شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: لا يَدْخُلُ المَدينة الطّاعُون ولا الدَّجال
- المدينة النبوية أُحيطَتْ طُرقُها وفِجاجُها ومداخِلُها بالملائكةِ فلا يَستطيعُ الطَّاعونُ ولا الدَّجَّالُ دُخولَها إذْ تَحرسُها الملائكةُ وتَمنَعُه مِن دُخولِها
- المدينةُ النَّبويَّةُ بُقعةٌ مِن الأرضِ مُبارَكةٌ طَهَّرَها اللهُ مِن الأدناسِ واختارَها لتَكونَ مُهاجَرَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وحاضنةَ دَعوتِه وأساسَ دَولتِه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ، لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ»، الحديث رواه مسلم في الحج (2/1005) باب: صِيانة المَدينة مِنْ دُخُول الطّاعُون والدّجال إليها، ورواه البخاري في فضائل المدينة (1880) باب: لا يَدخلُ الدّجال المَدينة، وموضعين آخرين، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ببَعضِ ما فضَّل اللهُ به المدينةَ النبوية على غيرِها من البلاد والقُرى.
- قوله: «على أنْقابِ المَدينة ملائكة» الأنقاب جمع نَقَب، قال ابن وهب: المُراد بها: المداخل، وقيل: الأبواب. وأصْل النّقب: الطريق بين الجبلين.
«لا يَدخلها الطّاعون»
- وقوله: «لا يَدخلها الطّاعون» والطّاعون: الموت العام الفاشي، والطاعونُ: نَوعٌ مِن الوَباءِ المُهلِكِ، وهو عِبارةٌ عن خُرَّاجاتٍ وقُروحٍ وأورامٍ رَديئةٍ تَظهَرُ بالجسمِ، وفي مُسنَدِ أحمدَ: عن أبي مُوسى الأشعريِّ - رضي الله عنه -: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَناءُ أُمَّتي بالطَّعنِ والطاعونِ». قال: فقُلْنا: يا رَسولَ اللهِ، هذا الطَّعنُ قدْ عَرَفناهُ، فما الطَّاعونُ؟ قال: «طَعْنُ أعدائِكِم مِن الجنِّ، في كلٍّ شَهادةٌ».
والمقصود: أنّه لا يكون في المدينة مِنَ الطاعون، مثل الذي يكون في غيرها من البلاد، كالذي وقع في طاعون عمواس والجارف وغيرهما، وقد أظهَر الله صِدق رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنه لمْ يُسمع مِنَ النقلة ولا مِنْ غيرهم، مَنْ يقول: إنّه وقع في المدينة طاعونٌ عام؛ وذلك ببركة دُعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ حيثُ قال: «اللهُم صَحّحها لنا». فالمدينة النبوية قدْ أُحيطَتْ أنقابُها -وهي طُرقُها وفِجاجُها ومداخِلُها- بالملائكةِ، فلا يَستطيعُ الطَّاعونُ ولا الدَّجَّالُ دُخولَها؛ إذْ تَحرسُها الملائكةُ مِنه، وتَمنَعُه مِن دُخولِها، وفي الصَّحيحَينِ: مِن حَديثِ أنسِ بنِ مالكٍ - رضي الله عنه -: أنَّ الدَّجَّالَ يَنزِلُ في السَّبخةِ الَّتي تَجتمِعُ بها السُّيولُ، في الشَّمالِ الغربيِّ مِن المدينةِ، فإذا وصَلَ إلى هناك، ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، أي يقَعَ زلزالٌ بالمدينةِ، فيخرَج إليه المنافِقون منها، أمَّا المدينةُ نفْسُها، فلا يَستطيعُ دُخولَها. خُروجُ المَسيحِ الدَّجَّالِ
وخُروجُ المَسيحِ الدَّجَّالِ مِن أشراطِ السَّاعةِ الكُبرى وعَلاماتِها، والدَّجَّالُ مِنَ التَّدْجِيلِ بمعْنى التَّغطيةِ؛ لأنَّه كذَّابٌ يُغَطِّي الحقَّ ويَستُرُه، ويُظهِرُ الباطلَ. وقد أَقْدَره اللهُ -عزَّ وجلَّ- على أشياءَ مِن مَقدوراتِ اللهِ -تعالى-: مِن إحياءِ الميِّتِ الَّذي يَقتُلُه، ومِن ظُهورِ زَهرةِ الدُّنيا والخِصْبِ معه، وجَنَّتِه ونارِه، ونَهْرَيْهِ، واتِّباعِ كُنوزِ الأرضِ له، وأمْرِه السَّماءَ أنْ تُمطِرَ فتُمطِرَ، والأرضَ أنْ تُنبِتَ فتُنبِتَ، فيَقَعُ كلُّ ذلك بقُدرةِ اللهِ -تعالى- ومَشيئتِه، فِتنةً وابتلاءً للناس. وفي الصَّحيحَينِ: مِن حَديثِ أنسٍ - رضي الله عنه - مرفوعاً: «ليسَ مِن بَلَدٍ إلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ، إلَّا مَكَّةَ والمَدِينَةَ». فامتازتْ هاتانِ المَدينتانِ العَظيمتانِ بهذا. فوائد الحديث
- أنّ المدينةُ النَّبويَّةُ بُقعةٌ مِنَ الأرضِ مُبارَكةٌ، طَهَّرَها اللهُ مِنَ الأدناسِ، وحَفِظَها مِن المُهلكاتِ.
