عرض مشاركة واحدة
  #26  
قديم 26-12-2012, 07:27 PM
الصورة الرمزية غراس الجنه
غراس الجنه غراس الجنه غير متصل
قلم فضي
 
تاريخ التسجيل: May 2010
مكان الإقامة: الدولة الإسلامية في العراق والشام
الجنس :
المشاركات: 4,283
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الثورة السورية ومسارات التدويل -البيادق والعرّاب/د اكرم حجازي


الثورة السورية ومسارات التدويل


الاختراق


(11)


د. أكرم حجازي


18/11/2012







الاختراق هو (1) إقرار بوجود جسم صلب، و (2) تعبير عن الحاجة إلى نافذة تسمح بالولوج إليه، بغية إضعافه أو احتوائه أو السيطرة عليه أو التحكم به أو إتلافه بشكل تام. هذا هو ما تتعرض له الثورة السورية، منذ انطلاقتها. وتبعا لذلك فإن كل المستويات العسكرية والأمنية والإنسانية والعقدية والقيمية والاجتماعية والاقتصادية ... باتت عرضة للاستهداف والمطاردة عبر المبادرات السياسية أو الإغراءات العسكرية والأفخاخ الأمنية أو العروض المالية أو الإنسانية ... .

لا أحد يختلف، إلا من أبى، على أن الثورة السورية أصابت الجميع بصداع مزمن يهدد، لأول مرة، بإصابة النظام الدولي بخطر التفكك. وفي السياق ليس مهما ما يحتاجه السوريون أو يفكرون به .. وليس مهما أن تتفتت سوريا وتُدمَّر على مرآى العين ومسمع الأذن .. وليس مهما أن يغدو الجسد السوري موضعا لأوحش مشاهد التمزيق والتعذيب والقتل والردع .. ذلك أن المهم الوحيد اليوم ألا ينجح السوريون، ومن ورائهم العرب والمسلمون، في خلع المربط الطائفي الدولي من موضعه، لأن النجاح سيعني أن المربط اليهودي هو الهدف التالي قطعا .. وأن خلعه يعني بلا مواربة انزواء الحضارة الغربية .. وهذا ليس قولنا بل قول أهل المركز بلسان قادته. ومن لم يصدق أو يتعامى أو يعبث بالحقائق فليتابع ويتأمل ما سيلي!!!

ففي مقالة له في صحيفة «التايمز» البريطانية، سبقت الثورات العربية، (17/6/2010)، قال رئيس الوزراء الإسباني الأسبق، خوسيه ماريا أزنار، أن: « إسرائيل هي خط دفاعنا الأول في منطقة مضطربة تواجه باستمرار خطر الانزلاق إلى الفوضى، ومنطقة حيوية لأمن الطاقة لدينا بسبب الاعتماد المفرط على النفط الموجود في الشرق الأوسط، والمنطقة التي تشكل خط الجبهة في الحرب ضد التطرف، فإن سقطت فسنسقط معها ... إسرائيل هي جزء أساسي من الغرب وما هو عليه بفضل جذوره اليهودية / المسيحية، ففي حال تم نزع العنصر اليهودي من تلك الجذور وفقدان إسرائيل، فسنضيع نحن أيضاً وسيكون مصيرنا متشابكاً وبشكل لا ينفصم سواء أحببنا ذلك أم لا».


سبق للرئيس السوري بشار الأسد، حين سئل بعد الثورة التونسية والمصرية، عما إذا كان من الممكن أن تندلع ثورة في بلاده فأجاب بالنفي، مشيرا إلى أن « سوريا مختلفة»!!! ولما وقعت الثورة هدد بـ « إشعال الشرق الأوسط في ست ساعات»، وفي مقابلة عاصفة مع صحيفة « الصندي التلغراف – 30/10/2011 » البريطانية، ذكّر الأسد « المركز» بالواقع الذي لم يختلف عليه أحد منذ أن تم اختيار الطائفة « النصيرية» لتكون الأمينة على النظام الدولي وأمن المنطقة، فقال:

« إن سوريا اليوم هي مركز المنطقة .. سوريا مختلفة كل الاختلاف عن مصر وتونس واليمن. التاريخ مختلف، والواقع السياسي مختلف .. إنها الفالق الذي إذا لعبتم به تتسببون بزلزال، .. هل تريدون رؤية أفغانستان أخرى أو العشرات من أفغانستان؟ .. أي مشكلة في سوريا ستحرق المنطقة بأسرها .. إذا كان المشروع هو تقسيم سوريا، فهذا يعني تقسيم المنطقة برمتها ... ».

ذات الأمر كرره مؤخرا في حديث خاص لقناة « روسيا اليوم» نشرت مقتطفات منه في 8/11/2012، حيث حدد الأسد مكانة سوريا، أو بتعبير أدق الطائفة النصيرية، في النظام الدولي قائلا: « أعتقد بأن كلفة الغزو الأجنبي لسوريا، لو حدث، ستكون أكبر من أن يستطيع العالم بأسره تحملها، لأنه إذا كانت هناك مشاكل في سوريا، خصوصا وأننا المعقل الأخير للعلمانية والاستقرار والتعايش في المنطقة، فإن ذلك سيكون له أثر الدومينو الذي سيؤثر في العالم من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي .. لا أعتقد بأن الغرب يمضي في هذا الاتجاه، لكنه إذا فعل فلن يكون بوسع أحد أن يتنبأ بما سيحدث بعد ذلك».

لغة صريحة وبليغة في توصيف الأسد لنظامه باعتباره خط الدفاع الأول والأخير عن « إسرائيل» وعن النظام الدولي .. لغة سبق وأثنت عليها صحيفة « هآرتس»، حين وصفت الأسد، أوائل انطلاقة الثورة، بـ « ملك ملوك إسرائيل»، أو حين اعترف رافي نوي، العميد الاحتياطي بالجيش الإسرائيلي، في مقال له بصحيفة « معاريف» بأن: « مصلحة إسرائيل هي أن يبقى الحكم العلوي في دمشق». لكن المرارة لم تفارق إيهود باراك، وزير الدفاع، وهو يرى: « النظام يتفكك بصورة مؤلمة» أو حين يطلق نتنياهو، رئيس الحكومة، صيحة فزع (14/11/2012) من أن: « النظام السوري يتفكك إلى قوى جديدة، وأن عناصر أكثر تطرفا ضد إسرائيل، تابعة للجهاد العالمي، باتت تترسخ على الأرض، ونحن نستعد للتعامل مع ذلك».

