تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري ) - الصفحة 57 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         عروض اجهزة كهربائية للعرسان (اخر مشاركة : Najlaaa - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          التَّراويحُ في زمنِ الوباءِ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          أحكام زكاة الفطر من كتاب عمدة الأحكام (pdf) (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          الثبات بعد رمضان (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          المبادرة المجانية لتحليل المخدرات (اخر مشاركة : NoorAhmed101 - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          الاعتكاف (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          خطبة عيد الفطر 1439هـ (الدين الغالب) (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          الثبات على الطاعة بعد رمضان حتى الممات (خطبة عيد الفطر 1439هـ) (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          فرحة العيد - خطبة عيد الفطر المبارك 1439 هـ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          وداع رمضان (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #561  
قديم 09-05-2021, 03:23 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 61,451
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

قراءة في كتاب أيسر التفاسير
هيا بنا ندرس هذه الآيات الأربع بعناية. ‏
معنى الآيات
قال المؤلف: [ قوله تعالى: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ [النساء:138] ] فالذي يبشرهم هو رسول الله، إذ الذي يخاطب الله هو رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي العبارة نوع من التهكم بهم، إذ إن أصل البشرى هو الخبر السار أو المحزن، فالخبر الذي إذا سمعه صاحبه تغير وجهه، فإن كان ساراً تغير وجهه بالبشر والطلاقة والابتسامة، وإن كان الخبر محزناً اكتأب وأسودّ وجهه، فالتغيير حاصل، فلهذا البشرى تكون بالطيب وتكون بغيره. بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ [النساء:138]، والمنافقون هم من يبطنون الكفر ويخفونه في صدرهم ولا يحاولون أن يطلع عليه مؤمن، وقد يطلع عليه المنافقون من إخوانهم وذلك في مجالسهم الخاصة، فيظهرون الإيمان والإسلام، ويصلون ويجاهدون وهم ما آمنوا بقلوبهم، وسبب إظهارهم للإسلام أن الدولة إسلامية قائمة والرسول حاكم وخلفاؤه موجودون فلا يستطيع أن يظهر الكفر، فإما أن يسلم وإما أن يقتل أو يبعد، إذ لا يسمح لكافر أن يعيش بيننا إلا إذا كان من أهل الكتاب وأهل الذمة، وهم معروفون، أما مشرك كافر فإما أن يؤمن وخاصة في ديار هذه الجزيرة قبة الإسلام، وإما أن يقتل، قال تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة:5].إذاً: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ [النساء:138]، الذين يبطنون ويخفون الكفر، فلا يؤمنون بالله ولا برسوله ولا بلقاء الله ولا بجنة ولا بنار، وإنما يظهرون الإسلام بسلوكهم وقولهم ومنطقهم.قال: [ بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء:138]، يأمر الله تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يخبر المنافقين بلفظ البشارة؛ لأن المخبَر به يسوء وجوههم وهو العذاب الأليم، وقد يكون في الدنيا بالذل والمهانة والقتل، وأما في الآخرة فهو أسوأ العذاب وأشده، وهو لازم لهم لخبث نفوسهم وظلمة أرواحهم ].معاشر المستمعين! هل فهمتم هذا التعليل؟ العذاب لازم للكافرين والمنافقين والفاجرين والظالمين لخبث نفوسهم، فهل النفس تخبث؟! إي والله، وهل النفس تطيب وتطهر؟ إي والله، وهل نستطيع أن نعرف النفس الخبيثة من الطيبة؟ نعم، فإذا طابت النفس فإن كل سلوك هذا العبد طيبة وطاهرة، فنظرته طيبة وطاهرة، وكلمته طيبة طاهرة، ومشيته طيبة طاهرة، بل كل تصرفاته طيبة وطاهرة؛ لأنه ناتج عن روح سليمة طاهرة نقية، وإن كانت الروح خبيثة يغشاها الكذب والخيانة والغش والباطل والشر فإن هذا السلوك نابع من مصدر باطني ألا وهو خبث النفس. ثم في الآخرة العذاب كالتنعيم يتمان على ضوء خبث النفس أو طهارتها، فلا شرف لأب ولا لأم ولا لقبيلة ولا لنسب أبداً، بل كل البشر أمرهم واحد، أي: عبيد الله، ليس منهم من هو ابن لله ولا أب له ولا قريب له، بل إنهم عبيده، أبيضهم كأسودهم، فمن زكى نفسه وطيبها وطهرها، ومات وهي طاهرة نقية، فهذا لا ينزل إلا في دار السلام، ومن خبثها ولوثها وعفنها بأوضار الشرك والكفر فإن مصيره إلى الدركات السفلى في عالم الشقاء.وعندنا نص الحكم الإلهي، وأهل الدرس عالمون به، قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، من يعقب على حكم الله؟! هل هناك هيئة قضائية تعقب؟! نفى الله هذا فقال: وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد:41].معاشر المؤمنين والمؤمنات! لمَ ما نحفظ هذه الكلمة: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10] فنعرف مصير البشرية كلها من هاتين الآيتين؟ كن ابن من شئت أو أبا من شئت فالعبرة ليست بالجنس ولا بالملة، وإنما بالروح الزكية الطاهرة النقية أو الخبيثة العفنة المنتنة.فهل عرفت البشرية هذا؟ ما عرفت، من بلغها؟ من عرفها؟ وبعد أن عرفنا حكم الله فينا فهيا بنا نزكي أنفسنا، إذ أيخبر الله عز وجل ونشك في حكمه؟ فإن قيل: يا شيخ! ما هي المواد المزكية للنفس؟ أين توجد؟ في أية صيدلية؟ كيف نستعملها؟ وهذه الأسئلة فريضة على كل إنسان أن يعرفها، وكم الذين يعرفونها؟ ولا واحد في المليون.معشر الأبناء والإخوان! هل بلغكم أن حكماً لله قد صدر على الناس؟ قد حلف الله عليه بتسعة أو عشرة أيمان، وذلك من قوله تعالى: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس:1]، حتى قال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9].إذاً: والله إنا لموقنون إيقاناً كاملاً أن من زكى نفسه دخل الجنة دار السلام ونجا من العذاب والنار دار البوار، وأن من خبث نفسه ولوثها ومات وهي عفنة منتنة فلن يدخل الجنة ولن ينزل بساحتها، وهناك آية توضح هذا المعنى القريب وهي قوله تعالى من سورة الأعراف: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ [الأعراف:40]، أي: لا تفتح لأرواحهم عندما يعرج بها ملك الموت وأعوانه، وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ [الأعراف:40]، والجمل: حيوان معروف عند العرب وهو البعير، وعين الإبرة معروفة عند العجائز، وهي التي يُدخل فيها الخيط، والذي ما عنده بصر قوي ما يستطيع أن يدخل الخيط في عين الإبرة، فهل يستطيع البعير أن يدخل في عن الإبرة؟! مستحيل جداً، وكذلك مستحيل أن يدخل خبيث النفس دار السلام، وهذا قضاء الله وحكمه.فهيا نعود يا معشر المؤمنين والمؤمنات! إلى الله تعالى، وهيا نعمل على تزكية أنفسنا، فإن قيل: يا شيخ! بما نزكيها؟ أجيبكم فأقول: زكوها بالإيمان الصحيح والعمل الصالح، وأبعدوها عما يخبثها كالشرك والمعاصي، وأعني بالإيمان الصحيح الذي ليس مجرد دعوى الإيمان كاليهود، وإنما الإيمان الذي إن عرضته على القرآن فأنت مؤمن، وأعني بالعمل الصالح الذي بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك من الغسل للجنابة إلى الرباط في سبيل الله، وكل تلك العبادات هي مواد تزكية للنفس البشرية، وأما المخبثات المدسيات للنفس من الكفر والشرك والمعاصي فهي وبال على المسلم في الدنيا والآخرة.فعلى كل مؤمن يريد أن تزكو نفسه أن يتعرف على إيمانه هل هو إيمان صحيح أم لا؟ وأن يعمل الصالحات التي بينها رسول الله، وهي في كتاب الله تعالى من الوضوء إلى الطواف والاعتكاف، من كلمة الأمر بالمعروف إلى كلمة النهي عن المنكر، فتلك العبادات إذا أوديت أداء صحيحاً بلا تقديم ولا تأخير ولا زيادة ولا نقصان، فإنها تفعل في النفس البشرية الزكاة والطهر كما يفعل الماء والصابون في الثياب والأبدان، فتُحيلها إلى كتلة من النور، وهذه هي الحقيقة، فمن يعرف المسلمين بهذه الحقيقة؟ لو أنهم عزموا على أن يسودوا ويقودوا، أو عزموا على أن يسموا ويرتفعوا لعادوا إلى بيوت ربهم -المساجد- بنسائهم وأطفالهم من المغرب إلى العشاء فقط، وذلك في كل ليلة وطول الحياة، فيتعلمون الكتاب والحكمة، فإذا تعلم أهل القرية الكتاب والحكمة والله ما خرجوا عن دائرة رضا الله وطلب مرضاته، وإنما استقاموا على منهج الحق فعبدوا الله بما شرع، فسمت نفوسهم وأصبحوا أولياء الله، حتى لو كادهم أهل الأرض ما زلزلوا أقدامهم.
العلاقة الحميمة بين المنافقين والكافرين
قال: [ بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء:138]، يأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبر المنافقين بلفظ البشارة؛ لأن المخبر به يسوء وجوههم وهو العذاب الأليم، وقد يكون في الدنيا بالذل والمهانة والقتل، وأما في الآخرة فهو أسوء العذاب وأشده، وهو لازم لهم لخبث نفوسهم وظلمة أرواحهم.ثم وصفهم تعالى بأخس صفاتهم وشرها، فقال: الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:139] ] أي: يتركون المؤمنين فلا يوالونهم ولا يحبونهم ولا ينصروهم ولا يطلبون النصرة منهم، وإنما يوالون الكافرين، وهذا لن يصدر إلا من المنافقين الذين آمنوا بالظاهر وأخفوا الكفر في الباطن.قال: [ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:139]، فيعطون محبتهم ونصرتهم وولاءهم للكافرين، ويمنعون ذلك المؤمنين، وذلك لأن قلوبهم كافرة آثمة لم يدخلها إيمان ولم يُنرها عمل الإسلام، ثم وبخهم تعالى ناعياً عليهم جهلهم فقال: أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ [النساء:139] أي: يطلبون العزة، أي: المنعة والغلبة من الكافرين، أجهلوا أم عموا فلم يعرفوا أن الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [النساء:139]؟ ]، فيا من يطلب العزة -أدلك على الباب الذي تقرعه- اطلبها من باب الله عز وجل، فإن قال: ما نستطيع؛ لأن باب الله يجب أن نكون طاهراً نقياً، فلا غش ولا خداع ولا شرك ولا كفر، إذاً: تطلبها من الكافرين! والله لن تجدها، ولن تعز أبداً، فلا إله إلا الله.قال: [ لأن قلوبهم كافرة آثمة لم يدخلها إيمان ولم ينرها عمل الإسلام، ثم وبخهم تعالى ناعياً عليهم جهلهم فقال: أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ [النساء:139]، أيطلبون العزة، أي: المنعة والغلبة من الكافرين، أجهلوا أم عموا فلم يعرفوا أن الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [النساء:139]؟ فمن أعزه الله عز، ومن أذله ذل، والعزة تطلب بالإيمان وصالح الأعمال لا بالكفر والشرك والفساد، هذا ما دلت عليه الآية الأولى والثانية ].
النهي عن مجالسة الذين يكفرون بآيات الله ويستهزئون بها
قال: [ أما الآية الثالثة فإن الله تعالى يؤدب المؤمنين ] الله يؤدبنا لأننا أولياؤه وعبيده المؤمنون به، فأنت ما تؤدب ابنك أو أخاك؟قال: [ فإن الله تعالى يؤدب المؤمنين ] ونحن إن شاء الله منهم، [ فيذكرهم بما أنزل عليهم في سورة الأنعام ]، وسورة مكية بلا جدال، وقد زفتها سبعون ألف ملك عندما أنزلت، كما أن هذه السورة العظيمة نزلت مجملة، والمفروض على أهل كل بيت أن يدرسونها ويعرفون ما جاء فيها. قال: [ فيذكرهم بما أنزل عليهم في سورة الأنعام حيث نهاهم عن مجالسة أهل الباطل إذا خاضوا في الطعن في آيات الله ودينه، فقال تعالى ] يخاطب رسوله وأمته معه: [ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام:68] ]، وهذا صالح لنا، فأيما مؤمن عرف الطريق إلى الله وجلس مجلساً أخذ أهل المجلس يضحكون ويسخرون ينتقدون الحاكم أو الإمام أو العالم الفلاني، فيجب أن يغلق أذنيه ويخرج، ولا يحل له البقاء، وإن جلس ورضي بكلامهم فهو منهم، وإن استطاع أن يقول: هذا منكر لزمه ذلك، لكن في مكة من يقول: هذا منكر؟ أبو جهل يضحك ويسخر وتقول له: إن هذا منكر! سيجرك على الحصباء، لكن إن قدر لك وجلست مع المنافقين وأخذوا يسخرون من القرآن ويستهزئون به، فلا يحل لك أن تبقى في هذا المكان. وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا [الأنعام:68]، كيف يخوضون فيها؟ بالطعن والنقد، كأن يقولوا: لو كان كذا لكان كذا، فأعرض عنهم ولا تجلس إليهم حتى ينتهي ذاك الخوض ويتكلموا في شيء آخر أو في حديث غيره، وإن فرضنا أنه أنساك الشيطان هذا الأمر ثم تذكرته فعلى الفور اخرج.كان الحاج مسعود من أهل الحلقة رحمة الله عليه إذا دخل المواليد وهو لا يدري، لما يأخذون بالمدائح والقصائد يأخذ نعله ويخرج، لمَ يا مسعود؟ فيقول: أمرنا بألا نخوض في هذا الباطل.والآن تعرفون إخوانكم من عمال وموظفين يجلسون في احتفال ما ويخوضون في الطعن والنقد، فهل يجوز أن نبقى ونسكت؟ إما أن نغير المنكر وإما أن نخرج أو نكون قد شاركناهم في الباطل.قال: [ هذا الأدب أخذ الله تعالى به رسوله والمؤمنين وهم في مكة قبل الهجرة؛ لأن سورة الأنعام مكية، ولما هاجروا إلى المدينة وبدأ النفاق وأصبح للمنافقين مجالس خاصة ينتقدون فيها المؤمنين ويخوضون فيها في آيات الله تعالى استهزاء وسخرية، ذكر الله تعالى المؤمنين بما أنزل عليهم في مكة ]؛ لأن المدينة في العام الأول والثاني والثالث كان المنافقون فيها أكثر من المؤمنين، لكن أخذوا يقلون ويقلون، بل ما مات الرسول وفي المدينة منافق واحد، وإنما مات من مات، ومن لم يمت فقد أسلم وآمن ودخل في الإسلام.قال: [ قال: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ [النساء:140]، أي: إذا رضيتم بالجلوس معهم وهم يخوضون في آيات الله، مِثْلُهُمْ [النساء:140]، أي: في الإثم والجريمة والجزاء يوم القيامة، إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا [النساء:140]، فهل ترضون أن تكونوا معهم في جهنم؟ وإن قلتم: لا ما نرضى، إذاً فلا تجالسوهم.
غش المنافقين للمؤمنين وحرصهم على المصالح المادية الدنيوية
ثم ذكر تعالى لهم وصفاً آخر للمنافقين يحمل على التنفير منهم والكراهية والبغض لهم، فقال تعالى: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ [النساء:141]، أي: ينتظرون بكم الدوائر ويتحينون الفرص، فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ [النساء:141]، أي: نصر وغنيمة، قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ [النساء:141]، فأشركونا معكم، وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ [النساء:141]، في النصر قالوا لهم: أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ [النساء:141]؟ أي: نستولي عليكم، وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:141]، أي: يقاتلوكم فأعطونا مما غنمتم، وهكذا المنافقون يمسكون العصا من الوسط، فأي جانب غلب كانوا معه، ألا لعنة الله على المنافقين، وما على المؤمنين إلا الصبر؛ لأن مشكلة المنافقين عويصة الحل، فالله يحكم بينهم يوم القيامة.أما الكافرون الظاهرون فلن يجعل الله لهم على المؤمنين سبيلاً، لا لاستئصالهم وإبادتهم، ولا لإذلالهم والتسلط عليهم ما داموا مؤمنين صادقين في إيمانهم، وهذا ما ختم الله تعالى به الآية الكريمة إذ قال: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء:141]. ]، ووالله لو وجد في العالم الإسلامي بلد أسلم قلبه ووجهه لله، وأقام دين الله، والله لو كاده من على أقطارها ما زلزلوهم ولا استطاعوا أن يضلوهم أو أن يدخلوا ديارهم، وإن قلت كيف؟ أقول لك: خلال خمسة وعشرين سنة والعالم الإسلامي أصبح من وراء نهر السند إلى الأندلس، كيف تم هذا؟! ليس ذلك بطائراتهم وجيوشهم وما يملكون، وإنما فقط استقاموا على ولاية الله وكانوا أولياء الله فكان الله معهم.
هداية الآيات
قال المؤلف: [ هداية هذه الآيات: أولاً: حرمة اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين ] فلا يحل لك أن تصاحب كافراً، ولا أن تحبه ويحبك، وتهديه ويهديك، وتترك المؤمنين فتبغضهم ولا تهاديهم ولا تعمل معهم، كما لا يحل لك أبداً أن يطلب نصرتك كافر على إخوانك المؤمنين فتمد يدك وتنصره على إخوانك المؤمنين، ومن فعل هذا والله ما هو بمؤمن، فهذا الرسول خرج معه رجل يقاتل معه، فقال له: أنا فلان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ارجع إنا لا نستنصر بكافر ).ويبقى سياسياً وشرعياً وذلك إذا تصالح وتعاهد المسلمون مع دولة كافرة؛ لأنهم رأوا ضعفهم وعجزهم وعدم قدرتهم على غزوها أو فتحها، واتفقوا على شروط معينة فهذا جائز، لكن الحب في القلب لا، أتحب عدو الله؟!ثم إذا اتفقنا مع هذه الدولة الكافرة كبريطانيا، وقاتلت بريطانيا دولة مسلمة، فإنه لا يجوز لنا أن نقاتل معهم ضد إخواننا المسلمين، إذ إن هذا يتنافى مع القرآن الكريم، لكن لو قاتلوا دولة كافرة فلا بأس أن نقاتل معهم إذا كان بيننا وبينهم اتفاقية على ذلك. قال: [ حرمة اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين ]، فتترك المؤمنين ولا تواليهم ولا تنصرهم ولا تحبهم، وتنصر وتحب الكافرين!قال: [ ثانياً: الباعث للناس على اتخاذ الكافرين أولياء هو الرغبة في العزة ورفع المذلة وهذا باطل، فالعزة لله ولا تطلب منه تعالى إلا بالإيمان وصالح الأعمال ] واتباع منهج الحق.قال: [ ثالثاً: حرمة مجالسة أهل الباطل إذا كانوا يخوضون في آيات الله نقداً واستهزاء وسخرية.رابعاً: الرضا بالكفر كفر، والرضا بالإثم إثم ]، كيف الرضا بالإثم إثم؟ جماعة يلعبون القمار وأنت معهم، فهذا رضاً منك وأنت آثم مثلهم، أو جماعة يشربون الحشيش وأنت معهم، فهذا أيضاً راضاً منك وأنت آثم مثلهم، أو جماعة يسبون في الصالحين وفلان وفلان وتسكت فأنت راضي بذلك وأنت آثم، وهكذا الرضا بالكفر بالإجماع كفر، والرضا بالإثم صاحبه آثم.قال: [ خامساً: تكفل الله تعالى بعزة المؤمنين الصادقين ومنعتهم، فلا يسلّط عليهم أعداءه فيستأصلونهم أو يذلونهم ويتحكمون فيهم ] واسمعوا إلى رسول الله وهو يقول في هذه القضية -هذا الحديث الفيصل-: ( إني سألت ربي )، أي: طلبت من الله مولاي، ( ألا يهلكها -أي: أمته- بسنة عامة )، يعني: بقحط وجدب أو وباء، ( وألا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم )، أما من أنفسهم فقد أكل بعضهم بعضاً، ( فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً )، وهو معنى قوله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى:30]، فهذا الدعاء من الرسول صلى الله عليه وسلم سأل ربه تعالى ألا يسلط على أمته عدواً من غير أنفسهم، فيقتل بعضهم بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً، وحينئذٍ استوجبوا نقمة الله تعالى.وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #562  
قديم 09-05-2021, 03:25 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 61,451
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة النساء - (71)
الحلقة (294)

تفسير سورة النساء (74)


من صفات المنافقين الكذب والغدر والمخادعة، حتى إنهم لفرط جهلهم يحسبون أنهم عندما يظهرون الإيمان وينفقون في سبيل الله فإنهم بذلك يثبتون لله ولعباده المؤمنين صلاحهم وحسن حالهم، بينما هم في الحقيقة يخادعون أنفسهم ويغررون بها، فالله عز وجل محيط بهم، عالم بكذبهم ونفاقهم، ويظهر ذلك من قيامهم لصلاتهم، وحالهم عند ذكر ربهم، فهم حائرون ضائعون ليسوا إلى أهل الإيمان ولا إلى أهل الطغيان، ومصيرهم في الآخرة الدرك الأسفل من النيران.
تفسير قوله تعالى: (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم...)
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ليلة الإثنين من يوم الأحد ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي والعالم أجمع وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم لنا رجاءنا هذا إنك ولينا ولا ولي لنا سواك.وما زلنا مع سورة النساء المباركة الميمونة، وها نحن مع هذه الآيات الثلاث، وتلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [النساء:142+144].
ذكر بعض صفات المنافقين
معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! من المخبر بهذا الخبر العظيم: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:142]؟ أليس الله؟ بلى والله، فهذا كتابه وهذا رسوله أوحى إليه هذا الكتاب، ومن جملة آي هذا الكتاب هذه الآيات من سورة النساء، فاسمع إلى هذا الخبر العظيم، يقول الله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:142]، ولعل بين المستمعين والمستمعات من لم يعرف حقيقة النفاق والمنافقين.فأولاً: المنافق هو الذي يبطن الكفر ويخفيه ويستره في صدره، ويظهر الإسلام بلسانه وعمله، وهو لا يؤمن بالله ولا بلقائه ولا بمحمد ورسالته ولا بتوحيد الله، ولكن اضطر إلى أن يظهر الإسلام خوفاً على نفسه وماله، وقد وضع الرسول صلى الله عليه وسلم ضوابط لأصحابه حتى يعرفوا المنافق من المؤمن صادق الإيمان، وهذه الضوابط منها قوله صلى الله عليه وسلم: ( آية المنافق ثلاث )، أي: علامة المنافق من المؤمن الصادق المميزة له والمفرقة له ثلاث آيات: الأولى: ( إذا حدث كذب )، أي: إذا حدث أخاً من إخوانه أو إنساناً من الناس قريباً أو بعيداً فإنه يكذب، ويتلذذ بالكذب وخاصة إذا حدث مؤمناً صادقاً، ثانياً: ( وإذا وعد أخلف )، أي: إذا قال نلتقي ساعة كذا في مكان كذا فإنه يتأخر ولا يحضر، بل ويتلذذ بحضورك أنت هناك في الحر أو البرد؛ لأنه يرغب في أذيتك، فيعدك ثم يخلف وعده من أجل أن يؤذيك؛ لأنك ضده وعدوه، ثالثاً: ( وإذا أؤتمن خان )، أي: إذا ائتمنه إنسان على شيء ولو على كلمة فضلاً عن امرأة أو عن دينار أو درهم، فإنه يتلذذ بخيانتها؛ لأنه لا يؤمن بالله ولا يخاف الله، ولا يؤمن بالجزاء في الدار الآخرة، ويكره المؤمنين والمؤمنات.فيا رجال الإسلام خذوا هذا الضابط في نفوسكم فتستطيعون أن تعرفوا المنافقين من المؤمنين في مجتمعكم، لا بالسحر ولا بالضرب وبالعصا حتى يعترف، وإنما خذوا هذه الثلاث العلامات. مرة أخرى: ( آية المنافق )، أي: الدالة عليه، ( ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان )، ولنبرئ إلى الله جميعاً أن تكون فينا صفة من هذه الصفات.فأولاً: قد يحدث أحدنا ويكذب خطأً أو فهماً غير صحيح، لكن لا يتعمد الكذب، إذ لا يمكن أن يتعمد الكذب ويقصده ويقوله مؤمن بالله ولقائه.ثانياً: ( إذا وعد أخلف )، أي: إذا واعد أحدنا فيجب أن يفي، فإن عجز فلا حرج عليه، كأن واعدك اللقاء في مكان كذا فنسي، أو أنه نام وما استيقظ، أو حالت دون ذلك حوائل، أو يعدك بأن يعطيك كذا أو يأخذ منك كذا ثم ينسى أو يعجز، فهذا كله معفوٌ عنه؛ لعجزه ونسيانه، أما أن يعد ولا يفي وهو قادر على الوفاء، بل ويريد أن يؤذي هذا المؤمن فهذا هو المنافق، ولذا فلا ينبغي أن يوجد بين المؤمنين والمؤمنات من هذه صفاته.ثالثاً: ( إذا أؤتمن خان )، أي: إذا وِضع تحت يديك مال أو حيوان أو زرع أو امرأة أو أولاد يتامى، فيجب أن تحافظ على أمانتك، بل والله ترضى أن يضيع مالك ولا يضيع المال الذي هو أمانة عندك، وترضى أن تؤذى أنت في بدنك أو ولدك ولا ترضى أن يؤذى من أؤتمن عليه عندك وأنت المسئول عنه.فهل أنتم عازمون على صدق الحديث والوفاء بالوعد وحفظ الأمانة؟ نعم والله، فمن يوم أن قلنا: لا إله إلا الله ونحن هكذا، إذا وعدنا نفي، وإذا أؤتمنا لا نخن، وإذا حدثنا صدقنا، لكن إن وجدتم بين إخوانكم من على هذا المنهج السيئ فسببه أن إيمانه فيه شيء، إذ ما عرف الله ولا أحبه ولا خافه، ولا عرف ما عنده لأوليائه ولا ما لديه لأعدائه، وبالتالي كيف يخافه؟! عدنا من حيث بدأنا، إنه الجهل وظلمته.ويقول صلى الله عليه وسلم: ( أربع من كان فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق )، الثلاث الأولى والرابعة هي: ( وإذا خاصم فجر )، أي: إذا خاصم فإنه يخرج عن اللياقة والأدب والصدق والحق، وما يستقيم في مخاصمته، فيكذب ويزيد وينقص ويقول الباطل، ومعنى(فجر): أي: خرج عن الطريق وما استقام في خصامه، إذاً: يحذر الرسول صلى الله عليه وسلم من النفاق ومن أهله؛ لأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم.
بيان كيفية مخادعة المنافقين لله تعالى
وهذا كتاب الله عز وجل بين أيدينا، فهيا نسمع عن الله ما قال في المنافقين: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ [النساء:142]، كيف يخادعون الله؟ يظهرون الإيمان والإسلام ويقولون: لا إله إلا الله، وإذا دعوا إلى المال أنفقوا، وإلى الجهاد خرجوا، فهذا خداع لله، ويظنون أن الله لا يعلم عنهم شيئاً، وهو تعالى: خَادِعُهُمْ [النساء:142]، ولذا لم يفضحهم، إذ لو شاء لأنزل: يا أيها الذين آمنوا إن عبد الله بن أبي وفلان وفلان -بأسمائهم- منافقون، فيفضحهم ويقتلون، ولكن يسترهم، وبالتالي فيظنون أن الله لا يعرف عنهم أو لا يقدر على فضحهم أو على تسليط الرسول عليهم، وهذا معنى خداع الله لهم.
من صفات المنافقين: القيام للصلاة بكسل
وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ [النساء:142]، أي: المفروضة، فإنهم يقومون كُسَالَى [النساء:142]؛ لأنهم لا يريدون أن يصلوا، إذ إنهم يقولون: لا فائدة من الصلاة! ولا لوم فهم ما آمنوا بلقاء الله وما عند الله، وهذه هي محنة وعلة الكفر وظلمة النفس.
من صفات المنافقين: مراءات الناس بأعمالهم
يُرَاءُونَ [النساء:142]، إذ لو أنهم يعرفون أن جارهم لا يطلع عليهم فإنهم لا يصلون، لكن من أجل أن يروا الناس أنهم يصلون، ولهذا فإن أثقل صلاة عليهم هي صلاة العشاء والصبح، فيكربون ويحزنون، فالعشاء وقت راحة واستجمام من الحرث أو الزراعة أو غيرها من الأعمال، وبالتالي فيشق عليهم أن يخرجوا متوضئين في الظلام، لكن لو أن هناك كهرباء فإنهم سيعرفون.إذاً: ما هو الحل؟ يخرج من يخرج منهم في أشد الألم، فيصليها وهي ثقيلة عليه كالجيل، والصبح كذلك، فيأتي المسجد في الظلام والناس نيام، لكن يخافون أن يتعهدهم المؤمنون: أين فلان؟ لمَ لم يحضر الليلة؟ هل صلى معنا؟ فهم يصلون لا لله وإنما للدفع عن أنفسهم المعرة والمذمة. يُرَاءُونَ النَّاسَ [النساء:142]، ما المراد بالناس؟ المؤمنون المسلمون حقاً، فالمنافقون يراءون بصلاتهم وبأعمالهم كلها؛ حتى يستروا على أنفسهم نفاقهم وكفرهم.ومن هنا معاشر المستمعين والمستمعات! الرياء شرك، والرياء يعني: مراءاتك الناس عبادة الله لتدفع عنك المعرة والمذمة، أو لتكتسب حمداً وثناء، أو لتدفع عنك البلاء والعذاب، فهذه العبادة باطلة وصاحبها في النار، ولذلك فاعبد الله بأي نوع من العبادات ولا تلتفت إلى أحد، بل لا هم لك إلا الله، سواء كان رباطاً أو جهاداً أو إنفاقاً أو صياماً أو صلاة، لا تلتفت إلى مخلوق أبداً، والرسول يقول: ( إياكم والشرك الأصغر )، قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: ( الرياء )، يحسن أحدنا صلاته ويزينها من أجل أن يقال: فلان صلاته حسنة. فاحذروا الرياء أيها المؤمنون! والآية واضحة في ذلك: يُرَاءُونَ النَّاسَ [النساء:142]؛ لأنهم ما عرفوا الله ولا عرفوا ما عنده ولا أحبوه ولا خافوه، وبالتالي فماذا يصنعون بهذه الصلاة؟ يروها الناس ليحمدوهم، أو حتى لا يذموهم أو يكفروهم، ولذا فلنعمل على تطهير قلوبنا من هذه الشركيات.
من صفات المنافقين: قلة ذكر الله تعالى
وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:142]، فمثلاً في الصلاة ما يقول: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، وإن ذكر فمرة واحدة في الركوع والسجود، أما خارج الصلاة فلا يذكرون الله أبداً، إذ كيف يذكرونه وهم لا يحبونه ولا يخافونه بل وما عرفوه؟! ما يريدون أن يعلموا أبداً، أما المؤمنون فلا يراءون في عبادتهم غير الله تعالى، ويذكرون الله كثيراً.روى مالك في الموطأ عن النبي صلى الله عليه وسلم في بيان صلاة المنافقين أنه قال: ( تلك صلاة المنافقين، ثلاث مرات )، وبينها فقال: ( يجلس أحدهم يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان )، أي: ما يصلي العصر وإنما يأكل يضحك يلعب مع أولاده حتى إذا كادت الشمس أن تغرب أو تقع على قرني الشيطان، أي: أن الشيطان يصور نفسه كأنه كبش أو ثور ويحمل الشمس على رأسه، وقد زين الشيطان للناس عبادة الشمس من دون الله تعالى، وبعيني هاتين قد رأينا عابداً للشمس في الهند وهو واقف يعبد الشمس حتى غربت، ثم أخذ يسعى كما نسعى بين الصفا والمروة!والشاهد عندنا في قول الرسول صلى الله عليه وسلم كما في رواية مالك: ( يجلس أحدهم يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان أو على قرني شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلا )، أي: نقر أربعاً كما ينقر الديك الحبَّ.وقال صلى الله عليه وسلم: ( لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود )، أي: لا تجزئ صلاة لا يقيم فيها المصلي صلبه وهو راكع أو ساجد، أما أن يقول: الله أكبر، الله أكبر فهي باطلة، وهذه قد تورط بها بلايين المسلمين والجهال، وخاصة قبل هذه الدعوة الإصلاحية الجديدة، فقد كانت الصلاة تؤدى بسرعة عجيبة، وليس فيها طمأنينة ولا خشوع؛ لأنهم ما عرفوا الله تعالى، والآن وبعد أن جدت هذه الصورة فلا بأس بها، وسببها هي المعرفة، فعند جماعة التبليغ الصلاة ذات الخشوع، فعلموا الناس كيف يخشعون في الصلاة.إذاً: وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:142]، في الصلاة أقل ما تسبح في الركوع تقول: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، وفي السجود سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات، وإن رفعت قلت: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وهذا أدناه، وإن جلست بين السجدتين قلت: ربي اغفر لي وارحمني وعافني واهديني وارزقني، أما الله أكبر الله أكبر فتدخل في سلك المنافقين والعياذ بالله.

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #563  
قديم 09-05-2021, 03:25 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 61,451
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

تفسير قوله تعالى: (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ...)
مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء:143]. مُذَبْذَبِينَ [النساء:143]، أي: مرة مع المسلمين ومرة مع الكافرين، فإذا رأوا المسلمين قد انتصروا كانوا معهم، وإذا رأوا الكافرين قد انتصروا كانوا معهم، فهم يمسكون العصا من الوسط، إن كان في الإسلام خير قالوا: نحن مع المسلمين، وإن كان هناك في الإسلام عذاب أو عقاب أو حرمان قالوا: نحن مع الكافرين، وعلة ذلك هو الكفر، إذ إنهم ما عرفوا الله ولا آمنوا به، ولهذا فهم في حيرتهم.والرسول صلى الله عليه وسلم قد ضرب لهم مثلاً يصف به حال المنافقين في تذبذبهم وحيرتهم، فقد جاء في صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مثل المنافق كمثل الشاة العائرة -أي: المترددة بين قطيعين من الغنم- تعير إلى هذه مرة وإلى هذه أخرى )، ونحن ما نعرف ذلك، والذي يعرفه هم أصحاب الغنم، فالشاة العائرة ما تستقر، وإنما مرة هنا ومرة هناك، مرة مع هذا القطيع، ومرة مع ذاك القطيع، وكذلك المنافق فيوم مع المؤمنين، أو عام مع المؤمنين وعام مع الكافرين، فإذا رأوا الخير في الإسلام وأهله انضموا إلى المؤمنين، وإذا رأوا القحط والجدب والفقر انضموا إلى الكافرين، فنبرأ إلى الله من النفاق.والنفاق أشد من الكفر، قال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:145]، فأولاً: لأنهم كفار، ثم زيادة على كفرهم نفاقهم وكذبهم وتضليلهم وأذيتهم للمسلمين.مرة أخرى اسمعوا الآيتين: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ [النساء:142]، ما لهم يا رب؟ أخبرنا عنهم؟! قال: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى [النساء:142]، أي: نشطين؟ لا والله، وإنما قَامُوا كُسَالَى [النساء:142]؛ لأنهم غير مؤمنين بالله ولقائه وما عند الله وما لديه، فكيف يقومون نشطين وهم لا يحبون الله ولا يعرفونه؟ إن أكثر بل عامة المسلمين الجهلة من العرب والعجم الذين ما يحسنون صلاتهم ولا يذكرون الله، علة ذلك والله جهلهم، وهذه هي الحقيقة، فما داموا أنهم آمنوا إذاً فإنهم يصلون حتى يقال: صلوا وكفى. يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ [النساء:142-143]، بين من؟ بين المؤمنين والكافرين، وذلك حسب المصلحة، كالشاة العائرة، فمرة مع هذا القطيع ومرة مع ذاك القطيع، فتبحث عن الطعام، فأنى وجدته استقرت.وأخيراً: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء:143]، أي: إلى هدايته، فمن أضله الله والله ما وجدت له أبداً من يهديه ولا يهتدي، ولهذا يجب أن نخاف من الله أن يضلنا، فمن هم الذين تعرضوا لإضلال الله تعالى لهم؟ الذين تعمدوا الكفر والنفاق، فهؤلاء إذا مضت سنة الله فيهم فلن تهديهم أنت ولن تستطيع؛ لأنهم مكروا بالله ورسوله والمؤمنين، وهذا تحذير من أن يتعرض العبد لإضلال الله له، فإن من أضله الله لا يهتدي، جاء في قراءة سبعية: ( إن الله لا يُهدى من يضل )، وقال تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ [النحل:37].وقد بينا لنا الحبيب صلى الله عليه وسلم عوامل الإضلال وهي: أن العبد إذا عرف معصية الله وتعمد فعلها ثم نهي فأبى أن ينتهي، كأن ذُكِّر فأبى أن يذكر، ووعظ فأبى أن يتعظ، وإنما واصل الجريمة بعد الجريمة، وذلك عاماً بعد عام، فإنه يصل إلى وقت يصبح إذا قلت له: اتق الله يسخر منك، فهذا لن يهديه الله؛ لأنه قد انتهى أمره، والرسول قد ضرب لذلك مثلاً فقال: ( إذا أذنب العبد ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو تاب واستغفر صقلت )، أي: مسحت وزال أثرها، فإن هو لم يتب ولم يستغفر ولم يندم ولم يقلع، وإنما زاد ذنباً آخر نكتت في قلبه نكتة أخرى، وهكذا حتى يغطى القلب كله، وذالكم هو الران الذي قال الله تعالى فيه: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14]، فلهذا التوبة تجب على الفور، فإياك أن تقول كما يقول الغافلون: غداً سأتوب، أو إذا جاء أبي سأتوب، أو إذا تزوجت سأتوب، أو حتى أفعل كذا، بل إذا زلت القدم ووقعت في معصية الله فعلى الفور استغفر الله وتب إليه وذرف الدموع، فينمحي ذلك الأثر كله، أما أن ترضى بالتأجيل فيخشى أن ساعة تأتي لا تقبل فيها توبتك.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ...)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [النساء:144]. شكا إلي أحد المستمعين وهو من أهل العلم فقال: إن بعض المستمعين تحيروا بالأمس وقالوا ما لا ينبغي أن يقال؛ لسوء فهمهم عفا الله عنا وعنهم، أما الشيخ فقد بين في صدق، وبينا غير ما مرة: أن الولاء والبراء يتغنى بهما إخواننا وما فقهوا ولا فهموا معنى الولاء والبراء، لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة:22]، فما معنى يوآدونهم؟ أي: يحبونهم، إذ المودة تعني الحب.وقلنا: لا يعقل أبداً أن يوجد قلب فيه الإيمان بالله وما عند الله، ويحب كافراً مشركاً مجوسياً يهودياً نصرانياً بقلبه كما يحب أمه وأباه، وذلك لنفي الله تعالى حيث قال: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [المجادلة:22]، حق الإيمان، أما الجهلة فيتخبطون، يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة:22]، ولو كان أقرب قريب، والآية واضحة في ذلك. فمن صفات المؤمنين: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71]، وقد فسرنا الولاء بأنه الحب والنصرة، فالمؤمن يحب كل مؤمن ومؤمنة، والمؤمنة تحب كل مؤمنة ومؤمن، فما معنى الحب؟ الحب ضد الكره والبغض، فالذين يكرهون المؤمنين ويبغضونهم ما هم بالمؤمنين كما أخبر الله تعالى. وأما النصرة فإذا استغاثك أخوك المؤمن والكافر يضربه أو يعذبه أو يسلبه ماله فيجب أن تنصره، فإن أنت أحببت الكافر وأعطيته قلبك ووقفت إلى جنبه تنصره على المؤمنين، فوالله ما أنت بالمؤمن، وهذه هي الحقيقة.ويبقى ما بيناه واضطرب على السامعين فنقول: أليس النبي صلى الله عليه وسلم قد عقد معاهدة بينه وبين المشركين لمدة عشر سنوات؟ ثم أليس المشركون أولئك هم كفار بمعنى الكلمة؟ إي والله، إذ ليسوا أهل كتاب، وإنما عبدة أصنام، وقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم تلك الشروط ونفذها، حتى ذاك الذي جاء هارباً إلى الرسول فرده عليهم، فهذه المعاهدة بين المسلمين والكافرين إذا كانت لصالح الإسلام والمسلمين فإنها تجوز، ولا يقول قائل: هذه مودة للكافرين!أيضاً صالح الرسول صلى الله عليه وسلم أهل فدك وأهل وادي القرى، وبالتالي فأيما دولة إسلامية تقيم دين الله واضطرت للظروف والأحوال قوة وضعفاً على أن تعقد مصالحة أو معاهدة بينها وبين دولة كافرة لتدفع خطرها عنها، فإن ذلك جائز قد أذن الله تعالى لها في ذلك؛ حماية للمؤمنين ودينهم وأحوالهم، ويجب أن نفي أيضاً بتلك المعاهدة، فلا نخون أبداً، وإذا فرضنا أن نعلن الحرب عليهم فنعلمهم بذلك. إذاً: فاليهود أو النصارى أو غيرهم من الأعداء إذا اضطر أهل إقليم إلى معاهدتهم دفعاً لشرهم وإبعاداً لخطرهم، فليس هناك مسلم يقول: لا يجوز ذلك! وقد عرف الإسلام ذلك، لكن ما فهموا، وأنا على هذا الكرسي من أربعين سنة أو ثلاث وأربعين سنة وأنا أقول: آه، لو عرف المسلمون وبخاصة العرب لتصالحوا مع اليهود صلحاً مؤقتاً حتى لا يتركوا إخوانهم شاردين هاربين في كل مكان يشحتون لهم، فإذا اضطررتم إلى قسمة تلك الأرض فاقسموا وارضوا بالقسمة؛ لأنكم مقهورون أذلاء في العالم، وبذلك تحفظون شرف إخوانكم وحالهم، والذي يسمع هذا الكلمة يكفر الشيخ! بل ويقول: أي علم هذا؟ أي فقه هذا؟ والله لو تم قبول ذلك القسم وربيَ المسلمون الفلسطينيون تربية ربانية إسلامية، وكانت دولة القرآن هناك لاستولوا على أوروبا لا على إسرائيل فقط.