الوصايا النبوية - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         الوصايا النبوية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 4 - عددالزوار : 315 )           »          من فنون التربية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          حفظ النفس في الإسلام (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          فوائد مختارة من تفسير ابن كثير (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 3 - عددالزوار : 73 )           »          صورة من حياة الرسول قبل بعثته (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          قراءة فى بحث الاستراتيجية ومراقبة التسيير (اخر مشاركة : رضا البطاوى - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3763 - عددالزوار : 609736 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3241 - عددالزوار : 273724 )           »          المرض نعمة وليس نقمة (pdf) (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          خبايا إيمانية في خلاياي السرطانية (pdf) (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 26-08-2022, 12:36 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,831
الدولة : Egypt
افتراضي الوصايا النبوية

الوصايا النبوية (1)
خذوا عني هؤلاء الكلمات
(موعظة الأسبوع)










كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة: أهمية الوصايا النبوية:

- كان للرسول -صلى الله عليه وسلم- عناية بالغة بالوصية؛ لما لها مِن الأثر العظيم في التنبيه والتذكير.

- وكان الصحابة -رضي الله عنهم- يسألون الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يوصيهم، فيبادر إلى الوصية لكلٍ بما يناسب حاله: (بالصلاة على وقتها - بر الوالدين - الصيام - صلة الرحم - كثرة السجود - وغير ذلك).

وصية اليوم:

- هي وصية متعددة الجوانب: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ؟) فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّ خَمْسًا وَقَالَ: (‌اتَّقِ ‌المَحَارِمَ ‌تَكُنْ ‌أَعْبَدَ ‌النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ القَلْبَ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).

- الإشارة إلى أسلوبه -صلى الله عليه وسلم- في إثارة السامعين إلى الاستجابة بأسلوب السؤال: (مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ؟).

الكلمة الأولى: النهي عن انتهاك المحارم (اتَّقِ المحارمَ تَكن أعبدَ النَّاسِ):

- الوقوع فيما حرَّم اللهُ علامة على عدم تعظيم الجليل المتعال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ ‌اللهَ ‌يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللهُ) (متفق عليه).

- محارم الله معلومة، وما اشتبه عليك فسؤال العلماء هنا واجب، والا اجتنبته: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الحَلَالُ بَيِّنٌ، والحَرَامُ بَيِّنٌ، وبيْنَهُما مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ، ومَن وقَعَ في الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أنْ يُوَاقِعَهُ، ألَا وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألَا إنَّ حِمَى اللَّهِ في أرْضِهِ مَحَارِمُهُ) (رواه البخاري).

- عدم الوقوع فيما حرَّم الله مقتضاه المحافظة على الواجبات والفرائض، ثم مع القليل من التطوع تصير من أكابر العباد: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (تَكن أعبدَ النَّاسِ)، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن الله قال: (وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ) (رواه البخاري).

الكلمة الثانية: الرضا بقضاء الله وقسمته (وارضَ بما قسمَ اللَّهُ لَك تَكن أغنى النَّاسِ):

- الله قدَّر الأرزاق (المال - الصحة - الولد - الوظيفة - ... ) على درجاتٍ تتفاوت بين الناس لحِكَمٍ يعلمها ويريدها: قال -تعالى-: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (العنكبوت: 62).

- الرضا بما قسم الله يورث الغِنَى في قلبك، والقناعة في نفسك: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وارضَ بما قسمَ اللَّهُ لَك تَكن أغنى النَّاسِ)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (ليسَ الغِنَى عن كَثْرَةِ العَرَضِ، ولَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (قَدْ أَفْلَحَ مَن أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بما آتَاهُ) (رواه مسلم).

- هناك مَن حُرِم من نِعَمٍ أنت فيها ولا تشعر (البصر - السمع - ... ): قال -صلى الله عليه وسلم-: (انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا ‌تَزْدَرُوا ‌نِعْمَةَ اللهِ) (رواه مسلم).

الكلمة الثالثة: الحث على حسن الجوار (وأحسِن إلى جارِك تَكن مؤمنًا):

- الإحسان الى الجار لحقِّه العظيم في الدِّين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما زالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بالجارِ، حتَّى ظَنَنْتُ أنَّه سَيُوَرِّثُهُ) (متفق عليه). وفي رواية أبي داود عن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو أنَّهُ ذبحَ شاةً فقالَ: أَهْدَيتُمْ لجاري اليَهوديِّ، فإنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: (ما زَالَ جبريلُ يوصيني بالجارِ، حتَّى ظنَنتُ أنَّهُ سيُورِّثُهُ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

- إذا لم تقدر على الإحسان إليه فكف عنه أذاك: عن أبي شريح -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ) قيلَ: ومَن يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: (الذي لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوايِقَهُ) (رواه البخاري).

- بل إن كان الجار مؤذيًا لزمك الصبر حتى يجعل الله لك فَرَجًا: قال -تعالى-: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) (الطلاق: 02)، وقال: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ . وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت: 34-35).