ولمن راقب صيحات الفزع « الإسرائيلي»، منذ بدء الثورة السورية، سيصاب بالدهشة. فهم مصابون بالرعب من جماعات إسلامية وطنية يشنون عليها حربا وحشية في غزة .. فكلها بالنسبة لهم منظمات إرهابية حتى لو كانت ملحدة!!! فكيف بحال « إسرائيل» إذا تعلق الأمر بجماعات إسلامية أو بثورة اجتماعية مميزة تهدد مجمل النظام الدولي؟

يقول بيني غانتس، رئيس أركان الجيش « الإسرائيلي»، لدى استقباله جنودا بمناسبة عيد « العُرش اليهودي – 4/10/2012»، إن الرئيس السوري: « يذبح شعبه ويفقد السيطرة في المكان الذي سيشكل في نهاية المطاف مخزن أسلحة في متناول أيدي جميع المنظمات الإرهابية». ويحذر من: « أن المنظمات الإرهابية، وبينها منظمات جهاد عالمي، أخذت تستقر في المنطقة»، مشيرا إلى أن: « إسرائيل ستواجه في سوريا وهضبة الجولان إما تهديداً عسكرياً عادياً إذا صمد النظام، أو تهديداً إرهابياً متصاعداً مع قدرة على الحصول على أسلحة بكميات كبيرة». وتنقل وكالة « يو بي آي – 11/10/2012» عن « إذاعة الجيش» تحذيرات ومخاوف عاموس جلعاد، رئيس الدائرة السياسية الأمنية بوزارة الدفاع « الإسرائيلية»، من عواقب سقوط نظام الرئيس السوري. فيقول: « لست متأكدا من أنه سيكون في سوريا نظام ديمقراطي كما نأمل»!!! .. طبعا هو يقصد ديمقراطية الأقليات والملحدين واللبراليين وأرباب « المركز». ثم يتابع: « أخشى أن الأسد سيبقى بالحكم بضعة شهور، وربما سنة أو سنتين، لكن في نهاية المطاف ثمة إمكانية بأن تتحول سوريا إلى كيان تسوده الفوضى، ولن يكون هناك عنوان للتحدث معه».

هكذا .. وبدون لف أو دوران؛ فإن المرابط الدولية الثلاثة في المنطقة، تضطلع بمهمة واحدة، تتمثل بالحفاظ على النظام الدولي بالصيغة التي استقر عليها بعد الحرب العالمية الثانية، وبما يضمن بقاء « العلمانية» ( بديلا عن الإسلام) و « الاستقرار» ( الأمن الدولي) و « التعايش» ( أمن إسرائيل). ولأنه لا بديل عن المربط الطائفي حتى الآن، لحماية المرابط الأخرى، إلا الطائفة النصيرية نفسها، فمن الطبيعي أن تتجه كافة التدخلات الدولية والإقليمية نحو تحقيق اختراق في عمق الثورة السورية.

هكذا؛ وبقطع النظر عن أية معايير أو خلفيات قيمية أو أخلاقية أو تباينات في موقف هذا الطرف بالمقارنة مع ذاك، مما يتصل بدعاوى حسن الظن وما إلى ذلك، فإن مبادرة الأخضر الإبراهيمي واجتماعات المعارضة السورية في العاصمة القطرية – الدوحة ( 4 – 8/11/2012) مثلتا أخطر محاولتين في هذا السياق. وكالعادة سنجتهد في حشد أكبر قدر ممكن من التصريحات الموثقة لأصحاب الشأن كي تكون منارة يهتدي به من ضل السبيل.


أولا: مبادرة الإبراهيمي


ما من مبادرة اتسمت بالغموض الشديد والعجب كما اتسمت به مبادرة الإبراهيمي. فعلى امتداد أسابيع طويلة، من الجولات الماراثونية بين العواصم الدولية واللقاءات والتصريحات، حرص الإبراهيمي منذ اللحظة الأولى على التكتم الشديد على « خطته» في احتواء الثورة السورية، وخاض صراعا إعلاميا مكشوفا، وحادا، مع بعض وسائل الإعلام على خلفية تصريحات نسبت إليه ونفاها، بغضب، جملة وتفصيلا. ولعل أغرب ما في مبادرة الإبراهيمي ذلك الحرص الشديد منه ومن القوى الدولية على « فكرة» غياب أي « خطة» له .. وادعائه، كلما سئل عن ذلك، بأنه بصدد استطلاع المواقف وإجراء مناقشات مع الأطراف المعنية أو تقديم أو تلقي « مقترحات» و « أفكار» تمهيدا منه لبناء تصور عن الأزمة أو « خطة متكاملة» كما يقول!!! ولسنا ندري كيف يمكن لشخصية دولية متمرسة في العمل الدبلوماسي كالأخضر الإبراهيمي لا تمتلك أية تصورات عن حقيقة ما يجري في سوريا أو حقيقة المواقف الإقليمية والدولية.

ولعل الحقيقة الثابتة لدينا أننا لم نقع على « زلات» للإبراهيمي في الفترة الواقعة بين تعيينه مبعوثا دوليا (17/8/2012 ) خلفا لسلفه كوفي أنان، واقتراحه لـ « هدنة» الأيام الأربعة خلال عيد الأضحى المبارك. وفي غياب هذه « الزلات»، التي تسمح بالتتبع والتحليل والربط بين الأحداث والمواقف، يصعب القول أن ما فعله الإبراهيمي كان مبادرة بقدر ما كان محاولة اختراق بالغة الدهاء. فما الذي أراده الإبراهيمي من هدنة يقل عدد أيامها عن عدد أصابع اليد الواحدة؟ .. « هدنة» من المستحيل أن تنجح وسط ركام هائل من الدمار وإرث عظيم من الوحشية وصدور فاضت قهرا وغيظا .. « هدنة» أقرب إلى الاستفزاز والاستغفال والاستهتار بعشرات آلاف من المفقودين والجثث المستوطنة تحت ملايين الأطنان من ركام البراميل المتفجرة .. « هدنة» استهدفت البحث عن التزام كل فرد من القتلة والضحايا!!! باختصار: ما الذي أراده الإبراهيمي من هدنته؟ وكيف أدار مبادرته الهلامية؟

كانت الانطلاقة من السؤال « ما البديل عن النظام»؟ ذلك السؤال المركزي الذي فرضته الثورة السورية على القوى الدولية والإقليمية والطائفية، وهو الذي يمكن أن يفسر إلى حد كبير النشاط المحموم الذي بذله الإبراهيمي، منذ تعيينه في إدارة ما فضل الجميع تسميته بـ « الأزمة السورية»!!! فالسؤال هو انعكاس استراتيجي وتاريخي لوظيفة سوريا « النصيرية» في الحفاظ على أمن النظام الدولي واستقراره عبر التحكم (بـ ) والسيطرة (على) القوى الوطنية أو المتمردة على « إسرائيل» والنظام الدولي، الذي مزق العالم الإسلامي وفي القلب منه العالم العربي. لذا فهو سؤال دولي وعربي وإيراني و « إسرائيلي» وتركي وطائفي. وتبعا لذلك لم يخرج الإبراهيمي في تقييمه لـ « الأزمة السورية» عن أي تقييم سابق، سواء كان دوليا أو إقليميا أو طائفيا.

