|
|||||||
| ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
مفاسد الفراغ حسان أحمد العماري الخطبة الأولى الحمد لله الذي خلق الإنسان وعمَّر به الأرض، وجعل الوقت خزائنَ تُفتح بالطاعات أو تُهدر بالغفلات، وجعل العمل سببًا للحياة والطمأنينة، وجعل الفراغ بابًا للفتور والإحباط، نحمده سبحانه حمدًا لا ينقضي، ونشكره شكرًا لا ينفد، ونستعينه ونستهديه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تنقذ القائل من عذاب السوء، وترفعه إلى جنات الخلود، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، الذي جاء بالهدى ودين الحق، صلى الله وسلم عليه وعلى آل بيته وصحابته أجمعين، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين؛ أما بعد:فيا أيها المؤمنون: إن من أعظم ابتلاءات هذا العصر، ومن أكبر أسباب الانحدار النفسي والسلوكي، آفة الفراغ، وقد ألمح الحكماء والمصلحون إلى خطره منذ القدم؛ لأنه يفتح على النفس أبوابَ الأوهام، ويعطيها مساحةً واسعة لتضخيم الآلام، والمبالغة في ردود الأفعال، وترك العقل نهبًا للخواطر والوساوس. قال بعض الأدباء: "العمل لا يقتل مهما كان شاقًّا، ولكن الفراغ يقتل أنبل ما في الإنسان.". وكم هو صادقٌ هذا القول مع ما جاء في شريعتنا المطهرة؛ فقد روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((نعمتان مغبونٌ فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)). إذا كان العمل رسالةَ الأحياء، فإن العاطلين موتى، وإذا كانت دنيانا هذه غراسًا لحياةٍ أكبر تعقبها، فإن الفارغين أحرى الناس أن يحشروا مفلِسين لا حصاد لهم إلا البَوار والخسران. فالإنسان إذا أُعطي صحةً ولم يشغلها بطاعة، وأُعطي وقتًا ولم يمتلئ بخير، كان مغبونًا، أي خاسرًا لا يشعر بالخسارة إلا عند فواتها. إن الفراغ يفسد القلوب، ويهيج النفوس، وينشئ في المرء من الصفات ما لا يكون في صاحب العمل والسعي. وقد قرن الله تعالى بين السعي في الأرض وبين شكره؛ فقال سبحانه: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ﴾ [الملك: 15]. ولم يقف الأمر عند هذا، بل بيَّن الحق سبحانه أن الإنسان خُلق ليعمل؛ فقال جل شأنه: ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾ [الليل: 4]، وقال: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ﴾ [التوبة: 105]. والعمل – يا عباد الله – ليس مجرد مصدر رزق، بل هو عبادة ودواء للقلب، فالإنسان المنشغِل في حرفة أو علمٍ أو عبادة، يكون أقربَ إلى الاتزان النفسي وراحة البال، وأبعدَ عن الغضب والضيق والملل. انظروا – رعاكم الله – إلى العمَّال والموظفين في الأسواق، وفي المكاتب، وفي المصانع، وعلى سكك الحديد، وعلى الأسطح في حر الشمس ومهب الرياح... ترَون في وجوههم صلابة ورضا، وتسمعون منهم الإنشاد والمرح والضحك والروح الطيبة؛ لأنهم يمضون يومهم في حركةٍ تنشط الجسد، وتُلهي النفس عن الانشغال الفارغ. وفي المقابل، انظروا إلى من يقضي يومه على فراشه، أو يجلس بلا هدف ولا سعي؛ ما بين تأفُّف وضيقِ صدرٍ، وكثرة تذمر، وتعاظم مشكلات لا أصل لها، وسرعة غضب لأتفه الأسباب. لقد صدق القائل حين قال: "النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل." والعرب قديمًا أدركوا أثر الفراغ، فقال شاعرهم: إذا ملأ الفراغَ فتًى جِدًّا ![]() وجدَّ في أموره