|
ملتقى اللغة العربية و آدابها ملتقى يختص باللغة العربية الفصحى والعلوم النحوية |
![]() |
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
#1
|
||||
|
||||
![]() فوائد لغوية (1) مجاهد مأمون ديرانيّة منذ وقت طويل وأنا أُطالَب بالكتابة في الفوائد اللغوية (التي نَثَرتُ بعضَها في الحواشي التي علّقتُ بها على كتب جدي عندما أعدت تحقيقَها ونشرَها بعد وفاته رحمه الله). كنت أجد أن الكتابة في الثورة أَولى من غيرها، ولكنّ الثورة طالت والحياة تمضي، ولغتنا من أركان هُويّتنا الكبرى، فهي هُوِيّة دينية ولغوية قبل أن تكون هوية قطرية أو مناطقية أو عشائرية أو عائلية، فقررت أخيراً أن أبدأ بنشر "فوائد لغوية"، على حلقات خفيفة يَسهُل استيعابها على عامة الناس، وأبتدئ بها في هذا اليوم الذي يوافق #اليوم_العالمي_للغة_العربية أبدأ باعتراض وردني مؤخَّراً من أخ غيور على اللغة العربية؛ قال: أنت تُكثر من استعمال تعبير "لا بد أن..." كقولك مثلاً: "لا بد أن تنتصر الثورة بإذن الله"، والصحيح الذي نحفظه هو اقتران "لا بد" بحرف الجر "من"، فيكون الصواب: "لا بد من أن تنتصر الثورة بإذن الله". فما قولك؟ أقول: كلا الأسلوبين صحيح، لكنّي أفضّل الأولَ لأنه أخفُّ على اللسان وأقربُ إلى المألوف، ولأنّ له وجهاً قوياً من الفصاحة، وهو موافق لصحيح اللغة القرآنية، فإن العرب يُجيزون حذف حرف الجر قبل أنّ (ومثلها أنْ أيضاً) من باب الإيجاز الذي هو من أساليب البلاغة عندهم. وفي القرآن من ذلك الكثير: {وبشّر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنّ لهم جنات} والتقدير: بأن لهم جنات، و{دعا ربه أني مغلوب فانتصر} أي بأني مغلوب، و{شهد الله أنه لا إله إلا هو} والتقدير: شهد بأنه. ومثله في أنْ المخفَّفة: {فمَن حج البيت أو اعتمر فلا جُناح عليه أن يطّوّف بهما} أي في أن يطوّف، وهو أيضاً في الشهادتين: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله"، فقد حُذفت منه الباء قبل أنْ وأنّ . وفي كلام العرب من هذا ما لا يُحصى.
__________________
|
#2
|
||||
|
||||
![]() فوائد لغوية (2) مجاهد مأمون ديرانيّة سُررت بالتفاعل الإيجابي مع الحلقة الأولى من هذه الفوائد التي نشرتها أمس، فلم أظنّ أن مثل هذه المنشورات تثير اهتمام الناس. وقد دار حولها نقاش مفيد* خطر ببالي أن أُفرده في منشور مستقل لتعمّ به الفائدة، وها هو على صورة سؤال وجواب. * النقاش جرى على صفحتي في الفيسبوك (س) ما الفرق بين قولنا "إنّي" و"إنني"؟ وهل يوجد كتاب يتناول مثل هذه الأمور تنصح به؟ (ج) النون الثانية في "إنني" هي نون الوقاية، وكلنا نعرفها ممّا درسناه في المدرسة من دروس النحو. وهي واجبة أحياناً وراجحة أحياناً وجائزة أحياناً (على تفصيل لن أسرده هنا). ما يهمّنا هو استعمالها مع إن وأخواتها (إنّ، أنّ، لكنّ، كأنّ) وهنا حكمها الجواز، أي أن إثباتها وحذفها سواء، فلا فرق بين قولنا: إنّي وإنّنَي، وأنّي وأنّنَي، وكأنّي وكأنّنَي، ولكنّي ولكنّنَي. وقد اجتمع الوجهان في قول قيس بن الملوح: وإنّي على ليلى لَزارٍ وإنّني *** على ذاك فيما بيننا مستديمُها (الزّاري هو العاتب، والفعل زَرَى يَزْري) فائدة: يجوز حذف إحدى النونين (نون الرفع أو نون الوقاية) إذا اجتمعتا في أحد الأفعال الخمسة المرفوعة