رسالة في الطريق إلى ثقافتنا - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
الإعلانات تفسير الاحلام لمساهماتكم في دعم المنتدى علاج السحر

لوحة المفاتيح العربية

شروط التسجيل 

 
اخر عشرة مواضيع :         يعلن مركز الصفوه للتدريب عن فتح باب التسجيل في دورة ادارة الجودة في بنوك الدم (اخر مشاركة : elsafwatc - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          يعلن مركز الصفوه للتدريب عن فتح باب التسجيل في دورة ادارة الجودة في بنوك الدم (اخر مشاركة : elsafwatc - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          اناشيد سامي يوسف الجديدة من البوم أمتي (اخر مشاركة : StevJend - عددالردود : 1039 - عددالزوار : 447703 )           »          صفحة الاستظهار* مجموعة سورة البقرة* (اخر مشاركة : StevJend - عددالردود : 564 - عددالزوار : 29532 )           »          **قصيدة قف عن القتل** (اخر مشاركة : StevJend - عددالردود : 4 - عددالزوار : 13440 )           »          طريقة تحضير البليله باللبن (اخر مشاركة : elkhiat - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2022 - عددالزوار : 101592 )           »          #دورة قانون التقاعد والتأمينات الاجتماعية وفقاً لآخر التعديلات في الدول العربية (اخر مشاركة : haidy hassan - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          نكت يمنيه (اخر مشاركة : نجاة عبدالصمد - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          التحقق من دعم الموارد البشرية برقم الهويه (اخر مشاركة : نجاة عبدالصمد - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > الملتقى العلمي والثقافي

الملتقى العلمي والثقافي قسم يختص بكل النظريات والدراسات الاعجازية والثقافية والعلمية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 31-12-2019, 06:06 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 23,023
الدولة : Egypt
افتراضي رسالة في الطريق إلى ثقافتنا

رسالة في الطريق إلى ثقافتنا (1)


عبد المنعم الشحات


في وقتٍ يحاول فيه بعض الناس أن يقْصِر معنى المثقَّف على مَن اشتغل بالآداب والفنون، بل على أنواعٍ معينةٍ فيها، يجدر بنا أن نتساءل: هل هذه هي ثقافتنا؟! وإذا لم تكن فما ثقافتنا؟! وما الذي حال بيننا وبينها؟! وما السبيل للعودة إليها؟!

سيكون مِن المفيد جدًّا أن نجدَ إجابات شافية عن هذه الأسئلة، ولاسيما إذا جاءت ممَن يقرُّ له هؤلاء المثقفون بالريادة الثقافية؛ فلا يشك منهم أحدٌ أنه فارس في ميدان النقد الأدبي، كانت له مع كبارهم صولات وجولات، وعجز أسلافهم عن مجاراته في التمكُّن مِن العربية؛ ولاسيما جانب التذوق، الذي صكَّ فيه نظرية طبَّقها في كتاباته، ولاسيما كتابه عن (المتنبي)، وأشار في مقدمته إليها إشاراتٍ عابرة ثم فصَّلها في كتابٍ ذائع الصيت هو: (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا)، إنه العلامة محمود محمد شاكر.

الغرض مِن الكتاب

كان الغرض مِن هذا الكتاب أن يَشرح الأستاذ نظريته في التذوق، ولكن مرارة (مدعي الثقافة) غلبت على مذاق اللغة الجميلة في نفسه وروحه؛ فأخرج كتابه هذا نفثة مهموم، وتأوه مكلوم، وصيحة تحذير مِن الثقافة الوافدة، وهنا ترك لقلمه العنان لكي يلَخِّص لك قرونًا مِن الصراع بيْن الحق والباطل؛ مما جعل بحثه يخرج عن نطاق فلسفة اللغة إلى فلسفة التاريخ، ورغم لذة التطواف معه في دروب عقله، إلا أن هذا ربما يمنع كثيرًا مِن القراء مِن الإحاطة بفوائده؛ ولذلك فسوف نقدِّم اختصارًا وترتيبًا لأهم فوائد هذا الكتاب، التي يمكن تلخيصها في النقاط الآتية:
• أولًا: تعريف الثقافة، وموضع اللغة والدين والأخلاق منها.
• ثانيًا: الاستشراق، وكيف بدأ بالنهل مِن ثقافتنا، ثم صار حربًا عليها!
• ثالثًا: الصراع بيْن النهضتين: (الإسلامية، والأوروبية) في القرن السابع عشر الميلادي.
• رابعًا: الحملة الفرنسية على مصر، وسياسة تدجين أهل الدِّين في بلادنا.
• خامسًا: التغريب في الثقافة والتعليم في عهد الاحتلالين: (الفرنسي، والإنجليزي).

تعريف الثقافة

تعرض الأستاذ محمود شاكر في أكثر مِن موضعٍ في رسالته لتعريف (الثقافة) وعلاقتها بـاللغة التي يَرى أنها الوعاء الجامع للثقافة، وكذلك علاقتها بـ(الدين) الذي يرى أنه يمثِّل قمة الهَرَم المعرفي لكل أُمَّة؛ فقال: الثقافة في جوهرها لفظٌ جامِع، يُقصد بها الدلالة على شيئين أحدهما مبني على الآخر، أي هما طوران متكاملان.

الطور الأول

أصول ثابتة مكتسَبة تنغرس في نفْس الإنسان منذ مولده ونشأته الأولى حتى يشارف حدَّ الإدراك البيِّن، جِماعها كل ما يتلقاه عن أبويه وأهله وعشيرته، ومعلِّميه ومؤدِّبيه، حتى يصبح قادرًا على أن يستقل بنفسه وبعقله، وتفاصيل ما يتلقاه الوليد حتى يترعرع، أو يراهق تفوت كل حصر، بل تعجزه.

ضرورة لازمة

وهذه الأصول ضرورة لازمة لكل حيٍّ ناشئ في مجتمعٍ ما، لكي تكون له لغة يبين بها عن نفسه، ومعرفة تتيح له قسطًا مِن التفكير يعينه على معاشرة مَن نشأ بينهم مِن أهله وعشيرته، وهذا على شدة وضوحه عند النظرة الأولى؛ لأنك أَلِفْته، لا لأنك فكرت فيه وعمَّقت التفكير، هو في حقيقته سِرٌّ مُلَثـَّمٌ يحيِّر العقولَ إدراكُ دفينِه؛ لأنه مرتبط أشد الارتباط، بل متغلغل في أعماق سرَّين عظيمين غامضين هما: سر النطق، وسر العقل، اللذان تميَّز بهما الإنسان عِن سائر الخَلْق كله، وتحيرت عقول البشر في كيف جاءا؟ وكيف يعملان؟؛ لأن الإنسان لم يشهد خَلْق نفسه حتى يستطيع أن يستدل بما شهد لكي يصل إلى حقيقة هذين السرَّين المُلَثَّمَين المستغلقين البعيدين، وإن تَوَهَّم أحيانًا بالإلف أنهما قريبان واضحان!

فطرة باطنة

ولأن الإنسان منذ مولده قد استودع فطرة باطنة بعيدة الغور في أعماقه تُوزِعه -أي تُلْهِمه وتحركه- أن يتوجَّه إلى عبادة ربٍّ يُدرِك إدراكًا مبهمًا أنه خالقه وحافظه ومعينه؛ فهو لذلك سريع الاستجابة لكل ما يلبي حاجة هذه الفطرة الخفية الكامنة في أغواره، وكل ما يلبي هذه الحاجة هو الذي هدى الله عباده أن يسموه: الدِّين، ولا سبيل البتّة إلى أن يكون شيء مِن ذلك واضحًا في عقل الإنسان، إلا عن طريق اللغة لا غير؛ لأن العقل لا يستطيع أن يعمل شيئًا فيما نعلم إلا عن طريق اللغة؛ فالدِّين واللغة منذ النشأة الأولى متداخلان تداخلًا غير قابلٍ للفصل، ومَن أغفل هذه الحقيقة ضلَّ الطريق وأوغل في طريق الأوهام، هذا شأن كل البشر على اختلاف مِلَلِهم وألوانهم، لا تكاد تجد أُمَّة مِن خلق الله ليس لها دين بمعناه العام، كتابيًّا كان، أو وثنيًّا، أو بِدْعًا(البِدْعُ: الدين ليس له كتاب، أو وَثَن معبود).

