمن فهلك عنده هلك من مال رب الجارية ; لأن بنفوذ البيع صار الغاصب كالوكيل من جهته بالبيع بطريق أن الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء ، وحق قبض الثمن إلى الوكيل ، وهو أمين فيما يقبض ، ألا ترى أنه لو هلك عنده بعد الإجازة لم يضمن فكذلك إذا هلك قبل الإجازة ، ولا يشترط لنفوذ العقد بالإجازة بقاء الثمن ; لأن الثمن معقود به ، ولا يشترط وجوده في ملك المشتري لصحة البيع بعد ابتداء فكذلك لا يشترط بقاؤه لنفوذ البيع بالإجازة ، وكل ما حدث للجارية عند المشتري من ولد أو كسب أو أرش جناية ، وما شابهها فهو للمشتري ; لأن عند إجازته ينفذ البيع ، ويثبت الملك للمشتري من وقت البيع ، فإن سبب ملكه هو العقد ، وكان تاما في نفسه ، ولكن امتنع ثبوت الملك به لمانع ، وهو حق المغصوب منه ، فإذا ارتفع ذلك بالإجازة ثبت الملك له من وقت السبب ; لأن الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء فتبين أن الزوائد حدثت على ملكه ، وإن لم يسلم المبيع ، وأخذها أخذ جميع ذلك معها ; لأنه بقي ملكه مقررا فيها ، وإنما يملك الكسب والأرش والولد بملك الأصل ، فإن أعتقها المشتري لم ينفذ عتقه قبل أن يجيز المالك البيع عندنا .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|