بثبوت النون، فتقول: المجاهدون يحمونَني بأرواحهم أو الثوار يحموني، والمسلمان المحسنان يساعدانِنَي في محنتني أو يساعداني. جواب القسم الثاني من السؤال: تجد تفصيل هذه المسائل وأمثالها في كتب النحو الموسَّعة، وإن شئتَ اجتناب المراجع القديمة لصعوبتها فإن أفضل المراجع الموسّعة العصرية هو كتاب "النحو الوافي" (وله من اسمه نصيب) لعباس حسن رحمه الله. (س) جواز حذف إحدى النونين (نون الرفع أو نون الوقاية) إذا اجتمعتا فائدةٌ جديدة. (ج) انظر المسألة في "النحو الوافي" (1/180) وفيها جواز إدغام النونين أيضاً، فتقول: الأصدقاء يكرمونني، أو يكرموني (بالتخفيف) أو يكرمونّي (بالتشديد). قلت: ومنه في القرآن: {قل أفغيرَ الله تأمرونّي أعبد}. وقد تتعدد القراءة بالإدغام وبعدمه، كما في الأحقاف: {أتعدانِني} قرأ هشام بالإدغام: {أتعدانّي}. (س) أنا أعرف حذف النون في المنصوب والمجزوم، لم أسمع به قبلاً في المرفوع. (ج) صحيح؛ نون الأفعال الخمسة تُحذَف وجوباً في النصب والجزم، ولكنها قد تُحذَف وجوباً أو جوازاً في الرفع أيضاً، على التفصيل التالي: 1- تُحذَف "وجوباً" إذا اتصل الفعل بنون التوكيد الثقيلة، كقوله تعالى في آخر سورة "ص": {ولتعلَمُنَّ نبأه بعد حين}. الفعل هنا مرفوع ولكن نون رفعه حُذفت لتوالي الأمثال، وحذفت أيضاً الواو لالتقاء الساكنين. وتوالي الأمثال معناه توالي أحرف متماثلة، وهي هنا ثلاثُ نونات، ونقول عند الإعراب إن الفعل مرفوع بالنون المقدرة. 2- وتُحذَف "جوازاً" في الحالة التي وصفناها آنفاً (إذا اتصل الفعل بنون الوقاية). وفي هذه الحالة يوجد جدل بين النحاة (وهو في الحقيقة جدل فلسفي لا يقدّم ولا يؤخر ولا يؤثر في الرسم والنطق): أيّ النونين هي المحذوفة: نون الوقاية أم نون الرفع؟ الأول هو رأي سيبويه ومعه جماعة من النحاة، وآخرون اختاروا الرأي الثاني. ويبدو أن الرأي الأول أوجه، قالوا: لأن نون الوقاية جاءت لغرض خاص وحذفها يضيع ذلك الغرض.
__________________
|
#3
|
||||
|
||||
![]() فوائد لغوية (3) مجاهد مأمون ديرانيّة في مقالتي الأخيرة التي أغضبَت كثيرين (ثلاثية داعش والنصرة وأحرار الشام) قلت إنني أعتبر حركةَ أحرار الشام صِمامَ أمانٍ مهماً في الثورة السورية، فسألني بعض القرّاء الكرام: لماذا وضعت كسرة تحت الصاد؟ أليس الصوابُ فتحَها؟ قلت: عامة الناس يلفظون هذه الكلمةَ بفتح الصاد وبميم مضعّفة (صَمّام)، أي كما يلفظون اسم الرئيس العراقي السابق صدّام (ولي فيه رأي لو قلته لأغضبت أكثرَ من الذين غضبوا من المقالة الأخيرة، لذلك أحتفظ به لنفسي). وهذا اللفظ خطأ، فإنّ صواب الكلمة بكسر أولها وبميم مخففة، فنلفظها كما نلفظ كلمتَي صِيام وقِيام. ويشبه هذا الخطأَ خطؤهم في الأداة التي يصيدون بها السمك، يسمّونها "سَنّارة" على وزن سيّارة، فيرتكبون ثلاثة أخطاء، فإن صوابها بالصاد لا بالسين، وبكسر أولها لا بالفتح، وبتخفيف النون لا بتشديدها، فهي صِنَارة، على وزن سِتارة. ومن الخطأ قولهم "علينا القُبول بمبادرة دي مستورا لوقف القتال تجنباً للمزيد من سفك الدماء". فالقُبول -بضم القاف- جمع قُبُل، وهو مُقَدَّم كل شيء، في القرآن: {إنْ كان قميصه قُدَّ من قُبُل فصدقت}، وهو من الرجل والمرأة معروف. أما الرضا فإنه القََبول بفتح القاف. فيكون صواب الجملة السابقة: علينا "عدم القََبول" بمبادرة وقف القتال التي قدمها الوسيط الأممي لأنها حلقة جديدة في مسلسل المؤامرة الدولية على الثورة السورية. أخيراً فإنهم يخلطون في النطق بين القَدْر الذي هو المقدار (بسكون الدال) والقَدَر (بفتحها) الذي هو تقدير الله في الوجود (والإيمانُ به هو سادس أركان الإيمان). قلت: ومن مقتضيات الإيمان بالقدر الرضا به، فإذا آمنّا بالله وعلمنا أن ما أصابنا منه لا من غيره لم يَجُزْ لنا الاعتراضُ على قضائه وقدره ولا التبرّم والسخط (بفتح السين والخاء أو بضم السين وسكون الخاء، كلاهما صحيح)، فإن السخط على قضاء الله هو سخط على الله. اللهمّ اجعلنا من الراضين بقضائك الذين قلتَ فيهم: {رضي الله عنهم ورضوا عنه} أي عن قضائه وقدره، وارضَ عنا بكرمك وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين. وأكتفي اليوم بهذا القَدْر (وليس بهذا القدَر) من التصويبات.
__________________
|
#4
|
||||
|
||||
![]() فوائد لغوية (4) مجاهد مأمون ديرانيّة مشكلات وأخطاء الرسم (الإملاء) كثيرةٌ في هذه الأيام، وقد يُقبَل من الناس الخطأ في رسم الهمزات، ولا سيما في بعض المواضع المُشكلة، ولكنْ لا يُقبَل منهم أبداً الخلط بين حرف الجر "إلى" وأداة الاستثناء "إلا"، فالأول يُكتَب بألف مقصورة والثانية بألف ممدودة. وهذا مثال واحد متواضع على الخلط بين الحروف المتشابهة في كتابة بعض الناس، في هذا الزمان الذي صارت العربيةُ فيه غريبةً بين أبنائها. ومن أسوأ ما رأيته في هذا الباب إلحاق الياء بتاء التأنيث وضمير المخاطَبة وكافها، فتكتب واحدةٌ لصاحبتها: "أنتي قمتي بذلك وأنا رأيتكي"، أي (مترجَمةً إلى لغة العرب): "أنتِ قمتِ بذلك وأنا رأيتكِ". وقد انتشرت هذه الطريقة العجيبة في الكتابة بين الناس مؤخراً حتى صارت وباء عاماً أو أقربَ إلى الوباء، ولو أدركها سيبويه لقتل نفسه من الغمّ ضرباً بالقباقيب! (لولا أن الانتحار حرام وأنّ قتلَ المرء نفسَه بالقباقيب فيه بعض الصعوبة). يتصل بهذا الموضوع المتاعبُ التي نشأت من رسم بعض الكلمات، فقد صارت تُلفَظ خطأً بسبب رسمها، كما في اسم "عمرو"، فإننا نكتبه بواو في حالتَي الرفع والجر فقط، فإذا نُصب حذفنا الواو وكتبناه بألف (أسلم عمرو بنُ العاص في هدنة الحديبية. استعمل عُمَرُ عَمْراً على فلسطين ثم على مصر). لماذا نُثْبت الواو في الرفع ونحذفها في النصب؟ لأنهم أضافوا الواو أصلاً لتفريق "عَمْرو" عن "عُمَر" يومَ لم يكن شَكْل، هكذا يقول رواة اللغة، ولما كان اسم "عُمَر" ممنوعاً من الصرف (لماذا يا ترى؟) والممنوع من الصرف لا يُنوَّن فإن اسم عُمَر منصوباً لا يحتمل إلا الفتحة في آخره (عُمَرَ) فانتفى اللبس بين كلمتَي "عُمَرَ" و"عَمْرَاً" المنصوبتين بوجود الألف في الثانية، فحذفوا منها الواو إذ لم تَعُد لها فائدة. إلا أن مما جلبته هذه الواو من متاعب أن بعض الناس صاروا يلفظون الاسم بالواو فينطقونه "عَمْرُو"، وهي مشكلة فاشية عند كثير من إخواننا المصريين، بل وجدت في أهل سوريا من ينطق اسم الحي الثوري العظيم في حمص (بابا عمرو) بالواو! نسأل الله أن يعيده إلى أهله ويعيدَهم إليه كراماً منتصرين. وقريبٌ من هذه المشكلة تلك الألفُ المشؤومة التي أضافوها إلى "مئة"، فهم يكتبونها "مائة"، فصار الناس، حتى بعض المتعلمين المثقفين منهم، ينطقونها "ماءَه" أو "مايَه"! أما السبب في كتابتها بالألف فهو التفريق بينها وبين "منه" كما ذكر أهل اللغة في رواياتهم. ولا تنسوا أن الحروف كانت تُكتَب بغير شَكْل ولا نَقْط يومئذ، فما الداعي للإبقاء على هذا الرسم الغريب وقد شاع النقط والشكل؟ لذلك ذهب عدد من اللغويين والأدباء المعاصرين إلى كتابتها بغير ألف (مئة)، كالشيخ عبد الغني الدقر في كتابه النفيس "معجم القواعد العربية"، ونقله عن طائفة من القدماء كما روى السيوطي في "همع الهوامع". وأنا على منهجهم من المقتدين وفيه من المرغّبين وإليه من الداعين. فائدة: ألف "مئة" مُثبتة في رسم المصحف، لكنها لا تُلفظ في أي قراءة من القراءات، إنما اختلف القُرّاء فقط في تحقيق همزتها أو تسهيلها (أي قَلْبها ياء، كما في قراءتَي حمزة وأبي جعفر).
__________________
|
#5
|
||||
|
||||
![]() فوائد لغوية (6) مجاهد مأمون ديرانيّة أكدت جريدة "لوموند" الفرنسية قبل أيام ما كان يردّده إعلاميّو الثورة منذ سنتين عن المدعوّ رامي عبد الرحمن ومرصده المشبوه المسمّى "المرصدَ السوري لحقوق الإنسان"، الذي قدّم للنظام خدماتٍ عظيمةً -كما يقول التقرير الفرنسي- وأضرّ بالثورة السورية كثيراً لأنه صوّرها للعالم ثورةً طائفيةً إرهابية. وأكد التقرير أن النظام هو الذي أنشأ "المرصد" في وقت سابق وأسند إدارته إلى نصيري من بانياس اسمه أسامة سليمان، الذي سمّى نفسه رامي عبد الرحمن من باب الخداع والتمويه. وقد اتضح أن هذا الرجل الدعيّ المدسوس على الثورة يجمع معلوماته من صفحات الفيسبوك (الثورية والمؤيدة للنظام على السواء) دون أي تحقيق أو تدقيق منهجي، ثم يزعم أن لديه في سوريا فريقاً مكوناً من أربعة "مدراء تنسيق" يجتمعون معاً قبل أن يوافوه بالمعلومات التي تصلهم من أكثر من مئتَي مراسل يغطون سوريا كلها! حسناً، لقد سرني أن يفضح الله هذا الجاسوسَ المنافق على يد الصحافة الأجنبية التي كان يزوّدها بالمعلومات المضلّلة، ولكنّ هذا ليس موضوعاً يُكتَب في زاوية الفوائد اللغوية، ففيمَ أوردته هنا؟ لقد استوقفتني في الخبر السابق كلمةُ "مدراء" التي جاءت في السطر الأخير، فنَسختُه لأعلّق عليها في هذه الفوائد. إننا لا نكاد نُمضي يوماً دون أن نسمع هذه الكلمة مرة أو مرات، فإنهم يجمعون المدير على مُدَراء كما يجمعون الوزير على وزراء، يحسبون أن الكلمتين على وزن واحد. إن كلمة "وزير" على وزن "فَعيل"، لذلك جاز جمعها على فُعَلاء، فهو جمع قياسي للفعل الصحيح اللام غير المضعَّف لمذكر عاقل بمعنى فاعل، ومنه: خبير خُبَراء، كريم كُرَماء، رحيم رُحَماء، إلخ. ولكن كلمة "مدير" ليست على هذا الوزن (فَعيل) لأنها اسم فاعل من الفعل الرباعي "أدار"، مثل مُشير (مِن أشار) ومُجير (مِن أجار) ومُنير (من أنار)، ومثلها مسلم (من أسلم) ومرشد (من أرشد) ومرسل (من أرسل)... هذه الكلمات كلها على وزن "مُفعِل"، وهو وزن لا يُكسَّر (أي لا يُجمَع جمعَ تكسير) بل يُجمَع جمعَ مذكر سالماً. فالصواب في هذه الكلمات كلها هو: مديرون ومشيرون ومجيرون ومنيرون ومسلمون ومرشدون ومرسلون ، وليس مُدَراء ومُشَراء ومُجَراء ومُنَراء ومُسَماء ومُرَداء ومُرَلاء (على اعتبار إسقاط عَين الفعل). فدعوا عنكم كلمة "مدراء"، لا تلفظوها ولا تكتبوها بعد اليوم، بل قولوا واكتبوا "مديرون ومديرين".
__________________
|
#6
|
||||
|
||||
![]() فوائد لغوية (7) مجاهد مأمون ديرانيّة يقولون: تبرعت المحسنة الكريمة بمجوهراتها لشراء الغذاء والدواء والكساء لضحايا الثورة السورية، الذين جوّعَهم نظامُ الاحتلال الأسدي الطائفي بالحصار وشرّدَهم في الأقطار. أقول: جزاها الله خيراً، لقد اشترت الآخرةَ بالدنيا ونفعت آلافَ المسلمين بما كان يقتصر نفعُه على فرد واحد من الناس؛ أسأل الله أن يعوّضها خيراً وأن يكثّر من أمثالها في المسلمات. لكنها أخطأت بالتبرع بمجوهراتها، والصوابُ أنها تبرعت بجواهرها، لأن لغتنا العربية لا تعرف كلمة "مُجَوْهَرة" التي تُجمَع على "مجوهرات"، بل هي "جَوْهَرة" وجمعها "جواهر". لذلك ينبغي أن يَهجر الناسُ هذه الكلمةَ الغريبة ويستعملوا صحيح اللغة، فإما أن نقول "جواهر" أو نقول "حُلِيّ"، وهذه الأخيرة كلمة معروفة متداوَلة، كما أنها كلمة قرآنية: {واتخذ قومُ موسى من بعده من حُلِيّهم عجلاً}، وإن كان مفردُها مهجوراً وهو "الحَلْي" (وهي قراءة صحيحة في الآية السابقة، قرأ بها يعقوب البصري). ويرى بعض اللغويين أن "الحَلْي" جمعٌ لكلمة "حَلْية" وأن "الحُلِيّ" جَمْعُ جَمْعٍ فيها. ولعل الأفضل أن نستعمل في الجمع كلمة "الحُليّ" وفي الإفراد كلمة "الحِلْية" (بالكسر)، فهي كلمة قرآنية وردت في أربع آيات، وجمعها حِلَى وحُلَى (بضم الحاء وبكسرها). * * * من الجموع التي يخطئ فيها الناس أيضاً "أخشاب"، وهو جمع غير قياسي وغير مسموع. الصواب المسموع: خَشَب وخُشُب وخُشْب وخُشبان، واستعمالُ الأول منها أَولى لأنه معروف بين الناس، أو الثاني لأنه من الكلمات القرآنية المألوفة: {كأنهم خُشُبٌ مُسَنَّدة}. ويجمعون الخَيط الذي نخيط به الثياب على "خيطان"، وهو غير قياسي وغير مسموع. الصحيح الذي ورد في المعاجم هو خُيوط وخُيوطة وأَخْياط، وأرى الاقتصارَ على الأول لأنه معروف مألوف في حديث الناس. على أنّ كلمةَ خيطان جمعٌ سماعي صحيح في كلمة "خَيط" نفسها، ولكنْ ليس بالمعنى المعروف، بل بمعنى قطيع البقر أو سرب الجراد، فإذا قالت السيدة لبنتها: "أعطيني بعضَ الخيطان"، فلا لومَ عليها لو جاءتها بمئة جَرادة فوضعتها في حِجرها! ويجمعون الجزيرة على "جُزُر"، وهو جمعٌ غيرُ مسموع ولم يرد في المُعجَمات القديمة، فلا هو في القاموس ولا في اللسان ولا التاج ولا الصحاح ولا غيرها (ورد في "الوسيط"، ولا أراه إلا قد وَهِمَ فيه)، والصحيح "جزائر". وليس "فُعُل" جمعاً قياسياً في "فَعيلة"، بل هو "فعائل"؛ ألا ترون أنهم قالوا "فضائل" جمعاً لفضيلة، ومثلها وسائل وقبائل وفسائل وعجائب وغرائب ونجائب ومدائن ووثائق وشرائع وودائع... أما الجُزُر فجمع جَزور، والجَزور هو ما يصلح أن يُذبَح من الإبل أو من الشّاء (ولفظُه أنثى؛ يقال للبعير: هي جَزورٌ سَمينة) ومنه اشتُقَّ اسم الجَزّار (وهو اللحّام في عامّية الشام) والمهنة منه "جِزارة".
__________________
|
#7
|
||||
|
||||
![]() فوائد لغوية (8) مجاهد مأمون ديرانيّة أيهما أصح في الكتابة: "سوريا" أم "سورية"؟ 1- ليس منشورُ اليوم فائدةً لغويةً كالفوائد التي دأبتُ على نشرها في هذا الباب، بل هو أقرب إلى حوار في مسألة إملائية اجتهادية، أبدي فيها رأيي -غيرَ متعصّب له- وأسمع فيها آراءكم. وحيث إنها مسألة خلافية منذ عشرات السنين فلا يُتوقَّع من منشور صغير في صفحة متواضعة كهذه الصفحة أن يحسم الجدل بشأنها، ولكنه قد يساعد على توضيح وجهات النظر فحسب، وفي هذا الكفاية. 2- هذا الاسم قديم ولم يولد بعد تقسيم المستعمرين الأوربيين لبلاد الشام ولا اخترعه سايكس وبيكو كما يتوهم كثيرون. وهو ليس اسماً عربياً باتفاق، وإن كان الخلاف قائماً بخصوص الأصل: أهو يوناني أم سرياني أم أكّادي؟ وقد عرف العرب هذه البلاد (أو عرفوا جزءاً منها) باسم سورية منذ القدم؛ قال ياقوت في معجم البلدان: "سُورِيَة -بكسر الراء وياء مفتوحة غير مشدَّدة- موضع بالشام، بين خُنَاصرة وسَلَمْيَة، والعامة يسمونه سوريّة بتشديد الياء. والذي في أخبار الفتوح يدلّ على أن سورية اسم للشام كله". قلت: خُناصرة هي التي يعرفها الناس اليوم باسم خناصر، قرب حلب، وسَلَمْيَة هي البلدة التي نعرفها قرب حماة ويسميها العامة السلميّة (بالتعريف وبتشديد الياء). وعليه يكون المعنى الأصلي لسوريا -حسب التحديد السابق- هو النصف الشمالي من سوريا الحالية، وقد يكون اسماً للشام كله كما قال ياقوت. 3- كما رأينا فيما نقلته عن ياقوت (وكما ذكر الفيروزابادي في القاموس أيضاً، وهو كذلك في غيرهما من المصادر القديمة) فإن سورية تُكتَب بالهاء (أي بالتاء المربوطة، وإنما يسمّيها العرب هاءً لمقتضى الرسم). وهو مذهبٌ قديم في رسم أسماء البلدان، بقي هو المذهبَ الشائع المعتمَد حتى أوائل القرن العشرين، فكانوا يكتبون: فرنسة وإنكلترة وإيطالية وسويسرة وأميركة، إلخ. ثم تغير المذهب في كتابة أسماء البلدان بعد الحرب الأولى فصارت تُكتَب كلها بالألف، فكتبوا: فرنسا وإنكلترا وإيطاليا وسويسرا وأميركا، إلخ. 4- فماذا عن اسم بلدنا؟ اعتماداً على تغير أصول رسم أسماء البلدان كان ينبغي أن تصبح صورتها "سوريا" بالألف، لكننا نلاحظ أن "سورية" -بالهاء- ما تزال شائعة جداً إلى اليوم، بل أحسب أن الذين يفضلون هذه الصورة ويستعملونها أكثرُ من الذين يكتبون الاسم بالألف، وهي نفسها الصورةُ التي تعتمدها الدولة السورية ونظام الاحتلال الأسدي. 5- رأيي أن نساير التغيير ونترك "سورية" إلى "سوريا". أنا أصنع ذلك فأكتبها بالألف، وممّا يشجعني على اختيار هذه الصورةَ مخالفةُ النظام الذي ثرنا عليه وعلى حكمه وأنظمته وقوانينه، وكما هجرنا عَلَمه فلنهجر أيضاً مذهبه في كتابة اسم البلد، هذا أولاً. السبب الثاني، وهو أهم، أن كتابة الاسم بالألف يميّز بينه وبين الصفة ويمنع من الخلط بينهما، فلو اخترنا صورة "سورية" فسوف نقرأ بعض العبارات ولا نعرف هل المقصود اسم البلد أم النسبة إليه، كما في عبارة "حكاية سورية" مثلاً، هل هي حكايةٌ سوريةٌ (أي حكاية من سوريا) أم حكايةُ سوريا (بمعنى حكاية البلد الذي اسمه سوريا)؟ كما تلاحظون فإن هذا اللبس لن ينشأ أصلاً لو كتبنا منذ البداية "حكاية سوريا". 6- أكرر أخيراً ما بدأت به آنفاً: لا أتوقع أن تُحسَم هذه المسألة قريباً، بل أظن أن يستمر الخلاف بشأنها طويلاً وأن تتكفل الأيامُ بحَسْمه، ربما خلال جيلين أو ثلاثة أجيال. حتى ذلك الحين لا بأس على كل واحد أن يكتبها كما يحب، فمن شاء أن يكتبها سورية فليكتبها كذلك، ومن شاء أن يكتبها سوريا فله ما يريد (وأنا من هذا الفريق).
__________________
|
#8
|
||||
|
||||
![]() فوائد لغوية (9) مجاهد مأمون ديرانيّة في الأرُزّ الذي نأكله لغاتٌ عدة كلها صحيح فصيح: الأَرُزّ والأُرْزُ والأُرُزُ والأُرُزّ. والرُّزّ كلمة فصيحة أيضاً، فلا تترددوا في استعمالها لأنها أقرب إلى المألوف. لو طلبتَ من الخبّاز كعكاً بالسُّمسُم فجاءك برغيف يسعى عليه النمل فلا تَلُمْه، فهذا هو طلبك! السِّمْسِم لفظُه الصحيح بكسر السّينَين، ويلفظه العوام بضمّتَين: سُمْسُم. والسُّمسُم في اللغة هو النمل الأحمر (واحدتُه سُمْسُمة)، أما السَّمسَم (بفتحتين) فهو الثعلب. وللسمسم اسم فصيح لطيف آخر هو الجُلْجُلان (بضم الجيمَين). يتكلف بعض الكُتّاب فيصرّون على لفظ "النَّعْناع"، وهو صحيح، ولكن الدارج على الألسنة هو "النَّعْنَع"، وهو صحيح فصيح أيضاً كما أكد الجوهري في "الصحاح" (خلافاً لبعض المُعجَميّين)، فاستعماله أَولى. والنُّعْنُع (بضمّتين) صحيح كذلك. الفلفل بضمّتين (فُلْفُل) أو بكسرتين (فِلْفِل)، كلاهما صحيح. إذا تُبِّل الطعام بالقَرَنفُل نقول إنه مُقَرْفَل أو مُقَرْنَف. "الأوريغانو" نبات طيّب الطعم والرائحة يضعه الذوّاقة فوق البيتزا. العرب لم يعرفوه بهذا الاسم بل بأحد اسمين معرَّبين هما "المَرْدَقوش" و"المَرْزَنْجوش" (رأيي أن الأول أسهل)، وله اسم عربي قديم متروك هو "السَّمْسَق" (بفتح السينَين، وقد تُضمَّان)، ولا أدري لِمَ أماتوا هذا اللفظ وهو سهل على اللسان؟ الأزهار المعروفة باسمها الأجنبي "التيولب" هي في العربية "الخُزامَى"، الواحدة خُزاماة. وهي أزهار تتفتح في الربيع.
__________________
|
![]() |
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |