كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله - الصفحة 16 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         قراءة فى كتاب بطاقة المرأة (اخر مشاركة : رضا البطاوى - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3699 - عددالزوار : 594454 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3173 - عددالزوار : 267982 )           »          عاشوراء والهجرة النبوية من أيام الله تعالى (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          رحلة مع صلاة الفجر (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          دروس وعبر من صيام عاشوراء (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          الصيام فرصة لاستجابة الدعاء (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          التعلق بالله وحده (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          عقد الاستصناع تنميةٌ للأموال والأوطان وتحقيقٌ للحاجات (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 102 )           »          فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 169 - عددالزوار : 6684 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #151  
قديم 29-07-2022, 07:30 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 88,138
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله



كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
المجلد الرابع

الحلقة (151)
صــــــــــ 50 الى صـــــــــــ56






( قال الشافعي ) أخبرني عمي محمد بن علي عن الثقة أحسبه محمد بن علي بن حسين ، أو غيره عن مولى لعثمان بن عفان رضي الله عنه قال : بينا أنا مع عثمان في ماله بالعالية في يوم صائف إذ رأى رجلا يسوق بكرين وعلى الأرض مثل الفراش من الحر فقال : ما على هذا لو أقام بالمدينة حتى يبرد ثم يروح ثم دنا الرجل فقال : انظر من هذا فقلت أنا رجلا معمما بردائه يسوق بكرين ثم دنا الرجل فقال : انظر فنظرت ، فإذا عمر بن الخطاب فقلت هذا أمير المؤمنين فقام عثمان فأخرج رأسه من الباب فأداه لفح السموم فأعاد رأسه حتى حاذاه فقال : ما أخرجك هذه الساعة ؟ [ ص: 50 ] فقال : بكران من إبل الصدقة تخلفا ، وقد مضى بإبل الصدقة فأردت أن ألحقهما بالحمى وخشيت أن يضيعا فيسألني الله عنهما فقال عثمان يا أمير المؤمنين هلم إلى السماء والظل وتكفيك فقال : عد إلى ظلك فقلت عندنا من يكفيك فقال : عد إلى ظلك فمضى فقال عثمان " من أحب أن ينظر إلى القوي الأمين فلينظر إلى هذا " فعاد إلينا فألقى نفسه .

( قال الشافعي ) في حكاية قول عمر لعثمان في البكرين اللذين تخلفا وقول عثمان " من أحب أن ينظر إلى القوي الأمين فلينظر إلى هذا " ( أخبرنا ) مالك عن ابن شهاب يعني بما حكاه عن عمر وعثمان .

( قال الشافعي ) وإن كان للخليفة مال يحمل عليه في سبيل الله من إبل وخيل فلا بأس أن يدخلها الحمى ، وإن كان منها مال لنفسه فلا يدخلها الحمى فإنه إن يفعل ظلم ; لأنه منع منه وأدخل لنفسه ، وهو من أهل القوة .

( قال الشافعي ) وهكذا من كان له مال يحمل عليه في سبيل الله دون الخليفة قال : ومن سأل الوالي أن يقطعه في الحمى موضعا يعمره فإن كان حمى النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن إلا منعه إياه وأن عمر أبطل عمارته وكان كمن عمر فيما ليس له أن يعمر فيه ، وإن كان حمى أحدث بعده فكان يرى الحمى حقا كان له منعه ذلك ، وإن أراد العمارة كان له منعه العمارة ، وإن سبق فعمر لم يبن لي أن تبطل عمارته والله تعالى أعلم . ويحتمل إذا جعل الحمى حقا وكان هو في معنى ما حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ; لأنه حمى لمثل ما حماه له أن يبطل عمارته ، وإن أذن له الوالي بعمارة لم يكن له إبطال عمارته ; لأن إذنه له إخراج له من الحمى ، وقد يجوز أن يخرج ما أحدث حماه من الحمى ويحمي غيره إذا كان غير ضرر على من حماه عليه ، وليس للوالي بحال أن يحمي من الأرض إلا أقلها ، وقد يوسع الحمى حتى يقع موقعا ويبين ضرره على من حمى عليه ، وما أحدث من حمى فرعاه أحد لم يكن عليه في رعيته شيء أكثر من أن يمنع رعيته ، فأما غرم ، أو عقوبة فلا أعلمه عليه .
تشديد أن لا يحمي أحد على أحد

( قال الشافعي ) أخبرنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " { من منع فضول الماء ليمنع به الكلأ منعه الله فضل رحمته يوم القيامة } .

( قال الشافعي ) ففي هذا الحديث ما دل على أنه ليس لأحد أن يمنع فضل مائه ، وإنما يمنع فضل رحمة الله بمعصية الله فلما كان منع فضل الماء معصية لم يكن لأحد منع فضل الماء ، وفي هذا الحديث دلالة على أن مالك الماء أولى أن يشرب به ويسقي وأنه إنما يعطي فضله عما يحتاج إليه ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من منع فضل الماء ليمنع به الكلأ منعه الله فضل رحمته } وفضل الماء الفضل عن حاجة مالك الماء .

( قال الشافعي ) : وهذا أوضح حديث روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الماء ، وأشبه معنى ; لأن مالكا روى عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن عن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { لا يمنع نفع البئر } .

( قال الشافعي ) فكان هذا جملة ندب المسلمون إليها في الماء ، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أصحها وأبينها معنى .

( قال الشافعي ) وكل ماء ببادية يزيد في عين ، أو بئر ، أو غيل أو نهر بلغ مالكه منه حاجته لنفسه وماشيته وزرع إن كان له فليس له منع فضله عن حاجته من أحد يشرب ، أو يسقي ذا روح خاصة دون الزرع وليس لغيره أن يسقي منه زرعا ، ولا شجرا إلا أن يتطوع بذلك مالك الماء ، وإذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { من منع فضل الماء ليمنع به الكلأ منعه الله فضل رحمته } ففي هذا [ ص: 51 ] دلالة إذا كان الكلأ شيئا من رحمة الله أن رحمة الله رزقه خلقه عامة للمسلمين وليس لواحد منهم أن يمنعها من أحد إلا بمعنى ما وصفنا من السنة والأثر الذي في معنى السنة ، وفي منع الماء ليمنع به الكلأ الذي هو من رحمة الله عام يحتمل معنيين : أحدهما أن ما كان ذريعة إلى منع ما أحل الله لم يحل ، وكذلك ما كان ذريعة إلى إحلال ما حرم الله تعالى .

( قال الشافعي ) فإن كان هذا هكذا ففي هذا ما يثبت أن الذرائع إلى الحلال والحرام تشبه معاني الحلال والحرام ويحتمل أن يكون منع الماء إنما يحرم ; لأنه في معنى تلف على ما لا غنى به لذوي الأرواح والآدميين وغيرهم ، فإذا منعوا فضل الماء منعوا فضل الكلأ ، والمعنى الأول أشبه والله أعلم ، فلو أن جماعة كان لهم مياه ببادية فسقوا بها واستقوا ، وفضل منها شيء فجاء من لا ماء له يطلب أن يشرب أو يسقي إلى واحد منهم دون واحد لم يجز لمن معه فضل من الماء ، وإن قل منعه إياه إن كان في عين ، أو بئر ، أو نهر ، أو غيل ; لأنه فضل ماء يزيد ويستخلف ، وإن كان الماء في سقاء ، أو جرة ، أو وعاء ما كان ، فهو مختلف للماء الذي يستخلف فلصاحبه منعه ، وهو كطعامه إلا أن يضطر إليه مسلم والضرورة أن يكون لا يجد غيره بشراء ، أو يجد بشراء ، ولا يجد ثمنا فلا يسع عندي والله أعلم منعه ; لأن في منعه تلفا له ، وقد وجدت السنة توجب الضيافة بالبادية والماء أعز فقدا وأقرب من أن يتلف من منعه وأخف مؤنة على من أخذ منه من الطعام فلا أرى من منع الماء في هذه الحال إلا آثما إذا كان معه فضل من ماء في وعاء ، فأما من وجد غنى عن الماء بماء غير ماء صاحب الوعاء فأرجو أن لا يخرج من منعه .
إقطاع الوالي

( قال الشافعي ) رحمه الله : أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة قال : { لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أقطع الناس الدور فقال حي من بني زهرة يقال لهم بنو عبد بن زهرة نكب عنا ابن أم عبد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ابتعثني الله إذا ؟ إن الله لا يقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيهم حقه } .

( قال الشافعي ) في هذا الحديث دلائل :

منها أن حقا على الوالي إقطاع من سأله القطيع من المسلمين ; لأن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن الله لا يقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيهم حقه } دلالة أن لمن سأله الإقطاع أن يؤخذ للضعيف فيهم حقه وغيره ودلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع الناس بالمدينة وذلك بين ظهراني عمارة الأنصار من المنازل والنخل فلم يكن لهم بالعامر منع غير العامر ، ولو كان لهم لم يقطعه الناس ، وفي هذا دلالة على أن ما قارب العامر وكان بين ظهرانيه وما لم يقارب من الموات سواء في أنه لا مالك له فعلى السلطان إقطاعه ممن سأله من المسلمين .

( قال الشافعي ) أخبرنا ابن عيينة عن هشام عن عروة عن أبيه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع الزبير أرضا } وأن عمر بن الخطاب أقطع العقيق أجمع وقال أين المستقطعون ؟ .

( قال الشافعي ) والعقيق قريب من المدينة وقوله " أين المستقطعون نقطعهم " ، وإنما أقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عمر ومن أقطع ما لا يملكه أحد يعرف من الموات ، وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم { من أحيا مواتا فهو له } دليل على أن من أحيا مواتا كان له كما يكون له إن أقطعه واتباع في أن يملك [ ص: 52 ] من أحيا الموات ما أحيا كاتباع أمره في أن يقطع الموات من يحييه لا فرق بينهما ، ولا يجوز أن يقطع الموات من يحييه ولا مالك له ، وإذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { من أحيا مواتا فهو له } فعطية رسول الله صلى الله عليه وسلم عامة لمن أحيا الموات فمن أحيا الموات فبعطية رسول الله صلى الله عليه وسلم أحياه ، وعطيته في الجملة أثبت من عطية من بعده في النص والجملة ، وقد روي عن عمر مثل هذا المعنى لا يخالفه .
باب الركاز يوجد في بلاد المسلمين

( قال الشافعي ) رحمه الله : الركاز دفن الجاهلية أخبرنا ابن عيينة عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { لا حمى إلا لله ورسوله } .

( قال الشافعي ) فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا حمى إلا لله ورسوله } لم يكن لأحد أن ينزل بلدا غير معمور فيمنع منه شيئا يرعاه دون غيره وذلك أن البلاد لله عز وجل لا مالك لها من الآدميين ، وإنما سلط الله الآدميين على منع مالهم خاصة لا منع ما ليس لأحد بعينه وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا حمى إلا لله ولرسوله } أن لا حمى إلا حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاح المسلمين الذين هم شركاء في بلاد الله ليس أنه حمى لنفسه دونهم ولولاة الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحموا من الأرض شيئا لمن يحتاج إلى الحمى من المسلمين ، وليس لهم أن يحموا شيئا لأنفسهم دون غيرهم .

( قال الشافعي ) أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل مولى له يقال له هني على الحمى .

( قال الشافعي ) وقول عمر إنهم ليرون أني قد ظلمتهم يقول يذهب رأيهم أني حميت بلادا غير معمورة لنعم الصدقة ولنعم الفيء وأمرت بإدخال أهل الحاجة الحمى دون أهل القوة على المرعى في غير الحمى إلى أني قد ظلمتهم .

( قال الشافعي ) ولم يظلمهم عمر رضي الله عنه وإن رأوا ذلك ، بل حمى على معنى ما حمى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل الحاجة دون أهل الغنى وجعل الحمى حوزا لهم خالصا كما يكون ما عمر الرجل له خالصا دون غيره ، وقد كان مباحا قبل عمارته فكذلك الحمى لمن حمى له من أهل الحاجة ، وقد كان مباحا قبل يحمى .

قال : وبيان ذلك في قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت على المسلمين من بلادهم شبرا أنه لم يحم إلا لما يحمل عليه لمن يحتاج إلى الحمى من المسلمين أن يحموا ورأى إدخال الضعيف حقا له دون القوي فكل ما لم يعمر من الأرض فلا يحال بينه وبين المسلمين أن ينزلوا ويرعوا فيه حيث شاءوا إلا ما حمى الوالي لمصلحة عوام المسلمين فجعله لما يحمل عليه في سبيل الله من نعم الجزية وما يفضل من نعم الصدقة فيعده لمن يحتاج إليه من أهلها ، وما يصير إليه من ضوال المسلمين وماشية أهل الضعف دون أهل القوة .

( قال الشافعي ) وكل هذا عام المنفعة بوجوه ; لأن من حمل في سبيل الله فذلك لجماعة المسلمين ومن أرصد له أن يعطي من ماشية الصدقة فذلك لجماعة ضعفاء المسلمين ، وكذلك من ضعف من المسلمين فرعيت له ماشيته [ ص: 53 ] فذلك لجماعة ضعفاء المسلمين وأمر عمر رضي الله عنه أن لا يدخل نعم ابن عفان وابن عوف لقوتهما في أموالهما وإنهما لو هلكت ماشيتهما لم يكونا ممن يصير كلا على المسلمين فكذلك يصنع بمن له غنى غير الماشية .
الأحباس

أخبرنا الربيع بن سليمان قال أخبرنا الشافعي رحمه الله تعالى قال جميع ما يعطي الناس من أموالهم ثلاثة وجوه . ثم يتشعب كل وجه منها ، والعطايا منها في الحياة وجهان ، وبعد الوفاة واحد : فالوجهان من العطايا في الحياة مفترقا الأصل والفرع ، فأحدهما يتم بكلام المعطي والآخر يتم بأمرين ، بكلام المعطي وقبض المعطى أو قبض من يكون قبضه له قبضا .

( قال الشافعي ) والعطايا التي تتم بكلام المعطي دون أن يقبضها المعطى ما كان إذا خرج به الكلام من المعطى له جائرا على ما أعطى لم يكن للمعطي أن يملك ما خرج منه فيه الكلام بوجه أبدا وهذه العطية الصدقات المحرمات الموقوفات على قوم بأعيانهم ، أو قوم موصوفين وما كان في معنى هذه العطايا مما سبل محبوسا على قوم موصوفين ، وإن لم يسم ذلك محرما فهو محرم باسم الحبس .

( قال الشافعي ) : فإذا أشهد الرجل على نفسه بعطية من هذه فهي جائزة لمن أعطاها ، قبضها ، أو لم يقبضها ، ومتى قام عليه أخذها من يدي معطيها وليس لمعطيها حبسها عنه على حال بل يجبر على دفعها إليه ، وإن استهلك منها شيئا بعد إشهاده بإعطائها ضمن ما استهلك كما يضمنه أجنبي لو استهلكه ; لأنه إذا خرج من ملكه فهو والأجنبي فيما استهلك منه سواء ، ولو مات من جعلت هذه الصدقة عليه قبل قبضها ، وقد أغلت غلة أخذ وارثه حصته من غلتها ; لأن الميت قد كان مالكا لما أعطى ، وإن لم يقبضه كما يكون له غلة أرض لو غصبها ، أو كانت وديعة في يدي غيره فجحدها ثم أقر بها ، وإن لم يكن قبض ذلك ، ولو مات بها قبل أن يقبضها من تصدق بها عليه لم يكن لوارثه منها شيء وكانت لمن تصدق بها عليه ، ولا يجوز أن يقال ترجع موروثة والموروث إنما يورث ما كان ملكا للميت ، فإذا لم يكن للمتصدق الميت أن يملك شيئا في حياته ، ولا بحال أبدا لم يجز أن يملك الوارث عنه بعد وفاته ما لم يكن له أن يملك في حياته بحال أبدا .

قال : وفي هذا المعنى العتق ، إذا تكلم الرجل يعتق من يجوز له عتقه تم العتق ، ولم يحتج إلى أن يقبله المعتق ، ولم يكن للمعتق ملكه ، ولا لغيره ملك رق يكون له فيه بيع ، ولا هبة ، ولا ميراث بحال .

والوجه الثاني من العطايا في الحياة ما أخرجه المالك من يده ملكا تاما لغيره بهبته ، أو ببيعه ويورث عنه ، وهذا من العطايا يحل لمن أخرجه من يديه أن يملكه بوجوه ، وذلك أن يرث من أعطاه ، أو يرد عليه المعطى العطية ، أو يهبها له ، أو يبيعه إياها ، وهذا مثل النحل والهبة والصدقة غير المحرمة ، ولا التي في معناها بالتسبيل وغيره وهذه العطية تتم بأمرين :

إشهاد من أعطاها وقبضها بأمر من أعطاها والمحرمة والمسبلة تجوز بلا قبض . قيل : تقليد الهدي وإشعاره وسياقه وإيجابه بغير تقليد يكون على مالكه بلاغه البيت ونحوه والصدقة فيه بما صنع منه ، ولم يقبضه من جعل له وليس كذلك ما تصدق به بغير حبس مما لا يتم إلا بقبض من أعطيها لنفسه ، أو قبض غيره له ممن قبضه له قبض ، وهذا الوجه من العطايا لمعطيه أن يمنعه من أعطاه إياه ما لم يقبضه ، ومتى رجع في عطيته قبل قبض من أعطيه فذلك له ، وإن مات المعطى قبل يقبض العطية فالمعطي بالخيار إن أحب أن يعطيها ورثته عطاء مبتدأ لا عطاء موروثا عن المعطى ; لأن المعطى لم يملكها فعل وذلك أحب إلي له ، وإن شاء حبسها [ ص: 54 ] عنهم ، وإن مات المعطي قبل يقبضها المعطى فهي لورثة المعطي ; لأن ملكها لم يتم للمعطى . قال : والعطية بعد الموت هي الوصية لمن أوصى له في حياته فقال : إذا مت فلفلان كذا فله أن يرجع في الوصية ما لم يمت ، فإذا مات ملك أهل الوصايا وصاياهم بلا قبض كان من المعطى ، ولا بعده وليس للورثة أن يمنعوه الموصى لهم ، وهو لهم ملكا تاما - قال : وأصل ما ذهبنا إليه أن هذا موجود في السنة والآثار ، أو فيهما ففرقنا بينه اتباعا وقياسا .
الخلاف في الصدقات المحرمات

( قال الشافعي ) رحمه الله : فخالفنا بعض الناس في الصدقات المحرمات وقال من تصدق بصدقة محرمة وسبلها فالصدقة باطل وهي ملك للمتصدق في حياته ولوارثه بعد موته قبضها من تصدق بها عليه ، أو لم يقبضها وقال لي بعض من يحفظ قول قائل هذا : إنا رددنا الصدقات الموقوفات بأمور قلت له وما هي ؟ فقال قال شريح جاء محمد صلى الله عليه وسلم بإطلاق الحبس فقلت له وتعرف الحبس التي جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بإطلاقها ؟ قال لا أعرف حبسا إلا الحبس بالتحريم فهل تعرف شيئا يقع عليه اسم الحبس غيرها ؟

( قال الشافعي ) فقلت له أعرف الحبس التي جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بإطلاقها وهي غير ما ذهبت إليه وهي بينة في كتاب الله عز وجل قال اذكرها قلت : قال الله عز وجل { ما جعل الله من بحيرة ، ولا سائبة ، ولا وصيلة ، ولا حام } فهذه الحبس التي كان أهل الجاهلية يحبسونها فأبطل الله شروطهم فيها وأبطلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبطال الله إياها وهي أن الرجل كان يقول : إذا نتج فحل إبله ثم ألقح فأنتج منه هو حام أي قد حمى ظهره فيحرم ركوبه ويجعل ذلك شبيها بالعتق له ويقول في البحيرة والوصيلة على معنى يوافق بعض هذا ويقول لعبده أنت حر سائبة لا يكون لي ، ولاؤك ، ولا علي عقلك قال : فهل قيل في السائبة غير هذا ؟ فقلت نعم قيل إنه أيضا في البهائم قد سيبتك ( قال الشافعي ) فلما كان العتق لا يقع على البهائم رد رسول الله صلى الله عليه وسلم ملك البحيرة والوصيلة والحام إلى مالكه وأثبت العتق وجعل الولاء لمن أعتق السائبة وحكم له بمثل حكم النسب ، ولم يحبس أهل الجاهلية علمته دارا ولا أرضا تبررا بحبسها ، وإنما حبس أهل الإسلام ( قال الشافعي ) فالصدقات يلزمها اسم الحبس وليس لك أن تخرج مما لزمه اسم الحبس شيئا إلا بخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على ما قلت وقلت أخبرنا سفيان عن عبد الله بن عمر بن حفص العمري عن نافع عن عبد الله بن عمر { أن عمر بن الخطاب ملك مائة سهم من خيبر اشتراها فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني أصبت مالا لم أصب مثله قط ، وقد أردت أن أتقرب به إلى الله عز وجل فقال حبس الأصل ، وسبل الثمرة } .

