ابنُ عبدِ ربِّهِ الأندلسي بلاغيًّا[1]
محمد حماني
د - بلاغةُ اللِّسانين (القلم واللسان):
هما صنفان، وكلاهما للقلب تَرْجُمَانُ! فأمَّا اللسان فهو الآلة التي يخرج الإنسان بها عن حدِّ الاستبهام إلى حدِّ الإنسانية بالكلام؛ ولذلك قال صاحب المنطق: حدُّ الإنسان، الحي الناطق[24].
وقالوا عن بلاغة القلم: "القلم أحد اللسانين، وهو المخاطب للعيون بسرائر القلوب على لغات مختلفة، من معانٍ معقودة بحروف معلومة مؤلَّفة، متباينات الصور، مختلفات الجهات، لقاحها التفكُّر، ونتاجها التدبُّر، تَخْرَسُ منفردات، وتنطق مزدوَجات، بلا أصوات مسموعة، ولا ألسن محدودة، ولا حركات ظاهرة، خلا قلم حرَّف باريه قَطَّتَهُ [قطعته] ليتعلق المداد به، وأرهف جانبيه ليردَّ ما انتشر عنه إليه، وشق رأسه ليحتبس المدادُ عليه، فهنالك استمدَّ القلم بشقه، ونثر في القرطاس بخطِّه حروفًا أحكمها التفكُّر، وجرى على أَسَلَتِهِ الكلام الذي سداه العقل، وألحمه اللسان، ونهسته اللهوات، وقطعته الأسنان، ولفظته الشفاه، ووعته الأسماع، عن أنحاء شتى من صفات وأسماء"[25].
وقد قِيلت مقطوعاتٌ شعرية كثيرة في وصف "القلم"، ومن ذلك ما أورده ابن عبد ربِّه عن الشاعر العباسي أبي تمَّام[26]:
لَكَ الْقَلَمُ الأَعْلَى الَّذِي بِشَبَاتِهِ
يُصَابُ مِنَ الأَمْرِ الكُلَى والْمَفَاصِلُ
لُعَابُ الأَفَاعِي الْقَاتِلاتِ لُعَابه
وَأَرْيُ الجَنَى اشْتَارتْهُ أَيْدٍ عَوَاسِلُ
له ريقةٌ طلٌّ ولكنَّ وقْعَها
بآثَارِهِ فِي الشَّرْقِ وَالغَرْبِ وَابِلُ
فَصِيحٌ إِذَا اسْتَنْطَقْتَهُ وهو رَاكبٌ
وَأَعْجَمُ إِنْ خَاطَبْتَهُ وهُو رَاجِلُ
إِذَا مَا امْتَطَى الخَمْسَ اللِّطَافَ وَأُفْرِغَتْ
عَلَيْهِ شِعَابُ الفِكْرِ وَهْيَ حَوَافِلُ
أَطَاعَتْهُ أَطْرَافُ القَنَا وَتَقَوَّضَتْ
لِنَجْوَاهُ تَقْوِيضَ الخِيَامِ الجَحَافِلُ
إِذَا اسْتَغْزَرَ الذِّهْنَ الجَلِيَّ وَأَقْبَلَتْ
أَعَالِيه فِي القِرْطَاسِ وَهْيَ أَسَافِلُ
وَقدْ رَفَدَتْهُ الخِنْصَرانِ وسَدَّدَتْ
ثلاثَ نَوَاحِيهِ الثلاثُ الأناملُ
وقال الحسن بن وهب: يحتاج الكاتب إلى خِلالٍ، منها: جودة بَرْي القلم، وإطالة جَلْفَتِهِ، وتحريف قَطَّته، وحُسْن التأنِّي لامتطاء الأنامل، وإرسال المدَّة بقدر اتِّساع الحروف، والتحرُّز عند فراغها من الكسوف، وترك الشكل على الخطأ والإعجام على التصحيف، واستواء الرسوم، وحلاوة المقاطع"[27].
هـ - بلاغةُ الإشارة:
يقول ابن عبد ربِّه في النص أعلاه: "ورُبَّ إشارةٍ أبلغُ من لفظٍ"، فواضح من كلامه أنه يُدخل الإشارات التي يقوم بها الإنسان في وجوه البلاغة، والمعاني التي تصل بالإشارة قد لا تصل بالكلام، واستعماله لحرف الجر الشبيه بالزائد "رُبَّ" الذي يفيد التقليل أدخلها في البلاغة الخاصة، وشبيهٌ بهذا ما ذهب إليه الجاحظ في بيانه: "والإشارة واللفظ شريكان، ونعم العون هي له، ونعم الترجمان هي عنه، وما أكثر ما تنوب عن اللفظ، وما تغني عن الخط، وبعد فهل تعدو الإشارة أن تكون ذات صورة معروفة، وحلْية موصوفة، على اختلافها في طبقاتها ودلالاتها، وفي الإشارة بالطرف والحاجب وغير ذلك من الجوارح، مرفق كبير ومعونة حاضرة، في أمور يسترها بعض الناس من بعض، ويخفونها من الجليس وغير الجليس، ولولا الإشارة لم يتفاهم الناس معنى خاص الخاص، ولجهلوا هذا الباب البتة، ولولا أن تفسير هذه الكلمة يدخل في باب صناعة الكلام لفسرتها لكم، وقال الشاعر في دلالات الإشارة [من الطويل]:
أَشَارَتْ بِطَرْفِ العَيْن خِيفَةَ أَهْلِهَا
إِشَارَةَ مَذْعُورٍ وَلَمْ تَتَكَلَّمِ
فَأَيْقَنْتُ أنَّ الطَّرْفَ قَدْ قَالَ مَرْحَبًا
وَأَهْلًا وَسَهْلًا بِالْحَبِيبِ الْمُتَيَّمِ
يتبع