لكن الإبراهيمي التزم مبدئيا في مؤتمر صحفي (24/9/2012) في أعقاب عرض قدمه أمام مجلس الأمن عن اتصالاته بدول المنطقة، وبصريح العبارة، بالتأكيد على أنه: « لا يمتلك خطة واضحة حتى الآن بل مجموعة أفكار»، وأن خطة « النقاط الست» التي تبناها المبعوث السابق كوفي أنان بالإضافة إلى مقررات « إعلان جنيف»، التي يتمسك بها الروس بأظافرهم وأسنانهم، ستشكل « عناصر» ضمن خطة عمله، وهو ما أكده الروس أنفسهم، لاحقا، عبر تصريحات أدلى بها ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية، في 16/10/2012 تقول بأن: « الإبراهيمي ليس لديه بعد خطة لحل الأزمة السورية، وإن موسكو مستعدة لتقديم مقترحاتها بهذا الشأن له». لذا فقد وجدت « أفكار» الإبراهيمي استجابة ودعما من جميع القوى دون أن تلتزم بأي مشروع للحل، ودون أن يضطر الإبراهيمي إلى تحمل تبعات الفشل، كما قال ريتشر غوان من جامعة نيويورك (28/10/2012)، بعد فشل الهدنة: « إن الإبراهيمي لم يزعم مطلقا أن هناك فرصة كبيرة لنجاح وقف إطلاق النار»، معتبرا أن الدبلوماسيين في الأمم المتحدة « لن يحملوه تبعية هذا الفشل».

ففي مؤتمر صحفي، عقده عقب زيارة قصيرة إلى لبنان (17/10/2012) وعشية الهدنة الفاشلة، قال الإبراهيمي: « على دول الجوار السوري أن تدرك أن الأزمة لن تبقى في الداخل السوري إلى الأبد, وإنها باتت تهدد بالانتشار لتأكل الأخضر واليابس، وهو ما يحتم البحث عن مخرج لإخراج سوريا من أزمتها». وفي 5/11/2012 شدد الإبراهيمي بالقول أنه: « لا حل عسكري للأزمة السورية، وأن الحل الوحيد هو إيجاد عملية سياسية يتفق عليها الجميع، أو أن المستقبل سيكون سيئا للغاية، وستتدفق الأزمة على دول الجوار وحتى إلى دول بعيدة عن المنطقة». ولتجنب الانهيار « اقترح» الإبراهيمي « فكرة» أن يقدم كل صاحب شأن « أفكاره» و « مقترحاته» وإجاباته على السؤال: « ما البديل»؟ على قاعدة (1) « وقف العنف المتبادل» و (2) عبر صيغة « الحل السياسي مع النظام»، دون الاقتراب من الأسد من حيث بقائه أو رحيله، وبما يحقق (1) مصلحة كل طرف، و (2) يؤدي إلى « التغيير»، وبـ (3) موافقة جميع الأطراف. وبموجب ذلك يقدم أطراف « المركز» أفكارهم على قدم المساواة مع « أفكار» إيران والعرب وحتى اليهود والطائفة النصيرية.

هكذا وفرت المبادرة غطاء للأفاعي السابتة كي تغادر أوكارها بحثا عن الفرائس. فاختبرت كافة السيناريوهات التي يمكن التعامل معها. واستطاع الروس والأمريكيون إدارة الاختبارات إعلاميا وسياسيا بصورة مبهرة. وفي تصريح له لوكالة الأنباء الروسية « نوفوستي – 3/9/2012»، قال وزير الخارجية، سيرغي لافروف: [ « إن روسيا والولايات المتحدة تصبوان إلى تحقيق الهدف الواحد في سورية، وهو أن « تتحول سورية إلى نظام ديمقراطي تعددي يمارسه السوريون بأنفسهم في حين تحترم جميع الدول الأخرى سيادة سورية واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها»، ولكن تختلفان على كيفية تحقيق هذا الهدف» ]. لكن هذا الاختلاف لا يتعلق في واقع الأمر بطريقة تنحية الأسد بقدر ما يتصل الأمر في الصراع على النفوذ الذي تخوضه روسيا ضد الغرب. ولقد كان لافروف صريحا في ذات التصريح، لمن لا يريد أن يعقل الحقائق بلسان أهلها، حين قال: « من الواضح أن تواجدنا الإنساني في العالم لا يساوي قدراتنا ونحن نلاحظ هذا بسهولة .. إننا نستعيد بشكل واسع مواقعنا التي خسرناها في تسعينات القرن السابق، ونحن متخلفون جداً عن اللاعبين الدوليين في هذه المنطقة مثل الفرنكوفونيين، ومعهد جوته».

كما أن الروس قالوا بصراحة في 6/9/2012، بلسان الرئيس بوتين،: « نحن نفهم جيدا ضرورة التغيير ... لكن ليس التغيير الدموي» .. عبارة تَحصَّن بها الإبراهيمي وطار فيها إلى سوريا ليقول للأسد في أول اجتماع له به: « الشعب السوري يريد التغيير الشامل ولن يكتفي بمصطلحات الإصلاح خصوصًا بعد كل ما مر عليه من مآس ومحن وقتلى وجرحى ومشوهين ومعتقلين ومهجرين». هذا ما نقلته صحيفة الرأي في24/9/2012. والحق أن الإبراهيمي، وتحت السقف إياه، انتزع من الرئيس السوري « فكرة الرحيل» ولو تحت غطاء وهمي أطلق عليه الانتخابات!!! فحين سئل عن لقائه بالأسد في 21/10/2012 أجاب: « لن أتكلم عما دار بيني وبين الرئيس من حديث، تكلمنا بهذا الموضوع (هدنة العيد)، وأعتقد أنه فاهم القصد من كلامنا، وهو وحكومته سيقولون رأيهم بهذه الفكرة». أما مقاصد الرئيس التي أخفاها الإبراهيمي فليست، على الأرجح، إلا تلك التي أفصح عنها ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي، في تصريحات سابقة أدلى بها لصحيفة « لوفيغارو» الفرنسية (10/9/2012)، وقال فيها: « إن الأسد أبلغنا بنفسه، لكني لا أعرف إلى أي مدى هو صادق في ذلك، لكنه أبلغنا بوضوح أنه إذا لم يكن الشعب يريده؛ وإذا اختاروا زعيما آخر في انتخابات؛ فإنه سيرحل».

وقد تبدو مثل هذه التصريحات متناقضة مع ما أدلى به لافروف عقب لقائه مع نظيره الأردني ناصر جودة حين اعتبر بأن: « مَن يريد تغيير نظام الرئيس الأسد فإنه يسعى إلى إكمال حمام الدم». لكنه في الواقع تصريح بالغ الدقة والصراحة. فالروس يتحدثون عن تغيير الأسد وليس عن تغيير النظام. وهم متفقون مع الغرب على بقاء النظام لكنهم لا يختلفون على تغيير الأسد إلا بالطريقة كما يقول لافروف، فضلا عن سعيهم الجوهري لكسب أكثر ما يمكن كسبه قبل التضحية بالأسد.

ومن جهتها سعت إيران نحو العراق بخطىً حثيثة لتثبيت ما تراه حقوقا لها أو بدائل مرضية في حالة رحيل الرئيس السوري. وقبل لقائه بالإبراهيمي قدم الرئيس الإيراني أحمدي نجاد معادلة إيران للحل في 3/10/2012. فمن جهة قَبِلَ التقييم الدولي للأزمة السورية، مشيرا إلى أن: « كل القوى العالمية التي انخرطت في الأزمة السورية ارتكبت أخطاء، ومحذرا في الوقت نفسه من أن الأزمة السورية ستمتد إلى دول أخرى في المنطقة إذا لم تحل». ومن جهة أخرى طالب باستحقاقات إيرانية للحل بالقول: « كل الشعب السوري محترم، ولكن البعض يريدون تصفية الحسابات مع إيران».

وفي 15/10/2012 حل الإبراهيمي ضيفا على بني فارس. وهناك التقى الرئيس وكذا وزير خارجيته علي أكبر صالحي ومستشار الأمن القومي سعيد جاليلي. وأعلن صالحي أن إيران سلمت الإبراهيمي « مقترحات خطية غير رسمية» لتسوية الأزمة, دون أن يكشف عن فحواها، وأن المقترحات سُلمت أيضا إلى السعودية وتركيا ومصر!!! لكن كل ما رشح عن اللقاءات، في حينه، هو دعم إيران للحل السياسي، مع التشديد على ضرورة وقف العنف، قبل اتخاذ أي إجراءات في الميدان. أما الإبراهيمي فعلق على المقترحات بالقول: « إن الأفكار أو المقترحات الإيرانية ستضاف إلى مقترحات قدمتها دول أخرى من أجل الخروج بخطة متكاملة».

لكن لم يمض يوم واحد على اللقاءات حتى طار وزير الدفاع الإيراني إلى العراق ( 16/10/2012) في أول زيارة له منذ احتلال البلاد سنة 2003 استهدفت توقيع اتفاق أمني مع الحكومة العراقية التي حولت العراق فعليا إلى محافظة تابعة لإيران خاصة بعد سيطرتها على البنك المركزي. ويبدو أن الإيرانيين رؤوا في مبادرة الإبراهيمي فرصة لإحياء فكرة البديل عن سوريا، التي سبق وطرحها مقتدى الصدر عشية الانسحاب الأمريكي من العراق وأوائل انطلاقة الثورة السورية. وبدا أن زيارة وزير الدفاع الإيراني تحاول صياغة معادلة من نوع: إذا كان هناك من يسعى إلى تصفية الحساب مع إيران في سوريا فالإيرانيون أيضا على استعداد لتصفية الحساب معهم في العراق.

لم ينكر علي شاكر شبر، النائب عن التحالف الوطني في العراق، خفايا التحرك الإيراني المباغت دبلوماسيا حين علق على الزيارة بالقول: « إن العلاقات بين العراق وإيران علاقات طيبة ومتطورة، وتأخذ مديات أوسع منذ عام 2003 ولحد الآن، ولأن المنطقة تمر بحالة قلقة وغير مستقرة فمن الضروري أن تكون هناك اتفاقيات أمنية، سواء مع إيران أو غيرها من دول الجوار».

ومن جهته فسر النائب أحمد العلواني، عن القائمة العراقية، تصريحات غريمه بالقول: « إن الاتفاقية الأمنية التي تسعى إيران لإبرامها مع العراق تتعلق بتخوفها من تداعيات الأزمة السورية وانهيار نظام بشار الأسد، ولإيجاد ساحة أخرى تكون بديلاً عن سوريا، معتبرا أن زيارة وزير الدفاع الإيراني المفاجئة للعراق ترتبط بهذا الموضوع». ومحذرا من أن: « الاتفاقية ستقود إلى تسليم البلد إلى إيران ويكون الملف الأمني بيدها كاملاً. أما أحمد الأبيض، المحلل السياسي العراقي، فقد ذهب، كالكثيرين، أبعد من ذلك حين ربط بين: « زيارة وزير الدفاع الإيراني التي استبقت بيومين زيارة رئيس الحكومة نوري المالكي إلى روسيا»، مشيرا إلى أنها: « تعطي دلالات بأن موسكو وطهران تسعيان لسحب العراق إلى محور الدعم الروسي الإيراني لسوريا، وهذا ما يراه الكثير من المهتمين بالشأن العراقي والسوري».

هكذا، وبعد أن ضمن العراق بديلا عن سوريا، جرى تمهيد الطريق أمام أحمدي نجاد كي يتوقف عن إطلاق التهديدات، ويعلن من الكويت، خلال مشاركته في قمة آسيوية – 17/10/2012، عن دبلوماسية ناعمة تقضي بدعم بلاده لـ: « فكرة وقف إطلاق النار في سوريا»، وليؤكد في الوقت نفسه على أن: « الحرب لا يمكن أن تكون حلا مناسبا، وأن أي جماعة تحصل على السلطة من خلال الحرب؛ وتهدف للاستمرار فيها ليس لها مستقبل» .. بل أنه كرر ما أفشاه بوغدانونف، نائب وزير الخارجية الروسي، عن تنحي الأسد عبر صندوق الاقتراع، مشيرا إلى أن: « وقف إطلاق النار والمفاوضات بشأن انتخابات حرة هو من وجهة نظري الطريق الصحيح إلى الحل»!!! .. هذه هي إيران التي لم تترك بلدا إسلاميا إلا وأنشأت فيه طابورا خامسا وأغرقته بالأسلحة والفتن والحروب باتت تنبذ الحروب وتتحدث فجأة عن حلول سياسية وديمقراطية وطرق صحيحة!!!


ثانيا: آلية الاختراق وعناصره


وفي الوقت الذي كانت تخضع فيه مختلف القوى الإقليمية والدولية لعمليات اختبار حاسمة، عبر مبادرة الإبراهيمي، كانت القوى المقاتلة في الثورة السورية تتعرض، هي الأخرى، لأقسى عملية اختبار أمني وعسكري منذ انطلاقة الثورة. إذ أن القوى الوحيدة التي يصعب اختبارها، وتحتاج إلى الترويض والاحتواء هي القوى المسلحة التي تمسك بالأرض وتخوض القتال. وكان الطُّعم الذي ألقي على العسكر هو تسليح الثورة، ومن الطريف أنه ذات الطُّعم الذي سبق وألقي على قوى المعارضة السياسية ولمّا تزل حتى هذه اللحظة. لكنه بالقطع ذو وقع مميز حين يكون العسكر هم الأداة التي تلتقطه فيما الثورة هي الهدف الذي يدفع ثمن مرارته.

من المعلوم جيدا أن « المركز، بشقيه الغربي والشرقي، وعبر آلية التسلح، يتحكم في اندلاع الحروب وإطفائها مثلما يتحكم في تحديد هوية المنتصر من المنهزم، وكذا في استمرار الحروب دون السماح لأي طرف بتحقيق انتصار حاسم على الطرف الآخر، وأخيرا التحكم بحالة اللاحرب واللاسلم الدائمين. ومن المعلوم أيضا أن تدفق الأسلحة باتجاه النظام السوري لم ينقطع، في حين يجري التحكم بها بشدة فيما يتعلق بالثورة السورية. فتارة تتدفق وفقا لمعايير كمية ونوعية وتارة تختفي حتى الذخائر .. الأمر الذي أصاب المقاتلين بالكثير من القهر والمرارة مما اعتبروه سياسات عدوانية وشريرة كونها تتعمد منع المقاتلين من إحداث فوارق حاسمة في الصراع مع النظام. بل أن أحد قادة المقاتلين علق على هذه السياسية بمحتوى مفجع ومرير حين قال لصحيفة « الغارديان – 10/11/2012» إنهم: « يعطوننا ما يكفي لمواصلة القتال لكن ليس ما يكفي لكسبه. وأنا متأكد أن هذا الوضع لن يتغير حتى بعد الانتخابات الأميركية. وغير متأكد من أن كل امرئ يستطيع أن يبقى على قيد الحياة حتى هذا الوقت».

والثابت أن الثوار شعروا مبكرا جدا بهذه السياسات الدولية حتى قبل « الغارديان»، وقبل أن يتحدث أحد عن الخشية من تحول سوريا إلى ملاذ للقوى الإسلامية أو « جماعات الجهاد العالمي»، بل قبل أن تتجه الثورة السورية نحو العسكرة. لكن نمو العامل الإسلامي في الثورة عزز التذرع بعدم التسليح، في حين أن المشكلة تتصل بالدرجة الأساس بافتقاد « المركز» للبديل عن الطائفة الحاكمة في سوريا، وبالتالي غياب أي حل سياسي، والاكتفاء بإدارة الأزمة على أمل أن يتمكن النظام من القضاء عليها أو احتوائها أو انزوائها تحت ضغط آلة عسكرية شديدة التوحش والإجرام، ومحصنة برعاية دولية وأغطية سياسية وأمنية وزمنية مفتوحة.

المشكلة التي تواجه « المركز» اليوم تتطلب أجوبة على استيعاب ثورة مدنية انقلبت إلى ثورة مسلحة يصعب السيطرة عليها. وكنا قد أشرنا إلى هذا الأمر في حلقات سابقة من السلسلة قبل أن يكتب بنجامين هال، كنموذج، مقالته في صحيفة « نيويورك تايمز – 19/10/2012» واصفا الثوار باعتبارهم: « مجموعات مختلفة ومشتتة لا يربط بينها رابط تنظيمي أو قيادة موحدة، ومن مشارب فكرية متنوعة، وتستولي كل واحدة منها على شارع أو شارعين بالمدينة ولا تتوفر الثقة بينها». لينتهي بتوصية تفيد بأنه: « سيكون من الخطأ أن تسلح أميركا وأوروبا الثوار بالأسلحة أو أن تتدخل على الأرض». لكننا نبهنا في مواضع سابقة من السلسلة أن قوة الثورة في الوقت الراهن تكمن في شتاتها باعتباره تعبيرا عن حالة اجتماعية شاملة، وفعالة وعصية على الاختراق مع تداعي الأعداء والخصوم عليها.

لكن في هذه النقطة بالضبط تدخل « المركز» ومخططيه الاستراتيجيين وحلفائه وأجهزتهم الأمنية والإعلامية عبر الدعوة إلى توحيد القوى المسلحة في إطار ما أسمي بـ « المجالس العسكرية» .. وتحت شعار « لا سلاح بلا قيادة موحدة»!!! وتوثيقا لـ « الشعار» كشفت صحيفة « إندبندنت – 1/10/2012» البريطانية: « إن مزودي الأسلحة من القطريين والأتراك أبلغوا ممثلي المعارضة، أثناء نقاشات عالية المستوى، أن الأسلحة الثقيلة لن تتاح لهم حتى تتفق الفصائل المختلفة على تشكيل هيكل قيادة متماسك، وأن مخزونات من الأسلحة ... موجودة في تركيا لكي يستخدمها ثوار سوريا في الحرب الدائرة هناك، لكن توزيعها متوقف بسبب الشقاق والتنازع بين المجموعات المختلفة من المقاتلين». ونقلت صحيفة « الغارديان – 11/10/2012» عن مسؤولين أمريكيين قولهم: إن « الطبيعة الغامضة للمعارضة والوجود الزاحف للجهاديين الأجانب من أسباب ضغطهم على الرياض والدوحة»، مضيفة أن: « السعوديين يضغطون الآن على المعارضة السورية المسلحة لتشكيل "جبهة إنقاذ" بقيادة وسيطرة موحدة على الأرض وقدرة على جمع الأسلحة بمجرد انتهاء القتال»، وهو ما اعترف به، لاحقا، المقدم الركن ياسر عبود، قائد العمليات في المنطقة الجنوبية في الجيش الحر، خلال مقابلة مع « الجزيرة نت – 31/10/2012 » حين سئل عن الغاية من توحيد القوى المسلحة فقال بأن: « المطلوب من العسكر الاتفاق ضمن مجالس مناطقية في المحافظات وإيجاد غرفة عمليات موحدة في كل محافظة أي توحيد البندقية في الداخل تحت إطار الحد الأدنى من التوافق والانضباط ... (ولأن) الخارج لا زال خائفا من تفلت عمليات التسلح في الداخل، فهو يريد إطارا واحدا يسلحه ثم يعود السلاح للدولة بعد إسقاط النظام». وحتى مختار لماني، نائب الإبراهيمي لم يخف تذمره، (1/10/2012) من شتات المقاتلين مشيرا إلى أن: « هناك الكثير من أحزاب المعارضة داخل سوريا وخارجها بالإضافة إلى الجماعات المسلحة، مشيرا إلى أن العلاقات بين هذه المجموعات يشوبها الخلاف والاقتتال والاتهامات بالخيانة، واعتبر أن ذلك يعقد المهمة».

ولا ريب أن المنطق الأمريكي، على وجه التحديد، بعيدا حتى عن الضغوط العربية، بدا مقنعا لكثير من العسكريين والسياسيين والمدنيين وحتى لبعض المشايخ. والخلاف الوحيد يقع في مستوى خلفية القناعات والأهداف والأجندات. فثمة شريحة من هؤلاء غافلون تماما عن أية حقيقة أو معرفة أو تقييم لحقيقة الثورة أو مكانة سوريا الطائفية في النظام الدولي، لذا فإن القسم الأكبر من هذه الشريحة أحسن الظن في فكرة تشكيل « المجالس العسكرية» اعتقادا منها أن الثورة تتوحد بعد شتات بغيض وغياب للقيادة جعل من فعاليات الثورة خاضعة للاجتهاد والمبادرة الفردية بعيدا عن التخطيط المبدئي، ناهيك عن التخطيط الاستراتيجي، وشريحة ثانية واهمة وحالمة، يكسوها الغرور والطموح في دور مستقبلي لها في سوريا ما بعد الأسد، باعتقادها القدرة على انتهاز الفرصة والتفاهم مع « المركز» والدخول معه في تبادل مصالح مشتركة إلى حين، وكأن المركز أبلها أو غافلا أو أقل ذكاء منها في التحليل والمراوغات والمكر!!! ومع ذلك فهي تظن أن إسقاط الأسد يكفي، مع علمها اليقين أنه لا يعني بالضرورة إسقاط النظام. هذه الشريحة لا تتحرج من لقاءاتها مع عناصر أجهزة المخابرات الدولية والإقليمية، وحتى التباهي في الاجتماع بوكلاء الـ CIA. أما الشريحة الثالثة فهي من صنف « إسرائليو الثورات» الذين يحركهم الهوى، فلا تعنيهم عقيدة ولا أمة، ولا يتعظون من أية سوابق لأمثالهم، أو روادع عقدية أو أخلاقية حتى لو تحالفوا مع الشياطين. وغني عن البيان القول بأن أن الشرائح الثلاثة وقعت، كرها أو طوعا، ضحايا لاختبارات أمنية وألغام لا هدف لها إلا إصابة الثورة بأضرار بالغة أو التمهيد لمرحلة« صحوات» دموية قادمة قبل وبعد سقوط الأسد. وإذا ما أوذيت الثورة، لا قدر الله، بقواها وكتائبها ومقاتليها ومجاهديها بفعل هذه التشكيلات، فسيتحمل هؤلاء مسؤولية أخلاقية وتاريخية وعقدية جسيمة.

ومن باب التذكير فليست هذه هي المرة الأولى التي تستهدف فيها قوى « المركز» تحقيق اختراقات في الثورة سواء في صلبها أو عبر هوامشها القريبة والبعيدة. ففي 11/8/2012 أُعلن في واشنطن عن تشكيل جماعة سورية معارضة من ستين عضوا باسم « جماعة الدعم السورية»، لجمع التبرعات المالية والعينية، وزعم لؤي السقا، أحد الأعضاء الاثني عشر في مجلس الإدارة، أن الجماعة: « تمثل آلاف المقاتلين في تسع محافظات، وأن هؤلاء الذين يمثلون ما يقارب نصف المقاتلين في الجيش الحر!!!، وأنهم: « وقعوا إعلان مبادئ يدعو إلى دولة ديمقراطية لجميع السوريين بغض النظر عن الطائفة أو الدين أو العرق، وترفض المبادئ كذلك الإرهاب والتطرف والقتل بغرض الانتقام»!!!

وفي الولايات المتحدة أيضا، وفي ذات السياق من التواصل مع المعارضة أو صناعتها، نقلت وسائل إعلام في 12/8/2012 عن هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية، بعد لقائها نظيرها التركي، القول: « أنها التقت مجموعة من الناشطين السوريين والخبراء والقانونيين والصحفيين والقيادات الطلابية في محاولة لمعرفة ما يمكن للولايات المتحدة فعله لمساعدتهم». وفي تصريح إذاعي (19/9/2012) أعلن السفير الفرنسي في سوريا إريك شوفالييه، المكلف بالملف السوري عن موقف بلاده بالقول: « نعمل مع المعارضة لمساعدتها على تنظيم نفسها، ولدي تعليمات من رئيس الجمهورية للاتصال بمجمل مكونات المعارضة ومن ضمنها المجموعات المسلحة، ونحن أول دولة تقوم بذلك بهذا الشكل المنظم».

أما المستهدف هذه المرة بصورة خطيرة، كما أشرنا، فهم المقاتلون بدايةً وهوية الثورة نهايةً. وقد سبق وأشرنا إلى أن « الجيش الحر» هو راية شعبية بنسبة تزيد عن 85% من القوى المسلحة في سوريا، فيما تتوزع النسبة الباقية على المنشقين من الضباط والجنود. أما الشق الآخر من الثورة فهو ذلك الشق الإسلامي المكون من قوى محلية وأخرى متطوعة من الخارج. ويبقى شق ثالث خفي، لكن نصفه من القوى الجهادية العقدية ونصفه الآخر من قوى تحتفظ بقوتها وعددها وتحشد السلاح دون أن تخوض المعارك استعدادا لقطف الثمار.

وهكذا بات جليا أن كل ما يرمي إليه « المركز» من تشكيل المجالس العسكرية» هو تجميع القوى المسلحة في « تشكيلات مستحدثة تحت سلطة قيادة واحدة يمكن أن تكون قريبا بديلة عن « الجيش الحر» بشقيه الشعبي والنظامي .. قيادة تمارس سلطة الرقابة والتحكم والسيطرة والتجنيد. لذا فإن المشهد الأمني في هذه المجالس، والساعي إلى تأسيس قاعدة بيانات واسعة ومفصلة، يبقى حاضرا بقوة عبر الاتصال بتشكيلات القوى المسلحة وطلب بيانات عنها تشمل أعداد المنتسبين لها وأسمائهم وأرقام هواتفهم وعناوينهم وعدتهم وعتادهم وخلفيتهم المهنية أو العسكرية أو الأيديولوجية أو العقدية وما إلى ذلك من البيانات التي تساعد لاحقا على التتبع والملاحقة وحتى الاعتقال أو التصفية الجسدية إذا لزم الأمر.

وبطبيعة الحال سيعمل « المركز»، في مرحلة ما، على تمكين هذه المجالس من امتلاك الأدوات اللازمة للعمل كالشرعية الاجتماعية والسياسية وحتى الدينية، فضلا عن التمويل والتسليح والإعلام لتحقيق عملية فرز ميداني للقوى المسلحة تستهدف بالدرجة الأساس القوى الإسلامية. ولم يعد غريبا أن تترافق عمليات التشكيل هذه مع حملة إعلامية شرسة استهدفت هذه القوى وكل متطوع راغب بالخدمة المدنية أو القتال بدعوى أن سوريا ليست بحاجة إلى رجال أو، في مستوى أشد، يزعم أن الوافدين تحولوا إلى عبء على الثورة. والمنطق يؤكد بأن المتطوعين لو كانوا عبءً لما كان لهم ذاك التأثير الفارق على مسارات الثورة ميدانيا، ولو كانوا كثرة لما بقيت الثورة تعاني من حالة توازن القوى مع النظام.

