استشعار المسؤولية في القرآن الكريم - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         قراءة فى محاضرة خطابات من وراء الغيب (اخر مشاركة : رضا البطاوى - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3835 - عددالزوار : 628041 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3321 - عددالزوار : 280302 )           »          حديث: لي الواجد يحل عرضه وعقوبته (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          من فضل الأذان: المؤذن يغفر له مدى صوته (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          إشكال حول قول علي رضي الله عنه: ((لو كان الدين بالرأي..)) ودفعه (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          حديث: من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من غيره (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          حديث: ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          فضل كفالة اليتيم والنفقة عليه (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          تخريج حديث: دخلت على أم سلمة فأخرجت إلينا شعرا من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 25-11-2022, 12:21 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 97,488
الدولة : Egypt
افتراضي استشعار المسؤولية في القرآن الكريم

استشعار المسؤولية في القرآن الكريم












حسن الخطاف






"من تحقيقِ المناط إلى ارتفاعِه"

-1-

خلق الله تعالى الإنسان وكرَّمه، فجعله مسؤولًا أمام الله تعالى وأمام نفسه وغيره، وهو تكريم يفضي إلى استقرار الحياة والعيش فيها وَفق المنهج الذي أراده ربُنا سبحانه وتعالى، وغرض هذا البحث بيانُ ما تضمنه القرآن الكريم من مبادئ ومقاصد لا ينفك عنها الإنسان من حيث الفكر والروح والقِيَم والتعايش والعمل وعلاقته بالكون، ومنها مبدأ "استشعار المسؤولية من تحقيق المناط إلى ارتفاعه"، وأساس هذه المسؤولية التكريم الإلهي للإنسان إذ جعله مسؤولًا وأناط تلك المسؤولية بموطن التكريم الإلهي وهو "العقل"، فلا مسؤولية على من لا عقل له، وحيثما ارتفعت المسؤولية الأخلاقية والجنائية فليس للتكريم معنى يُنَاطُ به، وللمسؤولية في القرآن أبعاد شخصية وغيرية يكتمل بها تأسيس هذه القضية التشريعية، ثم ما على الفقهاء سوى استنباطِ جزئياتٍ متممة لها على هدي السنة النبوية ومقاصد الشريعة.

مصطلحات الدراسة:

الاستشعار: المقصود بالاستشعار أنّ القرآن الكريم أودعَ في الإنسان حتميَّة الإحساس بالمسؤولية والقيام بها بصفتها أساسًا لصلاح الدنيا.

المسؤولية: مدلولها معلوم، وكلُّ واحد يقوم بها، وهي تحمُّل الشخص ما التزم به طوعًا أو أُلزم به كرهًا.

تحقيق المناط وارتفاعه: أسَّس القرآن لقضية المسؤولية بربطها بالأخلاق والعقل والحرية والتكريم وبَعثة الرسل، فمن قامت به هذه المعاني ثبتت مسؤوليته، وهو المراد بتحقيق مناط المسؤولية، لكن يمكن أنْ ترتفع هذه المسؤولية أخلاقيًّا وجنائيًّا بفقد العقل، وهذا ما نعنيه بارتفاع المناط.

إذًا في كلِّ مسؤوليةٍ تكليفٌ ومشقة، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنفقة والنصح والإرشاد وقول الحق، فما لا مشقة فيه لا يندرج في مفهوم المسؤولية، وهي إمَّا التزامٌ أو إلزامٌ، ومنها أن يلتزم الإنسان بشيء متطوِّعًا به، وليس المقصود بالتطوع أنَّه لا يأخذ أجرًا، ومن هذا القبيل كلُّ من يرشح نفسه للقيام بالمسؤوليات العامة كرئاسة دولة أو حزب أو وظيفة قضائية أو تدريسية...، ولعل في قول الله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام دليلًا على هذا: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف:55] ومثله قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام: {قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل: 38-40] عرَض سليمانُ عليه السلام أمرًا فاستجاب له اثنان: عفريت من الجنِّ وشخص عنده علم من الكتاب، وهي استجابة تطوعية، والأصل في تحُّمل المسؤولية أنها تطوَّعية أي أن الإنسان في خِيَرةٍ من أمره بأن يفعل أو لا يفعل، واتصافه بهذه الإرادة شرط لتحمُّل المسؤولية؛ وقد يكون تحُّمل المسؤولية إلزامًا عن طريق قوَّة ملزِمة لتحمُّل المسؤولية كالنفقة على الزوجة والصغار وردِّ الدَّين والعارية.