الكلمة الرابعة: حب الخير للمسلمين (وأحبَّ للنَّاسِ ما تحبُّ لنفسِك تَكن مسلِمًا):

- حبك للمسلمين ما تحبه لنفسك من الخير يجعلك مسلمًا كامل الإسلام(1): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) (متفق عليه).

- المسلمون جسد واحد يتأثر كل عضو فيه بألم الآخر: قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوادِّهم، وتَرَاحُمِهِم، وتعاطُفِهِمْ، مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى) (متفق عليه).

الكلمة الخامسة: اجتناب كل ما يؤدي إلى الغفلة (ولا تُكثرِ الضَّحِك فإنَّ كثرةَ الضَّحِك تُميتُ القلبَ):

- الإكثار من الضحك مضر بالقلب، وهو من فعل السفهاء والأراذل: ففي رواية: "وإياكَ وكثرةَ الضَّحِكِ؛ فإنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ فسادُ القلبِ"، وعن أنس -رضي الله عنه- قال: بَلَغَ رَسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عن أَصْحَابِهِ شيءٌ فَخَطَبَ فَقالَ: (عُرِضَتْ عَلَيَّ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَومِ في الخَيْرِ وَالشَّرِّ، ولو تَعْلَمُونَ ما أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا)، قالَ: فَما أَتَى علَى أَصْحَابِ رَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمٌ أَشَدُّ منه، قالَ: غَطَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَلَهُمْ خَنِينٌ، قالَ: فَقَامَ عُمَرُ -رضي الله عنه- فَقالَ: "رَضِينَا باللَّهِ رَبًّا، وَبالإسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا" (متفق عليه)(2).

خاتمة:

- وصية جامعة لخصال عظيمة إذا اتصف بها المسلم نال من الخير العظيم، ثم إذا علمها غيره، زاد خيره وكثر فضله: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَن يأخذُ عنِّي هؤلاءِ الكلماتِ فيعملُ بِهنَّ أو يعلِّمُ من يعملُ بِهنَّ).


فاللهم اجعلنا هداة مهديين، واغفر لنا ولآبائنا يا رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الخير: كلمة جامعة تعم الطاعات والمباحات الدنيوية والأخروية، وتخرج المنهيات؛ لأن اسم الخير لا يتناولها.

(2) ليس ذلك معناه حرمة الضحك، بل المنهي عنه كثرته، وإلا فالنبي -صلى الله عليه وسلم- كان يضحك تبسُّمًا، وكان يمازح أصحابه؛ لا يكثر من ذلك، ولا يقول إلا حقًّا.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 04-09-2022, 01:29 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,831
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الوصايا النبوية



الوصايا النبوية (2)
(اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، وَاعْدُدْ نَفْسَكَ مَعَ الْمَوْتَى... )
(موعظة الأسبوع)










كتبه/ سعيد محمود


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- الإشارة إلى فضل الوصايا النبوية (مقدمة الموعظة الأولى).

- وصية اليوم:

عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال: قلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي، فَقَالَ: (اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، وَاعْدُدْ نَفْسَكَ مَعَ الْمَوْتَى، وَاذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ كُلِّ حَجَرٍ وَشَجَرٍ، وَإِذَا عَمِلْتَ السَّيِّئَةَ فَاعْمَلْ بِجَنْبِهَا حَسَنَةً؛ السِّرُّ بِالسِّرِّ، وَالْعَلَانِيَةُ بِالْعَلَانِيَةِ)، ثم قال: (ألا أُخْبِرُكَ بأملك الناس مِنْ ذَلِكَ؟)، قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بطرف لسانه، فقلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ -كأنه يتهاون به- فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلَّا هَذَا؟) وَأَخَذَ بِطَرَفِ لِسَانِهِ. (رواه الطبراني في المعجم الكبير، وحسنه الألباني).

- الإشارة إلى تضمن الحديث لعدة وصايا، تحفظ على العبد دينه ودنياه.

- الوصية الأولى: مراقبة الله (اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ):

- وهي أن يعلم العبد أن الله تعالى يراه وينظر إليه، سامع لأقواله، عالم بأفعاله، مطلع على سره وعلانيته، بل لا يغيب عنه شيء من خطرات قلبه وبنات أفكاره: قال -تعالى-: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (الملك: 13)، وقال -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (المجادلة: 7).

- ومراقبة الله في السر والعلن هي أعلى مراتب الإيمان، وأسمى منازله: ففي حديث جبريل وسؤاله عن الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّه يَرَاكَ... ) (متفق عليه).

- وثمرات مراقبة الله لا تُحصَى، فمَن راقب الله أحسن في عمله، واجتنب المحرمات بكل ألوانها (المال الحرام - الغش في البيع والشراء - عدم إتقان العمل والوظيفة - الغدر والخيانة - ذنوب الخلوات ووسائل الاتصالات - وغير ذلك): عن ثوبان -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا)، قال ثوبانُ يا رسولَ اللهِ صِفْهم لنا، جَلِّهم لنا، أن لا نكونَ منهم ونحنُ لا نعلمُ، قال: (أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).

