«لاحول ولا قوة إلا بالله» كنز من كنوز الجنة
خلَق اللهُ -تعالى- الإنسانَ ضعيفًا، فالضَّعْف مبدؤه، وإليه منتهاه؛ {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ}(الرُّومِ: 54)، والمرء في هذه الحياة الدنيا لا يكاد يسلم من الشدائد والكربات، والمخاوف والمكدِّرات، فيحتاج إلى سبب يعينه ويُقَوِّيه، ويَجبُر ضَعفَه ويُسلِّيه، وإن من أعظم تلك الأسباب الأذكار الواردة في السُّنَّة والكتاب، فذِكْرُ اللهِ مِنْ أيسرِ الأعمالِ التي يشغل المسلمُ بها وقتَه، ويُحيي بها قلبَه، ويُؤنِس بها وحشتَه، ويُرضِي بها ربَّه، {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}(الرَّعْدِ: 2). وإن من ذخائر الأذكار كنزًا عظيمًا تحت عرش الجبار، حث النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه عليه، ورغب أمته فيه؛ عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: «لَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَيْبَرَ، أَشْرَفَ النَّاسُ عَلَى وَادٍ، فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ -أي: هونوا على أنفسكم-، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا، وَهُوَ مَعَكُمْ». قال أبو موسى - رضي الله عنه -: «وَأَنَا خَلْفَ دَابَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَسَمِعَنِي وَأَنَا أَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَقَالَ لِي: يَا ]اللَّهِ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ»، ومعنى «كنز من كنوز الجنة»؛ أي أن ثوابها نفيس، ومدخر لقائلها في الجنة، كما يدخر الكنز ويحفظ في الدنيا، فلا حول ولا قوة إلَّا بالله، جملة قليلة المبنى، عظيمة المعنى، فيها من التوحيد والإجلال، والتوكل على الرب الكبير المتعال، ما يصلح به البال، وينال صاحبها رفيع المنازل والأحوال. فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله، على فعل المأمورات وترك المحظورات، والصبر على المقدورات، فَمَنْ حقَّق الاستعانةَ أعانَه اللهُ، وهو معنى «لا حول ولا قوة إلا بالله»، فلا حول للمرء عن معصية الله إلا بعصمته، ولا قوة له على طاعته إلا بمعونته، ولا تحول له من مرض إلى صحة، ولا من وهن إلى قوة، ولا من نقص إلى زيادة، ولا دفع شر، ولا تحصيل خير إلا بالله -جل جلاله وتقدست أسماؤه-، فلا حول ولا قوة إلا بالله، نفي لأي تحول من حال إلى حال إلا بالله ذي الجلال والكمال، ولا حول ولا قوة إلا بالله، تطرد كل هم وغم عن صاحبها؛ لأن قائلها يستعين بخالقه، ويفوض الأمر إليه، ويبرأ من حوله وقوته، ومن حول كل مخلوق مهما بلغت مكانته إلى حول الله وقوته وجبروته، فمن كان هذا قوله وفعله واعتقاده كيف يخذله أكرم الأكرمين، وأجود الأجودين؟! -سبحانه- من إله كريم رحيم!
اعداد: المحرر الشرعي