ï´؟ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ï´¾ [الحج: 62]
قوله تعالى: ï´؟ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ ï´¾، وقع فصل "ما" عن حرف التوكيد "أَنَّ" إذ ليس لدعوى غير الله وصل في الوجود، إنما وصلها في العدم والنفي، بدليل قوله تعالى عن المؤمن: ï´؟ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ ï´¾ [غافر: 43] [40] فوصل "أنَّما" في النفي، وفصل في الإثبات، لا لانفصاله عن دعوة الحق[41].
ï´؟ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ï´¾ [الحج: 63، 65].
قوله تعالى: ï´؟ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ï´¾[42]، إنما فصل الأولى بـ"لطيف خبير"؛ لأن ذلك في موضع الرحمة لخلقه بإنزال الغيث وإخراج النبات من الأرض، ولأنه خبير بنفعهم، وإنما فصل الثانية بـ "غني حميد" لأنه قال: ï´؟ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ï´¾، أي: لا لحاجة، بل هو غني عنهما جواد بهما؛ لأنه ليس غنيٌّ نافعًا غناه إلا إذا جاد به، وإذا جاد وأنعم حمِده المنعَم عليه، واستحق عليه الحمد، فذكر "الحمد" على أنه الغني النافع بغناه خلقه، وإنما فصل الثالثة بـ"رؤوف رحيم"؛ لأنه لما عدد للناس ما أنعم به عليهم من تسخير ما في الأرض لهم، وإجراء الفلك في البحر لهم، وتسييرهم في ذلك الهول العظيم، وجعله السماء فوقهم وإمساكه إياها عن الوقوع، حَسَن ختامه بالرأفة والرحمة.
ونظير هذه الثلاث فواصل مع اختلافها قوله تعالى في سورة الأنعام: ï´؟ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ï´¾ [الأنعام: 97] [43].
وقوله تعالى: ï´؟ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ï´¾ [الحج: 64] فقال: "الغني الحميد" لينبه على أن ما له ليس لحاجةٍ بل هو غني عنه، جواد به، وإذا جاد به حمده المنعم عليه. إذ "حميد" كثير المحامد الموجبة تنزيهه عن الحاجة والبخل وسائر النقائص، فيكون "غنيًا" مفسَّرًا بالغنى المطلق، لا يحتاج فيه لتقدير "غني عنه"[44].
وقال رحمه الله: وقوله تعالى ï´؟ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ï´¾، فعدل عن لفظ "أصبحت" إلى "تصبح" قصدًا للمبالغة في تحقيق اخضرار الأرض لأهميته؛ إذ هو المقصود بالإنزال.
فإن قلت: كيف قال النحاة: إنه يجب نصب الفعل المقرون بالفاء إذا وقع في جواب الاستفهام، كقوله: ï´؟ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ ï´¾[45]، و ï´؟ فَتُصْبِحُ ï´¾ هنا مرفوع؟.
قلت: لوجوه:
أحدها: أن شرط الفاء المقتضية للنصب أن تكون سببية، وهنا ليست كذلك، بل هي للاستئناف؛ لأن الرؤية ليست سببًا للإصباح.
الثاني: أن شرط النصب أن ينسبك من الفاء وما قبلها شرط وجزاء، وهنا ليس كذلك؛ لأنه لو قيل: إن تر أن الله أنزل ماء تصبح؛ لم يصح؛ لأن إصباح الأرض حاصل سواء رئي أم لا.
فإن قيل: شاع في كلامهم إلغاء فعل الرؤية كما في قوله: "ولا تزال- تراها- ظالمة"، أي ولا تزال ظالمة؛ وحينئذ فالمعنى منصب إلى الإنزال لا إلى الرؤية؛ ولا شك أنه يصح أن يقال "إن أنزل تُصبح" فقد انعقد الشرط والجزاء.
قلتُ: إلغاء فعل الرؤية في كلامهم جائز لا واجب، فمن أين لنا ما يقتضي تعيين حمل الآية عليه؟[46].
قوله تعالى: ï´؟ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ï´¾فإن مذهب أهل السنة تفضيل البشر، وإنما قدم المَلَك لسبقه في الوجود[47].
ï´؟ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ï´¾ [الحج: 75]
قوله تعالى:ï´؟ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ ï´¾ بمعنى: سارعوا، كما قال: ï´؟ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ï´¾ [48].
ï´؟ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ï´¾ [الحج: 78].
قوله تعالى: ï´؟ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ ï´¾، يتبادر إلى الذهن أن الضمير في قوله "هو" عائد لإبراهيم؛ لأنه أقرب المذكورين، وهو مشكل لا يستقيم؛ لأن الضمير في قوله ï´؟ وفي هذا ï´¾ راجع للقرآن، وهو لم يكن في زمن إبراهيم ولا هو قاله، والصواب: أن الضمير راجع إلى الله سبحانه يعنيï´؟ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ ï´¾ يعني: في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلكم وفي هذا الكتاب الذي أنزل عليكم وهو القرآن، والمعنى: جاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وهو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا الكتاب لتكونوا -أي سماكم وجعلكم مسلمين- لتشهدوا على الناس يوم القيامة، وقوله ï´؟ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ï´¾منصوب بتقدير: اتبعوا لأن هذا لناصب نصبه قوله ï´؟ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ï´¾ لأن الجهاد من ملة إبراهيم[49].
[1] البرهان: معرفة المكي والمدني 1/ 143.
[2] المصدر السابق: وجوه المخاطبات والخطاب في القرآن - خطاب الجنس 2/ 143.
[3] المصدر السابق: أساليب القرآن وفنونه البليغة - أدوات التأكيد 2/ 250.
[4] البرهان: معرفة موهم المختلف - الأسباب الموهمة الاختلاف 2/ 40.
[5] المصدر السابق: أساليب القرآن وفنونه البليغة - قواعد في النفي 3/ 243.
[6] سورة الحج: 5.
[7] سورة الحج: 6.
[8] سورة الحج: 7.
[9] البرهان: أساليب القرآن وفنونه البليغة - إلجام الخصم بالحجة 3/ 287.
[10] المصدر السابق: معرفة تفسيره وتأويله - في الإجمال ظاهرًا وأسبابه 2/ 134.
[11] المصدر السابق: معرفة على كم لغة نزل 1/ 154-161.
[12] تفسير الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام "جمع ودراسة" د. غزيل بنت محمد الدوسري، دار الصميعي، ط/ 1، ت/ 1434هـ - 2013م، ص/ 760، وعبارته: أي على شك.
[13] البرهان: معرفة تفسيره وتأويله - الفرق بين التفسير والتأويل 2/ 98.
[14] المصدر السابق: أساليب القرآن وفنونه البليغة - أفعل التفضيل 4/ 110.