- الوصية الثانية: الاستعداد للموت (وَاعْدُدْ نَفْسَكَ مَعَ الْمَوْتَى):

- من كان ينتظر الموت، قصر أمله في البقاء في الدنيا، وكثر عمله استعدادًا للآخرة، حيث العودة إلى الوطن الأول: عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: أخَذَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بمَنْكِبِي، فَقَالَ: (كُنْ في الدُّنْيَا كَأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عَابِرُ سَبِيلٍ)، وكانَ ابنُ عُمَرَ يقولُ: "إذَا أمْسَيْتَ فلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وإذَا أصْبَحْتَ فلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وخُذْ مِن صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، ومِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ" (رواه البخاري).

- الخروج من الدنيا حتم لازم، والعمل اليوم والحساب غدًا، والعاقل مَن وعى ذلك: ففي وصية جبريل للنبي -صلى الله عليه وسلم-: (يا محمَّدُ! عِشْ ما شئتَ فإنَّك ميِّتٌ، وأحبِبْ من شئتَ فإنَّك مفارقُه، واعمَلْ ما شئتَ فإنَّك مجزِيٌّ به) (رواه الطبراني في المعجم الأوسط، والحاكم باختلاف يسير، وصححه الألباني).

- الوصية الثالثة: الإكثار من ذكر الله(1) (وَاذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ كُلِّ حَجَرٍ وَشَجَرٍ):

- الذكر روح العبادات، وبكثرته تتفاضل، بل وبه يتفاضل أهل الطاعات: روي عن أنس الجهني عن رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أنَّ رجُلًا سأله، فقال: أيُّ الجِهادِ أَعظَمُ أجرًا؟ قال: "أَكثَرُهم للهِ تبارَك وتعالَى ذِكرًا"، قال: فأيُّ الصائمينَ أَعظَمُ أجرًا؟ قال: "أَكثَرُهم للهِ تبارَك وتعالَى ذِكرًا"، ثم ذكَرَ لنا الصلاةَ، والزكاةَ، والحَجَّ، والصدَقةَ؛ كلَّ ذلك رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: "أَكثَرُهم للهِ تبارَك وتعالَى ذِكرًا"، فقال أبو بكرٍ لعُمرَ -رضي الله عنهما-: يا أبا حَفصٍ، ذهَبَ الذاكِرونَ بكلِّ خَيرٍ، فقال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "أجَلْ" (رواه أحمد والطبراني في الدعاء واللفظ له، وضعفه الألباني).

- لا عذر لأحد في ترك الذكر: عن عبد الله بن بسر أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ شرائعَ الإسلامِ قد كثُرت عليَّ فأخبِرني بشيءٍ أتشبَّثُ به، قال -صلى الله عليه وسلم-: (لا يزالُ لسانُك رطبًا من ذكرِ اللهِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "إن الله تعالى لَمْ يَفْرِضْ عَلَى عِبَادِهِ فَرِيضَةً إِلَّا جَعَلَ لَهَا حَدًّا مَعْلُومًا، ثُمَّ عَذَرَ أَهْلَهَا فِي حال العذر، غير الذكر، فإن الله -تعالى- لَمْ يَجْعَلْ لَهُ حَدًّا يَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَلَمْ يَعْذُرْ أَحَدًا فِي تَرْكِهِ إِلَّا مَغْلُوبًا عَلَى تَرْكِهِ، فقال: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) (النساء: 103)" (ابن كثير في تفسير سورة الأحزاب).

- الوصية الرابعة: إتباع السيئة بالحسنة (وَإِذَا عَمِلْتَ السَّيِّئَةَ فَاعْمَلْ بِجَنْبِهَا حَسَنَةً)(2):

- إنه أعظم سبيل لمحو السيئات، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اتَّقِ اللَّهِ حيثُ ما كنتَ، وأتبعِ السَّيِّئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالقِ النَّاسَ بخلقٍ حسنٍ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).

- من عظيم رحمه الله وفضله أن جعل الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها: قال -تعالى-: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) (هود: 114)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما مِن عبدٍ يذنبُ ذنبًا، فيُحسنُ الطُّهورَ، ثمَّ يقومُ فيُصلِّي رَكْعتينِ، ثمَّ يستغفِرُ اللَّهَ، إلَّا غفرَ اللَّهُ لَهُ) ثمَّ قرأَ هذِهِ الآيةَ: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (آل عمران: 135) (رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وصححه الألباني).

- الوصية الخامسة: حفظ اللسان (ألا أُخْبِرُكَ بأملك الناس مِنْ ذَلِكَ؟):

- إرشاد نبوي في الختام إلى أعظم أسباب تحقيق الوصايا السابقة: (ألا أُخْبِرُكَ بأملك الناس مِنْ ذَلِكَ؟).

- فأقوال اللسان تحدِّد مصير الإنسان في الدنيا والآخرة: قال -تعالى-: (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق: 118)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَن يَضْمَن لي ما بيْنَ لَحْيَيْهِ وما بيْنَ رِجْلَيْهِ، أضْمَنْ له الجَنَّةَ) (رواه البخاري)، والعامة يقولون: "لسانك حصانك، إن صنته صانك، وإن هنته هانك".

- فاللسان سلاح ذو حدين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ، فَتَقُولُ اتَّقِ اللهَ فِينَا، فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ، ‌فَإِنِ ‌اسْتَقَمْتَ ‌اسْتَقَمْنَا، ‌وَإِنِ ‌اعْوَجَجْتَ ‌اعْوَجَجْنَا) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).

- خوف الصالحين من لسانهم: عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه اطلع على أبي بكر -رضي الله عنه- وهو يمدُّ لسانه فقال: "ما تصنع يا خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فقال: إن هذا أوردني الموارد!" (رواه أحمد في فضائل الصحابة، وأبو نعيم في الحلية).

- خاتمة: عود على بدء.

- إعادة الحديث المتضمن للوصايا، مع إشارة مجملة لما سبق.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ

(1) قال بعض أهل العلم: أي: إذا عملت سيئة سرية فقابلها بحسنة سرية، وإن عملت سيئة علانية فقابلها بحسنة علانية.

(2) من أمثلة الذكر: (التسبيح، والتهليل، والتكبير، والحمد، والحوقلة، والاستغفار، وقراءة القرآن).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 15-09-2022, 02:33 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,831
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الوصايا النبوية



الوصايا النبوية (3)
(عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ)
(موعظة الأسبوع)










كتبه/ سعيد محمود


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- الإشارة إلى فضل الوصايا النبوية (مقدمة الموعظة الأولى).

- وصية اليوم:

عن سهل بن سعد -رضي الله عنه- قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ: (يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ) (رواه الطبراني في المعجم الأوسط، وصححه الألباني).

- اشتملت هذه الوصية على وصايا عظيمة، هي للأمة كلها؛ فهذا هو الأصل في الخطاب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-.

الوصية الأولى: الاستعداد للموت وفراق الأحبة:

- (عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ): مهما طال عمرك في هذه الحياة الدنيا، فإن الموت مصير محتوم: قال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) (آل عمران: 185)، وقال تعالى: (‌إِنَّكَ ‌مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) (الزمر:03)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أُرْسِلَ مَلَكُ المَوْتِ إلى مُوسَى عليه السَّلَامُ، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَرَجَعَ إلى رَبِّهِ، فَقَالَ: أرْسَلْتَنِي إلى عَبْدٍ لا يُرِيدُ المَوْتَ، فَرَدَّ اللَّهُ عليه عَيْنَهُ وقَالَ: ارْجِعْ، فَقُلْ له: يَضَعُ يَدَهُ علَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَلَهُ بكُلِّ ما غَطَّتْ به يَدُهُ بكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ، قَالَ: أيْ رَبِّ، ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ المَوْتُ، قَالَ: فَالْآنَ... ) (متفق عليه).

- (وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ): واعلم أن الموت مفرِّق الأحبة (زوجات، وأولاد، وآباء، وإخوة، وأصحاب)، ولن يخلد أحد في هذه الحياة الدنيا، فعلى الجميع أن يعمل بالصالحات حتى تجمعهم الجنة عند الله، قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) (الطور: 21)، وقال تعالى: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ) (الرعد: 23).

- وإذا كان الموت حتم لازم، وفراق الأحبة لا بد حاصل، فينبغي على العبد أن يستعد للقاء ربه؛ لأنه قد يأتيه الموت بغتة؛ ولذا نبَّه بعدها الى الاستعداد للحساب والجزاء.

الوصية الثانية: الاستعداد للحساب والجزاء:

- (وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ): فالإنسان بعد الموت سيحاسب على كل ما عمل من خير وشر، قال تعالى: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (الزلزلة: 7-8)، وقال تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) (آل عمران: 30)، وقال تعالى: (وقالوا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) (الكهف: 49).

- (وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ): الأعمال ستوزن بميزان دقيق جدًّا، قال تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء: 47).

- وعند ذلك سيعرف الجميع قيمة الحسنة الواحدة، وضرر السيئة الواحدة: قال تعالى: (فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ . فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ . وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ . فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ . نَارٌ حَامِيَةٌ) (القارعة: 6-11).

- (وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ): فعلى العبد أن يكثر من العمل الصالح، ويتجنب العمل السيئ، فإنه رفيقه في قبره، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يَتْبَعُ المَيِّتَ ثَلاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنانِ ويَبْقَى معهُ واحِدٌ: يَتْبَعُهُ أهْلُهُ ومالُهُ وعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أهْلُهُ ومالُهُ، ويَبْقَى عَمَلُهُ) (متفق عليه).

الوصية الثالثة: ما يرفع العبد في الدنيا والآخرة:

- (وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ): فقيام الليل يرفع قدر العبد عند الله وعند الناس؛ لأن آثاره تظهر على العبد في الدنيا والآخرة؛ سُئِل الحسن البصري -رحمه الله-: "مَا بَالُ الْمُتَهَجِّدِينَ بِاللَّيْلِ أَحْسَنَ النَّاسِ وُجُوهًا؟ فقَالَ: لأَنَّهُمْ خَلَوْا بِالرَّحْمَنِ، فَأَلْبَسَهُمْ نُورًا مِنْ نُورِهِ" (إحياء علوم الدين للغزالي).

وقال تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ . كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ . وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الذاريات:15-18)، وقال تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ . فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (السجدة: 16-17).

- (وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ): ولذلك كان مِن أول ما فرض على المؤمنين، فعن سعد بن هشام بن عامر، قال: "قلت لأم المؤمنين عائشة -رضي الله عنه-: حدِّثيني عن قيامِ اللَّيلِ، قالت: ألستَ تقرأُ: (يَا أيُّهَا الْمُزَّمِّلُ؟)، قالَ: قلتُ بلَى، قالت: فإنَّ أوَّلَ هذهِ السُّورةِ نزلَت، فقامَ أصحابُ رسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حتَّى انتفخَت أقدامُهُم، وحُبسَ خاتمتُها في السَّماءِ اثنَي عشرَ شَهْرًا، ثمَّ نزلَ آخرُها، فصارَ قيامُ اللَّيلِ تطوُّعًا بعدَ فريضةٍ... " (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

- (وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ): ولذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يتركه سفرًا ولا حضرًا، فعن عبد الله بن قيس قال: قالت لي عائشةُ -رضي الله عنه-: "لاَ تدع قيامَ اللَّيلِ؛ فإنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كانَ لاَ يدعُهُ، وَكانَ إذا مرضَ أو كسلَ، صلَّى قاعدًا" (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

الوصية الرابعة: الاستغناء عن الناس:

- (وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ): التعلُّق بالناس يضعف الإيمان بالوكيل المنان سبحانه وتعالى، قال تعالى: (‌وَعَلَى ‌اللَّهِ ‌فَتَوَكَّلُوا ‌إِنْ ‌كُنْتُمْ ‌مُؤْمِنِينَ) (المائدة: 23)، وقال: (‌وَتَوَكَّلْ ‌عَلَى ‌الْحَيِّ ‌الَّذِي ‌لَا ‌يَمُوتُ) (الفرقان:58)، وقال: (‌وَتَوَكَّلْ ‌عَلَى ‌اللَّهِ ‌وَكَفَى ‌بِاللَّهِ ‌وَكِيلًا) (النساء: 81).

- (وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ): التعلق بالناس وانتظار إحسانهم يورث الذل والمهانة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ومَن يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، ومَن يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، ومَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ) (متفق عليه)، "وكان محمد بن واسع يَبِلُّ الخبزَ اليابس بالماء ويأكل، ويقول: مَنْ قنع بهذا، لم يَحْتَجْ إلى أحدٍ) (إحياء علوم الدين للغزالي). وقالوا: "الإنسان أسير الإحسان".

- فعلى العبد أن يعلِّق قلبه بالغني الحميد: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا ‌سَأَلْتَ ‌فَاسْأَلِ ‌اللَّهَ، ‌وَإِذَا ‌اسْتَعَنْتَ ‌فَاسْتَعِنْ ‌بِاللَّهِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).


خاتمة:

- إعادة ذكر الحديث وإشارة مجملة إلى فضل الوصايا التي اشتمل عليها.

فاللهم اجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 23-09-2022, 12:49 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,831
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الوصايا النبوية



الوصايا النبوية (4)

التحذير من اتخاذ القبور مساجد (موعظة الأسبوع)









كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- الإشارة إلى فضل الوصايا النبوية (مقدمة الموعظة الأولى).

- وصية اليوم: عن جندب -رضي الله عنه- قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قبْلَ أنْ يُتوفَّى بخمسِ ليالٍ خطَب النَّاسَ، فقال: (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ قَدْ ‌كَانَ ‌فِيكُمْ ‌إِخْوَةٌ ‌وَأَصْدِقَاءُ، وَإِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ أَتَّخِذَ مِنْكُمْ خَلِيلًا، وَلَوْ أَنِّي اتَّخَذْتُ مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، فَلَا تَتَّخِذُوا قُبُورَهُمْ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ). (رواه مسلم، وابن حبان واللفظ له).

- الإشارة إلى معنى الخلة، وهي أعلى أنواع المحبة، وأن الله لم يثبتها إلا لنبينا -صلى الله عليه وسلم- وإبراهيم -عليه السلام: قال الله -تعالى-: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) (النساء: 125)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ اللهَ اتَّخَذني خليلًا كما اتَّخَذ إبراهيمَ خليلًا) (رواه مسلم).