والحقيقة الثابتة الأولى تؤكد أن الإسلاميين هم القوى الوحيدة التي لم تتذمر أو تطلب تمويلا أو تسليحا من أحد، وبالتالي فهي أولى بالشكوى من أية قوة أخرى، بالنظر إلى توافد متطوعين يعانون من قصور في فهم الجهاد ومتطلباته الشرعية والمادية أو لانعدام أية خبرة لديهم. ولو كانت تعتمد معايير القلة والكثرة لحق لها قبل غيرها أن تندب حظها بالمقارنة مع الآلاف المؤلفة من المسلحين.

والحقيقة الثانية أن الحرب على القوى الإسلامية هي حرب إعلامية محضة تديرها وسائل الإعلام وشخصيات معروفة ماضيا وحاضرا بعدائها للقوى الجهادية، وبالتحالف مع قوى وشخصيات سياسية وعسكرية ومنابر إعلامية محلية تتميز غيظا من مجرد ذكر كلمة جهاد!!! والثابت أنه ليس لمثل هذه الهجمات المغرضة علاقة ذات أثر ملموس في الواقع، لاسيما وأنها تتصرف عبثا، وبشكل فاضح، كمن يجهد نفسه بتغطية الشمس بالغربال، بل أن هذه الحقيقة تؤشر على أن القوى الدولية هي التي تقف خلف هذه الحملات التي تستهدف في المستوى الأول وقف تدفق المتطوعين الوافدين، وفي الثاني التمهيد لإحكام إغلاق الحدود، والثالث فرز القوى الإسلامية في الميدان ومحاصرتها، وإذا تطلب الأمر ضربها في مستوى رابع.

الحقيقة الثالثة أن القوى الإسلامية كـ « جبهة النصرة» و أحرار الشام» قدمت أداء عسكريا مميزا في ميادين القتال؛ وفَّر لها حاضنة شعبية ومصداقية عالية لدى القوى المسلحة حتى من كتائب وألوية « الجيش الحر». ويشهد الكاتب البريطاني كون كوفلين في مقالة له بصحيفة « الديلي تلغراف – 29/8/2012»: « أن مشاركة تنظيم القاعدة في الصراع الدائر بسوريا مبالغ فيها، ولكن هناك خلايا للقاعدة تحمل أعلاما بيضاء وسوداء وتحارب جنبا إلى جنب على الجبهات إلى جانب الجيش السوري الحر». بل أن شهادة صحيفة « الأبزرفر – 4/11/2012 » كانت أكثر وضوحا في الوقوف على حقيقة أداء القوى الجهادية في مواجهة النظام الطائفي في سوريا حين قالت: « إن دور الجهاديين الأجانب أو من يسمون بالمهاجرين يبقى حيويا وضروريا ومطلوبا، فهم يوجدون في كل جبهة وعلى كامل الاستعداد والجاهزية، وقليل من الهجمات الكبيرة الأخيرة ضد قوات حدثت دون مشاركة فاعلة للجهاديين الأجانب فيها». ولا ريب أن مثل هذه الشهادات، القادمة من عمق ديار « المركز»، بحق القوى الجهادية تشكل إحراجا بليغا لمن يقللون من شأنها أو يعملون على تشويهها بما يخالف الواقع أو يشهدون زورا بنسبتهم لبعضٍ من أكبر العمليات العسكرية التي نفذتها مثلا « جبهة النصرة» ضد رئاسة الأركان وكتيبة الصواريخ للـ الجيش الحر»، علما أن هذا الأخير لم ينسبها لنفسه!!!


ثالثا: مسيرة الاختراق


1) المعارضة المسلحة


لما تكون الثورة السورية شأن دولي أكثر مما هي شأن محلي فإن القراءة الموضوعية تستدعي من كل مراقب أو دارس لها مراقبة السلوك الدولي وسياساته على كل مستوى بنفس القدر الذي نقرأ به وقائع الثورة أو سلوك النظام الحاكم أو أزيد منه. ولما نتحدث عن « الاختراق» باعتباره حقيقة واقعة وليس مؤامرة متخيلة فلأن وقائعه ليست خفية بقدر ما تعج بها وسائل الإعلام دون حياء أو وجل. لكن مع أن السلاح لـ « المعتدلين» إلا أن الحل سياسي!!! فما الحاجة إذن لـ « البدائل» العسكرية والسياسية الجديدة؟

فقد انطلقت « مسيرة الاختراق» من رحم قوى المعارضة السياسية التي رفضت عسكرة الثورة السورية أياً كان الثمن. واستعملت القوى الاستخبارية العالمية بعض رموز القوى السياسية في الحصول على ما لديها من معلومات. لكنها فشلت في القيام بمهمتها. فلجأت القوى الغربية إلى بعض من كبار الضباط، عبر سلاسل من الاجتماعات التي جرت معهم على انفراد بغية الحصول منها على ما يمكن الحصول عليه من معلومات تفيد في التقييم. ومن الطريف أن القوى الاستخبارية هذه كانت ترسل خبراء متخصصين في جمع المعلومات وليس في تقديم العروض أو المطالب أو فرض الإملاءات التي يتركونها عادة لحلفائهم كي لا تثير الريبة لدى السوريين، مع ذلك فقد منيت هذه المحاولات، إلى حد كبير، بالفشل إلى الحد الذي دفع صحيفة « الواشنطن بوست – 25/7/2012 » الأمريكية أن تتحدث عن « فجوة استخبارية في سوريا» حول هوية القوى العسكرية المقاتلة والنظام السوري.

والحقيقة أن القوى الأمنية لـ « المركز» كانت تدرك صعوبة المهمة لثورة مدنية انقلبت إلى ثورة مسلحة بحيث يستحيل الإحاطة بالمشهد الثورة الشعبي المسلح من جميع جوانبه. هذه « الفجوة الأمنية» مثلت أخطر عقبة في وجه القوى الدولية التي وقعت في حيرة من أمرها إزاء البحث عن أنجع السبل في التعامل مع الثورة السورية. كما أنها منعت إمداد الثورة بالسلاح، بل وحاصرتها حتى في ذخيرة البنادق، بدعوى الخشية، في المستوى الأول، من تحول المجتمع السوري إلى « التطرف»، وفي مستوى ثاني بذريعة الخشية من وقوع السلاح بيد جماعات « متطرفة» لم تكن أصلا موجودة، في حين أن المسألة برمتها تتعلق فقط بالحفاظ على أمن النظام.