المبحث الأول

شروط تحمُّل المسؤولية في القرآن الكريم

الناظر في القرآن الكريم وفي الطبيعة التكوينية للإنسان يجد أن الشرط الوحيد لذلك هو الإرادة والقدرة، فالإرادة معنًى قائم بالنفس يوجهه نحو القيام بالفعل، والقدرة تنفِّذ ما كُلِّفَ به وتتنوَّع بحسبه؛ فقد تكون مالية أو عقلية أو بدنية، ولا أحدَ يَصْدُق عليه لفظ مسؤول بهذا المعنى إلا الإنس والجن، فالملائكة ليست مسؤولة لأنها مسيرة في أداء ما كُلِّفت به، فهي مجبولة على الطاعة، أما الحيوان ونحوه فمن باب أولى أنَّه لا يكون مسؤولًا لأنه لا عقل له ولا اختيار، فإن فُقد العقل انتفت الإرادة والقدرة وارتفعت عن الإنسان المسؤولية بجميع درجاتها ابتداء بالمسؤولية العليا وهي الإيمان وانتهاء بالمسؤولية الدُّنيا وهي مسؤوليته عمَّن حوله، وهو معنى قول الفقهاء (إذا أَخَذَ الله ما قَدْ وهَب أَسْقَطَ ما قَدْ وَجَب).

إن اشتراط الإرادة والعقل للقيام بالمسؤولية مبثوث في ثنايا القرآن الكريم تصريحًا وتلميحًا، وأساس ذلك حمل الأمانة في قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72]، وهذا التَّحمل اختياري، فالعرض: تقديم شيء لشخصٍ ليختاره أو يرفضه، ومنه عرضُ الناقة على الحوض -أي عرضُها عليه لتشرب منه- وعرضُ المجندين على القائد لقبول من يصلح منهم، وفي حديث ابن عمر: ((عُرضت على رسول الله وأنا ابن أربع عشرة فردَّني، وعرضت عليه وأنا ابن خمس عشرة فأجازني))(1).

وحيثما ثبتت المسؤولية دلَّت على وجود الإرادة والقدرة، وبارتفاعهما ترتفع، ففي الإكراه تنتفي المسؤولية، قال تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106] وفي الخطأ أو النسيان تنتفي المسؤولية الأخروية، قال تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286] أما المسؤولية الدنيوية فهي باقية لأنها من متعلَّقات الحكم الوضعي وليس من شرطه التكليف، وأما حديث المتكلمين عن جواز تكليف الله تعالى عبادَه بما لا يُطاق فهو في الجواز العقلي لا الشرعي؛ فليست له تطبيقات واقعية، وكلُّ ما أمر الله به أو نهى عنه مقدورٌ للإنسان، قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء:28] وقال سبحانه {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة:6].

ومن أبرز مسائل المسؤولية في القرآن الكريم أنَّ طابعها شخصي، فمن ارتكب جرما يتحمله هو ولا يتحمله غيره عنه في الدارين أيًّا كانت درجة القرابة، قال تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام:164]، وقال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:88 و89] {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 34-37] وهو إنما يفر منهم خوفًا على نفسه من العذاب المنتظر ومن هول الأحداث يومئذٍ، وهذا يدلُّ أنه لا أحد يحمل عن أحد مسؤولياته وتبعاتها، وهذه المسؤولية لا نظير لها ولا بديل، ومن هنا يتبيَّن خطأ عقيدة النصارى في "قضية الصلب" التي تأتي تكفيرًا عن ذنبٍ لم يفعله عيسى عليه السلام.

نعم قد تكون المسؤولية غيْرية من وجهٍ شخصيةٍ من وجه، فالإنسان يُسأل عن أعمال غيره عندما يفتن غيرَه أو يُضلُّه مثلًا، قال تعالى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} [النحل:25]، ومن ذلك أنْ يسُنَّ سنة سيئة، قال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ))(2).



(1) محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسية – تونس، 1984 هـ، 22/ 125، والحديث رواه الترمذي في سننه وقال: "هذا حديث حسن صحيح". الجامع، كتاب أبواب النكاح، باب ما جاء في حد بلوغ الرجل والمرأة، رقم: 1361، ورواه ابن حبِّان في صحيحه، 11/ 29، ترتيب: علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، تح: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1408 هـ - 1988 م.

(2) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة، رقم: 1017، تح: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.