الوليد الناشئ

ولذلك؛ فكل ما يتلقّاه الوليد الناشئ في مجتمعٍ ما، مِن طريق أبويه وأهله وعشيرته، ومعلِّميه، ومؤدِّبيه مِن لغة ومعرفة، يمتزج امتزاجًا واحدًا في إناءٍ واحدٍ، ركيزته، أو نواته، وخميرته دِين أبويه ولُغَتهما، وأبلغهما أثرًا هو الدين؛ فالوليد في نشأته يكون كل ما هو لغة، أو معرفة، أو دين، متقبَّلًا في نفسه تَقَبُّل الدِّين، أي يتلقاه بالطاعة والتسليم، والاعتقاد الجازم بصحته وسلامته، وهذا بيِّنٌ جدًّا إذا أنتَ دقّقت النظر في الأسلوب الذي يتلقّى به أطفالُك عنك ما يسمعونه منك، أو مِن المعلّم في المراحل الأولى مِن التعليم، ويظل حال الناشئ يتدرج على ذلك، لا يكاد يتفصّى شيءٌ مِن مَعارِفه من شيءٍ -يتفصّى: أي يتخلص مِن هذا المضيق- حتى يقارب حد الإدراك والاستبانة، ولكنه لا يكاد يبلغ هذا الحد حتى تكون لغته ومعارفه جميعًا قد غُمست في الدين وصُبغت به.

شمول الدين

وعلى قدر شمول الدين لشؤون حياة الإنسان، وعلى قدر ما يحصل مِن الناشئ، يكون أثره بالغ العمق في لغته التي يفكر بها، وفي معارفه التي ينبني عليها كل ما يوجبه عمل العقل مِن التفكير والنظر والاستدلال؛ فهذه هي الأصول الثابتة المكتسبة في زمن النشأة على وجه الاختصار.

الطور الثاني

فروع منبثقة عن هذه الأصول المكتسبة بالنشأة، وهي تنبثق حين يخرج الناشئ مِن إسار التخسير إلى طلاقة التفكير، وإنما سميتُ (الطور الأول): (إسار التخسير)؛ لأنه طَورٌ لا انفكاك لأحدٍ مِن البشر منه منذ نشأته في مجتمعه؛ فإذا بلغ مبلغ الرجال استوت مَدارِكه، وبدأت مَعارِفه يتفصّى بعضها من بعض، أو يتداخل بعضها في بعض، ويبدأ العقل عمله المستتب في الاستقلال بنفسه، ويستبد بتقليب النظر والمُبَاحَثة وممارسة التفكير والتنقيب والفصح، ومعالجة التعبير عن الرأي الذي هو نتاج مزاولة العقل لعمله؛ فعندئذٍ تكون النواة الجديدة لما يمكن أن يُسمى ثقافة.

اللغة والمعارف

وبيِّنٌ أن سبيله إلى تحقيق ذلك هو اللغة والمعارف الأُول التي كانت في طورها الأوَّل، مصبوغة بصبغة الدين لا محالة، حتى لو استعملها في الخروج على الدين الموروث ومناقشته رفضًا له أو لبعض تفاصيله، هذه حال النشء الصغار حتى يبلغوا منزلة الإدراك المستقل المفضي إلى حيز الثقافة.


ثقافة كل أمة

وثقافة كل أمة وكل لغة، هي حصيلة أبنائها المثقفين بقدرٍ مشتركٍ مِن أصول وفروع، كلها مغموس في الدين المتلقَّى عند النشأة؛ فهو لذلك صاحب السلطان المطلق الخفي على اللغة، وعلى النفس، وعلى العقل جميعًا، سلطان لا ينكره إلا مَن لا يبالي بالتفكر في المنابع الأول التي تجعل الإنسان ناطقًا وعاقلاً ومُبينًا عن نفسه، ومستبينًا عن غيره.



موضع الدين مِن الثقافة

ويتحدث في موطنٍ آخر عن موضع الدين مِن الثقافة، ثم يدلف منه إلى موقع الأخلاق منها؛ فيقول: ورأس كل ثقافة هو الدِّين بمعناه العام الذي هو فطرة الإنسان، أيّ دين كان، أو ما كان في معنى الدين، وبقدر شمول هذا الدين لجميع ما يكبح جموح النفس الإنسانية، ويحجزها عن أن تزيغ عن الفطرة السوية العادلة، وبقدر تغلغله إلى أغوار النفس الإنسانية تغلغلًا، يجعل صاحبها قادرًا على ضبط الأهواء الجائرة ومريدًا لهذا الضبط، بقدر هذا الشمول وهذا التغلغل في بنيان الإنسان، تكون قوة العواصم التي تعصم صاحبها مِن كل عيبٍ قادحٍ في مسيرة ما قبْل المنهج، ثم في مسيرة المنهج الذي ينشعب مِن شطره الثاني، وهو شطر التطبيق.

شأن كل جيل

وهذا الذي حدثتك عنه، ليس خاصًّا بأُمَّة، بل هو شأن كل جيل من الناس وكل أمة من الأمم كان لها لغة، وكان لها ثقافة، وكان لها بعد تمام ذلك حضارة مؤسَّسة على لغتها وثقافتها؛ فهذا الأصل الأخلاقي هو العامل الحاسم الذي يمكن لثقافة الأمة بمعناها الشامل أن تبقى متماسكةً مترابطةً، تزداد على مرِّ الأيام تماسكًا وترابطًا بقدر ما يكون في هذا الأصل الأخلاقي مِن الوضوح والشمول، والتغلغل والسيطرة على نفوس أهلها جميعًا.

أثر الأخلاق الإسلامية

ثم ذكر مبيِّنًا أثر الأخلاق الإسلامية في نشأة كثيرٍ مِن العلوم الإسلامية، ولاسيما المتعلقة بعلوم القرآن والسُّنَّة، وكيف بني ذلك على قواعد التثبت في الأخبار، وكذلك التأصيل لمسألة ارتباط العلم بالآداب التي ألحَّ عليها الكثير ممَن صنَّفوا في آداب طالب العلم؛ فقال: كان ينبغي هنا أن أُتمِّم القول في نشأة الأصل الأخلاقي، الذي بُنيت عليه ثقافتنا منذ حدث أول خلاف بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أبي بكر، وعمر، وزيد بن ثابت في جمع القرآن العظيم وكتابتِه بيْن دفـَّتَين، ثم ما تلا ذلك مِن طلب التوثق في رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ما كان مِن أمر علماء الصحابة في الفتوى، ثم ما كان في أمر التابعين ثم مَن بعدهم، حتى نشأ علم الجرح والتعديل، وهو عِلمٌ فريد لا مثيل له عند أمةٍ مِن الأمم، ثم غلبة هذا الأصل الأخلاقي على الثقافة العربية الإسلامية كلها في جمع علومها، وعناية هذه الأمة بإفراد هذا الأصل بالتأليف، كالذي ألَّفوه في آداب العالم والمتعلم، والفقيه والمتفقِّه، وعلم النظر والمناظرة، وعلم الجدل، وعلم آداب الدرس، إلى غير ذلك مما هو اليوم مجهول أو كالمجهول، لانصراف الناس عنه وتركهم جمع شتاته وإعادة النظر فيه.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 10-01-2020, 07:57 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 23,023
الدولة : Egypt
افتراضي رد: رسالة في الطريق إلى ثقافتنا

الطريق إلى ثقافتنا (2)




عبد المنعم الشحات



ما زال الحديث موصولا عن رسالة (في الطريق إلى ثقافتنا) للعلامة محمود شاكر-رحمه الله-، وقد ذكرنا في مقدمة المقال السابق أن بعض الناس يحاول أن يقْصِر معنى المثقَّف على مَن اشتغل بالآداب والفنون، بل على أنواعٍ معينةٍ فيها، وقلنا إنه يجدر بنا في هذا المقام أن نتساءل: هل هذه هي ثقافتنا؟ وإذا لم تكن، فما ثقافتنا؟ وما الذي حال بيننا وبينها؟ وما السبيل للعودة إليها؟ وهذا هو سبب تناولنا لهذه الرسالة القيمة.

العلوم والثقافات

العلوم عالمية وأما الثقافات فمتعددة بتعدد المِلَل، وبوصفها فرعٍا على مكان الدين والأخلاق واللغة مِن الثقافة، صار مِن المستحيل أن تتطابق الثقافات، وإن أمكن التأثير المتبادَل نتيجة وجود مكوِّنات أخرى للثقافة قابلة للنقل، مع أن هذا يقتضي التمحيص التام عند نقل شيءٍ مِن ثقافات أممٍ أخرى في أنه لا يتعارض مع دين أو خلق أو لغة الأُمَّة الناقلة.

فقال في بيان ذلك: فالثقافات متعددة بتعدد المِلَل، ومتميزة بتميز الملل، ولكل ثقافة أسلوب في التفكير والنظر والاستدلال منتزع مِن الدِّين الذي تدين به لا محالة، فالثقافات المتبايِنة تتحاور وتتناظر وتتناقش، ولكن لا تتداخل تداخلًا يفضي إلى الامتزاج البتّة، ولا يأخذ بعضها عن بعض شيئًا إلا بعد عرضه على أسلوبها في التفكير والنظر والاستدلال، فإن استجاب للأسلوب؛ أخذَتْه وعَدَّلَته وخلَّصَته مِن الشوائب، وإن استعصى نَبَذتْهُ واطَّرحَتْهُ.

الفرق بين الثقافة والعِلم

ثم قال منوِّهًا على الفرق بيْن الثقافة والعِلم: وهذا باب واسع جدًّا ليس هذا مكان بيانه، ولكني لا أفارقه حتى أنبهك لشيءٍ مهم جدًّا؛ هو أن تفصِل فصلًا حاسمًا بين ما يُسمَّى ثقافة وبين ما يسمَّى اليوم عِلمًا -أعني العلوم البحتة-؛ لأن لكلٍّ منهما طبيعة مُبايِنة للآخر، فالثقافة مقصورة على أُمَّة واحدة تدين بدينٍ واحدٍ، والعلم مَشاعٌ بيْن خلق الله جميعًا، يشتركون فيه اشتراكًا واحدًا مهما اختلفت الملل والعقائد.

خلاصة القول في كتابات المستشرقين

لقد عرض الأستاذ محمود شاكر للاستشراق في نشأته -وهو ما سنعرض له في هذا المقال إن شاء الله-، غير أن الذي يعنينا هنا هو أن نسجِّل ما انتهى إليه حول مدى صلاحية كتابات المستشرقين أن تكون مراجع لثقافتنا، فقال: وبيِّنٌ لك الآن بلا خفاء أن كتب الاستشراق ومقالاته ودراساته كلها، مكتوبة أصلًا للمثقف الأوروبي وحده لا لغيره، وأنها كُتبت له لهدفٍ معينٍ، في زمانٍ معينٍ، وبأسلوبٍ معينٍ، لا يُراد به الوصول إلى الحقيقة المجردة، بل الوصول الموفق إلى حماية عقل هذا الأوروبي المثقف مِن أن يتحرك في جهةٍ مخالفةٍ للجهة التي يستقبلها زحف المسيحية الشمالية على دار الإسلام في الجنوب، وأن تكون له نظرة ثابتة هو مقتنع كل الاقتناع بصحتها، ينظر بها إلى صورةٍ واضحة المعالِم لهذا العالَم العربي وثقافته وحضارته وأهله، وأن يكون قادرًا على خوض ما يخوض فيه مِن الحديث مع مَن سوف يلاقيهم أو يُعاشِرهم مِن المسلمين، وفي عقله وفي قلبه وفي لسانه وفي يقينه وعلى مدِّ يده معلومات وافرة يثق بها، ويطمئن إليها، ويُجادِل عليها دون أن تضعفَ له حمية أو تلين له قناة، أو يتردد في المنافَحة عنها أو يتلجلج، أيًّا كان الموضوع الذي تدفعه المفاوضة إلى الخوض فيه.

أدى ما عليه لبني جلدته

والاستشراق لا يُذم لأنه فعل كل ذلك؛ لأنه بلا شك قد أدَّى ما عليه لبَنِي جِلدته أحسن أداء وأتَمَّه، ونصَر أهلَ دينه وأخلَص لهم كل الإخلاص، وكافَح في سبيل هدفه بكل سلاح أجاد صقله وتقويمه؛ أما الذي هو حقيقٌ بالذم والمَعَابة فالعاقل الذي يظن نفسه عاقلًا والبصير الذي يظن نفسه بصيرًا ثم لا يكاد عقله يدرك شيئًا هو أبين بيانًا مِن البداءة المسلَّمة، ولا يكاد بصره يرى ما هو أظهر ظهورًا مِن الشمس الساطعة!

يَسَّرَت له ما لم يكن ليتيسر

فما كَتبه الاستشراق مِن حيث هي كتب أو دراسات مكتوبة للمثقف الأوروبي خصوصا ولهدفٍ بعينه حقيقة باحترام كل أوروبي مثقف أو مَن كان بمنزلة الأوروبي المثقف في الغربة عن العربية والإسلام؛ لأنها يَسَّرَت له ما لم يكن ليتيسر البتة: أن يعرف أشياء كثيرة متنوعة هو مِن عالمها غريب كل الغربة، وأن يرى عالَمها في صورةٍ واضحةٍ مصوَّرة بمهارة، ومصنوعة بأسلوبٍ مقنِعٍ مقبول لا يرفضه عقله، بل لعله يرتضيه كل الرضا.

ثقافة كل أُمَّة

أما مِن حيث هي كتب أو دراسات علمية جديرة باحترام مثقف غير أوروبي، أي من أبناء العرب والمسلمين خصوصا، أي أبناء لغة العرب وأبناء دين الإسلام، فهذا عندئذٍ موضع نظر؛ لأن الأمر -ولا خيار لي أو لك فيه- يختلف اختلافًا بَيِّنًا حينئذٍ، ويتطلب النظر في أمرين: أمر الكاتب وأمر المكتوب معًا، وهذا يردك لا محالة إلى ما كتبته لك آنفًا في شأن المنهج وما قبل المنهج؛ سواء كان الكاتب عربيًّا أو غير عربي أي: مستشرقًا أوروبيًّا، فثقافة كل أُمَّة مِرآة جامعة في حيزها المحدود كلَّ ما تَشعَّث وتَشتَّت وتَباعَد مِن ثقافة كل فردٍ مِن أبنائها على اختلاف مقاديرهم ومَشارِبهم ومذاهبهم ومَداخِلهم ومَخارِجهم في الحياة، وجوهر هذه المرآة هو اللغة، واللغة والدين -كما أسلفتُ- مُتَداخِلان تَداخُلًا غير قابلٍ للفصل البتّة.

باطلٌ كل البطلان

فباطلٌ كل البطلان أن يكون في هذه الدنيا -على ما هي عليه- ثقافة يمكن أن تكون ثقافة عالمية، أي: ثقافة واحدة يشترك فيها البشر جميعًا، ويمتزجون على اختلاف لغتهم ومِلَلهم ونِحَلهم وأجناسهم وأوطانهم؛ فهذا تدليس كبير، وإنما يُراد بشيوع هذه المقولة بيْن الناس والأمم هدف آخر، يتعلق برفض سيطرة أُمَّة غَالِبة على أمم مغلوبة لتبقى تبعًا لها.

الاستشراق والنهل من ثقافتنا

الاستشراق، وكيف بدأ بالنهل مِن ثقافتنا ثم صار حربًا عليها؟! هذه القضية احتَلَّت جزءًا كبيرًا مِن كتاب الأستاذ محمود شاكر رسالة في الطريق إلى ثقافتنا -وإن كانت بعيدة بعض الشيء عن موضوع الكتاب-، بل إنها خرجتْ عن علوم اللغة إلى علم فلسفة التاريخ وهو عِلمٌ شريفٌ قَلَّ مَن اعتنى به؛ حيث يهتم دَارِسوه بمحاولة تفسير الظواهر التاريخية على أن للأمم عقلاً جمعيًّا، وإرادة جمعية تتشكل مِن خلال الفرص والتحديات، وتؤثِّر وتتأثر بثقافة تلك الأمم، ومِن هنا عرَّج الأستاذ محمود شاكر على الصراع بيْن الإسلام وبيْن أوروبا الذي تَكرَّر وصفُه لها بالشمالية على خلاف معظم الكُتَّاب الذين عادةً ما يُشيرون إليها بالغرب، رغم أن كون أوروبا في الشمال مِن العالم الإسلامي قد يكون أقرب.

الإخفاق العسكري المتكرر

لقد ربط الأستاذ محمود شاكر بيْن الإخفاق العسكري المتكرر للغرب أمام الإسلام الذي بلغ ذروته بعودة الحملات الصليبية تجر ذيول الهزيمة رغم بقائها قرنين مِن الزمان في ديار الإسلام، فمِن هنا نشأت فكرة الاستفادة مِن الطاقة الثقافية لدى أُمَّة الإسلام؛ ومِن هنا بدأ الاستشراق، ليكتشف المستشرقون أن بإمكانهم الذهاب أبعد مِن ذلك بحرمان الأمة مِن ثقافتها الأصلية، وتزويدها بثقافةٍ وافدةٍ تنمي تبعيتها للغرب، وتقتل ريادتها.

مراحل الصراع

يقول العلامة محمود شاكر مبيِّنًا مراحل ذلك الصراع: والآن تستطيع أن تتبين أربع مراحل واضحة للصراع الذي دار بين المسيحية الشمالية والإسلام:

المرحلة الأولى

صراع الغضب لهزيمة المسيحية في أرض الشام ودخول أهلها في الإسلام؛ فبالغضب أمَّلت اختراق دار الإسلام لتسترد ما ضاع، تدفعها بغضاء حيَّة متسامحة، لم تمنع مَلِكًا ولا أميرًا ولا راهبًا أن يمد المسلمين بما يطلبونه مِن كتب علوم الأوائل الإغريق التي كانت تحت يد المسيحية يعلوها التراب، وظل الصراع قائمًا لم يفتر أكثر مِن أربعة قرون.

المرحلة الثانية

صراع الغضب المتفجر المتدفق مِن قلب أوروبا مشحونًا ببغضاء جاهلية عاتية، عنيفة مكتسِحة، مدمِّرة سفاحة للدماء، سفحت أول ما سفحت دماء أهل دينها مِن رعايا البيزنطية، جاءت تريد هي الأخرى اختراق دار الإسلام، وذلك عهد الحروب الصليبية الذي بقي في الشام قرنين، ثم ارتد خائبًا إلى مَوَاطِنِه في قلب أوروبا.

المرحلة الثالثة

صراع الغضب المكظوم الذي أورثه اندحار الكتائب الصليبية، مِن تحته بغضاء متوهجة عنيفة، ولكنها مترددة، يكبحها اليأس مِن اختراق دار الإسلام مرة ثالثة بالسلاح وبالحرب؛ فارتدعت لكي تبدأ في إصلاح خلل الحياة المسيحية بالاتكاء الشديد الكامل على علوم دار الإسلام، ولكي تستعد لإخراج المسيحية مِن مأزق ضنكٍ موئسٍ، وظلت على ذلك قرنًا ونصف قرن.
وهذه المراحل الثلاث كانت ترسف في أغلال القرون الوسطى أغلال الجهل والضياع، ولم تصنع هذه المراحل شيئًا ذا بالٍ.
المرحلة الرابعة
صراع الغضب المشتعل بعد فتح القسطنطينية؛ يزيده اشتعالاً وتوهجًا وقودٌ مِن لهيب البغضاء والحقد الغائر في العظام على الترك -أي المسلمين-، وهم شبحٌ مخيفٌ مُندفِع في قلب أوروبا، يلقي ظله على كل شيء، ويفزع كل كائن حي أو غير حي بالليل وبالنهار، وإذا كانت المراحل الثلاث الأُوَل لم تصنع للمسيحية شيئًا ذا بال، فصراع الغضب المشتعل بلهيب البغضاء والحقد هو وحده الذي صنع لأوروبا كل شيء إلى يومنا هذا.
يقظة شاملة
صَنَع كل شيء؛ لأنه هو الذي أدَّى بهم إلى يقظةٍ شاملةٍ قامتْ على الإصرار، وعلى المجاهدة والمثابرة على تحصيل العلم، وعلى إصلاح خلل الحياة المسيحية، ولكن لم يكن لها يومئذٍ مِن سبيلٍ ولا مددٍ إلا المدد الكائن في دار الإسلام مِن العلم الحي عند علماء المسلمين، أو العلم المسطَّر في كتب أهل الإسلام، فلم يترددوا؛ وبالجهاد الخارق وبالحماسة المتوقدة وبالصبر الطويل انفكت أغلال القرون الوسطى بغتة عن قلب أوروبا، وانبعثت نهضة العصور الحديثة مستمرة إلى هذا اليوم، ولكون هذه المرحلة ممتدة حتى الآن، فقد أفردها الأستاذ محمود شاكر بالبحث منذ بدايتها هزيمة القسطنطينية مركِّزًا على دور الاستشراق الغزو الثقافي في هذه المواجهة؛ فضلا عن التبشير والاستعمار.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 80.74 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 78.45 كيلو بايت... تم توفير 2.29 كيلو بايت...بمعدل (2.84%)]