- فيها تَحقَّقَ كَلامُ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في الطَّاعونِ، فقد ظَهَرَ في أكثرَ مِن مَكانٍ عبْرَ التاريخِ، ولم يَظهَرْ بالمدينةِ، تَصديقًا لكَلامِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.
- فالحديث علَمٌ مِن أعلامِ نُبوَّتِه -صلى الله عليه وسلم -، وفيه: بَيانُ فضْلِ المدينةِ، وفضْلِ سُكْناها.
باب: المَدِينَةُ تَنْفِي خَبَثَها
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، يَدْعُو الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ وَقَرِيبَهُ: هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ، هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ، والْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ! والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ فِيهَا خَيْراً مِنْهُ، أَلَا إِنَّ المَدِينَةَ كَالْكِيرِ، تُخْرِجُ الْخَبِيثَ، لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ المَدِينَةُ شِرَارَهَا، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ»، وعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - رضي الله عنه -: قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ -تعالى- سَمَّى الْمَدِينَةَ: طَابَةَ»، الحديثان رواهما مسلم في الحج (2/1005) باب: المَدِينة تَنْفي شِرَارها. الحَديثِ الأول
في الحَديثِ الأول: يُخبِرُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه يَأتي عَلى النَّاسِ زَمانٌ، ينادي الرَّجلُ ابنَ عمِّه وقَريبَه، فيقول له: «هَلُمَّ إلى الرَّخاءِ» يَعني: هيا إلى الخُروجِ منَ المدينةِ، وأسْرِع إلى الرَّخاءِ، يعني بذلك - صلى الله عليه وسلم - أنَّ البلدانَ تُفتَحُ على المُسلمينَ، فتَكثُرُ الأموال والخيراتُ، ويعمّ الرّخاء، فيَركَنُ كَثيرٌ ممَّن خرَج مِنَ المدينة والحِجازِ وجزيرة العَرب، إلى ما وَجَدوا مِن خَيراتٍ بتلك البلادِ المفتوحةِ، فيَتَّخِذونها داراً وموطناً، ويَدْعون إليهم مَن كان بالمدينةِ مِن أهلِهم، لشِدَّةِ العَيشِ بها، وضيق الحَال. والحقّ: أنَّ الإقامةَ في المَدينةِ النّبوية خَيرٌ لهم؛ لأنَّها حَرَمُ الرَّسولِ - صلى الله عليه وسلم -، وجِوارُه، ومَهبِطُ الوَحْيِ من القرآن الكريم، والسُّنّة النّبوية، ومَنازِلُ الصّحابة الكرام، ولو كانوا يَعلَمون ما في الإقامةِ بها، مِنَ الفَوائدِ والعوائدِ في الدِّينِ والدّنيا، الَّتي يُحتقرُ دُونَها ما يَجِدونه مِن الحُظوظِ الدُّنيويَّةِ الفانيةِ العاجلةِ، في الإقامةِ في غَيرِها من البُلدان والقُرى، لما تركوها، وهاجروا عنها، أو المعْنى: لو كان عِندَهم شَيءٌ مِن العِلمِ، أي: لَيتَهم كانوا مِن أهلِ العِلمِ، تَغليظاً وتَشديداً. قَسَمُ النبي - صلى الله عليه وسلم -
- ثُمَّ أَقْسَمَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «والَّذي نَفسِي بيَدِه» وهذا قسَمٌ باللهِ الَّذي يَملِكُ الرُّوحَ والنَّفْسَ، «لا يَخرُجُ مِنهم أَحدٌ» أي: لا يَدَعُها ويَترُكُها أَحدٌ ممَّن استَوطَنَها، رغبةً عَنها، أي: زاهدًا فيها، أو رَغبةً عَن ثَوابِ السَّاكنِ فيها، إلَّا أَخلَفَ اللهُ -سُبحانَه وتعالى- وأَبدَلَ في المَدينةِ، مَنْ هوَ خيرٌ منهُ، إمّا بمَولودٍ يُولَدُ فِيها، أو بمُنتَقِلٍ يَنتقِلُ إليها مِنْ غَيرِها مِنَ البلاد.