استقاما ![]() ![]() ![]() وقال آخر: إن الشباب والفراغ والجِدة ![]() مفسدة للمرء أي مفسدهْ ![]() ![]() ![]() وكم نرى اليوم من حالات القلق والاكتئاب، وسرعة الغضب والتوتر، سببها الأول البطالة الفكرية والعملية، فالنفس الساكنة تفرخ الهموم، والخالي من الانشغال يبالغ في كل شعور؛ كما قال الحكماء: "الفراغ يضخِّم الألم، ويضخم التعب، ويضخم المشاعر، ويجعل من المشكلة الصغيرة كابوسًا كبيرًا." أيها المؤمنون: جاء الإسلام ليبني الإنسان عملًا وإنتاجًا، حركةً وسعيًا، علمًا وزراعة، وصناعة وتجارات، ولم يأتِ ليجعل المؤمن خاملًا، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يعمل بيده، وكان أصحابه تجارًا وزرَّاعًا، وصنَّاعًا ورعاةً، يجمعون بين العبادة والعمل، وبين الذكر والسعي. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إني لأكره أن أرى أحدكم سَبَهْلَلًا، لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة." فاحذروا – عباد الله – من الفراغ الذي يهوي بالإنسان إلى التعاسة، واملؤوا أوقاتكم بطاعة، أو علم، أو خدمة، أو عمل، أو رياضة، أو أي نشاط نافعٍ يعمِّر النفس ويقوِّي الروح. اللهم بارك أعمارنا، واملأ أوقاتنا بالطاعات، وجنِّبنا الفراغَ الذي يفسد القلوب. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، نحمَده سبحانه وهو أهل الحمد والثناء، ونستعينه على ما يُعين به عباده الصالحين، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد أيها المسلمون: إن أعمارنا قصيرة، وأيامنا محدودة، فإذا ضاعت في فراغ، فقد ضاعت بلا عوض، وإن الوقت الذي لا يعمر بطاعة أو سعيٍ نافع، يصبح وبالًا على صاحبه في دنياه قبل آخرته. الفراغ – أيها المؤمنون – مزرعة الشيطان، ومدخلُ الفتن، وبوابة الغضب والضجَر وسوء الخلق؛ فالمرء حين يجد نفسه بلا هدف ولا مهمة، تبدأ الوساوس تتسرب إلى قلبه، وتبدأ المشاكل الصغيرة تكبُر في عينه، وتبدأ الأخطاء تتكاثر عليه، وتبدأ الحياة تبدو أثقل مما هي عليه. وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم – وهو أشرف الخلق – بالسعي والعمل بعد كلِّ فراغ، فقال سبحانه: ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾ [الشرح: 7، 8]؛ أي: إذا انتهيت من عمل، فابدأ بعمل آخر، وإذا فرغت من طاعةٍ، فأقبل على طاعة جديدة. هكذا تُدار حياة المؤمن، حركة دائمة، وطاعة متصلة، وسعيٌ لا ينقطع. وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله: "إنما يُحمَد الإنسان على قدر عمله." وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "نفسك إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر." أيها الأحِبة، إن الانشغال النافع علاجٌ نفسي، وراحة للروح، وسكينة للقلب؛ فاملؤوا أوقاتكم بما ينفعكم في دينكم ودنياكم. تعلموا... اعملوا... مارسوا الرياضة... اخدموا الناس... حافظوا على أعمال من الطاعة... واحذروا كل الحذر من الفراغ الذي يُضعف العزيمة، ويُولِّد الضَّجَر، ويقود إلى التعاسة. اللهم اجعل أوقاتنا معمورةً بطاعتك، وقلوبنا عامرةً بذِكرك، واصرف عنا الفراغ والكسل والغفلة. اللهم ارزقنا عملًا صالحًا يُرضيك، ونفسًا مطمئنةً بذكرك، وهمةً عالية لا يَثنيها كسلٌ، وقوةً على طاعتك ما حَيِينا. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |