الصدق مع الله
الصدق مع الله عبدالله بن إبراهيم الحضريتي الخطبة الأولى: الحمد لله الذي جعل في قصص الغابرين عبرةً للمعتبرين، ونورًا للسائرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، بعَثَه الله هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: أيها المسلمون،تذكَّروا أن الدنيا أيام معدودة، وأنفاس محدودة، وإنما نحن عابرون، وإلى الله راجعون. قفوا معي وقفة تذكير وتدبُّر مع إمام الزُّهَّاد معروف الكَرْخيِّ، حين سئل: "كيف اصطلحت مع ربك؟". لم تكن رحلته مجرد أماني، بل بدأت بكلمة هزَّت كيانه في مسجد بالكوفة، حين سمع الواعظ ابن السماك يصدح بكلمات كأنها نداء الوداع، قال فيها: "من أعرض عن الله، أعرض الله عنه.. ومن أقبل على الله بكُلِّيَّتِه، أقبل الله عليه برحمته وفضله.. ومن كان مع الله تارةً وتارةً، كان الله معه تارةً وتارةً". أيها المؤمنون،ألا نرى أنفسنا في هذا الوصف؟ نُقبِل على الله في الشِّدَّة، ونُعرِض عنه في الرخاء.. نذكُرُه في المساجد، ونَنْساه في الأسواق.. نتَّقِيه في العَلَن، ونُبارِزُه بالمعاصي في الخَلَوات! هذا هو حال من كان مع الله "تارةً وتارةً". أما آن لنا أن نفقه أن الله غنيٌّ عَن عِبادة من قسم قلبه بين الخالق والمخلوق؟ إن معروفًا الكَرْخِيَّ حين سمع هذه الكلمات، أيقن بيقين العارفين أن العمر أقصر من أن يضيع في التردد، فصاح بقلبه صرخة صدق: "إن مكنني ربي لأفوزَنَّ بأعْلاها!". وما هي إلا لحظات، حتى تحوَّل ذلك العزم الخفي إلى عملٍ جَلِيٍّ، فأقبل على ربِّه بصدق، ففتح الله له أبواب ولايته ومحبته. تعصي الإله وأنت تُظهِر حُبَّه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif هذا محال في القياس بديع https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لو كان حُبُّك صادِقًا لأطعْتَه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إنَّ المحبَّ لمن يُحِبُّ مطيع https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فيا غافِلًا والعمر ينقص دائمًا، ويا لاهيًا والموت يطلبه.. إن العهد الذي بينك وبين الله هو "الصدق"، فمن أقبل بصدق قلبه، وجد الله تجاهه بكل رحمته وعطائه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. الخطبة الثانية: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وسلم. عباد الله،اتقوا الله حقَّ التقوى، واعلموا أن القلوب إذا لم يزجرها التذكير قست. سأل عبد الله بن الإمام أحمد أباه: "أكان مع معروف شيءٌ من العلم؟". فقال الإمام أحمد بلسان العارف بحقائق الأمور: "يا بني، كان معه رأس العلم: خشية الله تعالى!". نعم يا عباد الله،العلم ليس بكثرة المحفوظات، ولا بجمال المقال، إنما العلم "خشية" تمنعك عن الحرام، وتدفعك إلى الطاعات، وتذكرك بـ "الرقيب" سبحانه في خلوتك. إذا ما خلوت دهرًا فلا تقل https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif خلوتُ ولكن قُلْ عليَّ رقيب https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ولا تحسبنَّ الله يغفلُ ساعةً https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ولا أن ما تخفي عليه يغيب https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أيها المسلمون، إن الموت يأتي بَغْتةً، والقبر صندوق العمل، وما قصة معروف الكَرْخِيِّ إلا تذكير بأن باب الصلح مع الله مفتوح، فهل من مصلح لما بينه وبين الله؟ هل من تائب يُقبِل بِكُلِّيَّتِه ليجد ربًّا غفورًا شكورًا؟ تزوَّد من التقوى فإنك لا تدري https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إذا جَنَّ ليلٌ هل تعيشُ إلى الفجر https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فكم من فتًى أمسى وأصبح ضاحِكًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فمن أراد أن يصلح حاله، فليبدأ من ساعته، وليجعل لقلبه قبلةً واحدةً هي "رضا الله". اللهم أيقظ قلوبنا من غفلتها، وارزقنا خشيتك في السر والعلن، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبِعون أحسنه. اللهم أصلح فساد قلوبنا، وتولَّ أمرَنا، واجعلنا من المقبولين الصادقين. عباد الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. |
| الساعة الآن : 08:53 PM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour