الهدية في الاستدراك على تفسير ابن عطية (29)
أ. محمد خير رمضان يوسف
(سور: الجمعة، المنافقون، التغابن، الطلاق، التحريم، الملك، القلم، الحاقة)
سورة الجمعة
1- ﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾.
يسبِّحُ للهِ كلُّ ما في السماواتِ السبع، وكلُّ ما في الأرَضينَ مِن خَلقه، ويعظِّمهُ طوعًا وكَرْهًا، ﴿ الْمَلِكِ ﴾ الذي له مُلكُ الدنيا والآخرةِ وسلطانُهما، النافذِ أمرهُ في السماواتِ والأرضِ وما فيهما، ﴿ الْقُدُّوسِ ﴾، وهو الطاهرُ مِن كلِّ ما يُضيفُ إليه المشركون به ويصفونَهُ به ممّا ليسَ مِن صفاته، المبارَكُ، ﴿ الْعَزِيزِ ﴾ يعني الشديدِ في انتقامهِ مِن أعدائه، ﴿ الْحَكِيمِ ﴾ في تدبيرهِ خلقَه، وتصريفهِ إيّاهم فيما هو أعلمُ به مِن مصالحِهم. (الطبري).
3- ﴿ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾.
أي: ذو العزَّةِ والحكمةِ في شرعهِ وقدَره. (ابن كثير).
4- ﴿ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾.
الله ذو الفضلِ على عباده، المحسنِ منهم والمسيء، والذينَ بُعِثَ فيهم الرسولُ منهم وغيرِهم، العظيمُ الذي يقلُّ فضلُ كلِّ ذي فضلٍ عنده. (الطبري).
5- ﴿ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾.
بئسَ هذا المثَل، مثَلُ القومِ الذين كذَّبوا بآياتِ الله، يعني بأدلتهِ وحُجَجه. واللهُ لا يوفِّقُ القومَ الذينَ ظلموا أنفسَهم، فكفروا بآياتِ ربِّهم. (الطبري).
7- ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾.
واللهُ ذو علمٍ بمن ظلمَ مِن خَلقهِ نفسَه، فأوبقَها بكفرهِ بالله. (الطبري).
8- ﴿ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾.
ثم يردُّكم ربُّكم مِن بعدِ مماتِكم إلى عالِمِ غَيبِ السماواتِ والأرض، والشهادة، يعني وما شُهِدَ فظَهرَ لرأي العين، ولم يَغِبْ عن أبصارِ الناظرين. (تفسير الطبري).
9- ﴿ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾.
الذي ذكرتُ من حضورِ الجمعةِ وتركِ البيع، ﴿ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ من المبايعة، ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون ﴾ مصالحَ أنفسِكم. (البغوي).
10- ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾.
أي: إذا فُرِغَ من الصلاةِ فانتشروا في الأرضِ للتجارةِ والتصرفِ في حوائجكم، ﴿ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ﴾: يعني الرزق. وهذا أمرُ إباحة. (البغوي).
واذكروا اللهَ بالحمدِ له، والشكرِ على ما أنعمَ به عليكم، مِن التوفيقِ لأداءِ فرائضه، لتُفلِحوا، فتُدركوا طلباتِكم عندَ ربِّكم، وتصلوا إلى الخُلدِ في جنّاته. (الطبري).
11- ﴿ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾.
وإذا رأى المؤمنون عِيرَ تجارةٍ أو لهواً أسرعوا إليها، وتركوكَ يا محمدُ قائمًا على المنبر. قلْ لهم: الذي عندَ اللهِ مِن الثواب، لمن جلسَ مستمعًا خطبةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وموعظتَهُ يومَ الجمعة، إلى أنْ يفرغَ منها، خيرٌ لهُ مِن اللَّهوِ ومِن التجارةِ التي ينفضُّون إليها. (الطبري، باختصار).
سورة المنافقون
1- ﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ﴾.
﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ﴾، قالَ المنافقون ذلكَ أو لم يقولوا. (الطبري).
2- ﴿ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾.