__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 25-11-2022, 12:24 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 97,488
الدولة : Egypt
افتراضي رد: استشعار المسؤولية في القرآن الكريم

استشعار المسؤولية في القرآن الكريم (2)


حسن الخطاف



"من تحقيقِ المناط إلى ارتفاعِه"

المبحث الثاني

الأسُس النظرية للمسؤولية

1- المسؤولية والأخلاق:

الأخلاق هي أفعال اختيارية تصدر عن الْمُكلَّف ويُناط بها المدح أو الذم، وبذلك ندرك علاقة الأخلاق بالمسؤولية نظريًّا من ثلاثة أوجه:

الأول: ثبوت الاختيار للإنسان، وهذا وصف مشترك بين المسؤولية والفعل الأخلاقي، فما يصدر عن الْمُكرَه لا يتحمل الشخصُ مسؤوليَّته ولا يُعدُّ مذمومًا عليه أخلاقيًّا.

الثاني: التَّكليف وهو شرط تحمُّلِ المسؤولية ويندرج تحت القدرة، وهو شرطٌ أيضًا لتحمل مسؤولية الفعل الأخلاقيِّ، فإذا انتفى التَّكليفُ لعارضٍ من عوارضه كالجنون والصِّغر انتفت المسؤولية وانتفَى الفعلُ الأخلاقيُّ.

الثالث: المدحُ على الفعلِ والذمُّ على الترك، وهما ملازمان للفعل الأخلاقي، فقول الصدق وأداء الحقوق وترك القبائح مسؤولية وهو في الوقت نفسِه فعل أخلاقي يُمدَح فاعله، والقتل ظلمًا وإهدار الحقوق يُذم مرتكبه لأنَّه أخلَّ بالمسؤولية، وهو فعل غير أخلاقي أيضًا؛ لذا لا تدخل المباحات كالنوم والشرب في مسمَّى المسؤولية ولا في الفعل الأخلاقي إلا إذا تجاوزت المباحات حدودها وأثَّرت في غيرها، عندئذٍ تثبت المسؤولية ويُوصف الفعل بأنه غير أخلاقي، ومنه السهر والإفراط في النوم المؤديان إلى التفريط بالحقوق من صلاة أو وظيفةٍ ونحوهما.

وعمليًّا ثمَّة ارتباط بين المسؤولية والفعل الأخلاقي، والآيات في هذا من الكثرة بمكان، من ذلك قول الله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء:36].

2- المسؤولية والتكريم الإلهي:

الإنسانُ الْمُكرَّم هو الإنسان المسؤول، وأساس ذلك العقل قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء:70] يقول الشيخ ابن عاشور: (فَأَمَّا التَّكْرِيمِ فَهِيَ مَزِيَّةٌ خَصَّ بِهَا اللَّهُ بَنِي آدَمَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ الْأَرْضِيَّةِ...، وَالتَّكْرِيمُ: جَعْلُهُ كَرِيمًا، أَيْ نَفِيسًا غَيْرَ مَبْذُولٍ وَلَا ذَلِيلٍ فِي صُورَتِهِ وَلَا فِي حَرَكَةِ مَشْيِهِ وَفِي بَشَرَتِهِ، فَإِنَّ جَمِيعَ الْحَيَوَانِ لَا يَعْرِفُ النَّظَافَةَ وَلَا اللِّبَاسَ وَلَا تَرْفِيهَ الْمَضْجَعِ وَالْمَأْكَلِ وَلَا حُسْنَ كَيْفِيَّةِ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَلَا الِاسْتِعْدَادَ لِمَا يَنْفَعُهُ وَدَفْعَ مَا يَضُرُّهُ، وَلَا شُعُورَهُ بِمَا فِي ذَاتِهِ وَعَقْلِهِ مِنَ الْمَحَاسِنِ فَيَسْتَزِيد مِنْهَا وَالْقَبَائِحِ فَيَسْتُرهَا وَيَدْفَعهَا).

3. المسؤولية والجزاء بين النية وفعل الجوارح:

الجزاءُ الإلهيُّ في الدنيا والآخرة سواء أكان تكريمًا أم تعذيبًا، والجزاء الدنيوي العادل في الدنيا سواء أكان عقوبة أم تكريمًا؛ كلاهما مرتبط بأداء المسؤوليات، فمن قام بمسؤولياته حق القيام استحق الثواب، ومن أخلَّ بالمسؤولية استحق العقاب، ويربط القرآن الكريم أداء المسؤولية بفعل الجوارح والنية، فحُسْن النية مثلا ومحبة الخير للمسلمين جزء من المسؤولية، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور:19] ولكن القيام بالفعل وحده دون طلب الثواب من الله تعالى يُسقط المسؤولية وإن كان المكلف مقصِّرًا لتفريطه بالثواب، فلو ترك الإنسان القتل والزنا وشهادة الزور مثلًا خوفًا من الناس لا يُثاب على هذا الترك وإن امتثلَ لمقتضى المسؤولية؛ ذلك أنَّ المقصود بتحمُّل المسؤولية هو الجانب الدنيوي الذي يعود نفعه إلى الغير، أما النية في مثل هذه الأحوال فيعود نفعها إلى الفاعل، ومن ذلك الإنفاق على الزوجة، فالمقصود هو كفاية من يعوله المكلَّف أما نيِّة الامتثال لأمر الله فهي للحصول على الأجر.

