عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 09-07-2025, 11:44 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,623
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (14)
سُورَةُ لقمــان
من صــ 76 الى صــ 85
الحلقة (563)


يخلق الخلق ما هو خالق في السموات والأرض من كل شيء ، وعلم ما فيه من مثاقيل الذّر ، وعلم الأجناس كلها وما فيها من شعرة وعضو ، وما في الشجرة من ورقة ، وما فيها من ضروب الخلق ، وما يتصرف فيه من ضروب الطعم واللون ؛ فلو سمى كل دابة وحدها ، وسمى أجزاءها على ما علم من قليلها وكثيرها وما تحولت عليه من الأحوال ، وما زاد فيها في كل زمان ، وبين كل شجرة وحدها وما تفرعت إليه ، وقدر ما ييبس من ذلك في كل زمان ، ثم كتب البيان على كل واحد منها ما أحاط الله جل ثناؤه به منها ، ثم كان البحر مدادا لذلك البيان الذي بين الله تبارك وتعالى عن تلك الأشياء يمده من بعده سبعة أبحر لكان البيان عن تلك الأشياء أكثر.
قلت : هذا معنى قول القفال ، وهو قول حسن إن شاء الله تعالى. وقال قوم : إن قريشا قالت سيتم هذا الكلام لمحمد وينحسر ؛ فنزلت وقال السّدي : قالت قريش ما أكثر كلام محمد! فنزلت.
قوله تعالى : {وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ} قراءة الجمهور بالرفع على الابتداء ، وخبره في الجملة التي بعدها ، والجملة في موضع الحال ؛ كأنه قال : والبحر هذه حاله ؛ كذا قدرها سيبويه. وقال بعض النحويين : هو عطف على {أنّ} لأنها في موضع رفع بالابتداء. وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق : {وَالْبَحْرُ} بالنصب على العطف على {ما} وهي اسم {أنّ} . وقيل : أي ولو أن البحر يمده أي يزيد فيه. وقرأ ابن هرمز والحسن : {يَمُدُّهُ} ؛ من أمّد. قالت فرقة : هما بمعنى واحد. وقالت فرقة : مّد الشيء بعضه بعضا ؛ كما تقول : مّد النيل الخليج ؛ أي زاد فيه. وأمّد الشيء ما ليس منه. وقد مضى هذا في {البقرة. وآل عمران} . وقرأ جعفر بن محمد : {والبحر مداده} . {مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} تقدم. {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} . وقال أبو عبيدة : البحر ها هنا الماء العذب الذي ينبت الأقلام ، وأما الماء الملح فلا ينبت الأقلام.
الآية : [28] {مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}
قوله تعالى : {مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} قال الضحاك : المعنى ما ابتداء خلقكم جميعا إلا كخلق نفس واحدة ، وما بعثكم يوم القيامة إلا كبعث نفس واحدة. قال النحاس : وهكذا قّدره النحويون بمعنى إلا كخلق نفس واحدة ؛ مثل : {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} وقال مجاهد : لأنه يقول للقليل والكثير كن فيكون. ونزلت الآية في أبي بن خلف وأبي الأسدين ومنبِّه ونبيه ابني الحجاج بن السباق ، قالوا للنبّي صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى قد خلقنا أطوارا ، نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ، ثم تقول إنا نبعث خلقا جديدا جميعا في ساعة واحدة! فأنزل الله تعالى : {مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} ، لأن الله تعالى لا يصعب عليه ما يصعب على العباد ، وخلقه للعالم كخلقه لنفس واحدة. {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ} لما يقولون {بَصِيرٌ} بما يفعلون.
الآية : [29] {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}
الآية : [30] {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}
قوله تعالى : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} تقدم. {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} أي ذللهما بالطلوع والأفول تقديرا للآجال وإتماما للمنافع. {كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً} قال الحسن : إلى يوم القيامة. قتادة :
إلى وقته في طلوعه وأفوله لا يعدوه ولا يقصر عنه. {وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي من قدر على هذه الأشياء فلا بد من أن يكون عالما بها ، والعالم بها عالم بأعمالكم. وقراءة العامة {تَعْمَلُونَ} بالتاء على الخطاب. وقرأ السلمّي ونصر بن عاصم والدوري عن أبي عمرو بالياء على الخبر. {ذَلِكَ } أي فعل الله تعالى ذلك لتعلموا وتقروا {بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ} أي الشيطان ؛ قاله مجاهد. وقيل : ما أشركوا به الله تعالى من الأصنام والأوثان. {وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} العلّي في مكانته ، الكبير في سلطانه.
