الاجتهاد في الشريعة الإسلامية
رجاء بنت صالح باسودان*
معرفة المنطق : هناك من الأصوليين من اشترط للمجتهد معرفة مباحث الحد والبرهان وكيفية ترتيب المقدمات بالأمنية وما يستفاد به في الاستدلال .
ولمعرفة المنطق فوائد عدة منها : أن من يتعلم المنطق يدرك بسهولة تسلسل المقدمات والبراهين والافتراضات العقلية . وأن هذه المعرفة تساعد صاحبها على حسن الجدل ، والمناظرة واستخراج أوجه الأدلة ، وإبطال حجج الخصوم . بالإضافة إلى أن هذه المعرفة تعين على وضع منهج واضح للبحث العلمي [41]. رصانة الفكر وجودة الملاحظة والتأني في الفتوى ، والتثبت فيما يجتهد فيه ، وأخذ الحيطة فيما يطلق من أقوال [42].
الشعور بالافتقار إلى الله سبحانه وتعالى في إلهام الصواب والدعاء بما يناسب . فينبغي للمجتهد أن ينبعث من قلبه شعور صادق بالافتقار إلى الله في أن يلهمه الصواب ، ويوفقه لطريق الخير ويهديه للجواب الصحيح [43].
ثقته بنفسه وشهادة الناس له بالأهلية : فهذا شرط يورثه اليقين بصلاحيته للفتيا فيضي فيها ، ويرشحه في نظر العامة لهذا المقام ، فيقدمون عليه يتلقون عنه أحكام دينهم .
روي أن مالك بن أنس - رحمه الله - قال : "ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك"[44].
موافقة عمل المجتهد لمقتضى قوله وعلمه . وقد نبّه إليه الأصوليون بكلام مجمل ، وفصل الكلام فيه الشاطبي - رحمه الله - لأن تطبيق القول على نفس المجتهد أمر مطلوب وهو علامة على صدقه في فتواه ، وهو السبيل لقبول قوله في نفوس مستمعيه ، ولذلك قال تعالى : {.. رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ...} (الأحزاب: 33)، ومما ينبغي التنبيه إليه ، أن هذا الشرط يعتبر وجوده أكمل في انتفاع الناس ، وقبولهم لما يقول المجتهد ، وليس معناه أنه لا بد من وجوده من أجل صحة الفتوى من الناحية الشرعية [45].
وأخيراً : فإن الشروط التي تحدثنا عنها شروط مطلوبة في حق المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع الشرع ، كما ذكر الإمام الغزالي . أما الاجتهاد الخاص أو الجزئي ، وهو الذي تبرز الحاجة إليه في يومنا هذا ، فلا يطلب فيه من هذه الشروط إلا بمقدار ما يخص الجزئية المستفتى فيها ، وما يتعلق بالحكم الخاص الذي يراد التوصل إليه [46].
ويعتبر صحة اجتهاد المجتهد في حكم خاص بما يجتهد فيه ، فإن كان اجتهاده في القبلة إذا خفيت عليه ، كان الشرط في صحة اجتهاده سلامة بصره ومعرفته بأمارات القبلة ، وإن كان اجتهاده في العدالة والجرح كانت صحة اجتهاده معتبرة بمعرفة أسباب الجرح والتعديل وما يراعى من غلبة أحدهما على الآخر في الصغائر وتغليب الحكم في الكبائر . وإن كان اجتهاده في نحو القيمة أو المثل من جزاء الصيد ، عملاً بقوله تعالى : {... فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ...}(المائدة: 98)، كانت صحة اجتهاده متوقفة على معرفته الأشباه في ذي المثل ومعرفة القيمة في غير ذي المثل ، ثم على هذا فيما عداه[47].