والشاهد عندنا: لما كانت حرب الخليج وهي مؤامرة مظلمة المراد منها أو الهدف منها والله العظيم إطفاء نور الله العظيم، وإنهاء كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقد نسج خيوطها ووضع أسلاكها جماعات الماسونيه والتنصير المسيحية، وأرادوا أن يطفئوا هذه الأنوار، ويمزقوا راية لا إله إلا الله محمداً رسول الله، ولولا أن الله عز وجل دفعهم لتحقق مرادهم والعياذ بالله، فقد مكثوا أربعة أيام وهم واقفون بمدافعهم وطائراتهم من الجنوب ومن الشرق والغرب والشمال، ولكن الله أبى، ثم جاءت قوات الكفر، لمَ؟ قلنا لهم: هتلر النازي لما علا وارتفع واحتل فرنسا في نصف شهر، وبسط يده على شرق أوروبا في أيام، تألب عليه الكفر كله من روسيا شرقاً إلى أمريكا غرباً، ثم إن هتلر ألماني، وألمانيا مخ أوروبا، فيحترمون الألماني كما يحترمون الصالحين، فما بالوا به ودخلوا دياره ومزقوها وقسموها وأنالوهم البلاء والشقاء، والجهاد العربي يتعنتر ويرفع صوته: الآن نملأ الأرض بالجثث، الآن نحرقهم، فزحفوا لأجل تأديبه، وقالوا: السعودية هي التي أتت بالكفار، وقلنا لهم: والله الذي لا إله غيره ليجوز للمؤمن أن يستعين بالكافر إن احتاج إلى ذلك، لا أنه يستعين به ليقتل المسلمين، بل ليدفع به الكافرين، ووقع المسلمون وخاصة طلبة العلم في ورطة عمياء بلا بصيرة ولا معرفة.فلهذا خلاصة القول: إذا اضطرت دولة إسلامية سواء السعودية أو سوريا أو المغرب أو أي دولة فلها أن تعقد معاهدة مع دولة أخرى لتدفع خطرها وشرها عنها، على شرط أن تكون المعاهدة على أساس معين، لا على أساس أن نعبد معهم الصليب، أو يعبدون معنا، وإنما فقط لدفع الخطر إذا لاحت لنا مقدماته، وهذه المعاهدات جائزة، بل واجبة إذا خفنا أن هذه الديار ستهلك وتؤكل، بل يجب أن نستعين بالكافرين في ذلك.ويبقى لا بد من معرفة الولاء والبراء، قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71]، فيمَ؟ في الحب والنصرة، أما أن نحب الكافرين بقلوبنا كما نحب أنفسنا وإخواننا فهذا يتنافى مع الإيمان، بل لا يوجد مؤمن حقيقي ويدخل حب كافرة أو عاهرة في نفسه، فقد يظاهر له الحب وما يقول: إني أبغضك، إذ ليس شرطاً، ولكن القلب موكول إلى الله عز وجل.وهنا لطيفة أخرى في سورة الأنفال وهي: أنه إذا كان بيننا وبين الكفار معاهدة، وإخواننا المسلمون حاربوا أولئك الكافرين، فلا يجوز لنا أن نقف إلى جنب إخواننا المسلمين، وذلك بحكم المعاهدة التي بيننا وبينهم، قال تعالى موضحاً ذلك: إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ [الأنفال:72]، فالإسلام إذا وثق موثقاً أو وثيقة ما يهزأ ويسخر بها، بل ولا يحلها. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:144]، فتتركون المؤمنين ولا توالونهم ولا تصاحبوهم ولا تستعينوا بهم، وإنما تتخذون الكافرين أولياء لكم فتفتحون قلوبكم لهم، فهذا لن يثبت معه إيمان حقيقي. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:144]، فتتركون المؤمنين ولا توالونهم وإنما توالون الكافرين، وهذا العمل ليس بسليم ولا بصحيح، ثم الآن ماذا نقول؟ أين المسلمون؟ ممزقون مشتتون مطاردون.ثم قال تعالى: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا [النساء:144]، أي: أتريدون أن تسلطوا الله عليكم بسلطان وحجة قوية وهي أن يسلط الكافرين عليكم، وما سلط الله الكافرين على المسلمين قروناً عديدة إلا لأنهم كما قال تعالى: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا [النساء:144]، أي: واضحاً بيناً بأن يسلط عليكم الكافرين، وقد فعل، فقد استعمرت بلاد العالم الإسلامي من اندونيسيا إلى موريتانيا، وما نجا منها شبر إلا هذه البقعة؛ لأن فيها بيت الله ورسول الله.هذا والله تعالى أسأل أن يفقهنا في ديننا، وأن يعلمنا منا ينفعنا، وأن يلهمنا أن نسأل أهل الذكر إن كنا لا نعلم؛ حتى لا نتورط في الضلال. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #564  
قديم 09-05-2021, 03:26 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 61,451
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة النساء - (72)
الحلقة (295)

تفسير سورة النساء (75)


إن موالاة الكافرين ونصرتهم على المؤمنين لهو علامة بارزة من علامات النفاق، وقد بين الله عز وجل ما أعده في الآخرة للمنافقين، حيث جعل منزلهم في الدرك الأسفل من النار، فمن تاب منهم وأناب واعتصم بحبل الله وأخلص دينه له ووالى عباده المؤمنين فإن الله يتوب عليه ويؤتيه من لدنه أجراً عظيماً؛ لأن الله عز وجل القاهر فوق عباده لا حاجة له بعذابهم إن آمنوا وشكروا، فهو سبحانه الشاكر العليم.
مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة النساء
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها ندرس إن شاء الله كتاب الله القرآن العظيم؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم لنا هذا الرجاء، إنك ولينا وولي المؤمنين.وما زلنا مع سورة النساء المدنية المباركة الميمونة، وها نحن مع هذه الآيات الأربع، والآية الأولى قد درسناها بإجمال في الليلة السالفة، وتلاوة الآيات الأربع بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا * إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا [النساء:144-147].هيا نكرر تلاوة الآيات ونتدبر؛ لأننا مأمورون بأن نفهم مراد الله من كلامه، بل لا بد وأن نحاول أن نفهم ما يريده الله منا، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا * إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا [النساء:144-147].
مناداة الله تعالى لعباده بعنوان الإيمان
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [النساء:144]، هذا نداء الله لنا معشر المؤمنين والمؤمنات! فالحمد لله، رب السموات والأرض، ورب العرش العظيم، ومن بيده كل شيء، ينادينا؟! الله أكبر، كيف فزنا بهذا الكمال حتى أصبحنا أهلاً لأن ينادينا الله؟! أما تذوقون المعنى الحقيقي لذلك؟ نضرب لكم مثلاً: لو أن الرئيس ناداك: أي فلان! فهل تفرح أم لا؟ أحسبك تنتفش ونغتر بذلك، فكيف بملك الملوك؟ برب السموات والأرض، ورب كل شيء؟! أما نفرح ونفتخر؟ فلبيك اللهم لبيك وسعديك، والخير بيديك، والشر ليس إليك.والذي شرفنا الله به حتى نادانا هو الإيمان بالله والتصديق الجازم بوجوده تعالى رباً وإلهاً، فلا رب غيره ولا إله سواه، كذلك والإيمان بأن محمداً رسول الله ونبي الله وخاتم الأنبياء، والإيمان بلقاء الله في الدار الآخرة، والإيمان بالملائكة والكتب وبكل ما أمرنا الله أن نؤمن به، ومن هنا جاء الشرف، ومن هنا جاء شرفنا وأصبحنا أهلاً لأن ينادينا رب العالمين؛ لأن الإيمان كما عرفتم صاحبه حي يسمع ويبصر ويعقل وينطق ويأخذ ويعطي.وأما الكافر فاقد الإيمان فهو في عداد الموتى، فهل تكلم ميتاً؟! قف على قبر وناد: يا عمر! يا عمر! افعل كذا، هل يسمع دعاءك؟ لا والله، ومن هنا تقرر عندنا يقيناً أن الإيمان بمثابة الروح، فمن آمن فهو حي، وأصبح أهلاً لأن يكلف بالأمر والنهي، ومن كفر فهو ميت، فهل تكلف ميتاً بأن يقوم فيتوضأ، أو أن تأمره بالصوم؟! لا والله، والدليل الشرعي العلمي المنطقي: أن أهل الذمة من أهل الكتاب تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله في دولة القرآن، لا يكلفون بصيام رمضان ولا بالصلاة، فإن قيل: كيف وهم مواطنون؟ قلنا: وإن كانوا مواطنين، فلا يكلفون بالصيام ولا بالصلاة، فإذا مر صاحب الهيئة، أي: الآمر بالمعروف وقال للذمي: صل! يقول له: أنا مسيحي، أنا يهودي، فهم أموات غير أحياء وما يشعرون، فهل عرفتم هذه الحقيقة أم لا؟كما أن هذا أيضاً يتوقف على كون الإيمان الذي حواه القلب هو الإيمان الصحيح الذي أراده الله تعالى من عباده وطالبهم به، لا مجرد إيمان مهزوز مدخول فيه الباطل، إذ صاحبه مريض يقوى على أن يقول مرة ويعجز مرة فلا يستطيع أن يقول، ويقدر على أن يفعل يوماً ويوماً آخر ما يستطيع، ولهذا يجب على المؤمنين أن يصححوا إيمانهم بالله تعالى.
الغرض من مناداة الله للمؤمنين
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [النساء:144]، من يجيب نداء الله؟ المؤمنون فقط، ولماذا ناداهم؟ قد تعلمنا وبينا للمؤمنين والمؤمنات: أن الله تعالى منزه عن اللهو واللعب، وأنه إذا نادى عباده فلا بد وأن ينادي لغرض سامٍ وشريف، وقد وجدنا بالتتبع أن نداءات الرحمن لأوليائه تسعون نداء، وتتبعناها فما وجدنا نداءً إلا ليأمرنا تعالى بما يعزنا ويسعدنا ويكملنا في الدارين، أو ينادينا لينهانا عما يشقينا ويذلنا ويخزينا في الدنيا والآخرة، أو نادانا ليبشرنا فتنشرح صدورنا وتطمئن نفوسنا ونثبت في مسيرتنا إلى دار السلام، أو ينادينا لينذرنا وليحذرنا من مواقف إذا لم نتنبه لها نسقط والعياذ بالله، أو يحذرنا من مواقف صاحبها لا ينجو إن وقع فيها، أو ينادينا ليعلمنا ما نحن في حاجة إلى معرفته. وقد جمعت هذه النداءات كلها ودرسناها هنا في بيت الله في ظرف ثلاثة أشهر أو يزيد، ووزع منها الآلاف، والآن وقف توزيعها؛ لأننا ما عملنا بما فيها، إذ لو انتفع بها المؤمنون لانتشرت في العالم الإسلامي بكامله؛ لأنها نداءات الله تعالى، أيناديك سيدك ولا تسمع؟! أيناديك سيدك ويطلب منك وتقول: لا؟ أأنت أقوى منه؟ أيناديك وينهاك وتقول: بل نفعل؟ مستحيل هذا لمن عرف سيده.كما قلنا: يجب أن يكون هذا الكتاب في بيت كل مسلم، بله يوجد في كل فنادق العالم، إذ اليهودي كالمسيحي كلاهما يعرف أن له رباً وإلهاً ينبغي أن يسمع منه، ويرى ما يطلب إليه وما يريده منه، والفنادق كلها كل سرير عنده كتاب مترجم بلغته العامة والخاصة، فهل فعل المسلمون هذا؟ والجواب: لا، لم؟ لأننا ميتون، وصدق الشاعر إذ يقول: لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي
حرمة اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [النساء:144]، ينهانا ربنا فيقول: لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:144]، والكافرون جمع كافر، والكافر هو الجاحد لوجود الله رباً وإلهاً، ولرسالة محمد صلى الله عليه وسلم للعالمين، وللقاء الله والبعث الآخر، ولدار النعيم أو دار الشقاء.الكافر هو الذي لا يعترف بوجود الله رباً وإلهاً، ولا بالقرآن كتاب الله الحاوي لشرعه وما يريده من عباده، والكافر برسوله وما جاء به، والكافر بالبعث الآخر والدار الآخرة، والكافر بملائكة الله، فهذا الكافر ميت لا يُنادى، وهذا الكافر الذي يحذر الله عباده المؤمنين من أن يتخذوه ولياً لهم من دون المؤمنين.وعلى سبيل المثال القريب: يوجد في قريتكم بعض المسيحيين أو اليهود أو الكفار، فهل يجوز لك أن تتخذ كافراً ولياً تحبه وتهاديه وتجلس معه وتكره المؤمنين وتبتعد عنهم؟! وهل هذا الفعل دل على إيمان أو على كفر؟ والله على كفر؛ لأن الكافر ميت، فهل تنتفع بالميت؟! الميت لا ينفعك، وأيضاً الكافر يبغضه ربك ويكرهه، وأنت تحب من يكره سيدك؟! أيعقل هذا؟ مولاك وسيدك يكره فلان وأنت تحبه؟ قد أعلنت الحرب على الله وخرجت عن طاعته، وشيء آخر: أن هذا الكافر وسخ، فماذا تستفيد منه؟ هو لا يذكر الله تعالى، ولا يصلي على نبيه، ولا يعرف حلالاً ولا حراماً، ولا أدباً ولا أخلاقاً، فكيف إذاً تواليه؟! قد تنصبغ بصبغته وتصبح مثله والعياذ بالله، ولكن الموالاة الكبرى هي أن يتخذ المؤمنون كفاراً يوالونهم ويحبونهم ويقاتلون معهم إخوانهم المؤمنين، وهذا قد حدث في ظروف أيام الأندلس، فقد انقسم المسلمون وتفرقوا وأخذوا يستعينون بالكافرين على إخوانهم المؤمنين! ومن ثم هبط العالم الإسلامي.
الوعيد الشديد لمن اتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين
قال تعالى: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [النساء:144]، فيا من يوالون الكافرين فيحبونهم وينصرونهم ويطلعونهم على أسرارهم، ويجلسونهم في ديارهم وبين إخوانهم، والمؤمنون بعيدون لا يحبونهم ولا يساعدونهم ولا ينصرونهم ولا يقفون إلى جنبهم، فهؤلاء يهددهم الرب تعالى بقوله: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا [النساء:144]، أي: سلطاناً واضحاً وحجة قوية؛ ليسلطهم عليكم أو ينزل بكم بلاءه وعذابه، فلا إله إلا الله إن هذا الاستفهام عجيب! أَتُرِيدُونَ [النساء:144]، يا من يوالون الكافرين ويعادون المؤمنين، يا من يحبون الكافرين ويكرهون المؤمنين، يا من يقفون إلى صفوف الكافرين ويخلون صفوف المؤمنين، يهددهم الرب تعالى فيقول: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا [النساء:144]، أي: حجة قاطعة بتعذيبكم وتدميركم وتسليط الكافرين عليكم، وقد فعل، أما حكمنا الشرق والغرب وأذلونا؟ من سلط بريطانيا على ممالك الهند فداستها برجليها؟ من سلط فرنسا على شمال إفريقيا فأذلوهم؟ حتى هولندا العجوز، ثلاثة عشر مليوناً من الكافرين يسودون مائة مليون من إندونيسيا. أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [النساء:144]، بأن يسلط عليكم الكافرين فيذلونكم، وما أنتم بالسامعين، بل ما زلتم مستمرين على موالاة الكافرين ومعاداة المؤمنين، فهذا القرآن كلام الله لا زلتم تقرءونه على الموتى! فهل ينفع ذلك؟! اجلس على القبر واقرأ له شيئاً من القرآن هل يستمع أو ينتفع؟! ومرة أخرى أقول: الموالاة هي أنك تحب الكافر وتنصره على أخيك المؤمن، فتحبه بقلبك والله يكرهه، وأولياء الله يكرهونه وأنت تحبه لمنفعة مادية أو وسخ دنيوي، ثم تنصره على إخوانك المؤمنين! فإذا أنت استجبت لله وتركت وقلت: آمنا بالله، انتهينا، نجوت وفزت، وإن أصررت فالله عز وجل سيسلط ذلك الكافر وأهله عليك.

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #565  
قديم 09-05-2021, 03:27 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 61,451
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

تفسير قوله تعالى: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ...)
قال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء:145]. إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:145]، وفي قراءة سبعية أيضاً: (في الدَرَك الأسفل) بالفتح.والمنافق هو من يبطن الكفر ويخفيه من التكذيب لله ولرسوله، وإنكار كتابه ولقائه، ويظهر الإيمان والإسلام، فيصلي ويتصدق ليحفظ دمه وماله بيننا، ما صدَّق بأن محمداً رسول الله، ما آمن بأن الله لا إله إلا هو ولا رب سواه، ولكن للضرورة مادام أنه يعيش بين المؤمنين وتحت رايتهم فلابد وأن يصلي وأن يصوم وأن يجاهد معهم، فهذا هو المنافق.وقد وضع لنا النبي صلى الله عليه وسلم ضوابط وعلامات لنعرف المنافق من المؤمن، فأولاً: إذا جربت المرء ووجدته كلما حدثك كذب عليك، مرة أولى وثانية وثالثة، بل طول العام، كلما أخبرك بشيء يكذب عليك؛ لأنه يريد عناءك وتعبك ومشقتك، فهذا منافق، وثانياً: كلما تعده ويعدك، كأن تلتقي به في مكان كذا، فيخلفك ولا يأتي؛ لأنه يريد أن يؤذيك، أو تعده أن تلتقي به في الساعة الواحدة ليلاً فلا يأتي، إذ هو نائم مع زوجته ويضحك ويقول: دع ذلك الكلب يقف في البرد! ويتلذذ بذلك، وكل ذلك لأجل النكاية بك وتعذيبك لأنه يكرهك، فهذا والله منافق أيضاً، إذ المؤمن لا يقوى على هذا، وثالثاً: إذا ائتمنته على شيء فقد يخونك، كأن تسافر وتأمنه على دكان، فترجع من سفرك فيقول لك: قد خسرنا، ما استفدنا شيئاً، وهو في الحقيقة تلذذ بالمال وأخذه، أو أمنته على بستان فخانك فيه، أو أمنته على زوجتك عند سفرك، وعند عودتك أخبرتك زوجتك أنه اعتدى عليها وأراد أن يؤذيها؛ لأنه يتلذذ بذلك، فهو يريد أن يؤذي المؤمنين، وهذا والله لمنافق، فهل فهمتم هذه التعاليم وهذه الضوابط التي جاء بها أُستاذ الحكمة ومعلمها: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [البقرة:129].وهكذا آية المنافق الدالة عليه، والكاشفة عنه، والمعرفة به، ثلاث: ( إذا حدث كذب )، لماذا يكذب؟ لأنه يتلذذ بالكذب عليك؛ لأنك مؤمن وهو يكرهك ويبغضك، وهو يوالي الكافرين ويتصل بهم من أجل تدميرك وتخريبك، وهذه هي طبيعته، سواء كان عربياً أو عجمياً، ( وإذا واعد أخلف )، ما هي مرة في العام أو مرة في الشهر، وإنما هذا دأبه ومهمته، ( وإذا اؤتمن )، حتى على سر من الأسرار، أو كلمة تقول له: لا يسمعها أحد، فيفشيها ويتلذذ بها.وأما الذين يقولون: إن النفاق عملي وعقائدي فلا قيمة لهذا، إذ الرسول ما قسم هذا التقسيم، وإنما فقط نقول: إذا كان المؤمن مضطراً إلى أن يكذب مرة في العام، أو في عشر سنوات، فجائز ذلك، إذ ليس هو بمعصوم، ثم يستغفر ويندم، أيضاً جائز أن يعدك ويعجز أن يوفي، وهذا قد يحدث مرة في العام أو في العمر كله، ثم يتوب إلى الله ويستغفر، كذلك إذا ائتمنته فمن الجائز أن تغره الدنيا ويأخذ الفلوس التي وضعتها عنده، ويقول لك: ما عندي لك شيء، فهذا قد يحدث مرة أو مرتين في حياته، أما أنه يتعمد هذا طول حياته والله ما هو بمؤمن، وإنما هو منافق والعياذ بالله، فهل فهمتم هذه الحقيقة أم لا؟ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:145]، والنار هي عالم الشقاوة والخسران، وهل في هذا العالم دركات واحدة تحت وحدة؟ إي نعم، فكما أن الجنة درجات فوقية، وما بين الدرجة والدرجة كما بين الشمس والقمر، وبين الأرض والسماء، فكذلك النار دركات سفلية، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار.قال القرطبي في تفسيره: الدرَك -بالإسكان والفتح- بالفتح قراءة نافع، وبالإسكان قراءة حفص، والنار سبع دركات، دركة تحت دركة، كدرجة تحت درجة في العلو، يقال فيما تعالى وارتفع: درجة -تحليل لغوي- وفيما هبط ونزل: دركة، والدركات هي كالتالي: جنهم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية.فأولاً: جهنم، والثانية: لظى، قال تعالى في سورة المعارج: كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى [المعارج:15-16]، ثم الحطمة، قال تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ [الهمزة:5]، وهذه تحطم، ثم السعير، قال تعالى: لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ [الملك:5]، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية: فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ [القارعة:9].وورد أن ثلاثة في الدرك الأسفل وهم: الأول: المنافقون، والثاني: الذين طالبوا عيسى بأن ينزل الله تعالى عليهم مائدة من السماء، تكون عيداً لهم، ثم بعد ذلك كفروا بعيسى، وحاربوا دين الله، فهؤلاء يعذبهم الله عذاباً لا يعذب أحداً مثله، قال تعالى: قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة:115] ، والثالث: آل فرعون؛ لقول الله تعالى: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]، أي: أقساه، وتعرفون أن فرعون ذبح وصلب الكثير من الناس، بل قال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، وهذه ما قالها حتى زعيم موسكو الشيوعية، وقال مرة: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]، ولهذا من وافقه وسار في ركابه فهم معه في أشد العذاب. إذاً: عرفنا أن لجهنم سبع دركات، والجنة ما عرفنا، إلا أننا قد عرفنا أن لها ثمانية أبواب، قال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء:145]، فمستحيل أبداً أن تجد من ينصرهم عند الله تعالى.
تفسير قوله تعالى: (إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله...)
قال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:146].ثم قال تعالى وهو الرحمن الرحيم: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا [النساء:146]، نافقوا عاماً أو عامين أو عشرة، ثم رجعوا إلى الحق، فآمنوا بالله ولقائه ورسوله وكتابه، وأصلحوا ما أفسدوه، واعتصموا بالله، ونفضوا أيديهم من الكفار، وبعدوا عنهم، وأخلصوا دينهم لله، ولم يلتفتوا فيه إلى غير الله، فهؤلاء ماذا؟ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:146]، الذين ما نافقوا، ولكن إذا أدوا هذه المطلوبات فهم مع المؤمنين، تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ [النساء:146]، جميعاً، وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:146].والمؤمنون ماذا لهم حتى يكونوا معهم؟ قال تعالى: وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:146]، كم ملياراً؟ كم من دولاراً؟ إنه أجر عظيم، ألا الجنة دار السلام، لا الأجر بالإبل ولا بالدينار وبالدرهم، وإنما وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:146]، والعظيم إذا استعظم الشيء كيف يكون؟ اللهم اجعلنا منهم.
تفسير قوله تعالى: (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ...)
قال تعالى: مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا [النساء:147]. مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ [النساء:147]، هل الله في حاجة إلى عبادتكم وصلاتكم؟! هل الله في حاجة إلى ذكركم وشكركم؟! لا والله.إذاً: مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ [النساء:147]، هل الله محتاج إلى أن يعذبكم؟ هل إذا ما عذبكم يسقط عرشه؟! سبحان الله! مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ [النساء:147]، أي: شكرتم الله بذكره وطاعته، وآمنتم به وبلقائه. مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا [النساء:147]، وإليكم مثال الشكر من الله: بغي زانية في بني إسرائيل مرت بكلب عطشان يأكل الثرى من شدة العطش، فأخذت موقها الذي في رجلها، ودلته في بئر واستخرجت به الماء وسقت الكلب الظمآن، فشكر الله لها وغفر لها، ولذا فما من مؤمن ولا مؤمنة يعمل شيئاً لله ومن أجل الله، إلا شكر الله له ذلك، وأعطاه ورفعه أو كفر سيئاته وغفر ذنوبه؛ لأنه غني كريم، وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا [النساء:147].واسمعوا إلى الآيات مرة أخرى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا * إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ [النساء:144-147]، لا شيء، وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا [النساء:147]، فإذا شكرت اطمئن إلى أن الله قد علم شكرك وسيجزيك به أعظم الجزاء.
قراءة في كتاب أيسر التفاسير
الآن نقرأ الآيات من الشرح لتزدادوا معرفة.
معنى الآيات
قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم: [ ما زال السياق في إرشاد الله تعالى المؤمنين إلى ما يعزهم ويكملهم ويسعدهم، ففي هذه الآية الأولى: يناديهم تعالى بعنوان الإيمان، وهو الروح الذي به الحياة، وينهاهم عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فيقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:144]، ومعنى اتخاذهم أولياء: موادتهم ومناصرتهم والثقة فيهم والركون إليهم والتعاون معهم، ولما كان الأمر ذا خطورة كاملة عليهم هددهم تعالى بقوله: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [النساء:144]، فيتخلى عنكم، ويسلط عليكم أعداءه الكافرين فيستأصلوكم، أو يقهروكم ويستذلوكم ويتحكموا فيكم ] وقد فعل.قال: [ ثم حذرهم من النفاق أن يتسرب إلى قلوبهم فأسمعهم حكمه العادل في المنافقين الذين هم رءوس الفتنة بينهم فقال: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:145]، فأسفل طبقة في جهنم هي مأوى المنافقين يوم القيامة، ولن يوجد لهم وليٌ ولا نصير أبداً.ثم رحمة بعباده تبارك وتعالى يفتح باب التوبة للمنافقين على مصراعيه، ويقوله لهم: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا [النساء:146] أي: إلى ربهم فآمنوا به وبرسوله حق الإيمان، وَأَصْلَحُوا [النساء:146]، أعمالهم، وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ [النساء:146]، ونفضوا أيديهم من أيدي الكافرين، وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ [النساء:146]، فلم يبقوا يراءون أحداً بأعمالهم، فأولئك الذين ارتفعوا إلى هذا المستوى من الكمال هم مع المؤمنين جزاؤهم واحد، وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:146]، وهو كرامة الدنيا وسعادة الآخرة.وأخيراً في الآية: بعد ذلك يقرر تعالى غناه المطلق عن خلقه وتنزهه عن الرغبة في حب الانتقام، فإن عبده مهما جنى وأساء وكفر وظلم، إذا تاب وأصلح فآمن وشكر، لا يعذبه أدنى عذاب، إذ لا حاجة به إلى تعذيب عباده، فقال عز وجل وهو يخاطب عباده: مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا [النساء:147]، لا يضيع المعروف عنده، لقد شكر لبغي سقيها كلباً عطشان، فغفر لها وأدخلها الجنة ].هكذا يدرس القرآن أو يقرأ على الموتى؟ أسألكم بالله: لو أن أهل كل قرية في العالم الإسلامي، وأهل كل حي يجتمعون على كتاب ربهم، وذلك كل ليلة طول العام، هل يبقى فيهم جاهل أو جاهلة؟ لا والله، وإذا انتفى الجهل هل يبقى فاسق أو فاسقة، ظالم أو ظالمة، بخيل أو بخيلة؟ والله ما يبقى، إذ إن هذه سنة الله تعالى، وإذا طهروا وكملوا يسودهم الغرب أو الشرق؟! والله ما كان ولن يكون، لكن العدو عرف أن هذا القرآن هو الحياة فقال: أعطوه للأموات، فمن إندونيسيا إلى موريتانيا إذا سمعت من يقرأ القرآن في البيت فاعلم أن هناك ميتاً، فكيف يقرءون على الموتى؟! مجانين؟ وهل الميت يقوم فيتوضأ ويصلي؟ أو هل الميت يمد يده إلى جيبه ليساعدك؟ إذاً كيف تقرأ القرآن على الميت؟ آه، إنه مكر العدو بهم، ثم هل رأيتم جماعة يجلسون فيدرسون آية من آيات الله تعالى؟ ما رأينا.
هداية الآيات
قال: [ من هداية الآيات ] وانظر ماذا يُستخرج من هذه الهدايات من أنوار؟ قال [ أولاً: حرمة اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين ]، وقد دلت عليه الآية دلالة قطعية، فلا يحل لمؤمن أن يتخذ الكافرين أولياء ويترك المؤمنين.قال: [ ثانياً: إذا عصى المؤمنون ربهم فاتخذوا الكافرين أولياء سلط الله عليهم أعداءهم فساموهم الخسف ] وأذاقوهم مر العذاب، وقد حصل ذلك.قال: [ ثالثاً: التوبة تجب ما قبلها -أي: تقطعه- حتى إن التائب من ذنبه كمن لا ذنب له -سواء- ومهما كان الذنب ]، حتى ولو كان كفراً ونفاقاً.قال: [ رابعاً: لا يعذب الله تعالى المؤمن الشاكر لا في الدنيا ولا في الآخرة، فالإيمان والشكر أمان للإنسان ]، والكفر وعدم الشكر سبب في البلاء والشقاء للإنسان.وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 166.38 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 162.67 كيلو بايت... تم توفير 3.72 كيلو بايت...بمعدل (2.24%)]