إنَّ هؤلاءِ المنافقين الذين اتَّخذوا أيمانَهم جُنَّة، ﴿ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ في اتِّخاذِهم أَيمانَهم جُنَّة، لكذبِهم ونفاقِهم، وغيرِ ذلكَ مِن أمورِهم. (الطبري).
3- ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ﴾.
أي: فلا يصلُ إلى قلوبهم هُدى، ولا يَخلصُ إليها خير، فلا تعي ولا تهتدي. (ابن كثير).
5- ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْمُسْتَكْبِرُونَ﴾.
أي عطفوا وأعرضوا بوجوههم رغبةً عن الاستغفار، ﴿ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدّونَ ﴾: يُعرِضون عمّا دُعُوا إليه، ﴿ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ﴾: متكبرون عن استغفارِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لهم. (البغوي، باختصار).
6- ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾.
إنَّ اللهَ لا يوفِّقُ للإيمانِ القومَ الكاذبينَ عليه، الكافرينَ به، الخارجينَ عن طاعته. (الطبري).
7- ﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا ﴾.
إنَّهم المنافِقون، الذينَ قالَ كبيرُهم بعدَ غزوةِ بني المصطَلِق: لا تُنفِقوا على مَن عندَ رسولِ اللهِ مِن فقراءِ المهاجرين، حتَّى يجوعُوا فيتفرَّقوا عنهُ ولا يَصحَبوه. (الواضح).
8- ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾.
﴿ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ذلك، ولو علموا ما قالوا هذه المقالة. (البغوي).
9- ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾.
من التهَى بمتاعِ الحياةِ الدنيا وزينتِها عمّا خُلِقَ له من طاعةِ ربِّهِ وذكره، فإنهُ مِن الخاسرين الذين يخسرون أنفسَهم وأهليهم يومَ القيامة. (ابن كثير).
11- ﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾.
أي: لا يَنظرُ أحدًا بعدَ حلولِ أجله، وهو أعلمُ وأخبرُ بمن يكونُ صادقًا في قولهِ وسؤالهِ ممَّن لو رُدَّ لعادَ إلى شرٍّ ممّا كانَ عليه. (ابن كثير).
سورة التغابن
1- ﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾.
يسجدُ له ما في السماواتِ السبعِ وما في الأرضِ مِن خَلقهِ ويعظِّمه، وله مُلكُ السماواتِ والأرض، وسلطانهُ ماض، قضاؤهُ في ذلكَ نافذٌ فيه أمره، وله حمدُ كلِّ ما فيها مِن خَلق؛ لأنَّ جميعَ مَن في ذلكَ مِن الخَلق لا يعرفون الخيرَ إلّا منه، وليسَ لهم رازقٌ سواه، فله حمدُ جميعِهم، وهو على كلِّ شيءٍ ذو قدرة، يخلقُ ما يشاء، ويُميتُ مَن يشاء، ويُغني مَن أراد، ويُفقِرُ مَن يشاء، ويُعزُّ مَن يشاء، ويُذلُّ مَن يشاء، لا يتعذَّرُ عليه شيءٌ أرادَه؛ لأنه ذو القدرةِ التامَّةِ التي لا يُعجِزهُ معها شيء. (الطبري، بشيء من الاختصار).
2- ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾.
وهو البصيرُ بمن يستحقُّ الهدايةَ ممَّن يستحقُّ الضلال، وهو شهيدٌ على أعمالِ عباده، وسيجزيهم بها أتمَّ الجزاء. (ابن كثير).
3- ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾.
أي: المرجِعُ والمآب. (ابن كثير).
5- ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾.
ولهم عذابٌ مؤلمٌ موجعٌ يومَ القيامةِ في نارِ جهنم، مع الذي أذاقهم الله في الدنيا وبالَ كفرهم. (الطبري).
6- ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾.
﴿ بِالْبَيِّنَاتِ ﴾: بالواضحاتِ من الأدلةِ والأعلامِ على حقيقةِ ما يدعونهم إليه.
﴿ فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا ﴾: فكفروا بالله، وجحدوا رسالةَ رُسلهِ الذين بعثَهم اللهُ إليهم استكبارًا، وأدبروا عن الحقِّ فلم يقبلوه، وأعرَضوا عمّا دعاهُم إليه رسلُهم.