وبين المسؤولية والجزاء تلازم، فالتفريط بالمسؤولية يترتب عليه جزاء، وقد بيَّنت قواعد الشريعة أن العفو عن العقوبة الأخروية عند الإخلال بالمسؤولية إنما يكون في حقوق لله تعالى، وقد تسقط العقوبة الدنيوية أيضًا ما لم تكن حدًّا بلغَ القاضيَ خبره، أما حقوق الناس فإسقاط عقوباتها الدنيوية والأخروية مرهون بعفو أصحابها في الدَّارين، فمن مسؤوليات الشخص أن لا يقتل ولا يغتصب ولا يظلم، ومن فعل أخلَّ بمسؤوليته، فإسقاط الله لعقوبة هذه الجرائم رهنٌ بإسقاط أصحابها لها، وهذا المبدأ يُمثِّل أعظم حقٍّ إنساني متعارف عليه اليوم؛ فليس للرئيس أو الخليفة إسقاط عقوبة يتعلق بها حق لآدمي شرعًا.

4- المسؤولية والتكليف:

مصدر المسؤوليات عند أهل السنة هو الوحي، فما حسَّنه الشرع فهو حسن وما استقبحه فهو قبيح، وهذا هو مقتضَى التكليف، فالعقل مناطه وبعثة الرسل شرطه، قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15] خلافًا للمعتزلة الذين يرون العقل مُحسِّنًا ومُقبحًا، وتتسع دائرة الشرع في ضبط المسؤوليات لتشمل أغلب شؤون الحياة، ولا ننسَ أن مسؤوليات العرف مسؤوليات شرعية؛ فالعرف مصدر من مصادر التشريع.


5- المسؤولية والحكمة الإلهية:

التزام الناس بمسؤوليات شخصية وغيرية هو غاية الحكمة من الخلق وإلا صار خلق الناس عبثًا، وهو محال على الله، فالإنسان لم يُخلق سُدًى ولا عبثا بلا مسؤولية، يقول سبحانه وتعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة:36] {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون:115].


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26-11-2022, 11:34 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 97,488
الدولة : Egypt
افتراضي رد: استشعار المسؤولية في القرآن الكريم

استشعار المسؤولية في القرآن الكريم (3)


حسن الخطاف

"من تحقيقِ المناط إلى ارتفاعِه"



المبحث الثالث

مستويات المسؤولية الفردية والمجتمعية

أولا- توزُّع المسؤولية:

1.مسؤولية تجاه النفس: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم:6]، وقال صلى الله عليه وسلم لابن عمرو: ((يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟))، فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((فَلاَ تَفْعَلْ صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ؛ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا))(1).

2.مسؤولية تجاه الغير: وفي الآية السابقة دلالة على هذا، وهذا الغير له مراتب عدة أهمُّها: المسؤولية تجاه الوالدين والأولاد والجيران وولاة الأمور، والمسؤولية تجاه غير المسلم وتجاه البيئة والحيوان، علمًا أن المسؤولية تجاه غير المسلمين تكون على حسب الحال، قال تعالى: {ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125].

ثانيا- مستويات المسؤولية المجتمعية:

أ*- المسؤولية العلمية والفكرية، وتكون بنشر العلم والثقافة ومقاومة الخرافة والكهانة والأساطير وترك التَّقول على الله بغير علم، قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر:9] {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:111].

ب- المسؤولية الحياتية المعيشية كصلة الأرحام ودفع الزكاة والصدقات.

ج- المسؤولية بإقرار العدل وعدم التظالم، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل:90].

د- المسؤولية بزرع القيم الأخلاقية وحمايتها، وتكون بزرع القيم ورعايتها كالإحسان والأمر بالمعروف والنهي عن الفحشاء والمنكر، قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:110و111] وقال سبحانه: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال:25].

وحسبنا هنا الحديث عن نوعين تمس الحاجة إليهما في بلدنا الحبيب: المسؤولية الجدلية بين الزوجين، والمسؤولية الجدلية بين ولاة الأمور والعلماء.