الوصية بعدم اتخاذ القبور مساجد:

- هي من أهم وصاياه -صلى الله عليه وسلم- حيث جاءت قبل موته بزمن يسير، وكرر ذلك عند موته -صلى الله عليه وسلم-: فعن عَائِشَةَ وعَبْدَ اللَّهِ بنَ عَبَّاسٍ قالَا: لَمَّا نَزَلَ برَسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً له علَى وجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بهَا كَشَفَهَا عن وجْهِهِ، فَقالَ وهو كَذلكَ: (لَعْنَةُ اللَّهِ علَى اليَهُودِ والنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) يُحَذِّرُ ما صَنَعُوا. (رواه البخاري).

- اتخاذ القبور مساجد مشابهة لليهود والنصارى: عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ -رضي الله عنهما-، ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ، فَذَكَرَتْ لَهُ مَا رَأَتْ فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ العَبْدُ الصَّالِحُ، أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ) (متفق عليه).

- الشيعة والصوفية تشبَّهوا باليهود والنصارى، وخالفوا وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- وتحذيره: قال -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، فَلَا تَتَّخِذُوا قُبُورَهُمْ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (من تشبَّهَ بقومٍ فهوَ مِنْهُمْ) (رواه أبو داود، وقال الألباني: "حسن صحيح").

حكمة تحريم اتخاذ القبور مساجد:

1- سد ذريعة الشرك بالله: حيث يقصد بعض الناس عبادة الله عند قبور الصالحين، فيسجدون ويركعون بحجة بركة المكان، فيقلدهم الجهلة ثم يصرفون ذلك لصاحب القبر!

2- ادِّعاء البركة للبقاع التي بها لقبور: فيتمسحون ويتلمسون البركة فيها، بصور يندى لها الجبين، مما يفضي إلى الشرك.

3- لعدم الغلو في صاحب القبر: لأن هذا الغلو يفضي إلى عبادة صاحب القبر، بصرف الدعاء والاستغاثة، وطلب جلب النفع ورفع الضر إليه من دون الله، وهو شرك أكبر، وهو سبيل المشركين في عبادة الأصنام.

4- إن أول شرك وقع على الأرض كان بسبب الغلو في الصالحين؛ فسدَّ الإسلام كل طريق يؤدي إلى ذلك: قال ابن كثير في تفسير قوله -تعالى-: (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) (نوح: 23)، "وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح -عليه السلام-، لما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها تصاوير -أنصابًا- وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلكوا ونُسِخ العلم عُبِدت" (فتح البارئ شرح صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة نوح).

- القبور والأضرحة في المساجد من مظاهر الشرك في الأمة:

- انتشرت القبور والأضرحة في الأمة بشكل خطير، وقد زيَّنوها بالذهب والفضة والأحجار الكريمة، وصارت لها مواسم وأعياد، وفاقوا في ذلك غلو اليهود والنصارى ومشركي العرب(1): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكُمْ شِبْرًا بشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بذِرَاعٍ، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ) قُلْنَا: يا رَسُولَ اللَّهِ، اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قالَ: (فَمَنْ؟) (رواه البخاري).

- الشيعة والصوفية بطوائفهم يضعون الأحاديث في فضل زيارة القبور والأضرحة، ومِن كذبهم: "مَنْ زَارَ الحسينَ بَعد مَوتِه فَلَهُ الجَنَّة" (مصدر شيعي، تهذيب الأحكام)، ويقولون: قال الإمام الصادق -عليه السلام-: "زيارة الحسين عليه السلام تعدل مائة حجة مبرورة، ومائة عمرة متقبلة" (الأنوار البهية - الشيخ عباس القمي).

- الشيعة والصوفية بطوائفهم يدعون محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- واتباعه، وهم أكثر الناس مخالفة له: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيْدًا) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، فاتخذوا القبور أعيادًا وموالد، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- ينهي عن الصلاة عند القبور: (لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُم قُبُورًا) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، فجعلوا أفضل الصلاة عند القبور!

- وكان -صلى الله عليه وسلم- ينهى عن تشييد القبور، فقاموا يرفعونها ويزينونها: فعن جابرٍ -رَضِيَ اللهُ عنه- قال: "نهى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أن يُجصَّصَ القبرُ، وأن يُقعَدَ عليه، وأن يُبنَى عليه" (رواه مسلم)، وكان -صلى الله عليه وسلم- ينهى عن إيقاد السرج عندها، فعن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَائِرَاتِ القُبُورِ، وَالمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا ‌المَسَاجِدَ ‌وَالسُّرُجَ" (رواه أبو داود والترمذي، وضعفه الألباني)، فقاموا يزينوها بالأضواء الكثيرة.

- وكان -صلى الله عليه وسلم- ينهى عن التقرُّب عند أماكن ارتكاب الشرك: فعن ثابت بن الضحاك قال: نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا ‌بِبُوَانَةَ، فَأَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إِبِلًا ‌بِبُوَانَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟) قَالُوا: لَا، قَالَ: (هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟)، قَالُوا: لَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، فقاموا يتقربون بالصلاة والدعاء والسجود، وغيره عند القبور، حيث مظاهر الشرك.

- وكان -صلى الله عليه وسلم- ينهى عن سؤال غير الله: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا سَأَلْتَ ‌فَاسْأَلِ ‌اللَّهَ، ‌وَإِذَا ‌اسْتَعَنْتَ ‌فَاسْتَعِنْ ‌بِاللَّهِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، فقاموا يسألون أهل الأضرحة الشفاء والحاجات!

- ونهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن شَدِّ الرحال لغير المساجد الثلاث: (لاَ تُشَد الرحَالُ إِلا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هذَا، وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الأَقْصَى) (متفق عليه)، فشدوا الرحال إلى القبور والأضرحة! وغير ذلك كثير.

- الحذر من مخالفة وصية النبي -صلى الله عليه وسلم-: مَن اتخذ القبور مساجد؛ فقد خالف الوصية، فلينتظر النهاية المأسوية: قال الله -تعالى-: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (النساء: 115)، وقال -تعالى-: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور: 63)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ أُمَّتي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَن أَبَى)، قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَن يَأْبَى؟! قالَ: (مَن أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَن عَصَانِي فقَدْ أَبَى) (رواه البخاري).

- خاتمة: عود على بدء.

- التذكير بالحديث المتضمن للوصية لتثبيت الوصية في الأذهان.

نسأل الله -تعالى- أن يجعلنا مِن المتبعين لهدي النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ

(1) تنتشر الأضرحة في البلاد الإسلامية بشكلٍ مخيفٍ؛ فعلى سبيل المثال: في مصر وحدها ستة آلاف ضريح على إحصائية قديمة، وفي القاهرة وحدها نحو ثلاثمائة ضريح، وفي مدينة صغيرة تسمى فوة بكفر الشيخ (81 ضريحًا)، وفي مركز تلا بالمنوفية (188 ضريح)؛ هذا بخلاف الأضرحة التي ليس بها أموات أصلًا، وغير معروفة بالجهات الرسمية. وهذه الأضرحة تُحْكَى عنها آلاف الروايات الخرافية التي تشتمل على الشرك والجهل في أسوأ صورة.

ويحسن الإشارة الى بعض أكاذيب القبوريين وخرافاتهم:

- كالقصة المشهورة في الإسكندرية بمصر حول القبر الذي في الطريق، وقد حاولوا توسعة الطريق، فشلت يد الرجل الذي حاول ذلك، فتحايلوا على الالتفاف حول القبر بالطريق، ويزعمون أنه قبر "أبي الدرداء".

- وكقصة الرجل الذي مات حماره بالطريق فدفنه، ثم ذهب إلى أهل القرية، وزعم أن الولي الفلاني لقيه في الطريق وهو مشرف على الموت، وقال له: "سلِّم على أهل القرية، وقل لهم: استوصوا بقبري خيرًا، فقام أهل القرية ببناء الضريح وجعلوا الرجل عليه وصيًّا تهدى إليه النذور والقربات!".


- وكقصة "سيدي أبو نبوت" الذي كان سارقًا، يتسلق على بيوت الناس ليلًا بواسطة عصا ملوية -يسميها أهل الصعيد: نبوت- وذات ليلة تسلق على جدار بيت ليسرقه، فلصقت عصاه بالجدار، وظل معلقًا بها حتى مات، فلما أصبح أهل القرية وجدوه كذلك، فعجبوا من ذلك، وكان القرار بالإجماع أن يتخذوا له ضريحًا مكانه! ومن يومها يعرف بضريح "سيدي أبو نبوت"، الذي تنسج حوله الخرافات الشركية كما هو الحال عند سائر الأضرحة. وإنا لله وإنا إليه راجعون، قال الله -تعالى-: (‌وَمَنْ ‌أَضَلُّ ‌مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ) (الأحقاف: 5).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم اليوم, 10:55 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,831
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الوصايا النبوية



الوصايا النبوية (5)
(اغتنم خمسًا قبل خمس)
(موعظة الأسبوع)










كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

- المقدمة:

- الإشارة إلى فضل الوصايا النبوية. (مقدمة الموعظة الأولى).

- وصية اليوم:

عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لرجل وهو يعظه: (اغْتَنِمْ(1) خَمْسًا قبلَ خَمْسٍ: شَبابَكَ قبلَ هِرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِكَ، وغِناكَ قبلَ فَقْرِكَ، وفَرَاغَكَ قبلَ شُغْلِكَ، وحَياتَكَ قبلَ مَوْتِكَ) (رواه الحاكم، والبيهقي في شعب الإيمان، وصححه الألباني).

- شرح مختصر جدًّا لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (اغْتَنِمْ خَمْسًا قبلَ خَمْسٍ): أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بفعل خمسة أشياء قبل حصول خمسة أخرى، وهو تعمير الخمسة الأولى بالأعمال الصالحة، قبل حصول الخمسة الأخرى التي ربما لا يُقدَر معها على ذلك.

- الغنيمة الأولى: الشباب قبل الكبر (شَبابَكَ قبلَ هِرَمِكَ):

- اغتنم وقت الشباب؛ لأنه وقت القوة والنشاط، بخلاف ما يقوله بعضهم من أنه يفعل في الشباب ما يريد ثم يُحسِن في الكبر، فما يدريك أنك تعيش إلى الكبر؟! ثم ما يدريك أنك توفَّق للتوبة؟! قال تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى . يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) (الفجر: 23-24).

- فضل العمل في مرحلة الشباب عظيم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ يَومَ القِيَامَةِ في ظِلِّهِ، يَومَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: ... ) وذكر منهم: (وَشَابٌّ نَشَأَ في عِبَادَةِ اللَّهِ) (متفق عليه).

- صور مشرفة لشباب نشأوا في عبادة الله: (علي بن أبي طالب - مصعب بن عمير - أسامة بن زيد - محمد الفاتح).

- الغنيمة الثانية: (وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِكَ):

- اغتنم بالأعمال الصالحة وقت الصحة، قبل أن يحول بينك وبينها المرض، فالمرض ليس له زمان محدد، وعند ذلك لا تستطيع العمل لما نزل بك من آلام، أو عجز أو مشقة؛ لا سيما إذا طال زمان المرض، أو صار ملازمًا! قال تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى . يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي).

- عملك الصالح في زمان صحتك سينفعك في زمان مرضك: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إذَا مَرِضَ العَبْدُ، أوْ سَافَرَ، كُتِبَ له مِثْلُ ما كانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا) (رواه البخاري)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (تَعَرَّفْ ‌إِلَى ‌اللَّهِ ‌فِي ‌الرَّخَاءِ ‌يَعْرِفْكَ ‌فِي ‌الشِّدَّةِ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني).

- الغنيمة الثالثة: (وغِناكَ قبلَ فَقْرِكَ):

- اغتنم بالإنفاق في سبيل الله زمان غناك؛ فالأيام تتغير، والأحوال تتغير؛ فاغتنم المال الآن في مرضات الله، وابذله في وجوهه المباحة والمستحبة والواجبة، قبل يوم الفقر والندم: قال الله تعالى: (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ . وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ? وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المنافقون: 10-11).

- فضل إنفاق المال في سبيل الله عظيم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا حَسَدَ إلَّا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَسُلِّطَه علَى هَلَكَتِهِ في الحَقِّ، ورَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ، فَهو يَقْضِي بهَا ويُعَلِّمُهَا) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (ما مِن يَومٍ يُصْبِحُ العِبادُ فِيهِ، إلَّا مَلَكانِ يَنْزِلانِ، فيَقولُ أحَدُهُما: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويقولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا) (متفق عليه)، وفي الحديث القدسي: (يا ابْنَ آدَمَ أنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ) (متفق عليه).

- الغنيمة الرابعة: (وفَرَاغَكَ قبلَ شُغْلِكَ):

- اغتنم بالإكثار من الأعمال الصالحة زمان سعة الوقت، قبل الانشغال بالأولاد والزوجات، وكثرة الحاجات، وضيق الأوقات: قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) (التغابن: 14)، وقال: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (الأنفال: 28).

- احذر ضياع الأوقات في غير ما ينفعك في الآخرة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تزولُ قدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يسألَ عن عمرِهِ فيما أفناهُ، وعن عِلمِهِ فيمَ فعلَ، وعن مالِهِ من أينَ اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَهُ، وعن جسمِهِ فيمَ أبْلَاهُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

- الغنيمة الخامسة: (وحَياتَكَ قبلَ مَوْتِكَ):

- اغتنم مُدَّة عمرك في الدنيا في الأعمال الصالحة، قبل أن تموت، وتسود في التراب، فالدنيا والعمر زمان العمل، وبعد الموت لا عمل: قال تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (المؤمنون: 99-100)، وقال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "اليومَ عملٌ ولا حساب، وغدًا حسابٌ ولا عملٌ".

- خاتمة: عود على بدء:

- التذكير بالوصية، وإشارة مختصرة إلى أن العامل المشترك في كل الوصايا هو التنبيه إلى قيمة الوقت، والذي هو بمعنى آخر: "العمر"؛ ولذا يحسن ذكر بعض ما يدل على قيمة الوقت، ومن ذلك: قوله -صلى الله عليه وسلم-: (نِعْمَتانِ مَغْبُونٌ فِيهِما كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ والفَراغُ) (رواه البخاري)، وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "ما ندمتُ على شيءٍ كندمي على يومٍ غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي!"، وقال تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى . يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي).

فاللهم استعملنا في طاعتك، اجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

والحمد لله رب العالمين.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ

(1) اغتنِم: مِن الغنيمة، وهي المال الذي يحصل من حرب الكفار، وقد يجيء بمعنى الفوز بالشيء بلا مشقة.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 124.89 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 121.22 كيلو بايت... تم توفير 3.67 كيلو بايت...بمعدل (2.94%)]