المبحث الثاني : شروط المجتهد فيه
حدّد الغزالي المجتهد فيه بأنه كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي [48]، فخرج به ما لا مجال للاجتهاد فيه ، مما اتفقت عليه الأمة من جليات الشرع ، كوجوب الصلوات الخمس والزكوات ونحوها ، فالأحكام الشرعية بالنسبة للاجتهاد نوعان : ما يجوز الاجتهاد فيه ، وما لا يجوز الاجتهاد فيه[49].
نستخلص من تعريف الإمام الغزالي : أن مجال الاجتهاد يكون في الأحكام التي نصوصها ظنية الثبوت أو الدلالة أو كليهما معاً ، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " [50]، وكذلك يكون الاجتهاد فيما لا نص فيه أصلاً
فالاجتهاد المقصود هنا هو الاجتهاد في الظنيات ، وهذا يشمل :
أولاً : بذل الفقيه وسعه لتحصيل حكم شرعي من الأدلة الظنية في ثبوتها وفي دلالتها ، كنظر المجتهد في قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق ، فهذا النص ظني الورود ؛ لأنه لم ينقل إلينا بطريق التواتر ، وظني الدلالة لأنه يحتمل معنيين ، أحدهما : لا صلاة صحيحة إلا بفاتحة الكتاب ، والمعنى الآخر : لا صلاة كاملة إلا بفاتحة الكتاب ، فمجال الاجتهاد في هذا النص يكون بالبحث في سند الحديث ، وفي رجاله من العدالة والضبط ، فإن اطمأن إلى السند اجتهد في الوصول إلى المراد من أحد هذين المعنيين . وقد ترتب على ذلك : الاختلاف في اشتراط قراءة الفاتحة في الصلاة .
ثانياً : بذل الفقيه وسعه في النص الذي يكون ظني الثبوت قطعي الدلالة ، كنظر المجتهد في قوله - صلى الله عليه وسلم -: " في كل خمس شاة " ، فهذا النص ظني الورود ؛ لأنه لم ينقل إلينا بطريق التواتر ، وقطعي ا لدلالة ؛ لأنه لا يدل إلا على معنى واحد ، فيسوغ الاجتهاد للمجتهد بالبحث عن سنده ، وطريق وصوله إلينا ، ودرجة رواته من العدالة والضبط .
ثالثاُ : بذل الفقيه وسعه في النص الذي يكون قطعي الورود ، ولكنه ظني الدلالة ، وذلك كعدة المطلقة ، فقد ورد فيها نص قطعي الورود ، وهو قوله تعالى : {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ ... } (البقرة: 228)، لكنه ظني الدلالة ؛ لأن لفظ القرء يحتمل أن يكون معناه الحيض ، ويحتمل أن يكون معناه الطهر ، فيسوغ الاجتهاد فيه للوصول إلى المراد من أحد المعنيين .
رابعاً : بذل الفقيه وسعه في تحصيل الحكم فيما لا نص فيه ولا إجماع بواسطة أمارات أرشده الشارع إليها ، كالقياس والاستحسان والاستصحاب ... الخ ، وكالاجتهاد في استخراج أمارات للقبلة يهتدي بها من خفيت عليه ، لقوله تعالى : {وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } (النحل: 16)، فإن الاجتهاد يصح في القبلة بالأمارات الدالة عليها من هبوب الرياح ومطالع النجوم[51].
الخاتمة
من أهم النتائج التي توصّل إليها البحث :
1 - أن المعنى اللغوي للاجتهاد أعم من المعنى الاصطلاحي ، فهو يشمل بذل أي جهد دون حصر في الأمور الشرعية . بينما المعنى الاصطلاحي الأصولي مختص ببذل الوسع لاستنباط الحكم الشرعي .
2 - تناول البحث مشروعية الاجتهاد من الكتاب والسنة والإجماع .
3 - اقتصر البحث على بيان الحكم بمعنى وصف الشارع له ، ويعتري الاجتهاد الأحكام التكليفية كالتالي :
أ - الوجوب العيني : وذلك في حق نفسه ، وحق غيره عند سؤاله عن حادثة حتى لا يفوت وقتها بدون بيان الحكم الشرعي .
ب - الوجوب الكفائي : عندعدم خوف فوات الحادثة وكان هناك غيره من المجتهدين .
جـ- الندب : ويكون في حكم حادثة لم تقع .
د - الكراهة : وذلك في المسائل التي لا يتوقع وقوعها ولم تجر العادة بحدوثها .
هـ- التحريم : وذلك بالاجتهاد في مقابلة دليل قاطع من كتاب أو سنة أو إجماع ، أو أن يقع ممن لم تتوفر فيه شروطه ؛ لأنه يفضي إلى الضلال ولا يوصل إلى الحق .
4 - تناول البحث الشروط الخاصة بالمجتهِد ، من أهمها :
أ - علمه التام بالكتاب ، كلياته وجزئياته .
ب - علمه التام بالسنة ، كلياتها وجزئياتها .
جـ- علمه باللغة العربية ، بحيث يعلم قطعاً مدلول كل كلمة .
د - علمه بعلم أصول الفقه ؛ لأنه عماد الاجتهاد .
هـ- علمه بمواقع الإجماع والخلاف ومسائلهما ؛ حتى لا يخالف إجماعاً .
و - معرفة مقاصد الشريعة العامة في استنباط الأحكام ؛ لتوقف فهم النصوص وتطبيقها على معرفة هذه المقاصد .
ز - العدالة ؛ حتى تطمئن نفس المستفتي إلى قبول أحكامه .
ح - العلم بالقواعد الكلية لمعرفة الدليل الذي ينظر فيه هل هو موافق لها أم مخالف.
5 - من الشروط الخاصة بالمجتهَد فيه :
أ - أن يكون مما لا نص فيه أصلاً .
ب - أن يكون مما نُص فيه ، ولكن النص غير قطعي ، أي ظني .
آمل أن أكون قد وفقت في إعداد هذا البحث ، والحمد لله رب العالمين .
*باحثة سعودية متخصصة في الفقه وأصوله.
الهوامش والمراجع
[1] - إرشاد الفحول ، الإمام الشوكاني ، ص 370.
[2] - المعجم الوسيط ، ج1 ، ص 142.
[3] - معالم وضوابط الاجتهاد عند شيخ الإسلام ابن تيمية ، د. علاء الدين حسين رحال ، ص 51 ، 52.
[4] - المستصفى من علم الأصول ، الإمام الغزالي ، ج2 ، ص 350.
[5] - الإبهاج في شرح المنهاج ، الإمام السبكي ، ج3 ، ص 246.
[6] - الإبهاج في شرح المنهاج ، الإمام السبكي ، ج3 ، ص 246.
[7] - الإحكام في أصول الأحكام ، الإمام الآمدي ، ج4 ، ص 396.
[8] - علم أصول الفقه الميسر ، سميح عاطف الزين ، ص 194.
[9] - الاجتهاد في الشريعة الإسلامية ، د. حسن أحمد مرعي ، ص 14.
[10] - معالم وضوابط الاجتهاد عند شيخ الإسلام ابن تيمية ، د. علاء الدين حسين رحال ، ص 59.
[11] - الاجتهاد في الإسلام ، د. نادية شريف العمري ، ص 33.
[12] - أنظر : أصول الفقه الإسلامي ، د. وهبة الزحيلي ، ج2 ، ص 1067.
[13] - سنن أبي داود ج3 ص 299 ، رقم 3574.
[14] - سنن أبي داود ، ج3 ، ص 303 ، رقم 3592.
[15] - أنظر : أصول الفقه الإسلامي ، مرجع سابق ، ص 1068.
[16] - الاجتهاد في الإسلام ، د. نادية شريف العمري ، ص 121.
[17] - المرجع السابق ، ص 122 / الاجتهاد فيما لا نص فيه ، د. الطيب خضري السيد ، ج1 ، ص 45.
[18] - المرجعين السابقين.
[19] - أنظر : الاجتهاد فيما لا نص فيه ، مرجع سابق ، ص 45.