وتبعا لذلك تطورت « مسيرة الاختراق» لتمس الهياكل السياسية والعسكرية على السواء عبر البحث عن قيادات وهياكل بديلة من الداخل تستجيب لاحتياجات « المركز»، وتساهم، بوعي أو بدون وعي، بسد الفجوة المعرفية. إذ أن الثورة السورية تخوض حربا عجيبة يصعب فهمها لاسيما وأنها تفتقد إلى المرجعية والقيادة والإدارة والخبرة والسابقة والأيديولوجية والتنظيم، ولكنها مع ذلك تحقق تقدما مثيرا، سواء من حيث إضعاف النظام وإرهاقه أو من حيث طرده فعليا من مناطق واسعة جدا، رغم كل الدعم الدولي الذي يحظى به فضلا عن الوحشية التي فاقت كل تصور في قمع الثورة والمجتمع وتخريب الدولة وبناها التحتية.

ومع أن التجارب السابقة في الاختراق كانت تجري من وراء ستار مع بعض الأفراد أو القوى أو الجماعات إلا أنها في الحالة السورية باتت على كل منبر وفي كل محفل!!! وبالتأكيد لم تكن هي الأولى، تلك المقالة التي كتبها وليم هيغ، وزير الخارجية البريطانية، في صحيفة « التايمز – 10/8/2012، وقال فيها: « أن بلاده ستواصل العمل مع المعارضة السورية وخصوصا مع ممثلي الجيش الحر لتأمين استعدادهم للسقوط الحتمي للأسد». فقد سبقها اعترافات أمريكية وبريطانية عن وحدات استخبارية تنشط في سوريا.

أما المجالس العسكرية بدأت في الظهور إعلاميا في أواخر شهر أيار / مايو عبر تصريحات لقادة عسكرين منشقين في الداخل. ففي تصريحات لصحيفة « الشرق الأوسط - 27/5/2012» قال العقيد الركن أحمد فهد النعمة، قائد المجلس العسكري في محافظة درعا،: « قمنا بتشكيل مجالس عسكرية في مختلف المحافظات وهي متواصلة من خلال المكاتب الإعلامية التابعة للمجالس العسكرية وهناك تواصل بين قادة المجالس ومع قيادة الجيش السوري الحر بشكل يومي ومستمر بغية التوصل إلى العمل المؤسساتي المنظم والهادف والذي يوازي المعايير الدولية». وفي مقابلة مع صحيفة « الغارديان 2/6/2012 » البريطانية أكد العقيد الطيار الركن قاسم سعد الدين، الناطق الرسمي باسم القيادة المشتركة لـ « الجيش الحر» بالداخل أن: « ثمة تنظيما أكثر وضوحا الآن مع تشكيل عشرة مجالس عسكرية إقليمية تتبعها كتائب محلية وفرق قتالية، وكلها لديها فروع إدارية تتعاطى مع التمويل والتزويد بالأسلحة والمساعدات الإنسانية».

كانت هذه التشكيلات حاضرة في لقاءات الدوحة، الساعية إلى إيجاد هياكل سياسية وعسكرية جديدة، حتى تم الإعلان في 16/10/2012، عن: « اتفاق عشرات المعارضين السوريين، ومنهم قادة الجيش السوري الحر، باجتماع داخل سوريا عقد في 14/10/2012، على تشكيل قيادة مشتركة بهدف تحسين التنسيق العسكري بين المقاتلين وخلق قيادة واحدة يأملون أن تكون القوى الخارجية مستعدة لتزويدها بأسلحة أقوى».

« قيادة واحدة»! لم يكن الرئيس الأمريكي باراك أوباما بعيدا عنها، وهو يخوض آخر مناظرة طاحنة له مع خصمه في الانتخابات الرئاسية مت رومني (23/10/2012)، حيث كانت الثورة السورية حاضرة بقوة في العاصفة. وخلال المناظرة كان أوباما صريحا للغاية وهو يقول: « إننا نساعد المعارضة على تنظيم صفوفها ونحرص بصورة خاصة على التثبت من أنهم يعملون على تعبئة القوى المعتدلة في سوريا .. نتثبت من أن الذين نساعدهم هم الذين سيكونون أصدقاء لنا على المدى البعيد وأصدقاء لحلفائنا في المنطقة على المدى البعيد .. فالثوار الذين يصبحون مسلحين هم الأشخاص الذين سيصبحون الأطراف المسؤولة، علينا التصرف بحيث نكون واثقين ممن نساعد، وأننا لا نضع أسلحة بأيدي أشخاص قد يوجهونها في نهاية المطاف ضدنا، أو ضد حلفائنا بالمنطقة» .. ولأن أوباما ليس وحده من يؤمن بهذا التحرك؛ فقد دعا: « للعمل مع شركائنا وبمواردنا الخاصة لتحديد أطراف مسؤولة داخل سوريا، وتنظيمها وجمعها معا في مجلس يمكنه تولي القيادة بسوريا، والتثبت من امتلاكهم الأسلحة الضرورية للدفاع عن أنفسهم».

بالتأكيد لن تنعم « المجالس العسكرية» بالمن والسلوى قبل أن تخضع لاختبارات فعلية على الأرض تثبت أنها قادرة على أداء المهمات المطلوبة منها. لكنها قد تتلقى مبدئيا بعض المال مصحوبا بغض الطرف عن تدفق محسوب للسلاح، كما ونوعا، كطعوم تساهم في بناء الثقة والمصداقية بحيث يمكنها إغراء القوى المسلحة على الانضواء تحت سلطتها. وما أن تقوى شوكتها حتى تصبح رهينة التوجيهات المذلة والشديدة الخطورة. إذ لا توجد أية ضمانات متخيلة تحمي هذه المجالس من سطوة القوى الدولية. وستفاجأ بأنها ملزمة بتلقي الإمدادات المالية والعسكرية، إنْ حصلت فعلا أو مبدئيا، من جهة أو جهات بعينها. وهو ما يعني أن خطوط إمدادها التقليدية ستنقطع بحيث تصبح تحت رحمة القوى الدولية. أما أولئك الذين سيمتنعون عن الانضواء تحت سلطة هذه المجالس، ومن بينهم أولئك الذين تصفهم صحيفة « الواشنطن تايمز – 7/11/2012 » بـ « السيئين»، أي الذين يعارضون السياسات الأمريكية أو يحملون الفكر الإسلامي فضلا عن القوى الجهادية المنظمة، فسيتعرضون بدورهم لحصار خانق وحملات تشويه إعلامية وربما حرب استئصالية ضدهم حتى قبل إسقاط الأسد. لكن ماذا عن حال المعارضة السياسية؟ هل سيكون أفضل من قرينتها العسكرية؟ لنرى.

يتبع...





 
[حجم الصفحة الأصلي: 47.47 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 46.85 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.30%)]