( قال الشافعي ) وأخبرني عمر بن حبيب القاضي عن عبد الله بن عون عن نافع عن ابن عمر { بأن عمر بن الخطاب قال يا رسول الله إني أصبت مالا من خيبر لم أصب مالا قط أعجب إلي أو أعظم عندي منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئت حبست أصله وسبلت ثمره } فتصدق به عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم حكى صدقته به .

( قال الشافعي ) فقال : إن كان هذا ثابت فلا يجوز إلا أن يكون الحبس التي أطلق غير الحبس التي أمر بحبسها قلت هذا عندنا ، وعندك ثابت ، وعندنا أكثر من هذا ، وإن كانت الحجة تقوم عندنا ، وعندك بأقل [ ص: 55 ] منه قال فكيف أجزت الصدقات المحرمات ، وإن لم يقبضها من تصدق بها عليه ؟ فقلت اتباعا وقياسا فقال : وما الاتباع ؟ فقلت له لما سأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ماله فأمره أن يحبس أصل ماله ويسبل ثمره دل ذلك على إجازة الحبس وعلى أن عمر كان يلي حبس صدقته ويسبل ثمرها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لا يليها غيره ، قال : فقال : أفيحتمل قول النبي صلى الله عليه وسلم حبس أصلها وسبل ثمرها اشترط ذلك ؟ قلت نعم والمعنى الأول أظهرهما وعليه من الخبر دلالة أخرى قال وما هي ؟ قلت إذا كان عمر لا يعرف وجه الحبس أفيعلمه حبس الأصل وسبل الثمر ويدع أن يعلمه أن يخرجها من يديه إلى من يليها عليه ولمن حبسها عليه ; لأنها لو كانت لا تتم إلا بأن يخرجها المحبس من يديه إلى من يليها دونه ، كان هذا أولى أن يعلمه ; لأن الحبس لا يتم إلا به ، ولكنه علمه ما يتم له ، ولم يكن في إخراجها من يديه شيء يزيد فيها ، ولا في إمساكها يليها هو شيء ينقص صدقته ، ولم يزل عمر بن الخطاب المتصدق بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يلي فيما بلغنا صدقته حتى قبضه الله تبارك وتعالى ، ولم يزل علي بن أبي طالب رضي الله عنه يلي صدقته بينبع حتى لقي الله عز وجل ، ولم تزل فاطمة عليها السلام تلي صدقتها حتى لقيت الله تبارك وتعالى .

( قال الشافعي ) أخبرنا بذلك أهل العلم من ولد فاطمة وعلي وعمر ومواليهم ولقد حفظنا الصدقات عن عدد كثير من المهاجرين والأنصار لقد حكى لي عدد كثير من أولادهم وأهليهم أنهم لم يزالوا يلون صدقاتهم حتى ماتوا ينقل ذلك العامة منهم عن العامة لا يختلفون فيه ، وإن أكثر ما عندنا بالمدينة ومكة من الصدقات لكما وصفت لم يزل يتصدق بها المسلمون من السلف يلونها حتى ماتوا وأن نقل الحديث فيها كالتكلف ، وإن كنا قد ذكرنا بعضه قبل هذا .

فإذا كنا إنما أجزنا الصدقات ، وفيها العلل التي أبطلها صاحبك بها من قول شريح جاء محمد بإطلاق الحبس بأنه لا يجوز أن يكون مال مملوكا ثم يخرجه مالكه من ملكه إلى غير مالك له كله إلا بالسنة واتباع الآثار فكيف اتبعناهم في إجازتها وإجازتها أكثر ونترك اتباعهم في أن يحوزها كما حازوها ، ولم يولوها أحدا ؟ فقال : فما الحصة فيه من القياس ؟ قلت له لما { أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحبس الأصل أصل المال وتسبل الثمرة } دل ذلك على أنه أجاز أن يخرجه مالك المال من ملكه بالشرط إلى أن يصير المال محبوسا لا يكن لمالكه بيعه ، ولا أن يرجع إليه بحال كما لا يكون لمن سبل ثمره عليه بيع الأصل ، ولا ميراثه فكان هذا مالا مخالفا لكل مال سواه ; لأن كل مال سواه يخرج من مالكه إلى مالك فالمالك يملك بيعه وهبته ويجوز للمالك الذي أخرجه من ملكه أن يملكه بعد خروجه من يديه ببيع وهبة وميراث وغير ذلك من وجوه الملك ويجامع المال المحبوس الموقوف العتق الذي أخرجه مالكه من ماله بشيء جعله الله إلى غير ملك نفسه ، ولكن ملكه منفعة نفسه بلا ملك لرقبته كما ملك المحبس من جعل منفعة المال له بغير ملك منه لرقبة المال وكان بإخراجه الملك من يديه محرما على نفسه أن يملك المال بوجه أبدا كما كان محرما أن يملك العبد بشيء أبدا فاجتمعا في معنيين ، وإن كان العبد مفارقه في أنه لا يملك منفعة نفسه غير نفسه كما يملك منفعة المال مالك ، وذلك أن المال لا يكون مالكا إنما يملك الآدميون ، فلو قال قائل لماله أنت حر لم يكن حرا ، ولو قال أنت موقوف لم يكن موقوفا ; لأنه لم يملك منفعته أحدا ، وهو إذا قال لعبده أنت حر ، فقد ملكه منفعة نفسه فقال قد قال فيها فقهاء المكيين وحكامهم قديما وحديثا ، وقد علمنا أنهم يقولون قولك ، وأبو يوسف حين أجاز الصدقات قال قولك في أنها تجوز ، وإن وليها صاحبها حتى يموت واحتج فيها بأنه إنما أجازها اتباعا وأن المتصدقين بها من السلف ولوها حتى ماتوا ، ولكنا قد ذهبنا فيها وبعض البصريين إلى أن الرجل إن لم يخرجها من [ ص: 56 ] ملكه إلى من يليها دونه في حياته لمن تصدق بها عليه كانت منتقضة وأنزلها منزلة الهبات ، وتابعنا بعض المدنيين فيها وخالفنا في الهبات .

( قال الشافعي ) فقلت له قد حفظنا عن سلفنا ما وصفت وما أعرف عن أحد من التابعين أنه أبطل صدقة بأن لم يدفعها المتصدق بها إلى وال في حياته وما هذا إلا شيء أحدثه منهم من لا يكون قوله حجة على أحد وما أدري لعله سمع قولكم ، أو قول بعض البصريين فيه فاتبعه فقال وأنا أقوم بهذا القول عليك قلت له هذا قول تخالفه فكيف تقوم به ؟ قال أقوم به لمن قاله من أصحابنا وأصحابك فأقول إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه نحل عائشة جداد عشرين وسقا فمرض قبل أن تقبضه فقال لها : لو كنت خزنتيه وقبضتيه كان لك ، وإنما هو اليوم مال الوارث ، وإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال ما بال رجال ينحلون أبناءهم نحلا ثم يمسكونها فإن مات أحدهم قال مال أبي نحلنيه ، وإن مات ابنه قال مالي وبيدي لا نحلة إلا نحلة يحوزها الولد دون الوالد حتى يكون إن مات أحق بها " وأنه شكا إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه قول عمر فرأى أن الوالد يجوز لولده ما داموا صغارا ، فأقول إن الصدقات الموقوفات قياسا على هذا .
ولا أزعم ما زعمت من أنها مفترقة فقلت له أفرأيت لو اجتمعت هي والصدقات في معنى واختلفتا في معنيين ، أو أكثر الجمع بينهما أولى بتأويل ، أو التفريق ؟ قال بل التفريق فقلت له أفرأيت الهبات كلها والنحل والعطايا سوى الوقف لو تمت لمن أعطيها ثم ردها على الذي أعطاها ، أو لم يقبلها منه ، أو رجعت إليه بميراث ، أو شراء ، أو غير ذلك من وجوه الملك أيحل له أن يملكها ؟ قال نعم : قلت ، ولو تمت لمن أعطيها حل له بيعها وهبتها ؟ قال : نعم ، قلت : أفتجد الوقف إذا تم لمن وقف له يرجع إلى مالكه أبدا بوجه من الوجوه ، أو يملكه من وقف عليه ملكا يكون له فيه بيعه وهبته وأن يكون موروثا عنه ؟ قال : لا ، قلت والوقوف خارجه من ملك مالكها بكل حال ومملوكة المنفعة لمن وقفت عليه غير مملوكة الأصل ؟ قال نعم : قلت أفترى العطايا تشبه الوقوف في معنى واحد من معانيها ؟ قال في أنها لا تجوز إلا مقبوضة قلت : كذلك قلت أنت فأراك جعلت قولك أصلا قال : قسته على ما ذكرت إن خالف بعض أحكامه قلت : فكيف يجوز أن يقاس الشيء بخلافه وهي مخالفة لما ذكرت من العطايا غيرها ؟ أورأيت لو قال لك قائل : أراك تسلك بالعطايا كلها مسلكا واحدا فأزعم أن الرجل إذا أوجب الهدي على نفسه بكلام ، أو ساقه ، أو قلده أو أشعره كان له أن يبيعه ويهبه ويرجع ; لأنه لمساكين الحرم ، ولم يقبضوه أله ذلك ؟ قال : لا .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #152  
قديم 29-07-2022, 07:32 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 88,138
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله




كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
المجلد الرابع

الحلقة (152)
صــــــــــ 57 الى صـــــــــــ63






قلت وأنت تقول لو دفع رجل إلى وال مالا يحمل به في سبيل الله ، أو يتصدق به متطوعا لم يكن له أن يخرجه من يدي الوالي بل يدفعه ؟ قال نعم قال ما العطايا بوجه واحد قلت فعمدت إلى ما دلت عليه السنة وجاءت الآثار بإجازته من الصدقات المحرمات فجعلته قياسا على ما يخالفه وامتنعت من أن تقيس عليه ما هو أقرب منه مما لا أصل فيه تفرق بينه وبينه . قال : وقلت له لو قال لك قائل : أنا أزعم أن الوصية لا تجوز إلا مقبوضة . قال : وكيف تكون الوصية مقبوضة ؟ قلت بأن يدفعها الموصي إلى الموصى له ويجعلها له بعد موته فإن مات جازت ، وإن لم يدفعها لم تجز كما أعتق رجل مماليك له فأنزلها النبي صلى الله عليه وسلم وصية ، وكما يهب في المرض فيكون وصية قال ليس ذلك له . قلت : فإن قال لك ولم ؟ قال أقول ; لأن الوصايا مخالفة للعطايا في الصحة قلت : فأذكر من قال يجوز بغير ما وصفنا من السلف . قال : ما أحفظه عن السلف وما أعلم فيه اختلافا قلنا : فبان لك أن المسلمين فرقوا بين العطايا ، قال : ما وجدوا بدا من التفريق بينهما . قلت : والوصايا بالعطايا أشبه من الوقف بالعطايا ، فإن للموصي أن يرجع في وصيته بعد الإشهاد عليها ويرجع في ماله إن مات من أوصى له بها ، أو ردها فكيف باينت بين [ ص: 57 ] العطايا والوصايا سواها وامتنعت من المباينة بين الوقف والعطايا سواه وأنت تفرق بين العطايا سواه فرقا بينا فنقول في العمرى هي لصاحبها لا ترجع إلى الذي أعطاها ، ولا تقول هذا في العارية ، ولا العطية غير العمرى ، قال بالسنة . قلت : وإذا جاءت السنة اتبعتها ؟ قال فذلك يلزمني . قلت : فقد وصفت لك في الوقف السنة والخبر العام عن الصحابة ، ولم تتبعه ، وقلت له أرأيت النحل والهبة والعطايا غير الوقف ألصاحبها أن يرجع فيها ما لم يقبضها من جعلها له ؟ قال : نعم ، قلت : فمن تقويت به فمن قال قولك من أصحابنا يقول لا يرجع فيها ، وإن مات قبل يقبضها من أعطيها رجعت ميراثا يكون في ذلك الوقف فيسوي بين قوليه ، قال : فهذا قول لا يستقيم ، ولا يجوز فيه إلا واحد من قولين إما أن يكون كما قلت إذا تكلم بالوقف ، أو العطية تمت لمن جعلها له وجبر على إعطائها إياه ، وإما أن يكون لا يتم إلا بالقبض مع العطايا فيكون له أن يرجع ما لم تتم بقبض من أعطيها ، ولا يجوز أبدا أن يكون له حبسها إذا تكلم بإعطائها ، ولا يكون لوارثه ملكها عنه إذا لم ترجع في حياته إلى ملكه لم ترجع في وفاته إلى ملكه فتكون موروثة عنه ، وهذا قول محال وكل ما وهبت لك فلي الرجوع فيه ما لم تقبضه ، أو يقبض لك ، وهذا مثل أن أقول : قد بعتك عبدي بألف فإن قلت قد رجعت قبل أن تختار أخذه كان لي الرجوع وكل أمر لا يتم إلا بأمرين لم يجز أن يملك بواحد . فقلت : هذا كما قلت إن شاء الله ، ولكن رأيتك ذهبت إلى رد الصدقات قال ما عندي فيها أكثر مما وصفت فهل لك فيها حجة غير ما ذكرت مما لزمك به عندنا إثبات الصدقات ؟ قال ما عندي فيها أكثر مما وصفت .

( قال الشافعي ) رحمه الله قلت ففيما وصفت أن صدقات المهاجرين والأنصار بالمدينة معروفة قائمة ، وقد ورث المهاجرين والأنصار النساء الغرائب والأولاد ذوو الدين والإهلاك لأموالهم والحاجة إلى بيعه فمنعهم الحكام في كل دهر إلى اليوم فكيف أنكرت إجازتها مع عموم العلم ؟ وأنت تقول لو أخرج رجل بيتا من داره فبناه مسجدا وأذن فيه لمن صلى ، ولم يتكلم بوقفه كان وقفا للمصلين ، ولم يكن له أن يعود في ملكه إذا أذن للمصلين فيه ، وفي قولك هذا أنه لم يخرجه من ملكه ، ولو كان إذنه في الصلاة إخراجه من ملكه كان إخراجه إلى غير مالك بعينه فكان مثل الحبس الذي يلزمك إطلاقها لحديث شريح فعمدت إلى ما جاءت به السنة من الوقف في الأموال والدور وما أخرجه مالكه من ملك نفسه فأبطلته بعلة وأجزت المسجد بلا خبر من أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاوزت القصد فيه فأخرجته من ملك صاحبه ، ولم يخرجه صاحب من ملكه إنما يخرجه بالكلام وأنت تعيب على المدنيين أن يقضوا بحيازة عشرة وعشرين سنة .

إذا حاز الرجل الدار والمحوز عليه حاضر يراه يبنيها ويهدمها ، وهو يبيع المنازل لا يكلمه فيها . وقلت الصمت والحوز لا يبطل الحق إنما يبطله القول وتجعل إذن صاحب المسجد - ، وهو لم ينطق بوقفه - وقفا فتزكن عليه وتعيب ما هو أقوى في الحجة من قول المدنيين في الحيازة من قولك في المسجد وتقول هذا وهو إزكان ، وقلت له : أرأيت لو أذن في داره للحاج أن ينزلوها سنة ، أو سنتين أتكون صدقة عليهم ؟ قال لا وله منعهم متى شاء من النزول فيها ، قلت : فكيف لم تقل هذا في المسجد يخرجه من الدار ، ولا يتكلم بوقفه . فقال : إن صاحبينا قد عابا قول صاحبهم وصارا إلى قولكم في إجازة الصدقات ، فقلت له ما زاد قولنا قوة بنزوعهما إليه ، ولا ضعفا بفراقهما حين فارقاه ولهما بالرجوع إليه أسعد ، وما علمتهما أفادا حين رجعا إليه علما كانا يجهلانه ، قال : ولكن قد يصح عندهما الشيء بعد أن لم يصح ، فقلت : الله أعلم كيف كان رجوعهما ومقامهما والرجوع بكل حال خير لهما إن شاء الله وقلت له أيجوز لعالم أن يأتيه الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر منصوص فيقول به ، وإن عارضه [ ص: 58 ] معارض بخبر غير منصوص فيقول به ثم يأتي مثله فلا يقبله ويصرف أصلا إلى أصل ؟ قال : لا ، قلت : فقد فعلت وصرفت الصدقات إلى النحل وهما مفترقان عندك . وقلت له : أيجوز أن يأتيك الحديث عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقات بأمر يدل على أنهم تصدقوا بها وولوها وهم لا يفعلون إلا الجائز عندهم ، ثم يقولون في النحل عندهم : إنما تكون بأن تكون مقبوضات ، فتقول : أجعلوا الصدقات مثله ؟ قال : لا ، قلت : فقد فعلت قال : فلو كان هذا مأثورا عندهم عرفه الحجازيون ، فقلت قد ذكرت لك بعض ما حضرني من الأخبار على الدلالة عليه وأنه قول المكيين ، ولا أعلم من متقدمي المدنيين أحدا قال بخلافه .