[20] - الاجتهاد في الإسلام ، مرجع سابق ، ص 123.
[21] - الميسر في أصول الفقه الإسلامي ، د. إبراهيم محمد سلقيني ، ص 382.
[22] - أنظر : الاجتاهد فيما لا نص فيه ، د. الطيب خضري السيد ، ج1 ، ص 46.
[23] - الميسر في أصول الفقه ، مرجع سابق ، ص 382.
[24] - الميسر في أصول الفقه الإسلامي ، د. إبراهيم محمد سلقيني ، ص 377.
[25] - الاجتهاد والمنطق الفقهي في الإسلام ، د. مهدي فضل الله ، ص 31.
[26] - علم أصول الفقه الميسر ، سميح عاطف الزين ، ص 195.
[27] - الاجتهاد في الإسلام ، د. نادية العمري ، ص 71.
[28] - الميسر في أصول الفقه الإسلامي ، د. إبراهيم محمد سلقيني ، ص 378.
[29] - الاجتهاد والمنطق الفقهي في الإسلام ، د. مهدي فضل الله ، ص 32.
[30] - الاجتهاد والمنطق الفقهي في الإسلام ، مرجع سابق ، ص 32.
[31] - المستصفى من علم الأصول ، الإمام الغزالي ، ج 2 ، ص 351.
[32] - إرشاد الفحول ، الإمام الشوكاني ، ص 373.
[33] - أنظر :الرسالة ، ص 477.
[34] - أصول الفقه ، الشيخ محمد أبو زهرة ، ص 306.
[35] - أصول الفقه الإسلامي ، د. وهبة الزحيلي ، ج2 ، ص 1077.
* منهم الإمام الغزالي ، فقد اشترط أن يكون المجتهد عدلاً مجتنباً للمعاصي القادحة في العدالة وهذا يشترط لجواز الاعتماد على فتواه المستصفى ج2 ص 350
[36] - الاجتهاد فيما لا نص فيه ، د. الطيب خضري السيد ، ج1 ، ص 29.
[37] - الإبهاج في شرح المنهاج ، ج1 ، ص 8.
[38] - أنظر : القضاء في الإسلام ، د. نادية العمري ، ص 101 ، 103.
[39] - الميسر في أصول الفقه الإسلامي ، د. إبراهيم محمد سلقيني ، ص 379.
[40] - القضاء في الإسلام ، مرجع سابق ، ص 104.
[41] - المرجع السابق ، ص 106 ، 107.
[42] - المفتي في الشريعة الإسلامية وتطبيقاته في هذا العصر ، د. عبد العزيز الربيعة ، ص 25.
[43] - المرجع السابق ، ص 36.
[44] - المرجع السابق ، ص 27-28 / القضاء في الإسلام ، د. نادية العمري ، ص 112-113.
[45] - القضاء في الإسلام ، مرجع سابق ، ص 113، 115 ، مع ملاحظة تصنيف المؤلفة للشروط التكميلية والتي تبدأ من الرقم 3-12.
[46] - أنظر : المرجع السابق ، ص 116 / الرد على من أخلد إلى الأرض للسيوطي ص 150.
[47] - المستصفى من علم الأصول ، ج2 ، ص 354، أصول الفقه الإسلامي ، د. وهبة الزحيلي ، ج2 ، ص 1080.
[48] - صحيح البخاري ، ج1 ، ص 263 ، رقم 723.
[49] - الاجتهاد فيما لا نص فيه ، د. الطيب خضري السيد ، ج1 ، ص 16.
[50] - سنن البيهقي الكبرى ، ج 4 ، ص 85 ، 87 ، رقم 7038.
[51] - أنظر : الاجتهاد فيما لا نص فيه ، د. الطيب خضري السيد ، ج1 ، ص 16-17 / أصول الفقه الإسلامي ،د .وهبة الزحيلي ، ج2 ، ص 1080 - 1081 .