﴿ حَمِيدٌ ﴾: محمودٌ عندَ جميعِهم، بجميلِ أياديهِ عندهم، وكريمِ فَعالهِ فيهم. (الطبري).
7- ﴿ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾.
أي: بعثُكم ومجازاتُكم. (ابن كثير).
8- ﴿ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾
فصدِّقوا باللهِ ورسولهِ أيها المشركونَ المكذِّبونَ بالبعث، وبإخبارهِ إيّاكم أنكم مبعوثونَ مِن بعدِ مماتِكم، وأنكم مِن بعدِ بلائكم تُنشَرونَ مِن قبوركم، وآمِنوا بالنورِ الذي أنزلنا، وهو هذا القرآنُ الذي أنزلَهُ اللهُ على نبيِّهِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، واللهُ بأعمالِكم أيها الناسُ ذو خبرة، محيطٌ بها، مُحصٍ جميعَها، لا يخفَى عليه منها شيء، وهو مُجازيكم على جميعِها. (الطبري).
9- ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾.
ومَن يصدِّقْ باللهِ ويعملْ بطاعته، وينتهِ إلى أمرهِ ونهيه، يمحُ عنهُ ذنوبَه، ويُدخلْهُ بساتينَ تجري مِن تحتِ أشجارِها الأنهار، لابثينَ فيها أبدًا، لا يموتون، ولا يخرجونَ منها، ذلكَ النجاءُ العظيم. (الطبري، باختصار).
10- ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾.
والذينَ كفروا بالله، وكذَّبوا بالمعجزاتِ التي أيَّدَ بها رسلَه، أولئكَ أهلُ النَّار، ماكثينَ فيها أبدًا، لا مَحيدَ لهم عنها، وبئسَ مآلُهمُ الذي استقرُّوا فيه. (الواضح).
11- ﴿ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾.
واللهُ بكلِّ شيءٍ ذو علم، بما كان، ويكون، وما هو كائنٌ مِن قبلِ أنْ يكون. (الطبري).
12- ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾.
﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾: أمرٌ بطاعةِ اللهِ ورسولهِ فيما شرَع، وفعلُ ما به أمر، وتركُ ما عنه نهَى وزجر. ثم قال: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ﴾ أي: إنْ نكلتُم عن العملِ فإنما عليه ما حُمِّلَ مِن البلاغ، وعليكم ما حُمِّلتُم مِن السمعِ والطاعة.
قال الزهري: مِن اللهِ الرسالة، وعلى الرسولِ البلاغ، وعلينا التسليم. (ابن كثير).
13- ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾.
أي: وحِّدوا الإلهيةَ له، وأخلِصوها لديه، وتوكَّلوا عليه، كما قال تعالَى: ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا ﴾ [سورة المزمل: 9]. (ابن كثير).
14- ﴿ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾.
وإنْ تَعفُوا عن أخطائهمُ القابلةِ للعفو، كالمتعلِّقةِ بأمورِ الدُّنيا، وتَستروهم عليها وتَعذِرونَهم فيها... (الواضح).
16- ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
﴿ وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ ﴾ أي: كونوا منقادين لما يأمركم الله به ورسوله، ولا تحيدوا عنه يمنةً ولا يسرة، ولا تقدِّموا بين يدي الله ورسوله، ولا تتخلَّفوا عمَّا به أُمرتم، ولا تركبوا ما عنه زُجرتم.
وقولهُ تعالى: ﴿ وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ ﴾ أي: وابذلوا مما رزقكم الله على الأقاربِ والفقراءِ والمساكينِ وذوي الحاجات، وأحسِنوا إلى خَلقِ الله كما أحسنَ الله إليكم، يكنْ خيراً لكم في الدنيا والآخرة، وإنْ لا تفعلوا يكنْ شرَّا لكم في الدنيا والآخرة. اهـ.
﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾: ذكرَ مؤلفُ الأصلِ أنه تقدَّمَ تفسيرهُ في سورةِ الحشر، ويعني في الآيةِ التاسعةِ منها، وهي بلفظِ الآيةِ هنا، وكان مما قالَ في تفسيرها: و "شحُّ النفسِ" هو كثرةُ منعِها وضبطِها على المالِ والرغبةِ فيه، وامتدادُ الأمل، هذا جماعُ شحِّ النفس، وهو داعيةُ كلِّ خُلقِ سوء.
ثم قال: و ﴿ الْمُفْلِحُونَ ﴾: الفائزون ببغيتهم. اهـ.
17- ﴿ إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾.
أي: مهما أنفقتُم مِن شيءٍ فهو يُخلفه، ومهما تصدَّقتُم مِن شيءٍ فعليه جزاؤه، ونزلَ ذلكَ منزلةَ القرضِ له، و﴿ يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ أي: ويكفِّرْ عنكم السيِّئات. ولهذا قال: ﴿ وَاللَّهُ شَكُورٌ ﴾ أي: يجزي على القليلِ بالكثير، ﴿ حَلِيمٌ ﴾ أي: يعفو ويصفح، ويغفرُ ويستر، ويتجاوزُ عن الذنوبِ والزلّات، والخطايا والسيِّئات. (ابن كثير، باختصار).
18- ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾.
عالمُ ما لا تراهُ أعينُ عبادهِ ويغيبُ عن أبصارِهم، وما يشاهدونَهُ فيرونَهُ بأبصارهم، ﴿ الْعَزِيزُ ﴾ يعني الشديدُ في انتقامهِ ممَّن عصاهُ وخالفَ أمرَهُ ونهيَه، ﴿ الْحَكِيمُ ﴾ في تدبيرهِ خَلقَه، وصرفهِ إيّاهم فيما يُصلِحُهم. (الطبري).
سورة الطلاق
1- ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾.
﴿ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ﴾: وأحصُوا هذه العِدَّة وأقراءَها فاحفظوها.
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ﴾: وخافوا اللهَ أيها الناسُ ربَّكم، فاحذروا معصيتَهُ أنْ تتعدَّوا حدَّه.
﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾: ومَن يتجاوزْ حدودَ اللهِ التي حدَّها لخلقهِ فقد أكسبَ نفسَهُ وزرًا، فصارَ بذلكَ لها ظالمـًا، وعليها متعدِّيًا. (الطبري).
2- ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾.
﴿ ذَوَيْ عَدْلٍ ﴾: وهما اللذان يُرضَى دينُهما وأمانتُهما.
﴿ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ﴾: واشهدوا على الحقِّ إذا استُشهدتُم، وأدُّوها على صحةٍ إذا أنتم دُعيتُم إلى أدائها.
﴿ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾: نعظُ به مَن كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخر، فيصدِّقُ به. وعنَى بقوله: ﴿ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ ﴾ مَن كانت صفتهُ الإيمانَ بالله. (الطبري).
3- ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾.
﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ ﴾: ومَن يَعتَمِدْ على اللهِ ويُفَوِّضْ إليهِ أمرَه.
﴿ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾: وكلُّ شيءٍ مُقَدَّرٌ بمقدار، ولا يوجدُ شيءٌ جُزافًا في الكونِ كلِّه، وقد قدَّرَ اللهُ الأشياءَ قبلَ وجودِها، وجعلَ لها أجلاً تنتهي إليه، ففوِّضوا الأمورَ إلى الله، وأحسِنوا توكُّلَكم عليه. (الواضح في التفسير).
4- ﴿ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾.
﴿ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ﴾: الصَّغيراتُ اللَّاتي لم يَبلُغْنَ سنَّ الحيض.
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾: ومَن خَشِيَ اللهَ ولم يتجاوزْ حدودَه، يُسَهِّلْ له أمرَه، ويَجعَلْ له فرَجًا ومَخرَجًا. (الواضح).
5- ﴿ ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ﴾.
﴿ ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزلَهُ إِلَيْكُمْ ﴾ أي: حكمهُ وشرعه، أنزلَهُ إليكم بواسطةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ﴾ أي: يُذهِبْ عنه المحذور، ويُجزِلْ له الثوابَ على العملِ اليسير. (ابن كثير).
يتبع