( قال الشافعي ) ووصفت لك أن أهل هذه الصدقات من آل علي وغيرهم قد ذكروا ما وصفت من أن عليا رضي الله عنه ومن تصدق لم يزل يلي صدقته وصدقاتهم فيه جارية ثم ثبتت قائمة مشهورة القسم والموضع إلى اليوم ، وهذا أقوى من خبر الخاصة ، فقال فما تقول في الرجل يتصدق على ابنه ، أو ذي رحمه ، أو أجنبي بصدقة غير محرمة ، ولا في سبيل المحرمة بالتسبيل أيكون له ما لم يقبضها المتصدق عليه أن يرجع فيها ؟ قلت : نعم ، قال وسبيلها سبيل الهبات والنحل ؟ قلت : نعم . قال فأين هذا لي ؟ قلت معنى تصدقت عليك متطوعا معنى وهبت لك ونحلتك ; لأنه إنما هو شيء من مالي لم يلزمني أن أعطيكه ، ولا غيرك أعطيتك متطوعا ، وهو يقع عليه اسم صدقة ونحل وهبة وصلة وإمتاع ومعروف وغير ذلك من أسماء العطايا وليس يحرم علي لو أعطيتكه فرددته علي أن أملكه ، ولو مت أن أرثه كما يحرم علي لو تصدقت عليك بصدقة محرمة أن أملكها عنك بميراث ، أو غيره ، وقد لزمها اسم صدقة بوجه أبدا ؟ قلت له نعم أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن عبد الله بن يزيد الأنصاري ذكر الحديث .

( قال الشافعي ) وأخبرنا الثقة ، أو سمعت مروان بن معاوية عن عبد الله بن عطاء المديني عن ابن بريدة الأسلمي عن أبيه { أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني تصدقت على أمي بعبد وإنها ماتت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجبت صدقتك ، وهو لك بميراثك } قال فلم جعلت ما تصدق به غير واجب عليه على أحد بعينه في معنى الهبات تحل لمن لا تحل له الصدقة الواجبة فهل من دليل على ما وصفت ؟ قلت : نعم أخبرني محمد بن علي بن شافع قال أخبرني عبد الله بن حسن بن حسين عن غير واحد من أهل بيته وأحسبه قال زيد بن علي أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدقت بمالها على بني هاشم وبني المطلب وأن عليا رضي الله عنه تصدق عليهم وأدخل معهم غيرهم .

( قال الشافعي ) وأخرج إلى والي المدينة صدقة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأخبرني أنه أخذها من آل أبي رافع وأنها كانت عندهم فأمر بها فقرئت علي ، فإذا فيها تصدق بها علي رضي الله عنه على بني هاشم وبني المطلب وسمى معهم غيرهم ، قال وبنو هاشم وبنو المطلب تحرم عليهم الصدقة المفروضة ، ولم يسم علي ، ولا فاطمة منهم غنيا ، ولا فقيرا ، وفيهم غني .

( قال الشافعي ) أخبرنا إبراهيم عن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه أنه كان يشرب من سقايات كان يضعها الناس بين مكة والمدينة فقلت أو قيل له ؟ فقال : إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة .

( قال الشافعي ) فقال أفتجيز أن يتصدق الرجل على الهاشمي والمطلبي والغني منهم ومن غيرهم متطوعا ؟ فقلت : نعم استدلالا بما وصفت وأن الصدقة تطوعا إنما هي عطاء ، ولا بأس أن يعطى الغني تطوعا قال : فهل تجد أنه يجوز أن يعطى الغني ؟ فقلت : ما للمسألة من هذا موضع ، ولا بأس أن يعطى الغني قال : فاذكر فيه حجة قلت أخبرنا سفيان عن معمر عن الزهري عن السائب بن يزيد عن حويطب بن عبد العزى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : استعملني ، قال : فهل تحرم الصدقة [ ص: 59 ] تطوعا على أحد ؟ فقلت : لا إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يأخذها ويأخذ الهدية ، وقد يجوز تركه إياها على ما رفعه الله به وأبانه من خلقه تحريما ويجوز لغير ذلك ; لأن معنى الصدقات من العطايا هبة لا يراد ثوابها ومعنى الهدية يراد ثوابها قال : أفتجد دليلا على قبوله الهدية ؟ فقلت : نعم ، أخبرنيه مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن القاسم بن محمد عن عائشة { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل فقرب إليه خبز وأدم من أدم البيت فقال ألم أر برمة لحم فقالوا ذلك شيء تصدق به على بريرة فقال هو لها صدقة ، وهو لنا هدية } فقال : ما الذي يجوز أن يكون صدقة محرمة ؟ قلت : كل ما كان الشهود يسمونه بحدود من الأرضين والدور معمورها وغير معمورها والرقيق فقال أما الأرضون والدور فهي صدقات من مضى فكيف أجزت الرقيق وأصحابنا لا يجيزون الصدقة بالرقيق إلا أن يكونوا في الأرض المتصدق بها فقلت له تصدق السلف بالدور والنخل ولعل في النخل زرعا أفرأيت إن قال قائل لا أجيز الصدقة بحمام ، ولا مقبرة ; لأنهما مخالفان للدور وأراضي النخل والزرع هل الحجة عليه إلا أن يقال إذا كان السلف تصدقوا بدور وأراضي نخل وزرع فكان ذلك إنما يعرف بالحدود وقد تتغير ، وكذلك الحمام والمقبرة يعرفان بحد ، وإن تغيرا قال هذه حجة عليه قال ، فإذا كانوا يعرفون العبيد بأعيانهم أتجدهم في معرفة الشهود بهم في معنى الأرضين والنخل ، أو أكثر بأنهم إذا عرفوا بأعيانهم كانوا كأرض تعرف حدودها ؟ قال إنهم لقريب مما وصفت قلت فكيف أبطلت الصدقة المحرمة فيهم ؟ قال قد يهلكون ويأبقون وتنقطع منفعتهم قلت فكل هذا يدخل الأرض والشجر قد تخرب الأرض بذهاب الماء ويأتي عليها السيل فيذهب بها وتنهدم الدار ويذهب بها السيل فما كانت قائمة فهي موقوفة ، ولا جناية لنا فيما أتى عليها من قضاء الله عز وجل قلت : وكذلك العبد لا جناية لنا في ذهابه ، ولا نقصه .

( قال الشافعي ) وكل ما عرف بعينه وقطع عليه الشهود مثل الإبل والبقر والغنم أنه صدقة محرمة جازت الصدقة في الماشية قال وتتم الصدقات المحرمات أن يتصدق بها مالكها على قوم معروفين بأعيانهم وأنسابهم وصفاتهم ويجمع في ذلك أن يقول المتصدق بها تصدقت بداري هذه على قوم ، أو رجل معروف بعينه يوم تصدق بها ، أو صفته أو نسبه حتى يكون إنما أخرجها من ملكه لمالك ملكه منفعتها يوم أخرجها ويكون مع ذلك أن يقول : صدقة لا تباع ، ولا توهب ، أو يقول : لا تورث ، أو يقول : غير موروثة أو يقول : صدقة محرمة ، أو يقول : صدقة مؤبدة ، فإذا كان واحد من هذا ، فقد حرمت الصدقة فلا تعود ميراثا أبدا ، وإن قال : صدقة محرمة على من لم يكن بعدي بعينه ولا نسبه ثم على بني فلان ، أو قال : صدقة محرمة على من كان بعدي بعينه فالصدقة منفسخة ، ولا يجوز أن يخرجها من ملكه إلا إلى مالك منفعة له فيها يوم يخرجها إليه ، وإذا انفسخت عادت في ملك صاحبها كما كانت قبل أن يتصدق بها .

ولو تصدق بداره صدقة محرمة على رجل بعينه ، أو قوم بأعيانهم ، ولم يسلبها على من بعدهم كانت محرمة أبدا ، فإذا انقرض الرجل المتصدق بها عليه ، أو القوم المتصدق بها عليهم كانت هذه صدقة محرمة بحالها أبدا ورددناها على أقرب الناس بالرجل الذي تصدق بها يوم ترجع الصدقة إنما تصير غير راجعة موروثة بواحد مما وصفنا أو ما كان في معناه ، وإنما فسخناها إذا تصدق بها فكانت حين عقدت صدقة لا مالك لمنفعتها ; لأنه لا يجوز أن تخرج من مالك إلى غير مالك منفعة ; لأنها لا تملك منفعة نفسها كما يملك العبد منفعة نفسه بالعتق ، ولا يزول عنها الملك إلا إلى مالك منفعة فيها فأما إذا لم يقل في صدقته محرمة ، أو بعض ما قلنا مما هو في معنى تحريمها من شرط المتصدق فالصدقة كالهبات تملك بما تملك به الأموال غير المحرمات وكالعمرى ، أو غيرها من العطايا . وسواء في الصدقات المحرمات يوم يتصدق بها إلى مالك يملك منفعتها سبلت بعده ، أو لم تسبل [ ص: 60 ] أو دفعت إليه ، أو إلى غير المتصدق أو لم تدفع كل ذلك يحرم بيعها بكل حال وسواء في الصدقات كل ما جازت فيه الصدقات المحرمات من أرض ودار وغيرهما وعلى ما شرط المتصدق لمن تصدق بها عليه من منفعتها فإن شرط أن لبعضهم على بعض الأثرة بالتقدمة ، أو الزيادة من المنفعة فذلك على ما اشترط فإن شرطها عليهم بأسمائهم وأنسابهم فسواء كانوا أغنياء ، أو فقراء فإن قال الأحوج منهم فالأحوج كانت على ما شرط لا يعدى بها شرطه ، وإن شرطها على جماعة رجال ونساء تخرج النساء منها إذا تزوجن ويرجعن إليها بالفراق وموت الأزواج كانت على ما شرط ، وكذلك إن شرط بأن يخرج الرجال منها بالغين ويدخلوا صغارا ، أو يخرجوا أغنياء ويدخلوا فقراء ، أو يخرجوا غيبا عن البلد الذي به الصدقة ويدخلوا حضورا كيفما شرط أن يكون ذلك كان إذا بقي لمنفعتها مالك سوى من أخرجه منها .
الخلاف في الحبس وهي الصدقات الموقوفات

( قال الشافعي ) رحمه الله : وخالفنا بعض الناس في الصدقات الموقوفات فقال لا تجوز بحال قال وقال شريح جاء محمد صلى الله عليه وسلم بإطلاق الحبس قال وقال شريح لا حبس عن فرائض الله تعالى .

( قال الشافعي ) والحبس التي جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بإطلاقها والله أعلم ما وصفنا من البحيرة والوصيلة والحام والسائبة إن كانت من البهائم فإن قال قائل ما دل على ما وصفت ؟ قيل ما علمنا جاهليا حبس دارا على ولد ، ولا في سبيل الله ، ولا على مساكين وحبسهم كانت ما وصفنا من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بإطلاقها والله أعلم وكان بينا في كتاب الله عز وجل إطلاقها ، فإن قال قائل : فهو يحتمل ما وصفت ويحتمل إطلاق كل حبس فهل من خبر يدل على أن هذا الحبس في الدور والأموال خارجة من الحبس المطلقة ؟ قيل : نعم أخبرنا سفيان عن عبد الله بن عمر عن ابن عمر قال { جاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أصبت مالا لم أصب مثله قط ، وقد أردت أن أتقرب به إلى الله عز وجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس أصله وسبل ثمرته } .

( قال الشافعي ) وحجة الذي أبطل الصدقات الموقوفات أن شريحا قال : لا حبس عن فرائض الله تعالى لا حجة فيها عندنا ، ولا عنده ; لأنه يقول قول شريح على الانفراد لا يكون حجة ، ولو كان حجة لم يكن في هذا حبس عن فرائض الله عز وجل فإن قال : وكيف ؟ قيل : إنما أجزنا الصدقات الموقوفات إذا كان المتصدق بها صحيحا فارغة من المال فإن كان مريضا لم نجزها إلا من الثلث إذا مات من مرضه ذلك وليس في واحدة من الحالين حبس عن فرائض الله تعالى فإن قال قائل : وإذا حبسها صحيحا ثم مات لم تورث عنه قيل : فهو أخرجها ، وهو مالك لجميع ماله يصنع فيه ما يشاء ويجوز له أن يخرجها لأكثر من هذا عندنا ، وعندك أرأيت لو وهبها لأجنبي ، أو باعه إياها فحاباه أيجوز ؟ فإن قال : نعم ، قال : فإذا فعل ثم مات أتورث عنه ؟ فإن قال : لا ، قيل : فهذا قرار من فرائض الله تعالى فإن قال : لا ; لأنه أعطى ، وهو يملك وقبل وقوع فرائض الله تعالى قيل : وهكذا الصدقة تصدق بها صحيحا قبل وقوع [ ص: 61 ] فرائض الله تعالى ، وقولك : لا حبس عن فرائض الله تعالى محال ; لأنه فعله قبل أن تكون فرائض الله في الميراث ; لأن الفرائض إنما تكون بعد موت المالك ، وفي المرض .

( قال الشافعي ) وحجة الذي صار إليه من أبطل الصدقات أن قال : إنها في معنى البحيرة والوصيلة والحامي ; لأن سيدها أخرجها من ملكه إلى غير مالك قيل : له قد أخرجها إلى مالك يملك منفعتها بأمر جعله لله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والبحيرة والوصيلة والحامي لم تخرج رقبته ، ولا منفعته إلى مالك فهما متباينان فكيف تقيس أحدهما بالآخر ؟

( قال الشافعي ) والذي يقول هذا القول يزعم أن الرجل إذا تصدق بمسجد له جاز ذلك ، ولم يعد في ملكه وكان صدقة موقوفا على من صلى فيه ، فإذا قيل له : فهل أخرجه إلى مالك يملك منه ما كان مالكه يملك ؟ قال : لا ، ولكن ملك من صلى فيه الصلاة وجعله لله تبارك وتعالى ، فلو لم يكن عليه حجة بخلاف السنة إلا ما أجازه في المسجد مما ليس فيه سنة ورد من الدور والأرضين ، وفي الأرضين سنة كان محجوجا فإن قال قائل : أجيز الأرضين والدور ; لأن في الأرضين سنة والدور مثلها ; لأنها أرضون تغل ، وأراد المساجد كان أولى أن يكون قوله مقبولا ممن رد الدور والأرضين وأجاز المساجد ثم تجاوز في المساجد إلى أن قال : لو بنى رجل في داره مسجدا فأخرج له بابا وأذن للناس أن يصلوا فيه كان حبسا وقفا ، وهو لم يتكلم بوقفه ، ولا بحبسه وجعل إذنه بالصلاة كالكلام بحبسه ووقفه .

( قال الشافعي ) فعاب هذا القول عليه صاحباه واحتجا عليه بما ذكرنا وأكثر منه وقالا : هذا جهل ، صدقات المسلمين في القديم والحديث أشهر من أن ينبغي أن يجهلها عالم ، وأجازوا الصدقات المحرمات في الدور والأرضين على ما أجزناها عليه ثم اعتدل قول أبي يوسف فيها فقال : بأحسن قول فقال : تجوز الصدقات المحرمات إذا تكلم بها صاحبها قبضت ، أو لم تقبض وذلك أنا إنما أجزناها اتباعا لمن كان قبلنا مثل عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما وغيرهم وهم ولوا صدقاتهم حتى ماتوا فلا يجوز أن نخالفهم في أن لا نجيزها إلا مقبوضة وهم قد أجازوها غير مقبوضة بالكلام بها فنوافقهم في إجازتها .

( قال الشافعي ) وما قال فيها أبو يوسف كما قال .

( قال الشافعي ) أخبرني غير واحد من آل عمر وآل علي أن عمر ولى صدقته حتى مات وجعلها بعده إلى حفصة وولى علي صدقته حتى مات ووليها بعده الحسن بن علي رضي الله عنهما وأن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وليت صدقتها حتى ماتت وبلغني عن غير واحد من الأنصار أنه ولي صدقته حتى مات .

( قال الشافعي ) وفي أمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب أن يسبل ثمر أرضه ويحبس أصلها دليل على أنه رأى ما صنع جائزا فبهذا نراه بلا قبض جائزا ، ولم يأمره أن يخرجه عمر من ملكه إلى غيره إذا حبسه ولما صارت الصدقات مبدأة في الإسلام لا مثال لها قبله علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر فلم يكن فيما أمره به إذا حبس أصلها وسبل ثمرتها أن يخرجها إلى أحد يحوزها دونه دلالة على أن الصدقة تتم بأن يحبس أصلها ويسبل ثمرتها دون وال يليها كما كان في أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا إسرائيل أن يصوم ويستظل ويجلس ويتكلم دلالة على أن لا كفارة عليه ، ولم يأمره في ذلك بكفارة .

( قال الشافعي ) وخالفنا بعض الناس في الصدقات المحرمات فقال : لا تجوز حتى يخرجها المتصدق بها إلى من يحوزها عليه والحجة عليه ما وصفنا وغيره من افتراق الصدقات الموقوفات وغيرها مما يحتاج فيه إلى أن لا يتم إلا بقبض . [ ص: 62 ] وثيقة في الحبس

( أخبرنا الربيع بن سليمان ) قال : أخبرنا الشافعي إملاء قال : هذا كتاب كتبه فلان بن فلان الفلاني في صحة من بدنه وعقله وجواز أمره وذلك في شهر كذا من سنة كذا إني تصدقت بداري التي بالفسطاط من مصر في موضع كذا أحد حدود جماعة هذه الدار ينتهي إلى كذا والثاني والثالث والرابع تصدقت بجميع أرض هذه الدار وعمارتها من الخشب والبناء والأبواب وغير ذلك من عمارتها وطرقها ومسايل مائها وأرفاقها ومرتفقها وكل قليل وكثير هو فيها ومنها وكل حق هو لها داخل فيها وخارج منها وحبستها صدقة بتة مسبلة لوجه الله وطلب ثوابه لا مثنوية فيها ، ولا رجعة حبسا محرمة لا تباع ، ولا تورث ، ولا توهب حتى يرث الله الأرض ومن عليها ، وهو خير الوارثين وأخرجتها من ملكي ودفعتها إلى فلان بن فلان يليها بنفسه وغيره ممن تصدقت بها عليه على ما شرطت وسميت في كتابي هذا وشرطي فيه أني تصدقت بها على ولدي لصلبي ذكرهم وأنثاهم من كان منهم حيا اليوم ، أو حدث بعد اليوم وجعلتهم فيها سواء ذكرهم وأنثاهم صغيرهم وكبيرهم شرعا في سكناها وغلتها لا يقدم واحد منهم على صاحبه ما لم تتزوج بناتي ، فإذا تزوجت واحدة منهن وباتت إلى زوجها انقطع حقها ما دامت عند زوج وصار بين الباقين من أهل صدقتي كما بقي من صدقتي يكونون فيهم شرعا ما كانت عند زوج .

فإذا رجعت بموت زوج ، أو طلاق كانت على حقها من داري كما كانت عليه قبل أن تتزوج وكلما تزوجت واحدة من بناتي فهي على مثل هذا الشرط تخرج من صدقتي ناكحة ويعود حقها فيها مطلقة أو ميتا عنها لا تخرج واحدة منهن من صدقتي إلا بزوج .

وكل من مات من ولدي لصلبي ذكرهم وأنثاهم رجع حقه على الباقين معه من ولدي لصلبي ، فإذا انقرض ولدي لصلبي فلم يبق منهم واحد كانت هذه الصدقة حبسا على ولد ولدي الذكور لصلبي وليس لولد البنات من غير ولدي شيء ثم كان ولد ولدي الذكور من الإناث والذكور في صدقتي هذه على مثل ما كان عليه ولدي لصلبي الذكر والأنثى فيها سواء وتخرج المرأة منهم من صدقتي بالزوج وترد إليها بموت الزوج ، أو طلاقه وكل من حدث من ولدي الذكور من الإناث والذكور فهو داخل في صدقتي مع ولد ولدي وكل من مات منهم رجع حقه على الباقين معه حتى لا يبقى من ولد ولدي أحد .

فإذا لم يبق من ولد ولدي لصلبي أحد كانت هذه الصدقة بمثل هذا الشرط على ولد ولد ولدي للذكور الذين إلى عمود نسبهم تخرج منها المرأة بالزوج وترد إليها بموته ، أو فراقه ويدخل عليهم من حدث أبدا من ولد ولد ولدي ، ولا يدخل قرن ممن إلى عمود نسبه من ولد ولدي ما تناسلوا على القرن الذين هم أبعد إلي منهم ما بقي من ذلك القرن أحد ، ولا يدخل عليهم أحد من ولد بناتي الذين إلى عمود انتسابهم إلا أن يكون من ولد بناتي من هو من ولد ولدي الذكور الذين إلى عمود نسبه فيدخل مع القرن الذين عليهم صدقتي لولادتي إياه من قبل أبيه لا من قبل أمه ثم هكذا صدقتي أبدا على من بقي من ولد أولادي الذين إلى عمودي نسبهم ، وإن سفلوا ، أو تناسخوا حتى يكون بيني وبينهم مائة أب وأكثر ما بقي أحد إلى عمود نسبه ، فإذا انقرضوا كلهم فلم يبق منهم أحد إلى عمود نسبه فهذه الدار حبس صدقة لا تباع ، ولا توهب لوجه الله تعالى على ذوي رحمي المحتاجين من قبل [ ص: 63 ] أبي وأمي يكونون فيها شرعا سواء ذكرهم وأنثاهم والأقرب إلي منهم والأبعد مني ، فإذا انقرضوا ، ولم يبق منهم أحد فهذه الدار حبس على موالي الذين أنعمت عليهم وأنعم عليهم آبائي بالعتاقة لهم وأولادهم وأولاد أولادهم ما تناسلوا ذكرهم وأنثاهم صغيرهم وكبيرهم ومن بعد إلي وإلى آبائي نسبه بالولاء ونسبه إلى من صار مولاي بولاية سواء ، فإذا انقرضوا فلم يبق منهم أحد فهذه الدار حبس صدقة لوجه الله تعالى على من يمر بها من غزاة المسلمين وأبناء السبيل وعلى الفقراء والمساكين من جيران هذه الدار وغيرهم من أهل الفسطاط وأبناء السبيل والمارة من كانوا حتى يرث الله الأرض ومن عليها .

ويلي هذه الدار ابني فلان بن فلان الذي وليته في حياتي وبعد موتي ما كان قويا على ولايتها أمينا عليها بما أوجب الله تعالى عليه من توفير غلة إن كانت لها والعدل في قسمها ، وفي إسكان من أراد السكن من أهل صدقتي بقدر حقه فإن تغيرت حال فلان بن فلان ابني يضعف عن ولايتها ، أو قلة أمانة فيها أوليها من ولدي أفضلهم دينا وأمانة على الشروط التي شرطت على ابني فلان ويليها ما قوي وأدى الأمانة ، فإذا ضعف ، أو تغيرت أمانته فلا ولاية له فيها وتنتقل الولاية عنه إلى غيره من أهل القوة والأمانة من ولدي ثم كل قرن صارت هذه الصدقة إليه وليها من ذلك القرن أفضلهم قوة وأمانة ومن تغيرت حاله ممن وليها بضعف ، أو قلة أمانة نقلت ولايتها عنه إلى أفضل من عليه صدقتي قوة وأمانة وهكذا كل قرن صارت صدقتي هذه إليه يليها منه أفضلهم دينا وأمانة على مثل ما شرطت على ولدي ما بقي منهم أحد ثم من صارت إليه هذه الدار من قرابتي ، أو موالي وليها ممن صارت إليه أفضلهم دينا ، ولا أمانة ما كان في القرن الذي تصير إليهم هذه الصدقة ذو قوة وأمانة ، وإن حدث قرن ليس فيهم ذو قوة ، ولا أمانة ولى قاضي المسلمين صدقتي هذه من يحمل ولايتها بالقوة والأمانة من أقرب الناس إلي رحما ما كان ذلك فيهم فإن لم يكن ذلك فيهم فمن موالي وموالي آبائي الذين أنعمنا عليهم فإن لم يكن ذلك فيهم فرجل يختاره الحاكم من المسلمين فإن حدث من ولدي أو من ولد ولدي ، أو من موالي رجل له قوة وأمانة نزعها الحاكم من يدي من ولاه من قبله وردها إلى من كان قويا وأمينا ممن سميت وعلى كل وال يليها أن يعمر ما وهي من هذه الدار ويصلح ما خاف فساده منها ويفتح فيها من الأبواب ويصلح منها ما فيه الصلاح لها والمسترد في غلتها وسكنها مما يجتمع من غلة هذه الدار ثم يفرق ما يبقى على من له هذه الغلة سواء بينهم ما شرطت لهم ، وليس للوالي من ولاة المسلمين أن يخرجها من يدي من وليته إياها ما كان قويا أمينا عليها ، ولا من يدي أحد من القرن الذي تصير إليهم ما كان فيهم من يستوجب ولايتها بالقوة والأمانة ، ولا يولي غيرهم ، وهو يجد فيهم من يستوجب الولاية ، شهد على إقرار فلان بن فلان ، فلان بن فلان ومن شهد .
كتاب الهبة

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #153  
قديم 29-07-2022, 07:34 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 88,138
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله




كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
المجلد الرابع

الحلقة (153)
صــــــــــ 64 الى صـــــــــــ70



وترجم في اختلاف مالك والشافعي " باب القضاء في الهبات "

( أخبرنا الربيع ) قال : أخبرنا الشافعي رحمه الله قال : أخبرنا مالك عن داود بن الحصين عن أبي الغطفان بن طريف المري عن مروان بن الحكم أن عمر بن الخطاب قال : " ومن وهب هبة لصلة رحم ، أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد به الثواب فهو على هبته يرجع فيها إن لم يرض منها " وقال : مالك إن الهبة إذا تغيرت عند الموهوب للثواب بزيادة أو نقصان ، فإن على [ ص: 64 ] الموهوب له أن يعطي الواهب قيمتها يوم قبضها فقلت للشافعي فإنا نقول بقول صاحبنا فقال الشافعي ، فقد ذهب عمر في الهبة يراد ثوابها أن الواهب على هبته إن لم يرض منها أن للواهب الخيار حتى يرضى من هبته ، ولو أعطى أضعافها في مذهبه - والله أعلم - كان له أن يرجع فيها ، ولو تغيرت عند الموهوب له بزيادة كان له أخذها وكان كالرجل يبيع الشيء وله فيه الخيار عبد ، أو أمة فيزيد عند المشتري فيختار البائع نقض البيع فيكون له نقضه ، وإن زاد العبد المبيع أو الأمة المبيعة فكثرت زيادته ومذهبكم خلاف ما رويتم عن عمر بن الخطاب .
وفي اختلاف العراقيين " باب الصدقة والهبة "

( قال الشافعي ) رحمه الله وإذا وهبت المرأة لزوجها هبة ، أو تصدقت ، أو تركت له من مهرها ثم قالت أكرهني وجاءت على ذلك ببينة فإن أبا حنيفة كان يقول لا أقبل بينتها وأمضي عليها ما فعلت من ذلك وكان ابن أبي ليلى يقول أقبل بينتها على ذلك وأبطل ما صنعت .

( قال الشافعي ) وإذا تصدقت المرأة على زوجها بشيء ، أو وضعت له من مهرها ، أو من دين كان لها عليه فأقامت البينة أنه أكرهها على ذلك والزوج في موضع القهر للمرأة أبطلت ذلك عنها كله
وإذا وهب الرجل هبة وقبضها الموهوبة له وهي دار فبناها بناء وأعظم النفقة ، أو كانت جارية صغيرة فأصلحها ، أو صنعها حتى شبت وأدركت ، فإن أبا حنيفة كان يقول : لا يرجع الواهب في شيء من ذلك ، ولا من كل هبة زادت عند صاحبها خيرا ، ألا ترى أنه قد حدث فيها في ملك الموهوبة له شيء لم يكن في ملك الواهب ، أرأيت إن ولدت الجارية ولدا أكان للواهب أن يرجع فيه ، ولم يهبه له ، ولم يملكه قط ؟ وبهذا يأخذ وكان ابن أبي ليلى يقول له أن يرجع في ذلك كله ، وفي الولد .

( قال الشافعي ) وإذا وهب الرجل للرجل جارية ، أو دارا فزادت الجارية في يديه ، أو بنى الدار فليس للواهب الذي ذكر أنه وهب للثواب ، ولم يشترط ذلك أن يرجع في الجارية أي حال ما كانت زادت خيرا أو نقصت كما لا يكون له إذا أصدق المرأة جارية فزادت في يديها ثم طلقها أن يرجع بنصفها زائدة فأما الدار ، فإن الباني إنما بنى ما يملك فلا يكون له أن يبطل بناءه ، ولا يهدمه ويقال له : إن أعطيته قيمة البناء أخذت نصف الدار والبناء كما يكون لك وعليك في الشفعة يبني فيها صاحبها ، ولا ترجع بنصفها كما لو أصدقها دارا فبنتها لم يرجع بنصفها ; لأن مبنيا أكثر قيمة منه غير مبني ، ولو كانت الجارية ولدت كان الولد للموهوبة له ; لأنه حادث في ملكه بائن منها كمباينة الخراج والخدمة لها كما لو ولدت في يد المرأة المصدقة ثم طلقت قبل الدخول كان الولد للمرأة ورجع بنصف الجارية إن أراد ذلك ، وإذا وهب الرجل جاريته لابنه وابنه كبير ، وهو في عياله ، فإن أبا حنيفة كان يقول : لا يجوز إلا أن يقبض وبه يأخذ وكان ابن أبي ليلى يقول إذا كان الولد في عيال أبيه ، وإن كان قد أدرك فهذه الهبة له جائزة ، وكذلك الرجل إذا وهب لامرأته .

( قال الشافعي )
وإذا وهب الرجل لابنه جارية وابنه في عياله فإن كان الابن بالغا لم تكن الهبة تامة حتى يقبضها الابن وسواء كان في عياله ، أو لم يكن كذلك روي عن أبي بكر وعائشة وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم في البالغين وعن عثمان أنه رأى أن الأب يحوز لولده ما كانوا صغارا فهذا يدل على أنه لا يحوز لهم إلا في حال الصغر .

( قال الشافعي ) وهكذا كل هبة ونحلة وصدقة غير محرمة فهي كلها من العطايا التي لا يؤخذ عليها عوض ، ولا تتم إلا بقبض المعطي
وإذا وهب الرجل دارا لرجلين ، أو متاعا وذلك المتاع مما يقسم فقبضاه جميعا فإن [ ص: 65 ] أبا حنيفة كان يقول لا تجوز تلك الهبة إلا أن يقسم لكل واحد منهما حصته وكان ابن أبي ليلى يقول الهبة جائزة وبهذا يأخذ ، وإذا وهب اثنان لواحد وقبض فهو جائز وقال : أبو يوسف هما سواء .

( قال الشافعي ) وإذا وهب الرجل لرجلين بعض دار لا تقسم ، أو طعاما ، أو ثيابا أو عبدا لا تنقسم فقبضا جميعا الهبة فالهبة جائزة كما يجوز البيع ، وكذلك لو وهب اثنان دارا بينهما تنقسم ، أو لا تنقسم أو عبد الرجل وقبض جازت الهبة ، وإذا كانت الدار لرجلين فوهب أحدهما حصته لصاحبه ، ولم يقسمه له ، فإن أبا حنيفة كان يقول الهبة في هذا باطلة ، ولا تجوز وبهذا يأخذ ومن حجته في ذلك أنه قال : لا تجوز الهبة إلا مقسومة معلومة مقبوضة بلغنا عن أبي بكر رحمه الله أنه نحل عائشة أم المؤمنين جداد عشرين وسقا من نخل له بالعالية فلما حضره الموت قال لعائشة " إنك لم تكوني قبضتيه ، وإنما هو مال الوارث فصار بين الورثة " ; لأنها لم تكن قبضته وكان إبراهيم يقول لا تجوز الهبة إلا مقبوضة وبه يأخذ وكان ابن أبي ليلى يقول إذا كانت الدار بين رجلين فوهب أحدهما لصاحبه نصيبه فهذا قبض منه للهبة وهذه معلومة وهذه جائزة ، وإذا وهب الرجلان دارا لرجل فقبضها فهو جائز في قول أبي حنيفة ، ولا تفسد الهبة ; لأنها كانت لاثنين وبه يأخذ .

( قال الشافعي ) وإذا كانت الدار بين رجلين فوهب أحدهما لصاحبه نصيبه فقبض الهبة فالهبة جائزة
والقبض أن تكون كانت في يدي الموهوبة له ، ولا وكيل معه فيها ، أو يسلمها ربها ويخلي بينه وبينها حتى يكون لا حائل دونها دونها هو ، ولا وكيل له ، فإذا كان هذا هكذا كان قبضا ، والقبض في الهبات كالقبض في البيوع ما كان قبضا في البيع كان قبضا في الهبة وما لم يكن قبضا في البيع لم يكن قبضا في الهبة ، وإذا وهب الرجل للرجل الهبة وقبضها دارا ، أو أرضا ثم عوضه بعد ذلك منها عوضا وقبضه الواهب ، فإن أبا حنيفة رحمه الله كان يقول : ذلك جائز ولا تكون فيه شفعة ، وبه يأخذ وليس هذا بمنزلة الشراء ويأخذ الشفيع بالشفعة بقيمة العوض ، ولا يستطيع الواهب أن يرجع في الهبة بعد العوض في قولهما جميعا
( قال الشافعي ) وإذا وهب الرجل لرجل شقصا من دار فقبضه ثم عوضه الموهوبة له شيئا فقبضه الواهب سئل الواهب فإن قال : وهبتها للثواب كان فيها شفعة ، وإن قال : وهبتها لغير ثواب لم يكن فيها شفعة وكانت المكافأة كابتداء الهبة ، وهذا كله في قول من قال : للواهب الثواب إذا قال : أردته فأما من قال : لا ثواب للواهب إن لم يشترطه في الهبة فليس له الرجوع في شيء وهبه ، ولا الثواب منه .

( قال الربيع ) وفيه قول آخر ، وإذا وهب واشترط الثواب فالهبة باطلة من قبل أنه اشترط عوضا مجهولا ، وإذا وهب لغير الثواب وقبضه الموهوب فليس له أن يرجع في شيء وهبه ، وهو معنى قول الشافعي ، وإذا وهب الرجل للرجل هبة في مرضه فلم يقبضها الموهوبة له حتى مات الواهب ، فإن أبا حنيفة كان يقول : الهبة في هذا باطل لا تجوز وبه يأخذ ، ولا يكون له وصية إلا أن يكون ذلك في ذكر وصية ، وكان ابن أبي ليلى يقول هي جائزة من الثلث
( قال الشافعي ) وإذا وهب الرجل في مرضه الهبة فلم يقبضها الموهوبة له حتى مات الواهب لم يكن للموهوبة له شيء وكانت الهبة للورثة . الحجاج بن أرطاة عن عطاء بن أبي رباح . عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لا تجوز الصدقة إلا مقبوضة . الأعمش عن إبراهيم قال : الصدقة إذا علمت جازت الهبة لا تجوز إلا مقبوضة وكان أبو حنيفة يأخذ بقول ابن عباس في الصدقة ، وهو قول أبي يوسف .

( قاله الشافعي ) وليس للواهب أن يرجع في الهبة إذا قبض منها عوضا ، قل ، أو كثر .
[ ص: 66 ] باب في العمرى من كتاب اختلاف مالك والشافعي رضي الله عنهما .

( قال الربيع ) سألت الشافعي عمي أعمر عمرى له ولعقبه فقال هي للذي يعطاها لا ترجع إلى الذي أعطاها فقلت : ما الحجة في ذلك ؟ قال : السنة الثابتة من حديث الناس وحديث مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم .

( أخبرنا ) مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي يعطاها لا ترجع إلى الذي أعطاها } ; لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث .

( قال الشافعي ) وبهذا نأخذ ويأخذ عامة أهل العلم في جميع الأمصار بغير المدينة وأكابر أهل المدينة ، وقد روى هذا مع جابر بن عبد الله زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم فقلت للشافعي فإنا نخالف هذا فقال : تخالفونه وأنتم تروونه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقلت : إن حجتنا فيه أن مالكا قال أخبرني يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم أنه سمع مكحولا الدمشقي يسأل القاسم بن محمد عن العمرى وما يقول الناس فيها فقال : له القاسم ما أدركت الناس إلا وهم على شروطهم في أموالهم ، وفيما أعطوا .

( قال الشافعي ) ما أجابه القاسم في العمرى بشيء وما أخبره إلا أن الناس على شروطهم فإن ذهب ذاهب إلى أن يقول العمرى من المال والشرط فيها جائز ، فقد يشترط الناس في أموالهم شروطا لا تجوز لهم . فإن قال قائل : وما هي ؟ قيل : الرجل يشتري العبد على أن يعتقه والولاء للبائع فيعتقه فهو حر والولاء للمعتق والشرط باطل . فإن قال : السنة تدل على إبطال هذا الشرط قلنا والسنة تدل على إبطال الشرط في العمرى فلم أخذتم بالسنة مرة وتركتموها مع أن قول القاسم رحمه الله لو كان قصد به قصد العمرى فقال : إنهم على شروطهم فيها لم يكن في هذا ما يرد به الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟

فإن قال قائل : ولم ؟ قيل : نحن لا نعلم أن القاسم قال : هذا إلا بخبر يحيى عن عبد الرحمن عنه ، وكذلك علمنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في العمرى بخبر ابن شهاب عن أبي سلمة عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم وغيره ، فإذا قبلنا خبر الصادقين فمن روى هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم أرجح مما روى هذا عن القاسم لا يشك عالم أن ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى أن يقال : به مما قاله ناس بعده قد يمكن فيهم أن لا يكونوا سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بلغهم عنه شيء وأنهم أناس لا نعرفهم .

فإن قال قائل : لا يقول القاسم قال : الناس إلا لجماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من أهل العلم لا يجهلون للنبي صلى الله عليه وسلم سنة ، ولا يجتمعون أبدا من جهة الرأي ، ولا يجتمعون إلا من جهة السنة ، فقيل : له قد أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد أن رجلا كانت عنده وليدة لقوم فقال : لأهلها شأنكم بها فرأى الناس أنها تطليقة وأنتم تزعمون أنها ثلاث ، وإذا قيل لكم لم لا تقولون قول القاسم والناس إنها تطليقة ؟ قلتم لا ندري من الناس الذين يروي هذا عنهم القاسم فلئن لم يكن قول القاسم رأى الناس حجة عليكم في رأي أنفسكم لهو عن أن يكون على رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة أبعد ولئن كان حجة لقد أخطأتم بخلافكم إياه برأيكم . وإنا لنحفظ عن ابن عمر في العمرى مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم

. ( أخبرنا ) ابن عيينة عن عمرو بن دينار وحميد الأعرج عن حبيب بن أبي ثابت قال : كنت عند ابن عمر فجاءه رجل من أهل البادية فقال : إني وهبت لابني هذا ناقة في حياته وإنها تناتجت إبلا فقال ابن عمر هي له حياته وموته فقال : إني تصدقت عليه بها قال : ذلك أبعد لك منها .

( أخبرنا ) سفيان عن ابن أبي نجيح عن حبيب بن أبي ثابت مثله إلا أنه قال [ ص: 67 ] أضنت

يعني كبرت واضطربت ( أخبرنا ) الشافعي قال أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سليمان بن يسار أن طارقا قضى بالمدينة بالعمرى عن قول جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أخبرنا ) ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن حجر المدري عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل العمرى للوارث ( أخبرنا ) سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا تعمروا ، ولا ترقبوا فمن أعمر شيئا ، أو أرقبه فهو سبيل الميراث } ( أخبرنا ) سفيان عن أيوب عن ابن سيرين قال : حضرت شريحا قضى لأعمى بالعمرى فقال : له الأعمى يا أبا أمية بم قضيت لي ؟ فقال شريح لست أنا قضيت لك ، ولكن محمد صلى الله عليه وسلم قضى لك منذ أربعين سنة قال : " من أعمر شيئا حياته فهو لورثته إذا مات " .

( قال الشافعي ) فتتركون ما وصفتم من العمرى مع ثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنه قول زيد بن ثابت وجابر بن عبد الله وابن عمر وسليمان بن يسار وعروة بن الزبير وهكذا عندكم عمل بعد النبي صلى الله عليه وسلم لتوهم في قول القاسم وأنتم تجدون في قول القاسم يعني في رجل قال لأمة قوم شأنكم بها فرأى الناس أنها تطليقة ثم تخالفونه برأيكم وما روى القاسم عن الناس . ، وفي بعض النسخ مما ينسب للأم ( في العمرى )

( قال الشافعي ) وهو يروى عن ربيعة إذ ترك حديث العمرى أنه يحتج بأن الزمان قد طال وأن الرواية يمكن فيها الغلط ، فإذا روى الزهري عن أبي سلمة عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم { من أعمر عمرى له ولعقبه فهي للذي يعطاها لا ترجع إلى الذي أعطى ; لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث } .

( قال الشافعي ) وقد أخبرنا سفيان عن ابن جريج عن عطاء عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من أعمر شيئا فهو له } .

( قال الشافعي ) وأخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار عن طاوس عن حجر المدري عن زيد بن ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { العمرى للوارث } .

( قال الشافعي ) وأخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار وابن أبي نجيح عن حبيب بن أبي ثابت قال كنا عند عبد الله بن عمر فجاءه أعرابي فقال : له إني أعطيت بعض بني ناقة حياته قال : عمر ، وفي الحديث وإنها تناتجت . وقال ابن أبي نجيح في حديثه وإنها أضنت واضطربت فقال : هي له حياته وموته . قال : فإني تصدقت بها عليه قال : " فذلك أبعد لك منها " .

( قال الشافعي ) أخبرنا سفيان وعبد الوهاب عن أيوب عن محمد بن سيرين أن شريحا قضى بالعمرى لأعمى فقال : بم قضيت لي يا أبا أمية ؟ فقال ما أنا قضيت لك ، ولكن قضى لك محمد صلى الله عليه وسلم منذ أربعين سنة قضى من أعمر شيئا حياته فهو له حياته وموته . قال سفيان وعبد الوهاب فهو لورثته إذا مات .

( قال الشافعي ) فترك هذا ، وهو يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم جابر بن عبد الله من وجوه ثابتة وزيد بن ثابت ويفتي به جابر بالمدينة ويفتي به ابن عمر ويفتي به عوام أهل البلدان لا أعلمهم يختلفون فيه بأن قال أخبرني يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم أنه سمع مكحولا يسأل القاسم بن محمد عن العمرى وما يقوله الناس فيها فقال [ ص: 68 ] القاسم ما أدركت الناس إلا على شروطهم في أموالهم ، وفيما أعطوا .

( قال الشافعي ) والقاسم يرحمه لم يجبه في العمرى بشيء إنما أخبره أنه إنما أدرك الناس على شروطهم ، ولم يقل له : إن العمرى من تلك الشروط التي أدرك الناس عليها ، ويجوز أن لا يكون القاسم سمع الحديث ، ولو سمعه ما خالفه إن شاء الله . قال : فإذا قيل لبعض من يذهب مذهبه : لو كان القاسم قال هذا في العمرى أيضا فعارضك معارض بأن يقول : أخاف أن يغلط على القاسم من روى هذا عنه إذا كان الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كما وصفنا يروى من وجوه يسندونه . قال : لا يجوز أن يتهم أهل الحفظ بالغلط فقيل : ولا يجوز أن يتهم من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم فإذا قال : لا يجوز قلنا ما يثبت عن النبي أولى أن يكون لازما لأهل دين الله ، أو ما قال القاسم أدركت الناس ولسنا نعرف الناس الذين حكي هذا عنهم ، فإن قال : لا يجوز على مثل القاسم في علمه أن يقول أدركت الناس إلا والناس الذين أدرك أئمة يلزمه قولهم قيل له : فقد روى يحيى بن سعيد عن القاسم أن رجلا كانت عنده وليدة لقوم فقال : لأهلها شأنكم بها فرأى الناس أنها تطليقة ، وهو يفتي برأي نفسه أنها ثلاث تطليقات فإن قال : في هذه لا أعرف الناس الذين روى القاسم هذا عنهم جاز لغيره أن يقول لا أعرف الناس الذين روى هذا عنهم في الشروط ، وإن كان يقول إن القاسم لا يقول الناس إلا الأئمة الذين يلزمه قولهم ، فقد ترك قول القاسم برأي نفسه وعاب على غيره اتباع السنة .
كتاب اللقطة الصغيرة .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : في اللقطة مثل حديث مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم سواء { وقال : في ضالة الغنم إذا وجدتها في موضع مهلكة فهي لك فكلها ، فإذا جاء صاحبها فاغرمها له . } { وقال : في المال يعرفه سنة ثم يأكله إن شاء فإن جاء صاحبه غرمه له } ، وقال : { يعرفها سنة ثم يأكلها موسرا كان ، أو معسرا إن شاء } إلا أني لا أرى له أن يخلطها بماله ، ولا يأكلها حتى يشهد على عددها ووزنها وظرفها وعفاصها ووكائها فمتى جاء صاحبها غرمها له ، وإن مات كانت دينا عليه في ماله ، ولا يكون عليه في الشاة يجدها بالمهلكة تعريف إن أحب أن يأكلها فهي له ومتى لقي صاحبها غرمها له ، وليس ذلك له في ضالة الإبل ، ولا البقر ; لأنهما يدفعان عن أنفسهما ، وإنما كان ذلك له في ضالة الغنم والمال ; لأنهما لا يدفعان عن أنفسهما ، ولا يعيشان والشاة يأخذها من أرادها وتتلف لا تمتنع من السبع إلا أن يكون معها من يمنعها والبعير والبقرة يردان المياه ، وإن تباعدت ويعيشان أكثر عمرهما بلا راع فليس له أن يعرض لواحد منهما والبقر قياسا على الإبل .

( قال الشافعي ) وإن وجد رجل شاة ضالة في الصحراء فأكلها ثم جاء صاحبها قال : يغرمها خلاف مالك .

( قال الشافعي ) ابن عمر لعله أن لا يكون سمع الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في اللقطة ، ولو لم يسمعه انبغى أن يقول لا يأكلها كما قال ابن عمر انبغى أن يفتيه أن يأخذها وينبغي للحاكم أن ينظر فإن كان الآخذ لها ثقة أمره بتعريفها وأشهد شهودا على عددها وعفاصها ووكائها أمره أن يوقفها في يديه إلى أن يأتي ربها فيأخذها ، وإن لم يكن ثقة في ماله وأمانته أخرجها من يديه إلى من يعف عن الأموال ليأتي ربها وأمره بتعريفها لا يجوز لأحد ترك لقطة وجدها إذا كان من أهل الأمانة ، ولو وجدها فأخذها ثم أراد تركها لم يكن ذلك له ، وهذا في كل ما [ ص: 69 ] سوى الماشية فأما الماشية فإنها تخرق بأنفسها فهي مخالفة لها ، وإذا وجد رجل بعيرا فأراد رده على صاحبه فلا بأس بأخذه ، وإن كان إنما يأخذه ليأكله فلا ، وهو ظالم ، وإن كان للسلطان حمى ، ولم يكن على صاحب الضوال مؤنة تلزمه في رقاب الضوال صنع كما صنع عمر بن الخطاب رضي الله عنه تركها في الحمى حتى يأتي صاحبها ، وما تناتجت فهو لمالكها ويشهد على نتاجها كما يشهد على الأم حين يجدها ويوسم نتاجها ويوسم أمهاتها ، وإن لم يكن للسلطان حمى وكان يستأجر عليها فكانت الأجرة تعلق في رقابها غرما رأيت أن يصنع كما صنع عثمان بن عفان إلا في كل ما عرف أن صاحبه قريب بأن يعرف بعير رجل بعينه فيحبسه ، أو يعرف وسم قوم بأعيانهم حبسها لهم اليوم واليومين والثلاثة ونحو ذلك .
اللقطة الكبيرة ( أخبرنا الربيع بن سليمان ) قال ( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : إذا التقط الرجل اللقطة مما لا روح له ما يحمل ويحول ، فإذا التقط الرجل لقطة ، قلت ، أو كثرت ، عرفها سنة ويعرفها على أبواب المساجد والأسواق ومواضع العامة ويكون أكثر تعريفه إياها في الجماعة التي أصابها فيها ويعرف عفاصها ووكاءها وعددها ووزنها وحليتها ويكتب ويشهد عليه فإن جاء صاحبها وإلا فهي له بعد سنة على أن صاحبها متى جاء غرمها ، وإن لم يأت فهي مال من ماله ، وإن جاء بعد السنة ، وقد استهلكها والملتقط حي أو ميت فهو غريم من الغرماء يحاص الغرماء فإن جاء وسلعته قائمة بعينها فهي له دون الغرماء والورثة وأفتي الملتقط إذا عرف رجل العفاص والوكاء والعدد والوزن ووقع في نفسه أنه لم يدع باطلا أن يعطيه ، ولا أجبره في الحكم إلا ببينة تقوم عليها كما تقوم على الحقوق فإن ادعاها واحد أو اثنان ، أو ثلاثة فسواء لا يجبر على دفعها إليهم إلا ببينة يقيمونها عليه ; لأنه قد يصيب الصفة بأن الملتقط وصفها ويصيب الصفة بأن الملتقطة عنه قد وصفها فليس لإصابته الصفة معنى يستحق به أحد شيئا في الحكم .

وإنما قوله أعرف عفاصها ووكاءها والله أعلم أن تؤدي عفاصها ووكاءها مع ما تؤدي منها ولنعلم إذا وضعتها في مالك أنها اللقطة دون مالك ويحتمل أن يكون ليستدل على صدق المعترف ، وهذا الأظهر إنما قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم { البينة على المدعي } فهذا مدع أرأيت لو أن عشرة ، أو أكثر وصفوها كلهم فأصابوا صفتها ألنا أن نعطيهم إياها يكونون شركاء فيها ، ولو كانوا ألفا ، أو ألفين ونحن نعلم أن كلهم كاذب إلا واحدا بغير عينه ولعل الواحد يكون كاذبا ليس يستحق أحد بالصفة شيئا ، ولا تحتاج إذا التقطت أن تأتي بها إماما ، ولا قاضيا .

( قال الشافعي ) فإذا أراد الملتقط أن يبرأ من ضمان اللقطة ويدفعها إلى من اعترفها فليفعل ذلك بأمر حاكم ; لأنه إن دفعها بغير أمر حاكم ثم جاء رجل فأقام عليه البينة ضمن .
قال : وإذا كان في يدي رجل العبد الآبق أو الضالة من الضوال فجاء سيده فمثل اللقطة ليس عليه أن يدفعه إلا ببينة يقيمها ، فإذا دفعه ببينة يقيمها عنده كان الاحتياط له أن لا يدفعه إلا بأمر الحاكم لئلا يقيم عليه غيره بينة فيضمن ; لأنه إذا دفعه ببينة تقوم عنده ، فقد يمكن أن تكون البينة غير عادلة ويقيم آخر بينة عادلة فيكون أولى ، وقد تموت البينة ويدعي هو أنه دفعه ببينة فلا يقبل قوله غير أن الذي قبض منه إذا أقر له فيضمنه القاضي للمستحق الآخر رجع هذا على المستحق الأول إلا أن يكون أقر أنه له فلا يرجع عليه ، وإذا أقام رجل شاهدا على اللقطة ، أو ضالة حلف مع شاهده وأخذ ما أقام عليه بينة ; لأن هذا مال ، وإذا أقام الرجل بمكة بينة على عبد ووصفت البينة العبد وشهدوا أن هذه صفة عبده وأنه لم [ ص: 70 ] يبع ، ولم يهب ، أو لم نعلمه باع ، ولا وهب وحلف رب العبد كتب الحاكم بينته إلى قاضي بلد غير مكة فوافقت الصفة العبد الذي في يديه لم يكن للقاضي أن يدفعه إليه بالصفة ، ولا يقبل إلا أن يكون شهود يقدمون عليه فيشهدون عليه بعينه ، ولكن إن شاء الذي له عليه بينة أن يسأل القاضي أن يجعل هذا العبد ضالا فيبيعه فيمن يزيد ويأمر من يشتريه ثم يقبضه من الذي اشتراه .

( قال الشافعي ) وإذا أقام عليه البينة بمكة بعينه أبرأ القاضي الذي اشتراه من الثمن بإبراء رب العبد ويرد عليه الثمن إن كان قبضه منه ، وقد قيل : يختم في رقبة هذا العبد ويضمنه الذي استحقه بالصفة فإن ثبت عليه الشهود فهو له ويفسخ عنه الضمان ، وإن لم يثبت عليه الشهود رد ، وإن هلك فيما بين ذلك كان له ضامنا ، وهذا يدخله أن يفلس الذي ضمن ويستحقه ربه فيكون القاضي أتلفه ويدخله أن يستحقه ربه ، وهو غائب فإن قضى على الذي دفعه إليه بإجازته في غيبته قضى عليه بأجر ما لم يغصب ، ولم يستأجر ، وإن أبطل عنه كان قد منع هذا حقه بغير استحقاق له ويدخله أن يكون جارية فارهة لعلها أم ولد لرجل فيخلي بينها وبين رجل يغيب عليها ، ولا يجوز فيه إلا القول الأول
( قال الشافعي ) وإذا اعترف الرجل الدابة في يدي رجل فأقام رجل عليها بينة أنها له قضى له القاضي بها فإن ادعى الذي هي في يديه أنه اشتراها من رجل غائب لم يحبس الدابة عن المقضي له بها ، ولم يبعث بها إلى البلد الذي فيها البيع كان البلد قريبا ، أو بعيدا ، ولا أعمد إلى مال رجل فأبعث به إلى البلد لعله يتلف قبل أن يبلغه بدعوى إنسان لا أدري كذب أم صدق ، ولو علمت أنه صدق ما كان لي أن أخرجها من يدي مالكها نظرا لهذا أن لا يضيع حقه على المغتصب لا تمنع الحقوق بالظنون ، ولا تملك بها وسواء كان الذي استحق الدابة مسافرا أو غير مسافر ، ولا يمنع منها ، ولا تنزع من يديه إلا أن يطيب نفسا عنها ، ولو أعطي قيمتها أضعافا ; لأنا لا نجبره على بيع سلعته .

( قال الشافعي ) ويأكل اللقطة الغني والفقير ومن تحل له الصدقة ومن لا تحل له ، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب ، وهو أيسر أهل المدينة ، أو كأيسرهم وجد صرة فيها ثمانون دينارا أن يأكلها ( أخبرنا ) الدراوردي عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء بن يسار { عن علي بن أبي طالب رحمه الله أنه وجد دينارا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يعرفه فلم يعترف فأمره أن يأكله ثم جاء صاحبه فأمره أن يغرمه } .

( قال الشافعي ) وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ممن تحرم عليه الصدقة ; لأنه من صلبية بني هاشم ، وقد روى { عن النبي صلى الله عليه وسلم الإذن بأكل اللقطة بعد تعريفها سنة } علي بن أبي طالب وأبي بن كعب وزيد بن خالد الجهني وعبد الله بن عمرو بن العاص وعياض بن حماد المجاشعي رضي الله عنهم
( قال الشافعي ) والقليل من اللقطة والكثير سواء لا يجوز أكله إلا بعد سنة فأما أن آمر الملتقط وإن كان أمينا أن يتصدق بها فما أنصفت الملتقط ولا الملتقط عنه إن فعلت ، إن كانت اللقطة مالا من مال الملتقط بحال فلم آمره أن يتصدق وأنا لا آمره أن يتصدق به ، ولا بميراثه من أبيه ، وإن أمرته بالصدقة فكيف أضمنه ما آمره بإتلافه ؟ ، وإن كانت الصدقة مالا من مال الملتقط عنه فكيف آمر الملتقط بأن يتصدق بمال غيره بغير إذن رب المال ؟ ثم لعله يجده رب المال مفلسا فأكون قد أتويت ماله ، ولو تصدق بها ملتقطها كان متعديا فكان لربها أن يأخذها بعينها فإن نقصت في أيدي المساكين ، أو تلفت رجع على الملتقط إن شاء بالتلف والنقصان ، وإن شاء أن يرجع بها على المساكين رجع بها إن شاء

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #154  
قديم 29-07-2022, 07:39 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 88,138
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله




كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
المجلد الرابع

الحلقة (154)
صــــــــــ 71 الى صـــــــــــ77




( قال الشافعي ) وإذا التقط العبد اللقطة فعلم السيد باللقطة فأقرها بيده فالسيد ضامن لها في ماله في رقبة العبد وغيره إذا استهلكها العبد قبل السنة أو بعدها دون مال السيد ; لأن أخذه اللقطة عدوان ، إنما يأخذ اللقطة من له ذمة يرجع بها عليه [ ص: 71 ] ومن له مال يملكه والعبد لا مال له ، ولا ذمة ، وكذلك إن كان مدبرا ، أو مكاتبا ، أو أم ولد ، والمدبر والمدبرة كلهم في معنى العبد إلا أن أم الولد لا تباع ويكون في ذمتها إن لم يعلمه السيد ، وفي مال المولي إن علم .

( قال الربيع ) وفي القول الثاني إن علم السيد أن عبده التقطها ، أو لم يعلم فأقرها في يده فهي كالجناية في رقبة العبد ، ولا يلزم السيد في ماله شيء
( قال الشافعي ) والمكاتب في اللقطة بمنزلة الحر ; لأنه يملك ماله والعبد بعضه حر وبعضه عبد يقضي بقدر رقه فيه فإن التقط اللقطة في اليوم الذي يكون لنفسه فيه أقرت في يديه وكانت مالا من ماله ; لأن ما كسب في ذلك اليوم في معاني كسب الأحرار ، وإن التقطها في اليوم الذي هو فيه للسيد أخذها السيد منه ; لأن ما كسبه في ذلك اليوم للسيد ، وقد قيل : إذا التقطها في يوم نفسه أقر في يدي العبد بقدر ما عتق منه وأخذ السيد بقدر ما يرق منه ، وإذا اختلفا فالقول قول العبد مع يمينه ; لأنها في يديه ، ولا يحل للرجل أن ينتفع من اللقطة بشيء حتى تمضي سنة ، وإذا باع الرجل الرجل اللقطة قبل السنة ثم جاء ربها كان له فسخ البيع ، وإن باعها بعد السنة فالبيع جائز ويرجع رب اللقطة على البائع بالثمن ، أو قيمتها إن شاء فأيهما شاء كان له .

( قال : الربيع ) ليس له إلا ما باع إذا كان باع بما يتغابن الناس بمثله ، فإن كان باع بما لا يتغابن الناس بمثله ، غله ما نقص عما يتغابن الناس بمثله .

( قال الشافعي ) وإذا كانت الضالة في يدي الوالي فباعها فالبيع جائز ولسيد الضالة ثمنها فإن كانت الضالة عبدا فزعم سيد العبد أنه أعتقها قبل البيع قبلت قوله مع يمينه إن شاء المشتري يمينه وفسخت البيع وجعلته حرا ورددت المشتري بالثمن الذي أخذ منه .

( قال : الربيع ) وفيه قول آخر أنه لا يفسخ البيع إلا ببينة تقوم ; لأن بيع الوالي كبيع صاحبه فلا يفسخ بيعه إلا ببينة أنه أعتقه قبل بيعه ; لأن رجلا لو باع عبدا ثم أقر أنه أعتقه قبل أن يبيعه لم يقبل قوله فيفسخ على المشتري بيعه إلا ببينة تقوم على ذلك
( قال الشافعي ) وإذا التقط الرجل الطعام الرطب الذي لا يبقى فأكله ثم جاء صاحبه غرم قيمته وله أن يأكله إذا خاف فساده ، وإذا التقط الرجل ما يبقى لم يكن له أكله إلا بعد سنة مثل الحنطة والتمر وما أشبهه
( قال الشافعي ) والركاز دفن الجاهلية فما وجد من مال الجاهلية على وجه الأرض فهو لقطة من اللقط يصنع فيه ما يصنع في اللقطة ; لأن وجوده على ظهر الأرض ، وفي مواضع اللقطة يدل على أنه ملك سقط من مالكه ، ولو تورع صاحب فأدى خمسه كان أحب إلي ، ولا يلزمه ذلك
( قال الشافعي ) وإذا وجد الرجل ضالة الإبل لم يكن له أخذها فإن أخذها ثم أرسلها حيث وجدها فهلكت ضمن لصاحبها قيمتها والبقر والحمير والبغال في ذلك بمنزلة ضوال الإبل وغيرها ، وإذا أخذ السلطان الضوال فإن كان لها حمى يرعونها فيه بلا مؤنة على ربها رعوها فيه إلى أن يأتي ربها ، وإن لم يكن لها حمى باعوها ودفعوا أثمانها لأربابها ، ومن أخذ ضالة فأنفق عليها فهو متطوع بالنفقة لا يرجع على صاحبها بشيء ، وإن أراد أن يرجع على صاحبها بما أنفق فليذهب إلى الحاكم حتى يفرض لها نفقة ويوكل غيره بأن يقبض لها تلك النفقة منه وينفق عليها ، ولا يكون للسلطان أن يأذن له أن ينفق عليها إلا اليوم واليومين وما أشبه ذلك مما لا يقع من ثمنها موقعا ، فإذا جاوز ذلك أمر ببيعها .
ومن التقط لقطة فاللقطة مباحة فإن هلكت منه بلا تعد فليس بضامن لها والقول قوله مع يمينه ، وإذا التقطها ثم ردها في موضعها فضاعت فهو ضامن لها ، وإن رآها فلم يأخذها فليس بضامن لها وهكذا إن دفعها إلى غيره فضاعت أضمنه من ذلك ما أضمن المستودع وأطرح عنه الضمان فيما أطرح عن المستودع
( قال الشافعي ) وإذا حل الرجل دابة الرجل فوقفت ثم مضت ، أو فتح قفصا لرجل عن طائر ثم خرج بعد لم يضمن ; لأن الطائر والدابة أحدثا الذهاب والذهاب غير فعل الحال والفاتح وهكذا الحيوان كله وما فيه روح وله عقل يقف فيه [ ص: 72 ] بنفسه ويذهب بنفسه فأما ما لا عقل له ، ولا روح فيه مما يضبطه الرباط مثل زق زيت وراوية ماء فحلها الرجل فتدفق الزيت فهو ضامن إلا أن يكون حل الزيت ، وهو مستند قائم فكان الحل لا يدفقه فثبت قائما ثم سقط بعد فإن طرحه إنسان فطارحه ضامن لما ذهب منه ، وإن لم يطرحه إنسان لم يضمنه الحال الأول ; لأن الزيت إنما ذهب بالطرح دون الحل وأن الحل قد كان ، ولا جناية فيه
( قال الشافعي ) ولا جعل لأحد جاء بآبق ، ولا ضالة إلا أن يكون جعل له فيه فيكون له ما جعل له وسواء في ذلك من يعرف بطلب الضوال ومن لا يعرف به ومن قال : لأجنبي إن جئتني بعبدي الآبق فلك عشرة دنانير ثم قال : لآخر إن جئتني بعبدي الآبق فلك عشرون دينارا ثم جاءا به جميعا فلكل واحد منهما نصف جعله ; لأنه إنما أخذ نصف ما جعل عليه كله كان صاحب العشرة قد سمع قوله لصاحب العشرين ، أو لم يسمعه ، وكذلك لو قال لثلاثة فقال لأحدهم : إن جئتني به فلك كذا ولآخر ولآخر فجعل أجعالا مختلفة ثم جاءوا به جميعا فلكل أحد منهم ثلث جعله .
، وفي اختلاف مالك والشافعي اللقطة .

( قال : الربيع ) سألت الشافعي رحمه الله عمن وجد لقطة قال : يعرفها سنة ثم يأكلها إن شاء موسرا كان ، أو معسرا ، فإذا جاء صاحبها ضمنها له فقلت : له وما الحجة في ذلك ؟ فقال : السنة الثابتة وروى هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب وأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأكلها وأبي من مياسير الناس يومئذ وقبل وبعد ( أخبرنا ) مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد الجهني أنه قال : { جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن اللقطة فقال : اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها } .

( أخبرنا ) مالك عن أيوب بن موسى عن معاوية بن عبد الله بن بدر أن أباه أخبره أنه نزل منزل قوم بطريق الشام فوجد صرة فيها ثمانون دينارا فذكر ذلك لعمر بن الخطاب فقال : له عمر عرفها على أبواب المساجد واذكرها لمن يقدم من الشام سنة ، فإذا مضت السنة فشأنك بها .

( قال الشافعي ) فرويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم عن عمر أنه أباح بعد سنة أكل اللقطة ثم خالفتم ذلك فقلتم يكره أكل اللقطة للغني والمسكين .

( أخبرنا الربيع ) قال : أخبرنا الشافعي قال : أخبرنا مالك عن نافع أن رجلا وجد لقطة فجاء إلى عبد الله بن عمر فقال : إني وجدت لقطة فماذا ترى ؟ فقال : له ابن عمر عرفها ، قال : قد فعلت ، قال فزد قال : فعلت قال : لا آمرك أن تأكلها ، ولو شئت لم تأخذها .

( قال الشافعي ) وابن عمر لم يوقت في التعريف وقتا وأنتم توقتون في التعريف سنة وابن عمر كره للذي وجد اللقطة أكلها غنيا كان أو فقيرا وأنتم ليس هكذا تقولون وابن عمر يكره له أخذها وابن عمر كره له أن يتصدق بها وأنتم لا تكرهون له أخذها بل تستحبونه وتقولون : لو تركها ضاعت .
وترجم في كتاب اختلاف علي وابن مسعود رضي الله عنهما اللقطة

( أخبرنا الربيع ) قال : أخبرنا الشافعي قال دخل علي ابن قيس قال : سمعت هزيلا يقول رأيت عبد الله أتاه رجل بصرة مختومة فقال : عرفتها ، ولم أجد من يعرفها قال : استمتع بها ، وهذا قولنا إذا عرفها سنة فلم يجد [ ص: 73 ] من يعرفها فله أن يستمتع بها وهكذا السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وحديث ابن مسعود يشبه السنة ، وقد خالفوا هذا كله ورووا حديثا عن عامر عن أبيه عن عبد الله أنه اشترى جارية فذهب صاحبها فتصدقوا بثمنها وقال : اللهم عن صاحبها فإن كره فلي وعلي الغرم ، ثم قال : وهكذا نفعل باللقطة فخالفوا السنة في اللقطة التي لا حجة فيها ، وخالفوا حديث ابن مسعود الذي يوافق السنة ، وهو عندهم ثابت واحتجوا بهذا الحديث الذي عن عامر وهم يخالفونه فيما هو بعينه يقولون : إن ذهب البائع فليس للمشتري أن يتصدق بثمنها ، ولكنه يحبسه حتى يأتي صاحبها متى جاء .
كتاب اللقيط

( أخبرنا الربيع بن سليمان ) قال : سمعت الشافعي رحمه الله يقول في المنبوذ : هو حر ولا ولاء له ، وإنما يرثه المسلمون بأنهم قد خولوا كل مال لا مالك له ، ألا ترى أنهم يأخذون مال النصراني ، ولا وارث له ؟ ولو كانوا أعتقوه لم يأخذوا ماله بالولاء ، ولكنهم خولوا ما لا مالك له من الأموال ، ولو ورثه المسلمون وجب على الإمام أن لا يعطيه أحدا من المسلمين دون أحد وأن يكون أهل السوق والعرب من المسلمين فيه سواء ثم وجب عليه أن يجعل ولاءه يوم ولدته أمه لجماعة الأحياء من المسلمين الرجال والنساء ثم يجعل ميراثه لورثته من كان حيا من المسلمين من الرجال دون النساء كما يورث الولاء ، ولكنه مال كما وصفنا لا مالك له ويرد على المسلمين يضعه الإمام على الاجتهاد حيث يرى .
وترجم في سير الأوزاعي الصبي يسبى ثم يموت

سئل أبو حنيفة رحمه الله عن الصبي يسبى وأبوه كافر وقعا في سهم رجل ثم مات أبوه ، وهو كافر ثم مات الغلام قبل أن يتكلم بالإسلام فقال : لا يصلى عليه ، وهو على دين أبيه ; لأنه لا يقر بالإسلام وقال الأوزاعي : مولاه أولى من أبيه يصلى عليه وقال : لو لم يكن معه أبوه وخرج أبوه مستأمنا لكان لمولاه أن يبيعه من أبيه وقال : أبو يوسف إذا لم يسب معه أبوه صار مسلما ليس لمولاه أن يبيعه من أبيه إذا دخل بأمان ، وهو ينقض قول الأوزاعي إنه لا بأس أن يبتاع السبي ويرد إلى دار الحرب في مسألة قبل هذا فالقول في هذا ما قال أبو حنيفة : إذا كان معه أبواه ، أو أحدهما فهو على دينه حتى يقر بالإسلام ، وإذا لم يكن معه أبواه أو أحدهما فهو مسلم .

( قال الشافعي ) { سبى رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء بني قريظة وذراريهم فباعهم من المشركين فاشترى أبو الشحم اليهودي أهل بنت عجوز ولدها من النبي صلى الله عليه وسلم وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بما بقي من السبايا أثلاثا ثلثا إلى تهامة وثلثا إلى نجد وثلثا إلى طريق الشام } فبيعوا بالخيل والسلاح والإبل والمال ، وفيهم الصغير والكبير ، وقد يحتمل هذا أن يكونوا من أجل أن أمهات الأطفال معهم ويحتمل أن يكون في الأطفال من لا أم له ، فإذا سبوا مع أمهاتهم فلا بأس أن يباعوا من المشركين ، وكذلك لو سبوا مع آبائهم ، ولو مات أمهاتهم وآباؤهم قبل أن يبلغوا فيصفوا الإسلام لم يكن لنا أن نصلي عليهم ; لأنهم على دين الأمهات والآباء إذا كان النساء بلغا فلنا بيعهم بعد موت أمهاتهم من المشركين ; لأنا قد حكمنا عليهم بأن حكم الشرك ثابت عليهم إذا تركنا الصلاة عليهم كما حكمنا به وهم مع آبائهم لا فرق بين ذلك إذا لزمهم حكم الشرك كان لنا بيعهم من المشركين [ ص: 74 ] وكذلك النساء البوالغ قد { استوهب رسول الله صلى الله عليه وسلم جارية بالغا من أصحابه ففدى بها رجلين }
وترجم في اختلاف مالك والشافعي باب المنبوذ ( أخبرنا ) مالك عن ابن شهاب عن سنين أبي جميلة رجل من بني سليم أنه وجد منبوذا في زمان عمر بن الخطاب فجاء به إلى عمر فقال : ما حملك على أخذ هذه النسمة ؟ قال وجدتها ضائعة فأخذتها فقال عريفي يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح فقال : أكذلك ؟ قال : نعم قال : عمر اذهب فهو حر وولاؤه لك وعلينا نفقته قال مالك الأمر المجتمع عليه عندنا في المنبوذ أنه حر وأن ، ولاءه للمسلمين فقلت : للشافعي فبقول مالك نأخذ .

( قال الشافعي ) فقد تركتم ما روي عن عمر في المنبوذ فإن كنتم تركتموه ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { الولاء لمن أعتق } ، فقد زعمتم أن في ذلك دليلا على أن لا يكون الولاء إلا لمن أعتق ، ولا يزول عن معتق ، فقد خالفتم عمر استدلالا بالسنة ثم خالفتم السنة فزعمتم أن السائبة لا يكون ولاؤه للذي أعتقه ، وهو معتق فخالفتموهما جميعا وخالفتم السنة في النصراني يعتق العبد المسلم فزعمتم أن لا ولاء له ، وهو معتق وخالفتم السنة في المنبوذ إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول { فإنما الولاء لمن أعتق } فهذا نفى أن يكون الولاء لمن أعتق والمنبوذ غير معتق ولا ولاء له فمن أجمع ترك السنة وخالف عمر فيا ليت شعري من هؤلاء المجمعين لا يسمون فإنا لا نعرفهم ، وهو المستعان ، ولم يكلف الله أحدا أن يأخذ دينه عمن لا يعرفه ، ولو كلفه أفيجوز له أن يقبل عمن لا يعرف ؟ إن هذه لغفلة طويلة فلا أعرف أحدا عنه هذا العلم يؤخذ عليه مثل هذا في قوله واحد يترك ما روي في اللقيط عن عمر للسنة ثم يدع السنة فيه في موضع آخر في السائبة والنصراني يعتق المسلم .

( قال الشافعي ) وقد خالفنا بعض الناس في هذا فكان قوله أشد توجيها من قولكم قالوا : يتبع ما جاء عن عمر في اللقيط ; لأنه قد يحتمل أن لا يكون خلافا للسنة وأن تكون السنة في المعتق فيمن لا ولاء له ويجعل ولاء الرجل يسلم على يديه الرجل للمسلم بحديث عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : في السائبة والنصراني يعتق المسلم قولنا فزعمنا أن عليهم حجة بأن قول النبي صلى الله عليه وسلم { فإنما الولاء لمن أعتق } لا يكون الولاء إلا لمعتق ، ولا يزول عن معتق فإن كانت لنا عليهم بذلك حجة فهي عليكم أبين ; لأنكم خالفتموه حيث ينبغي أن توافقوه ووافقتموه حيث كان لكم شبهة لو خالفتموه .
[ ص: 75 ] باب الجعالة وليس في التراجم

وفي آخر اللقطة الكبيرة .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : ولا جعل لأحد جاء بآبق ، ولا ضالة إلا أن يكون جعل له فيه فيكون له ما جعل له وسواء في ذلك من يعرف بطلب الضوال ومن لا يعرف به ومن قال لأجنبي : إن جئتني بعبدي الآبق فلك عشرة دنانير ثم قال الآخر : إن جئتني بعبدي الآبق فلك عشرون دينارا ثم جاءا به جميعا فلكل واحد منهما نصف جعله ; لأنه إنما أخذ نصف ما جعل عليه كان صاحب العشرة قد سمع قوله لصاحب العشرين ، أو لم يسمعه ، وكذلك لو قال لثلاثة فقال : لأحدهم إن جئتني به فلك كذا ، ولآخر ولآخر . فجعل أجعالا مختلفة ثم جاءوا به معا فلكل واحد منهم ثلث جعله
كتاب الفرائض

" باب المواريث " من سمى الله تعالى له الميراث وكان يرث ، ومن خرج من ذلك .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : فرض الله تعالى ميراث الوالدين والإخوة والزوجة والزوج فكان ظاهره أن من كان والدا ، أو أخا محجوبا وزوجا وزوجة ، فإن ظاهره يحتمل أن يرثوا وغيرهم ممن سمي له ميراث إذا كان في حال دون حال فدلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقاويل أكثر أهل العلم على أن معنى الآية أن أهل المواريث إنما ورثوا إذا كانوا في حال دون حال .

قلت للشافعي : وهكذا نص السنة ؟ قال : لا ، ولكن هكذا دلالتها ، قلت وكيف دلالتها ؟ قال : أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال : قولا يدل على أن بعض من سمي له ميراث لا يرث . فيعلم أن حكم الله تعالى لو كان على أن يرث من لزمه اسم الأبوة والزوجة وغيره عاما لم يحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد لزمه اسم الميراث بأن لا يرث بحال . قيل : للشافعي فاذكر الدلالة فيمن لا يرث مجموعة . قال : لا يرث أحد ممن سمي له ميراث حتى يكون دينه دين الميت الموروث ويكون حرا ، ويكون بريئا من أن يكون قاتلا للموروث ، فإذا برئ من هذه الثلاث الخصال ورث ، وإذا كانت فيه واحدة منهن لم يرث ، فقلت : فاذكر ما وصفت ، قال : أخبرنا ابن عيينة عن الزهري عن علي بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا يرث المسلم الكافر ، ولا الكافر المسلم } وأخبرنا مالك عن ابن شهاب عن علي بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا يرث المسلم الكافر ، ولا الكافر المسلم } وأخبرنا مالك عن ابن شهاب عن علي بن الحسين قال : إنما ورث أبا طالب عقيل وطالب ، ولم يرثه علي ، ولا جعفر . قال : فلذلك تركنا نصيبنا [ ص: 76 ] من الشعب .

( قال الشافعي ) فدلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما وصفت لك من أن الدينين إذا اختلفا بالشرك والإسلام لم يتوارث من سميت له فريضة ، أخبرنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من باع عبدا له مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع } .

( قال الشافعي ) فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن مال العبد إذا بيع لسيده دل هذا على أن العبد لا يملك شيئا ، وأن اسم ماله إنما هو إضافة المال إليه ، كما يجوز في كلام العرب أن يقول الرجل لأجير في غنمه وداره وأرضه هذه أرضك وهذه غنمك على الإضافة لا الملك ، فإن قال قائل : ما دل على أن هذا معناه ، وهو يحتمل أن يكون المال ملكا له ؟ قيل : له قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ماله للبائع دلالة على أن ملك المال لمالك الرقبة وأن المملوك لا يملك شيئا ، ولم أسمع اختلافا في أن قاتل الرجل عمدا لا يرث من قتل من دية ، ولا مال شيئا .

ثم افترق الناس في القاتل خطأ ، فقال : بعض أصحابنا يرث من المال ، ولا يرث من الدية وروي ذلك عن بعض أصحابنا عن النبي صلى الله عليه وسلم بحديث لا يثبته أهل العلم بالحديث ، وقال غيرهم : لا يرث قاتل الخطأ من دية ، ولا مال ، وهو كقاتل العمد ، وإذا لم يثبت الحديث فلا يرث قاتل عمد ، ولا خطأ شيئا أشبه بعموم أن لا يرث قاتل ممن قتل .
باب الخلاف في ميراث أهل الملل ، وفيه شيء يتعلق بميراث العبد والقاتل .

( قال الربيع ) ( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : فوافقنا بعض الناس ، فقال : لا يرث مملوك ، ولا قاتل عمدا ، ولا خطأ ، ولا كافر شيئا ، ثم عاد فقال : إذا ارتد الرجل عن الإسلام فمات على الردة ، أو قتل ورثه ورثته المسلمون .

( قال الشافعي ) فقيل لبعضهم : أيعدو المرتد أن يكون كافرا أو مسلما ؟ قال : بل كافر ، قيل : فقد قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا يرث الكافر المسلم } ، ولم يستثن من الكفار أحدا فكيف ورثت مسلما كافرا ؟ فقال : إنه كافر قد كان ثبت له حكم الإسلام ثم أزاله عن نفسه ، قلنا فإن كان زال بإزالته إياه ، فقد صار إلى أن يكون ممن قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يرثه مسلم ، ولا يرث مسلما ، وإن كان لم يزل بإزالته إياه ، أفرأيت أن من مات له ابن مسلم ، وهو مرتد أيرثه ؟ قال : لا ، قلنا : ولم حرمته ؟ قال : للكفر ، قلنا : فلم لا يحرم منه بالكفر كما حرمته ؟ هل يعدو أن يكون في الميراث بحاله قبل أن يرتد فيرث ويورث أو يكون خارجا من حاله قبل أن يرتد فلا يرث ، ولا يورث ، وقد قتلته ؟ وذلك يدل على أن قد زالت بإزالته وحرمت عليه امرأته وحكمت عليه حكم المشركين في بعض وحكم المسلمين في بعض قال : فإني إنما ذهبت إلى أن عليا رضي الله عنه ورث ورثة مرتد قتله من المسلمين ماله قلنا : قد رويته عن علي رضي الله عنه وقد زعم بعض أهل العلم بالحديث قبلك أنه غلط على علي كرم الله وجهه ، ولو كان ثابتا عنه كان أصل مذهبنا ومذهبك أنه لا حجة في أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فيحتمل أن يكون لا يرث الكافر الذي لم يزل كافرا قلنا فإن كان حكم المرتد مخالفا حكم من لم يزل كافرا فورثه فورثته المسلمون إذا ماتوا قبله فعلي لم ينهك عن هذا قال : هو داخل في جملة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قلت : فإن كان داخلا في جملة الحديث [ ص: 77 ] عن النبي صلى الله عليه وسلم لزمك أن تترك قولك في أن ورثته من المسلمين يرثونه ( قال الشافعي ) وقد روي عن معاذ بن جبل ومعاوية ومسروق وابن المسيب ومحمد بن علي بن الحسين أن المؤمن يرث الكافر ، ولا يرثه الكافر وقال : بعضهم كما تحل لنا نساؤهم ، ولا تحل لهم نساؤنا فإن قال لك قائل : { قضاء النبي صلى الله عليه وسلم كان في كافر من أهل الأوثان } وأولئك لا تحل ذبائحهم ، ولا نساؤهم وأهل الكتاب غيرهم فيرث المسلمون من أهل الكتاب اعتمادا على ما وصفنا ، أو بعضهم ; لأنه يحتمل لهم ما احتمل لك بل لهم شبهة ليست لك بتحليل ذبائح أهل الكتاب ونسائهم قال : لا يحل له ذلك قلنا ولم ؟ قال ; لأنهم داخلون في الكافرين وحديث النبي صلى الله عليه وسلم جملة . قلنا : فكذلك المرتد داخل في جملة الكافرين


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #155  
قديم 29-07-2022, 07:41 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 88,138
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله




كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
المجلد الرابع

الحلقة (155)
صــــــــــ 78 الى صـــــــــــ84




باب من قال : لا يورث أحد حتى يموت .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى قال الله عز وجل { إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ، وهو يرثها إن لم يكن لها ولد } وقال الله عز وجل { ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم [ ص: 78 ] يكن لهن ولد } وقال عز وعلا { ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد } وقال : النبي صلى الله عليه وسلم { لا يرث المسلم الكافر } .

( قال الشافعي ) وكان معقولا عن الله عز وجل ثم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم في لسان العرب وقول عوام أهل العلم ببلدنا أن امرأ لا يكون موروثا أبدا حتى يموت ، فإذا مات كان موروثا وأن الأحياء خلاف الموتى فمن ورث حيا دخل عليه - والله تعالى أعلم - خلاف حكم الله - عز وجل - وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا : والناس معنا بهذا لم يختلف في جملته وقلنا به في المفقود وقلنا لا يقسم ماله حتى يعلم يقين وفاته .

وقضى عمر وعثمان في امرأته بأن تتربص أربع سنين ثم تعتد أربعة أشهر وعشرا ، وقد يفرق بين الرجل والمرأة بالعجز عن إصابتها . ونفرق نحن بالعجز عن نفقتها وهاتان سببا ضرر ، والمفقود قد يكون سبب ضرر أشد من ذلك ، فعاب بعض المشرقيين القضاء في المفقود ، وفيه قول عمر وعثمان وما وصفنا مما يقولون فيه بقولنا ويخالفونا ، وقالوا : كيف يقضي لامرأته بأن يكون ميتا بعد مدة ، ولم يأت يقين موته ؟ ثم دخلوا في أعظم مما عابوا خلاف الكتاب والسنة . وجملة ما عابوا ، فقالوا في الرجل يرتد في ثغر من ثغور المسلمين فيلحق بمسلحة من مسالح المشركين فيكون قائما فيها يترهب ، أو جاء إلينا مقاتلا يقسم ميراثه بين ورثته المسلمين وتحل ديونه ويعتق مدبروه وأمهات أولاده ويحكم عليه حكم الموتى في جميع أمره ثم يعود لما حكم به عليه فيقول فيه قولا متناقضا خارجا كله من أقاويل الناس والقياس والمعقول .

( قال الشافعي ) فقال : ما وصفت بعض من هو أعلمهم عندهم ، أو كأعلمهم فقلت له ما وصفت ، وقلت : له أسألك عن قولك ، فقد زعمت أن حراما أن يقول أحد أبدا قولا ليس خبرا لازما ، أو قياسا أقولك في أن يورث المرتد ، وهو حي إذا لحق بدار الكفر خبرا ، أو قياسا ؟ فقال : أما خبر فلا ، فقلت : فقياس ؟ قال : نعم من وجه ، قلت فأوجدنا ذلك الوجه قال : ألا ترى أنه لو كان معي في الدار وكنت قادرا عليه قتلته ؟ فقلت فإن لم تكن قادرا عليه فتقتله أفمقتول هو أم ميت بلا قتل ؟ قال : لا قلت : فكيف حكمت عليه حكم الموتى ، وهو غير ميت ؟ أورأيت لو كانت علتك بأنك لو قدرت عليه في حاله تلك فقتلته فجعلته في حكم الموتى فكان هاربا في بلاد الإسلام مقيما على الردة دهرا من دهره أتقسم ميراثه ؟ قال : لا ، قلت : فأسمع علتك بأنك لو قدرت عليه قتلته . قال : فإن لم تقدر عليه حكم عليه حكم الموتى كانت باطلا عندك فرجعت إلى الحق عندك في أن لا تقتله إذا كان هاربا في بلاد الإسلام وأنت لو قدرت عليه قتلته .

ولو كانت عندك حقا فتركت الحق في قتله إذا كان هاربا في بلاد الإسلام . قلت : فإنما قسمت ميراثه بلحوقه بدار الكفر دون الموت ؟ قال : نعم ، قلت : فالمسلم يلحق بدار الكفر أيقسم ميراثه إذا كان في دار لا يجري عليه فيها الحكم ؟ قال : لا . قلنا فالدار لا تميت أحدا ، ولا تحييه ، فهو حي حيث كان حيا وميت حيث كان ميتا .

قال نعم : قلنا أفتستدرك على أحد أبدا بشيء من جهة الرأي أقبح أن تقول الحي ميت ؟ أرأيت لو تابعك أحد على أن تزعم أن حيا يقسم ميراثه ما كان يجب عليك أن من تابعك على هذا مغلوب على عقله ، أو غبي لا يسمع منه . فكيف إذا كان الكتاب والسنة يدلان معا على دلالة المعقول على خلافكما معا ؟ .

( قال الشافعي ) وقلت : له عبتم على من قال : قول عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما في امرأة المفقود ومن أصل ما تذهبون كما تزعمون أن الواحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال : قولا كان قوله غاية ينتهى إليها وقبلتم عن عمر أنه قال : إذا أرخيت الستور وجب المهر والعدة ورددتم على من تأول الآيتين وهما قول الله عز وجل { ، وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } وقوله { فما لكم عليهن من عدة تعتدونها } ، وقد روي هذا [ ص: 79 ] عن ابن عباس وشريح وذهبنا إلى أن الإرخاء والإغلاق لا يصنع شيئا إنما يصنعه المسيس فكيف لم تجيزوا لمن تأول على قول عمر وقال : بقول ابن عباس ؟ وقلتم عمر في إمامته أعلم بمعنى القرآن ، ثم امتنعتم من القبول عن عمر وعثمان القضاء في امرأة المفقود وهما لم يقضيا في ماله بشيء علمناه ، وقلتم لا يجوز أن يحكم عليه حكم الموتى قبل أن تستيقن وفاته ، وإن طال زمانه .

ثم زعمتم أنكم تحكمون على رجل حكم الموت وأنت على يقين من حياته في طرفة عين فلقلما رأيتكم عبتم على أحد في الأخبار التي انتهى إليها شيئا قط إلا قلتم من جهة الرأي بمثله وأولى أن يكون معيبا فأي جهل أبين من أن تعيب في الخبر الذي هو عندك فيما تزعم ؟ غاية ما نقول من جهة الرأي ما عبت منه ، أو مثله ، وقلت لبعضهم : أرأيت قولك لو لم يعب بخلاف كتاب ، ولا سنة ، ولا إجماع ، ولا قياس ، ولا معقول وسكت لك عن هذا كله ، ألا يكون قولك معيبا بلسانك ؟ .

( قال ) وأين ؟ قلت : أرأيت إذا كانت الردة اللحوق بدار الحرب يوجب عليه حكم الموت لم زعمت أن القاضي إن فرط ، أو لم يرفع ذلك إليه حتى يمضي سنين ، وهو في دار الحرب . ثم رجع قبل أن يحكم القاضي مسلما أنه على أصل ملكه ، ولم زعمت أن القاضي إن حكم في طرفة عين عليه بحكم الموت ثم رجع مسلما كان الحكم ماضيا في بعض دون بعض ؟ ما زعمت أن حكم الموت يجب عليه بالردة واللحوق بدار الحرب ; لأنك لو زعمت ذلك ، قلت : لو رجع مسلما أنفذ عليه الحكم ; لأنه وجب ، ولو زعمت أن الحكم إذا أنفذ عليه ورجع مسلما رد الحكم فلا ينفذ فأنت زعمت أن ينفذ بعضا ويرد بعضا .

( قال ) وما ذلك ؟ قلت : زعمت أنه يعتق مدبروه وأمهات أولاده ويعطي غريمه الذي حقه إلى ثلاثين سنة حالا ويقسم ميراثه فيأتي مسلما ومدبروه وأمهات أولاده وماله قائم في يدي غريمه يقر به ويشهد عليه ولا يرد من هذا شيئا ، وهو ماله بعينه فكل مال في يدي الغريم ماله بعينه وتقول لا ينقض الحكم . ثم تنزع ميراثه من يدي ورثته فكيف نقضت بعض الحكم دون بعض ؟ قال : قلت : هو ماله بعينه لم يحلل له ومدبروه وأمهات أولاده بأعيانهم . ثم زعمت أنه ينقض الحكم للورثة وأنه إن استهلك بعضهم ماله ، وهو موسر لم يغرمه إياه ، وإن لم يستهلكه بعضهم أخذته ممن لم يستهلكه هل يستطيع أحد كمل عقله وعلمه لو تخاطأ أن يأتي بأكثر من هذا في الحكم بعينه ؟ أرأيت من نسبتم إليه الضعف من أصحابنا وتعطيل النظر وقلتم إنما يتخرص فيلقى ما جاء على لسانه هل كان تعطيل النظر يدخل عليه أكثر من خلاف كتاب وسنة ، فقد جمعتهما جميعا ، أو خلاف معقول ، أو قياس أو تناقض قول ، فقد جمعته كله فإن كان أخرجك عند نفسك من أن تكون ملوما على هذا إنك أبديته وأنت تعرفه فلا أحسب لمن أتى ما ليس له ، وهو يعرفه عذرا عندنا ; لأنه إذا لم يكن للجاهل بأن يقول من قبل أنه يخطئ ، ولا يعلم فأحسب العالم غير معذور بأن يخطئ ، وهو يعلم .

( قال الشافعي ) فقال : فما تقول أنت ؟ فقلت : أقول إني أقف ماله حتى يموت فأجعله فيئا ، أو يرجع إلى الإسلام فأرده إليه ، ولا أحكم بالموت على حي فيدخل علي بعض ما دخل عليك .
باب رد المواريث

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى ، قال الله عز وجل { إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ، وهو يرثها إن لم يكن لها ولد } وقال : الله عز وجل { ، وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر [ ص: 80 ] مثل حظ الأنثيين } وقال : { ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها ، أو دين } وقال : تعالى { ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم } وقال : عز اسمه { ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ، فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس } .

( قال الشافعي ) فهذه الآي في المواريث كلها تدل على أن الله عز وجل انتهى بمن سمى له فريضة إلى شيء ، فلا ينبغي لأحد أن يزيد من انتهى الله به إلى شيء غير ما انتهى به ، ولا ينقصه فبذلك قلنا : لا يجوز رد المواريث .

( قال الشافعي ) وإذا ترك الرجل أخته أعطيتها نصف ما ترك وكان ما بقي للعصبة فإن لم تكن عصبة فلمواليه الذين أعتقوه ، فإن لم يكن له موال أعتقوه كان النصف مردودا على جماعة المسلمين من أهل بلده ، ولا تزاد أخته على النصف ، وكذلك لا يرد على وارث ذي قرابة ، ولا زوج ، ولا زوجة له فريضة ، ولا تجاوز بذي فريضة فريضته والقرآن إن شاء الله تعالى يدل على هذا ، وهو قول زيد بن ثابت وقول الأكثر ممن لقيت من أصحابنا .
باب الخلاف في رد المواريث

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى فقال لي بعض الناس إذا ترك الميت أخته ، ولا وارث له غيرها ، ولا مولى أعطيت الأخت المال كله ، قال : فقلت لبعض من يقول هذا إلى أي شيء ذهبتم ؟ قال : ذهبنا إلى أن روينا عن علي بن أبي طالب وابن مسعود رد المواريث فقلت : له ما هو عن واحد منهما فيما علمته بثابت ، ولو كان ثابتا كنت قد تركت عليهما أقاويل لهما في الفرائض غير قليلة لقول زيد بن ثابت فكيف إن كان زيد لا يقول بقولهما لا يرد المواريث لم لم تتبعه دونهما كما اتبعته دونهما في غير هذا من الفرائض ؟ .

( قال الشافعي ) فقال : فدع هذا ، ولكن أرأيت إذا اختلف القولان في رد المواريث أليس يلزمنا أن نصير إلى أشبه القولين بكتاب الله تبارك وتعالى ؟ قلنا بلى قال فعدهما خالفاه أي القولين أشبه بكتاب الله تبارك وتعالى ؟ قلنا قول زيد بن ثابت لا شك إن شاء الله تعالى قال : وأين الدلالة على موافقة قولكم في كتاب الله عز وجل دون قولنا ؟ قلت قال الله عز وجل { إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ، وهو يرثها إن لم يكن لها ولد } وقال : { فإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين } فذكر الأخت منفردة فانتهى بها إلى النصف وذكر الأخ منفردا فانتهى به إلى الكل وذكر الأخ والأخت مجتمعين فجعلها على النصف من الأخ في الاجتماع كما جعلها في الانفراد أفرأيت إن أعطيتها الكل منفردة أليس قد خالفت حكم الله تبارك وتعالى نصا ؟ لأن الله عز وجل انتهى بها إلى النصف وخالفت معنى حكم الله إذ سويتها به ، وقد جعلها الله تبارك وتعالى معه على النصف منه .

( قال الشافعي ) فقلت له وآي المواريث كلها تدل على خلاف رد المواريث قال : فقال أرأيت إن قلت : لا أعطيها النصف الباقي ميراثا ؟ قلت : له قل ما شئت قال : أراها موضعه قلت : فإن رأى غيرك غيرها موضعه فأعطاها جارة له محتاجة ، أو جارا له محتاجا أو غريبا محتاجا ؟ قال : فليس له ذلك قلت : ولا لك بل هذا أعذر منك ، هذا لم يخالف حكم الكتاب نصا ، وإنما خالف قول عوام المسلمين ; لأن عوام منهم يقولون هو لجماعة المسلمين .
[ ص: 81 ] باب المواريث أخبرنا الربيع بن سليمان قال : ( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى قال الله تبارك وتعالى { ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني } وقال عز وجل { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر } فنسب إبراهيم إلى أبيه وأبوه كافر ونسب ابن نوح إلى أبيه نوح وابنه كافر وقال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم في زيد بن حارثة { ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم } وقال : تبارك وتعالى { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه } فنسب الموالي نسبان أحدهما إلى الآباء والآخر إلى الولاء وجعل الولاء بالنعمة وقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم { ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ، وإن كان مائة شرط قضاء الله أحق وشرطه أوثق ، وإنما الولاء لمن أعتقه } فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الولاء إنما يكون للمعتق قال وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب } فدل الكتاب والسنة على أن الولاء إنما يكون بمتقدم فعل من المعتق كما يكون النسب بمتقدم ولاد من الأب ، ألا ترى أن رجلا لو كان لا أب له يعرف جاء رجلا فسأل أن ينسبه إلى نفسه ورضي ذلك الرجل لم يجز أن يكون له ابنا أبدا فيكون مدخلا به على عاقلته مظلمة في أن يعقلوا عنه ويكون ناسبا إلى نفسه غير من ولد ، وإنما قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم { الولد للفراش } ، وكذلك إذا لم يعتق الرجل الرجل لم يجز أن يكون منسوبا إليه بالولاء فيدخل على عاقلته المظلمة في عقلهم عنه وينسب إلى نفسه ولاء من لم يعتق ، وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { الولاء لمن أعتق } فبين في قوله { إنما الولاء لمن أعتق } أنه لا يكون الولاء إلا لمن أعتق ، أولا ترى أن رجلا لو أمر ابنه أن ينتسب إلى غيره ، أو ينتفي من نسبه وتراضيا على ذلك لم تنقطع أبوته عنه بما أثبت الله عز وجل لكل واحد منهما على صاحبه ؟ أولا ترى أنه لو أعتق عبدا له ثم أذن له بعد العتق أن يوالي من شاء أو ينتفي من ولايته ورضي بذلك المعتق لم يكن لواحد منهما أن يفعل ذلك لما أثبت الله تعالى عليه من النعمة ؟ فلما كان المولى في المعنى الذي فيه النسب ثبت الولاء بمتقدم المنة كما ثبت النسب بمتقدم الولادة لم يجز أن يفرق بينهما أبدا إلا بسنة ، أو إجماع من أهل العلم وليس في الفرق بينهما في هذا المعنى سنة ، ولا إجماع .

( قال الشافعي ) قد حضرني جماعة من أصحابنا من الحجازيين وغيرهم فكلمني رجل من غيرهم بأن قال إذا أسلم الرجل على يدي رجل فله ولاؤه إذا لم يكن له ولاء نعمة وله أن يوالي من شاء ، وله أن ينتقل بولائه ما لم يعقل عنه ، فإذا عقل عنه لم يكن له أن ينتقل عنه ، وقال لي فما حجتك في ترك هذا ؟ قلت : خلافه ما حكيت من قول الله عز وجل { ادعوهم لآبائهم } الآية وقول النبي صلى الله عليه وسلم { فإنما الولاء لمن أعتق } فدل ذلك على أن النسب يثبت بمتقدم الولاد كما ثبت الولاء بمتقدم العتق ، وليس كذلك الذي يسلم على يدي الرجل ، فكان النسب شبيها بالولاء والولاء شبيها بالنسب ، فقال لي قائل : إنما ذهبت في هذا إلى حديث رواه ابن موهب عن تميم الداري قلت لا يثبت ، قال : أفرأيت إذا كان هذا الحديث ثابتا أيكون مخالفا لما رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم { الولاء لمن أعتق } قلت : لا ، قال : فكيف تقول ؟ .

قلت : أقول : إن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم { إنما الولاء لمن أعتق } { ونهيه عن بيع الولاء وعن هبته } ، وقوله { الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ، ولا يوهب } فيمن أعتق ; لأن العتق نسب والنسب لا يحول ، والذي يسلم على يدي الرجل ليس هو المنهي أن يحول ، ولاؤه ، قال : فبهذا قلنا ، فما منعك منه إذا كان الحديثان [ ص: 82 ] محتملين أن يكون لكل واحد منهما وجه ؟ قلت : منعني أنه ليس بثابت ، إنما يرويه عبد العزيز بن عمر عن ابن موهب عن تميم الداري ، وابن موهب ليس بالمعروف عندنا ، ولا نعلمه لقي تميما ، ومثل هذا لا يثبت عندنا ، ولا عندك من قبل أنه مجهول ، ولا نعلمه متصلا ، قال : فإن من حجتنا أن عمر قال : في المنبوذ هو حر ولك ، ولاؤه ، يعني للذي التقطه ، قلت : وهذا لو ثبت عن عمر حجة عليك ; لأنك تخالفه ، قال : ومن أين ؟ قلت : أنت تزعم أنه لا يوالي عن الرجل إلا نفسه بعد أن يعقل ، وأن له إذا والى عن نفسه أن ينتقل بولائه ما لم يعقل عنه ، فإن زعمت أن موالاة عمر عنه ; لأنه وليه جائزة عليه ، فهل لوصي اليتيم أن يوالي عنه ؟ قال : ليس ذلك له ، قلت : فإن زعمت أن ذلك للوالي دون الوصي ، فهل وجدته يجوز للوالي شيء في اليتيم لا يجوز للوصي ؟ فإن زعمت أن ذلك حكم من عمر والحكم لا يجوز عندك على أحد إلا بشيء يلزمه نفسه ، أو فيما لا بد له منه مما لا يصلحه غيره ، ولليتيم بد من الولاء .

فإن قلت : هو حكم فلا يكون له أن ينتقل به فكيف يجوز أن يكون له أن ينتقل إذا عقد على نفسه عقدا ما لم يعقل عنه ، ولا يكون له أن ينتقل إن عقده عليه غيره ؟ .

( قال ) فإن قلت : هو أعلم بمعنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قلت : ونعارضك بما هو أثبت عن ميمونة وابن عباس من هذا عن عمر بن الخطاب ، قال : وما هو ؟ قلت : وهبت ميمونة ، ولاء بني يسار لابن أختها عبد الله بن عباس فاتهبه ، فهذه زوج النبي صلى الله عليه وسلم وابن عباس وهما اثنان ، قال : فلا يكون في أحد ، ولو كانوا عددا كثيرا مع النبي صلى الله عليه وسلم حجة ، قلنا : فكيف احتججت بأحد على النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : هكذا يقول بعض أصحابنا ، قلت : أبيت أن تقبل هذا من غيرك ، فقال : من حضرنا من المدنيين هذه حجة ثابتة ، قال فأنتم إن كنتم ترونها ثابتة ، فقد تخالفونها في شيء قالوا ما نخالفها في شيء ، وما نزعم أن الولاء يكون إلا لذي نعمة .

( قال الشافعي ) فقال لي قائل أعتقد عنهم جوابهم ، فأزعم أن للسائبة أن يوالي من شاء ، قلت : لا يجوز هذا إذا كان من احتججنا به من الكتاب والسنة والقياس ، إلا أن يأتي فيه خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أو أمر أجمع الناس عليه فنخرجه من جملة المعتقين اتباعا ، قال : فهم يروون أن حاطبا أعتق سائبة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قلنا ونحن : لا نمنع أحدا أن يعتق سائبة . فهل رويت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ولاء السائبة إليه يوالي من شاء ؟ قال : لا ، قلت : فداخل هو في معنى المعتقين ؟ قال : نعم ، قلت : أفيجوز أن يخرج ، وهو معتق من أن يثبت له وعليه الولاء .

قال : فإنهم يروون أن رجلا قتل سائبة فقضى عمر بعقله على القاتل فقال : أبو القاتل أرأيت لو قتل ابني ؟ قال : إذا لا يغرم ، قال : فهو إذا مثل الأرقم ، قال : عمر فهو مثل الأرقم ، فاستدلوا بأمه لو كانت له عاقلة بالولاء قضى عمر بن الخطاب على عاقلته ؟ قلت فأنت إن كان هذا ثابتا عن عمر محجوج به ، قال : وأين ؟ قلت : تزعم أن ولاء السائبة لمن أعتقه ، قال : فأعفني من ذا فإنما أقوم لهم بقولهم . قلت : فأنت تزعم أن من لا ولاء له من لقيط ومسلم وغيره إذا قتل إنسانا قضى بعقله على جماعة المسلمين ; لأن لهم ميراثه ، وأنت تزعم أن عمر لم يقض بعقله على أحد . قال : وهكذا يقول جميع المفتين . قلت : أفيجوز لجميع المفتين أن يخالفوا عمر ؟ قال : لا هو عن عمر منقطع ليس بثابت . قلت : فكيف احتججت به ؟ قال : لا أعلم [ ص: 83 ] لهم حجة غيره . قلت : فبئس ما قضيت على من قمت بحجته إذا كان احتج بغير حجة عندك ، قال : فعندك في السائبة شيء مخالف لهذا ؟ قلت : إن قبلت الخبر المنقطع فنعم .

( قال الشافعي ) أخبرنا سعيد ومسلم عن ابن جريج عن عطاء أن طارق بن المرقع أعتق أهل أبيات من أهل اليمن سوائب فانقلعوا عن بضعة عشر ألفا فذكر ذلك لعمر بن الخطاب فأمر أن تدفع إلى طارق ، أو إلى ورثة طارق .

( قال الشافعي ) فهذا إن كان ثابتا يدلك على أن عمر يثبت ولاء السائبة لمن سيبه .

وهذا معروف عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في تركة سالم الذي يقال له سالم مولى أبي حذيفة أن أبا بكر أعطى فضل ميراثه عمرة بنت يعار الأنصارية وكانت أعتقته سائبة . وروي عن ابن مسعود أنه قال : في السائبة شبيها بمعنى ذلك فيما أظن حديث منقطع .

قال : فهل عندك حجة تفرق بين السائبة وبين الذي يسلم على يدي الرجل غير الحديث المنقطع قلت : نعم من القياس . قال : ما هو ؟ قلت : إن الذي يسلم على يدي الرجل وينتقل بولائه إلى موضع إنما ذلك برضا المنتسب والمنسوب إليه وله أن ينتقل بغير رضا من انتسب إليه ، وإن السائبة يقع العتق عليه بلا رضى منه وليس له أن ينتقل منه ، ولو رضي بذلك هو ومعتقه ، وإنه ممن يقع عليه عتق المعتق مع دخوله في جملة المعتقين . كان أهل الجاهلية يبحرون البحيرة ويسيبون السائبة ويوصلون الوصيلة ويعفون الحامي وهذه من الإبل والغنم . فكانوا يقولون في الحامي إذا ضرب في إبل الرجل عشر سنين وقيل : نتج له عشرة حام أي حمى ظهره فلا يحل أن يركب .

ويقولون في الوصيلة وهي من الغنم إذا وصلت بطونا توما ونتج نتاجها فكانوا يمنعونها مما يفعلون بغيرها مثلها ، ويسيبون السائبة . فيقولون قد أعتقناك سائبة ولا ولاء لنا عليك ، ولا ميراث يرجع منك ليكون أكمل لتبررنا فيك . فأنزل الله عز وجل { ما جعل الله من بحيرة ، ولا سائبة ، ولا وصيلة ، ولا حام } الآية فرد الله ثم رسوله صلى الله عليه وسلم الغنم إلى مالكها إذا كان العتق من لا يقع على غير الآدميين ، وكذلك لو أنه أعتق بعيره لم يمنع بالعتق منه إذا حكم الله عز وجل أن يرد إليه ذلك ويبطل الشرط فيه . فكذلك أبطل الشروط في السائبة ورده إلى ، ولاء من أعتقه مع الجملة التي وصفنا لك .

( قال الشافعي ) أخبرنا إبراهيم بن محمد أن عبد الله بن أبي بكر وعبد العزيز أخبراه أن عمر بن عبد العزيز كتب في خلافته في سائبة مات أن يدفع ميراثه إلى الذي أعتقه .

( قال الشافعي ) وإن كانت الكفاية فيما ذكرنا من الكتاب والسنة والقياس . فقال : فما تقول في النصراني يعتق العبد المسلم ؟ قلت : فهو حر . قال : فلمن ولاؤه ؟ قلت : للذي أعتقه . قال : فما الحجة فيه ؟ قلت : ما وصفت لك إذ كان الله عز وجل نسب كافرا إلى مسلم ومسلما إلى كافر والنسب أعظم من الولاء . قال : النصراني لا يرث المسلم ، قلت : وكذلك الأب لا يرث ابنه إذا اختلف أديانهما وليس منعه ميراثه بالذي قطع نسبه منه هو ابنه بحاله إذ كان ثم متقدم الأبوة ، وكذلك العبد مولاه بحاله إذ كان ثم متقدم العتق .

قال : وإن أسلم المعتق ؟ قلت : يرثه . قال : فإن لم يسلم ؟ قلت : فإن كان للمعتق ذوو رحم مسلمون فيرثونه . قال : وما الحجة في هذا ؟ ولم إذا دفعت الذي أعتقه عن ميراثه تورث به غيره إذ لم يرث هو فغيره أولى أن لا يرث بقرابته منه ؟ قلت هذا من شبهك ، قال : فأوجدني الحجة فيما قلت : ؟ قلت : أرأيت الابن إذا كان مسلما فمات وأبوه كافر ؟ قال : لا يرثه قلت : فإن كان له إخوة ، أو أعمام ، أو بنو عم مسلمون ؟ قال : يرثونه ، قلت وبسبب من ورثوه ؟ قلت : بقرابتهم من الأب ، قلت : فقد منعت الأب من الميراث وأعطيتهم بسببه ، قال إنما منعته بالدين فجعلته إذا خالف دينه كأنه ميت وورثته أقرب الناس به ممن هو على دينه قلت : فما منعنا من هذه الحجة في النصراني ؟ قال : هي لك ونحن نقول بها معك ، ولكنا احتججنا لمن خالفك من [ ص: 84 ] أصحابك ، قلت : أو رأيت فيما احتججت به حجة ؟ قال لا وقال : أرأيت إذا مات رجل ، ولا ولاء له ؟ قلت : فميراثه للمسلمين ، قال : بأنهم مواليه ؟ قلت : لا ، ولا يكون المولى إلا معتقا ، وهذا غير معتق ، قال : فإذا لم تورثهم بأنهم موال وليسوا بذوي نسب فكيف أعطيتهم ماله ؟ قلت : لم أعطهموه ميراثا ، ولو أعطيتهموه ميراثا وجب علي أن أعطيه من على الأرض حين يموت كما أجعله لو كانوا معا أعتقوه ، وأنا وأنت إنما نصيره للمسلمين يوضع منهم في خاصة والمال الموروث لا يوضع في خاصة فكان يدخل عليك لو زعمت بأنه ورث بالولاء هذا وأن تقول انظر اليوم الذي أسلم فيه فأثبت ، ولاءه لجماعة من كان حيا من المسلمين يومئذ فيرثه ورثة أولئك الأحياء دون غيرهم ويدخل عليك في النصراني يموت ، ولا وارث له فتجعل ماله لجماعة المسلمين ، وقد قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا يرث المسلم الكافر } قال : فبأي شيء تعطي المسلمين ميراث من لا نسب له ، ولا ولاء له من المسلمين وميراث النصراني إذا لم يكن له نسب ، ولا ولاء ؟ قلت : بما أنعم الله تعالى به على أهل دينه فخولهم من أموال المشركين إذا قدروا عليها ومن كل مال لا مالك له يعرف من المسلمين . مثل الأرض الموات فلم يحرم عليهم أن يحيوها ، فلما كان هذان المالان لا مالك لهما يعرف خولهما الله أهل دين الله من المسلمين



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 246.13 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 242.42 كيلو بايت... تم توفير 3.71 كيلو بايت...بمعدل (1.51%)]