---------------------------




(1) صحيح البخاري، كتاب الصيام، باب حق الجسم في الصوم، رقم: 1975، تح: محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر: دار طوق النجاة، ط1، 1422هـ.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 26-11-2022, 11:41 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 97,488
الدولة : Egypt
افتراضي رد: استشعار المسؤولية في القرآن الكريم

استشعار المسؤولية في القرآن الكريم (4)


حسن الخطاف



"من تحقيقِ المناط إلى ارتفاعِه"

المبحث الرابع

المسؤولية الجدلية بين الزوجين


أولًا: المسؤولية الجدلية بين الزوجين

تُعدُّ هذه المسؤولية المشتركة بين الزوجين ركنًا مهمًّا في بناء المجتمع، فقيامها على أسس صحيحة ومراعاة كلٍّ من الزوجين لها يشكِّل لبنة في صلاح الأولاد وعلاقتهم ببعضٍ وفي علاقة الأولاد بالآباء؛ فالزوجان أبوان وصلاح ما بينهما يؤثِّر على سلوك الأولاد، وفساد علاقتهما يؤدي إلى تشتُّت الأسرة بل يؤثر على المجتمع لأنَّ خلاف الزوجين يؤثر على عائلة كُلٍّ منهما.

لقد تأثَّرت العلاقات الاجتماعية تأثُّرا كبيرًا على كلِّ المستويات في نير الإجرام الذي يرتكبه نظام بشار وزبانيته، وطال هذا التأثير العلاقة بين الزوجين سواء أكان ذلك في المناطق الخاضعة للنظام أو غيرها في سورية أو خارجها، ومن أسباب تأثُّر هذه العلاقة الاغتراب والنزوح خارج المحيط الذي كان يعيش فيه الزوجان، فكثير من حالات الطلاق قد وقعت، والأكثر منها بقاء العلاقة شبه معلقة بين الزوجين، فيبقى الرجل متعنِّتًا لا يطلِّق سواء كان هو المتسبب أم الزوجة، ولهذا الشرخ أسباب كثيرة منها:

1. غياب الرقابة الدينية، وعدم شعور الطرفين بالمسؤولية وترك الامتثال لها.

2. الاطِّلاع على مجتمع جديد وخاصَّةً في المهجر، فرأت بعض النساء مثيلاتها يفعلن متى أردْن كلَّ ما يُردن.

3. شعور بعض النساء بالاستغناء عن نفقة الزوج، فكثير من قوانين بلدان المهجر وخاصة أوربَّا تكفل لها ولأولادها حقَّ العيش.

4. فسق بعض الأزواج نتيجة الهجرة ورؤية مجتمع جديد، فلم يَعُدِ الزواج عند بعضهم هو الطريق الوحيد للعلاقة بين الرجل والمرأة.

وهذا يقتضي استشعار كلٍّ من الزوجين واجب المسؤولية وصبرَ كُلٍّ منهما على الآخر حمايةً للأسرة من التفكُّك وحفاظًا على الودِّ الذي كان بينهما؛ كلُّ ذلك ما لم يكن هناك خروج على شرع الله تعالى، هذا ويُلحظ في النصوص القرآنية التي تضبط المسؤولية بين الزوجين أنها على شكلين:

الأول: نصوص تفصيلية، من ذلك قضية الطلاق وعَدده والعِدَّة وكيفيتها. الثاني: عامَّة، فقد اتَّجهت نصوص القرآن إلى ضبط العلاقة بين الزوجين بالمعروف، والضبط بالمعروف هو ضبط عام تتجه فيه النصوص إلى ضرورة مراقبتهما لله تعالى وعدم اللجوء إلى القضاء إلا في حالة ضيقة؛ فاللجوء إليه من غير تراضٍ يعسِّر على القاضي الوصول إلى الحقيقة لأنَّ العلاقة بين الزوجين مبنية على الستر، وهناك أشياء تحصل بين الزوجين لا يعلمها أحدٌ حتى الأولاد والأقربون، وليس من مصلحة الأسرة ولا الزوجين كشف المستور، ومن النصوص التي تربط الزوجين بالعرف الصحيح والقواعد الأخلاقية العامة وضرورة مراقبة الله تعالى قوله تعالى:

{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء:19]، {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ} [البقرة:228]، {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة:229]، {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [البقرة:231].


منقول بتصرف
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 91.54 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 88.34 كيلو بايت... تم توفير 3.21 كيلو بايت...بمعدل (3.50%)]