الآية : [31] {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}
قوله تعالى : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ} أي السفن {تَجْرِي} في موضع الخبر. {فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ} أي بلطفه بكم وبرحمته لكم في خلاصكم منه. وقرأ ابن هرمُز : {بِنِعْمَتِ اللَّهِ} جمع نعمة وهو جمع السلامة ، وكان الأصل تحريك العين فأسكنت. {لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ} {مِنْ} للتبعيض ، أي ليريكم جري السفن ؛ قال يحيى بن سلام. وقال ابن شجرة : {مِنْ آيَاتِهِ} ما تشاهدون من قدرة الله تعالى فيه. النقاش : ما يرزقهم الله منه. وقال الحسن : مفتاح البحار السفن ، ومفتاح الأرض الطرق ، ومفتاح السماء الدعاء. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي صبار لقضائه شكور على نعمائه. وقال أهل المعاني : أراد لكل مؤمن بهذه الصفة ؛ لأن الصبر والشكر من أفضل خصال الإيمان. والآية : العلامة ، والعلامة لا تستبين في صدر كل مؤمن إنما تستبين لمن صبر على البلاء وشكر على الرخاء. قال الشعبّي : الصبر نصف الإيمان ، والشكر نصف الإيمان ، واليقين الإيمان كله ؛ ألم تر إلى قوله تعالى : {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} وقوله : {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ} وقال عليه السلام : "الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر"
الآية : [32] {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ}
قوله تعالى : {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ} قال مقاتل : كالجبال. وقال الكلبي : كالسحاب ؛ وقاله قتادة : جمع ظلة ؛ شبه الموج بها لكبرها وارتفاعها. قال النابغة في وصف بحر :
يماشيهن أخضر ذو ظلال ... على حافاته فلق الدنان
وإنما شبه الموج وهو واحد بالظل وهو جمع ؛ لأن الموج يأتي شيئا بعد شيء ويركب بعضه بعضا كالظلل. وقيل : هو بمعنى الجمع ، وإنما لم يجمع لأنه مصدر. وأصله من الحركة والازدحام ؛ ومنه : ماج البحر ، والناس يموجون. قال كعب :
فجئنا إلى موج من البحر وسطه ... أحابيش منهم حاسر ومقنع
وقرأ محمد ابن الحنفية : {مَوْجٌ كَالظُّلَلِ} جمع ظل. {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} موحدين له لا يدعون لخلاصهم سواه ؛ وقد تقدم. {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ} يعني من البحر. {إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ} قال ابن عباس : موف بما عاهد عليه الله في البحر. النقاش : يعني عدل في العهد ، وفي في البر بما عاهد عليه الله في البحر. وقال الحسن : {مُقْتَصِدٌ} مؤمن متمسك بالتوحيد والطاعة. وقال مجاهد : {مُقْتَصِدٌ} في القول مضمر للكفر. وقيل : في الكلام حذف ؛ والمعنى : فمنهم مقتصد ومنهم كافر. ودل على المحذوف قوله تعالى : {وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} الختار : الغدار. والختر : أسوأ الغدر. قال عمرو بن معد يكرب :
فإنك لو رأيت أبا عمير ... ملأت يديك من غدر وختر
وقال الأعشى :
بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير ختار
قال الجوهري : الختر الغدر ؛ يقال : ختره فهو ختار. الماوردي : وهو قول الجمهور. وقال عطية : إنه الجاحد. ويقال : ختر يختِر ويختُر "بالضم والكسر" خترا ؛ ذكره القشيري ، وجحد الآيات إنكار أعيانها. والجحد بالآيات إنكار دلائلها.
الآية : [33] {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ}
قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ} يعني الكافر والمؤمن ؛ أي خافوه ووحدوه. {وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً} تقدم معنى {يَجْزِي} في البقرة وغيرها. فإن قيل : فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : "من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم تمسه النار إلا تحله القسم" . وقال : "من ابتلي بشيء من هذه البنات فأحسن إليهّن كّن له حجابا من النار" . قيل له : المعنّي بهذه الآية أنه لا يحمل والد ذنب ولده ، ولا مولود ذنب والده ، ولا يؤاخذ أحدهما عن الآخر. والمعنّي بالأخبار أن ثواب الصبر على الموت والإحسان إلى البنات يحجب العبد عن النار ، ويكون الولد سابقا له إلى الجنة. {إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} أي البعث {فَلا تَغُرَّنَّكُمُ} أي تخدعنكم {الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} بزينتها وما تدعوا إليه فتتكلوا عليها وتركنوا إليها وتتركوا العمل للآخرة {وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} قراءة العامة هنا وفي سورة الملائكة والحديد بفتح الغين ، وهو الشيطان في قول مجاهد وغيره ، وهو الذي يغّر الخلق ويمنيهم الدنيا ويلهيهم عن الآخرة ؛ وفي سورة {النساء} : {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ } وقرأ سماك بن حرب وأبو حيوة وابن السميقع بضم الغين ؛ أي لا تغتروا. كأنه مصدر غّر يغر غرورا. قال سعيد بن جبير : هو أن يعمل بالمعصية ويتمنى المغفرة.
الآية : [34] {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}
زعم الفراء أن هذا معنى النفي ؛ أي ما يعلمه أحد إلا الله تعالى. قال أبو جعفر النحاس : وإنما صار فيه معنى النفي والإيجاب بتوقيف الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال في قوله الله عز وجل : {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} : "إنها هذه" :
قلت : قد ذكرنا في سورة {الأنعام} حديث ابن عمر في هذا ، خرجه البخاري. وفي حديث جبريل عليه السلام قال : "أخبرني عن الساعة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ، هن خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى : إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ما تكسب غدا "قال :" صدقت ". لفظ أبي داود الطيالسّي. وقال عبدالله بن مسعود : كل شيء أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم غير خمس : {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} ، الآية إلى آخرها. وقال ابن عباس : هذه الخمسة لا يعلمها إلا الله تعالى ، ولا يعلمها ملك مقرب ولا نبّي مرسل ؛ فمن ادعى أنه يعلم شيئا من هذه فقد كفر بالقرآن ؛ لأنه خالفه. ثم إن الأنبياء يعلمون كثيرا من الغيب بتعريف الله تعالى إياهم. والمراد إبطال كون الكهنة والمنجمين ومن يستسقي بالأنواء وقد يعرف بطول التجارب أشياء من ذكورة الحمل وأنوثته إلى غير ذلك ؛ حسبما تقدم ذكره في الأنعام. وقد تختلف التجربة وتنكسر العادة ويبقى العلم لله تعالى وحده. وروي أن يهوديا كان يحسب حساب النجوم ، فقال لابن عباس : إن شئت نبأتك نجم ابنك ، وأنه يموت بعد عشرة أيام ،"
وأنت لا تموت حتى تعمى ، وأنا لا يحول علّي الحول حتى أموت. قال : فأين موتك يا يهودّي ؟ فقال : لا أدري. فقال ابن عباس : صدق الله. {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} فرجع ابن عباس فوجد ابنه محموما ، ومات بعد عشرة أيام. ومات اليهودّي قبل الحول ، ومات ابن عباس أعمى. قال علّي بن الحسين راوي هذا الحديث : هذا أعجب الأحاديث. وقال مقاتل : إن هذه الآية نزلت في رجل من أهل البادية اسمه الوارث بن عمرو بن حارثة ، أتى النبّي صلى الله عليه وسلم فقال : إن امرأتي حبلى فأخبرني ماذا تلد ، وبلادنا جدبة فأخبرني متى ينزل الغيث ، وقد علمت متى ولدت فأخبرني متى أموت ، وقد علمت ما عملت اليوم فأخبرني ماذا أعمل غدا ، وأخبرني متى تقوم الساعة ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية ؛ ذكره القشيري والماوردّي. وروى أبو المليح عن أبي عّزة الهذلي قال قال رسول صلى الله عليه وسلم : "إذا أراد الله تعالى قبض روح عبد بأرض جعل له إليها حاجة فلم ينته حتى يقدمها - ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم - {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ - إلى قوله - بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} " ذكره الماوردّي ، وخرجه ابن ماجة من حديث ابن مسعود بمعناه. وقد ذكرناه في كتاب "التذكرة" مستوفى. وقراءة العامة : {وَيُنَزِّلُ} مشددا. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزه والكسائي مخففا. وقرأ أبي بن كعب : {بِأَيِّةِ أَرْضٍ} الباقون {بِأَيِّ أَرْضٍ} . قال الفراء : اكتفى بتأنيث الأرض من تأنيث أي. وقيل : أراد بالأرض المكان فذكر. قال الشاعر :
فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها
وقال الأخفش : يجوز مررت بجارية أي جارية ، وأية جارية. وشبه سيبويه تأنيث {أَيِّ} بتأنيث كل في قولهم : كلتهن. {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} {خَبِيرٌ} نعت لـ {عَلِيمٌ} أو خبر بعد خبر. والله تعالى أعلم.
تفسير سورة السجدة
سورة السجدة
مقدمة السورة

وهي مكية ، غير ثلاث آيات نزلت بالمدينة ؛ وهي قوله تعالى : {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً} تمام ثلاث آيات ؛ قاله الكلبّي ومقاتل. وقال غيرهما : إلا خمس آيات ، من قوله تعالى : {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ} إلى قوله {الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} وهي ثلاثون آية. وقيل تسع وعشرون. وفي الصحيح عن ابن عباس أن النبّي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة {الم. تَنْزِيلُ} السجدة ، و {هَلْ أَتَى عَلَى الأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ} الحديث. وخرج الدارمي أبو محمد في مسنده عن جابر بن عبدالله قال : كان النبّي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ : {الم. تَنْزِيلُ} السجدة. و {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ} قال الدارمي : وأخبرنا أبو المغيرة قال حدثنا عبدة عن خالد بن معدان قال : اقرؤوا المنجية ، وهي {الم. تَنْزِيلُ} فإنه بلغني أن رجلا كان يقرؤها ، ما يقرأ شيئا غيرها ، وكان كثير الخطايا فنشرت جناحها عليه وقالت : رب اغفر له فإنه كان يكثر من قراءتي ؛ فشّفعها الرب فيه وقال "اكتبوا له بكل خطيئة حسنة وارفعوا له درجة" .
بسم الله الرحمن الرحيم
الآية : [1] {الم}
الآية : [2] {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
قوله تعالى : {الم. تَنْزِيلُ الْكِتَابِ} الإجماع على رفع {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ} ولو كان منصوبا على المصدر لجاز ؛ كما قرأ الكوفيون : {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} و {تَنْزِيلُ} رفع بالابتداء والخبر {لا رَيْبَ فِيهِ} . أو خبر على إضمار مبتدأ ؛ أي هذا تنزيل ، أو المتلو تنزيل ، أو هذه الحروف تنزيل. ودلت : {الم}
على ذكر الحروف. ويجوز أن يكون {لا رَيْبَ فِيهِ} في موضع الحال من {الْكِتَابِ} . و {مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الخبر. قال مكّي : وهو أحسنها. {لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} لا شك فيه أنه من عند الله ؛ فليس بسحر ولا شعر ولا كهانة ولا أساطير الأولين.
الآية : [3] {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ}
قوله تعالى : {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} هذه {أَمْ} المنقطعة التي تقّدر ببل وألف الاستفهام ؛ أي بل أيقولون. وهي تدل على خروج من حديث إلى حديث ؛ فإنه عز وجل أثبت أنه تنزيل من رب العالمين ، وأن ذلك مما لا ريب فيه ، ثم أضرب عن ذلك إلى قوله : {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} أي افتعله واختلقه. {بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} كذبهم في دعوى الافتراء {لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} قال قتادة : يعني قريشا ، كانوا أمة أمية لم يأتهم نذير من قبل محمد صلى الله عليه وسلم. و {لِتُنْذِرَ} متعلق بما قبلها فلا يوقف على {مِنْ رَبِّكَ} . ويجوز أن يتعلق بمحذوف ؛ التقدير : أنزله لتنذر قوما ، فيجوز الوقف على {مِنْ رَبِّكَ} . و {مَا} {مَا أَتَاهُمْ} نفي. {مِنْ نَذِيرٍ} صلة. و {نَذِيرٍ} في محل الرفع ، وهو المعلم المخوف. وقيل : المراد بالقوم أهل الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام ؛ قاله ابن عباس ومقاتل. وقيل : كانت الحجة ثابتة لله جل وعز عليهم بإنذار من تقدم من الرسل وإن لم يروا رسولا ؛ وقد تقّدم هذا المعنى.
الآية : [4] {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ}
قوله تعالى : {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} عرفهم كمال قدرته ليسمعوا القرآن ويتأملوه. ومعنى : {خَلَقَ} أبدع وأوجد بعد العدم وبعد أن لم تكن شيئا. {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} من يوم الأحد إلى آخر يوم الجمعة. قال الحسن : من أيام الدنيا. وقال ابن عباس : إن اليوم من الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض مقداره ألف سنة من سني الدنيا. وقال الضحاك : في ستة آلاف سنة ؛ أي في مدة ستة أيام من أيام الآخرة. {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} تقدم. وذكرنا أقوال العلماء في ذلك مستوفى في "الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى" . وليست {ثُمَّ} للترتيب وإنما هي بمعنى الواو. {مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ} أي ما للكافرين من ولي يمنع من عذابهم ولا شفيع. ويجوز الرفع على الموضع. {أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ} في قدرته ومخلوقاته.
الآية : [5] {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ}
قوله تعالى : {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ} قال ابن عباس : ينزل القضاء والقدر. وقيل : ينزل الوحي مع جبريل. وروى عمرو بن مرة عن عبدالرحمن بن سابط قال : يدبر أمر الدنيا أربعة : جبريل ، وميكائيل ، وملك الموت ، وإسرافيل ؛ صلوات الله عليهم أجمعين. فأما جبريل فموكل بالرياح والجنود. وأما ميكائيل فموكل بالقطر والماء. وأما ملك الموت فموكل بقبض الأرواح. وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم. وقد قيل : إن العرش موضع التدبير ؛ كما أن ما دون العرش موضع التفصيل ؛ قال الله تعالى : {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ} وما دون السموات موضع التصريف ؛ قال الله تعالى : {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا}



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.26 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.64 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.52%)]