المدينة تُخرِجُ شِرارَ النَّاسِ
- ثمَّ ذكَر - صلى الله عليه وسلم - أنَّ المدينة تُخرِجُ شِرارَ النَّاسِ، فلا يَتحمَّلونَ المُقامَ بها، وإنَّما يَتحمَّلُ المُقامَ بها المُؤمِنونَ الصَّالحون؛ فإنَّها لا تَترُكُ فيها مَنْ في قَلْبِه دَغَلٌ وفَسادٌ، بلْ تُميِّزُه عن القُلوبِ الصَّادقةِ وتُخرِجُه، كما تُميِّزُ النارُ رَديءَ الحَديدِ مِنْ جَيِّدِه، والكِيرُ: هو الجِلدُ الَّذي يَنفُخُ به الحدَّادُ على النَّارِ، فلا تَقومُ السَّاعةُ حتَّى تَنفيَ المدينةُ شِرارَها، كَما يَنفي الكِيرُ خَبثَ الحديدِ، وخَبثُ الحَديدِ: وَسَخُه وقَذَرُه الَّذي تُخرِجُه النَّارُ مِنها.
وقيل: إنَّ المرادَ هنا بَعضُ مَن كان في عهْدِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِن المُنافِقينَ، وإلَّا فبَعْدَ عهْدِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قدْ خرَجَ منها كثيرٌ مِن الصَّالحينَ والأفاضِلِ، وبَقِي فيها بعضُ الطَّالحينَ والفاسِدينَ. وقيل: يَحتمِلُ أنْ يكونَ نَفيُ المدينةِ لشِرارِها مُختصًّا بزمَنِ الدَّجَال، ويَحتمِلُ أنْ يكونَ في أزمانٍ مُتفرِّقةٍ. قال القاضي: الأظهر أنّ هذا مختصٌّ بزمن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنّه لمْ يكنْ يَصبر على الهِجرة والمقام معه، إلا مَنْ ثَبَتَ إيمانه، وأمّا المنافقون وجهلة الأعراب، فلا يصبرون على شدَّة المدينة، ولا يَحْتسبون الأجر في ذلك، كما قال ذلك الأعرابي الذي أصابه الوعك: أقلني بيعتي. قال النووي: هذا كلام القاضي، وهذا الذي ادّعى أنّه الأظْهر، ليس بالأظْهر؛ لأنّ هذا الحديث الأول في صحيح مسلم: أنّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تَقُوم السّاعة حتّى تَنْفي المَدينة شِرَارها، كما يَنْفي الكيرُ خَبثَ الحَديد»، وهذا- والله أعلم- في زَمن الدّجّال، كما جاء في الحديث الصحيح، الذي ذكره مسلم في أواخر الكتاب، في أحاديث الدّجال: أنّه يقصد المَدينة، فتَرجُف المَدينة ثلاثَ رَجفات، يَخرجُ اللهُ بها منْها، كلُّ كافرٍ ومُنافق». فيحتمل أنّه مُختصٌّ بزَمن الدّجّال، ويَحتمل أنّه في أزْمانٍ مُتفرّقة، والله أعلم. انتهى. من فوائد الحديث:
- المدينةُ النَّبويَّةُ بُقعةٌ مِن الأرضِ مُبارَكةٌ، طَهَّرَها اللهُ مِن الأدناسِ، واختارَها لتَكونَ مُهاجَرَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وحاضنةَ دَعوتِه، وأساسَ دَولتِه.
- فيه بَيانُ بعضِ فَضائلِ المدينةِ.
- وفيه: عَلامةٌ مِن عَلاماتِ نُبوَّتِه - صلى الله عليه وسلم -.
الحديث الثاني
في هَذا الحَديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم - أنَّ مِن الأسماءِ الَّتي سَمَّى اللهُ -تعالى- بها المَدينةَ: «طابةَ»، والمعنى أنَّ اللهَ -تعالى- سمَّاها كذلك في اللَّوحِ المَحْفوظِ، أو أمَرَ نَبيَّه - صلى الله عليه وسلم - أنْ يُسمِّيَها بها، ردّاً على المنافقينَ في تَسميتِها: يَثرِبَ، فروى البخاري في «فضائل المدينة من صحيحه»: عن أبي حُميد الساعدي - رضي الله عنه - قال: أقبلنا مع النّبي - صلى الله عليه وسلم - مِنْ تَبُوك، حتّى أشْرَفنا على المَدينة، فقال: «هذِه طَابَة». وطابة: اشتقاقُها مِنَ الطِّيبِ، وهو الرَّائِحةُ الحَسَنةُ، أو مِن الشَّيءِ الطَّيِّبِ الطَّاهِرِ، لخُلوصِها مِن الشِّركِ والكفر، وتَطهيرِها منه. وقيل: لطِيبِها لساكنِها، وقيل: مِن طِيبِ العَيشِ بها، وقيل: لطِيبِ تُرابِها وهَوائِها.
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي