شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري - الصفحة 5 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 
قناة الشفاء للرقية الشرعية عبر يوتيوب

اخر عشرة مواضيع :         متابعة للاحداث فى فلسطين المحتلة ..... تابعونا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 12522 - عددالزوار : 213774 )           »          أطفالنا والمواقف الدموية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 43 )           »          عشر همسات مع بداية العام الهجري الجديد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 38 )           »          وصية عمر بن الخطاب لجنوده (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 48 )           »          المستقبل للإسلام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 55 )           »          انفروا خفافاً وثقالاً (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 47 )           »          أثر الهجرة في التشريع الإسلامي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          مضار التدخين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 39 )           »          متعة الإجازة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          التقوى وأركانها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #41  
قديم 01-04-2024, 05:24 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 133,900
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري

شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري(41)

من الظن السيئ بالله تعالى

اعداد: الفرقان



الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.
سورة (حم السجدة)
باب في قوله تعالى: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ}
2162. عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ: قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ أَوْ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتُرَوْنَ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ وَقَالَ الْآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا! وَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا فَهُوَ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ}.
الشرح: الحديث في سورة حم السجدة، وميز أهل التفسير هذه السورة بقولهم {حم} حتى لا تلتبس بسورة السجدة التي تبدأ بـ «ألم» فقيل: حم السجدة، ليبين أن المقصود هو سورة فصلت، وهذا الحديث في قول الله تبارك وتعالى من هذه السورة: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ...} الآية (فصلت: 22).
وقد أخرجه الإمام مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم.
- يقول ابن مسعود ]: «اجتمع عند البيت ثلاثة نفر» ويظهر أن هذا كان في الجاهلية، ويمكن أن يكون في أوائل البعثة.
- قوله: «قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي» أي: الشك منه، فهو لا يذكر هذا تماما، فهم ثلاثة: إما أن يكونا قرشيين - من قريش - والآخر ثقفي، أي من قبيلة ثقيف التي كانت تسكن الطائف، أو ثقفيين وقرشيا.
- قوله: «قليلٌ فقه قلوبهم، كثيرٌ شحم بطونهم» أي: ليس لهم عقول راجحة، ولا فقه ولا فهم، ولا توحيد ولا إيمان؛ لأنهم من المترفين، ومن الذين اتبعوا الشهوات، بدليل كثرة شحوم بطونهم، وقد قيل: البطنة تذهب بالفطنة.
- قوله: «فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟!» وهذا سؤالٌ يدل؛ على الجهل البالغ بالله تعالى، والغباء التام، إذ كيف يكون الإله العظيم، الذي يدير الأمر كله، لا يسمع كلام الناس؟! ولا يعلم بأحوالهم، ولا يدري ما يقولون أو ما يفعلون؟! تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
- قوله: «وقال الآخر: يسمع إنْ جهرنا، ولا يسمع إن أخفينا!» وهذا أضل وأغبى من الأول! إذ كيف يسمع الجهر ولا يسمع الخفاء؟! وهذا الاعتقاد كان موجوداً عند بعض المشركين، فيقولون: إن أردتم أن تتكلموا بما لا يرضى الرب فتهامسوا! حتى لا يسمعكم الله أو يسمعكم الرب؟!
- قوله: «وقال الآخر: إنْ كان يَسمع إذا جهرنا، فهو يسمع إذا أخفينا» وهذا كلام عاقل، فإن كان الله سبحانه وتعالى يسمع الجهر فهو يسمع السر؛ لأن الله تبارك وتعالى إله العالمين، العظيم في صفاته، وليس كغيره من البشر الذين يسمعون القريب ولا يسمعون البعيد، ويسمعون الجهر ولا يسمعون السر؛ ولذلك قال: إذا كان يسمع ما يجهر به فهو يسمع ما نسرّ به.
- فأنزل الله عز وجل: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ} (فصلت: 22)، أي: ما كنتم تستترون أن يشهد عليكم السمع والبصر، بمعنى لو لم يشهد عليكم السمع والبصر، أكان في ذلك استتار عن الله سبحانه وتعالى وسمعه وبصره؛ لأن الله تبارك وتعالى يسمع ويرى كل خلقه، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وسمعه تام كامل ليس فيه نقص، وبصره كذلك تام لا نقص فيه ولا عيب.
- وأيضا من معنى الآية: لو أن الإنسان لا يفعل الأشياء المحرمة أمام الناس، لكان أول الشاهدين عليه جوارحه، فأنت إذا أسررت بالمعصية ولم يكن عليك شهود، فأين السمع وأين البصر وأين الجلود والجوارح والأعضاء؟! وهؤلاء شهود معك أينما كنت، وكلها مما تشهد على العبد أيضا يوم القيامة، وهذا فيه سبب نزول هذه الآية: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ}(فصلت: 22).
- وقوله تعالى:{وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ} (فصلت: 22)، هذا ظن المشركين الباطل بالله تعالى وصفاته، وهو من الظن السيئ بالله، وبما لا يليق بأسمائه وصفاته العلا {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ}(فصلت: 23)، أي بسبب هذا الظن الباطل بالله سبحانه وتعالى، واعتقاد ما لا يليق بالله من الأسماء والصفات، بل المستقر في عقول الناس كلهم، على اختلاف مللهم ونحلهم، خصوصا من له بقية إيمان منهم مأثور عن المرسلين، أن الله عز وجل له صفات الكمال والجلال والجمال، وأن له من كل صفةٍ أتمها وأكملها وأجملها، فهو سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العلا، وعندما تقول: يسمع إن أخفينا ولا يسمع إن أعلنا، فهذا وصف يتنزه الله عنه، وهو ظن بالله سيئ، ولذلك قال عنه: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ} أَرْدَاكُمْ، أي: أهلككم، إذْ جرأكم على المعاصي والفواحش.
- وقوله: {فأصبحتم من الخاسرين} لأنكم خسرتم أنفسكم، وخسرتم أعماركم، وخسرتم أعمالكم، وخسرتم أهليكم يوم القيامة لأنكم دخلتم النار، ودخول النار هو الخسارة الكبرى التي لا تعدلها أي خسارة.
- ثم قال سبحانه وتعالى: {فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ} (فصلت: 24)، إن يصبروا على النار وأنى لهم أن يصبروا عليها، فمن هذا الذي له قدرةٌ وطاقة على أن يصبر على حرّ النار، ولهيبها وأغلالها ومقامعها؟! وكيف إذا كانت هذه النار أشد من نار الدنيا بتسعةٍ وتسعين مرة، من الذي له طاقة على أن يصبر على هذه النار؟! عافانا الله وإياكم.
- {وَإِن يَسْتَعْتِبُوا} يعني: وإن يطلبوا رفع العتب والمؤاخذة، ولو قالوا: يا ربنا ائذن لنا أن نتوب، وأن نعتذر وأن نرجع ونرفع عنا الغضب، وأن نرفع عن أنفسنا المؤاخذة والذنب {فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ} ليس لهم مرد إلى الدنيا وليس لهم مرجع آخر يرجعون فيه فيعملون صالحا، هذا لا يعطاه أبدا أهل النار.
- وجاء في مسند الإمام أحمد وسنن النسائي وغيرهما حديث متعلق بهذه الآية: من حديث معاوية بن أبي حيدة ] قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم
: « تحشرون هاهنا - وأومأ بيده إلى الشام - مشاة وركباناً وعلى وجوهكم، وتعرضون على الله وعلى أفواهكم الفدام وأول ما يعرف عن أحدكم فخذه وكفه وتلا رسول الله [ قوله تعالى: {وما كنتم تستترون....} « الآية.

ففي الحديث أن الشام أرض المحشر والمنشر، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفرج عن أهلها ويكبت عدوها، وفيها من الفضائل الواردة في السنة شيءٌ كثير، وجاء عن النبي
صلى الله عليه وسلم
أنه قال: « طوبى للشام؛ لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها» رواه أحمد والترمذي، وقال أيضا
صلى الله عليه وسلم
: « الشام أرض المحشر والمنشر « رواه أحمد وابن ماجة. وقال الله سبحانه وتعالى {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 71)، وهي أرض الشام باتفاق أهل التفسير، وما يحصل اليوم في أرض الشام لعله إرهاصات بعودة الإسلام وحكمه إليها، وتربية ربانية لأهلها، يهيئ فيها الناس إلى أمر يريده الله سبحانه وتعالى منهم، وأن يتربوا على شيء يخالف ما كانوا عليه سابقا، فنسأل الله عز وجل أن يأجرهم وأن يرفع البلاء عنهم وأن يحقن دماءهم.

- ثم قال: «تحشرون إلى الشام مشاة وركبانا وعلى وجوهكم» فالناس يوم القيامة يحشرون ثلاثة أصناف: صنفٌ مشاة يمشون على الأرض، وصنف ركبان يركب الواحد على البعير، والاثنان على البعير، والثلاثة على البعير، والعشرة على البعير، بحسب درجة الإنسان، فإذا كان الإنسان من أهل الصلاح والإيمان فله مركوب خاص به، وهذا من تكريم الله عز وجل له.
والثالث من الناس - والعياذ بالله - من يحشر على وجهه، كما ذكر ربنا عز وجل في كتابه.
- وقوله: «وتعرضون على الله، وعلى أفواهكم الفدام» الفدام هو الخيط الذي يربط به فم القربة، أي إنسان فمه مربوط.
- وقوله «وأول ما يعرف عن أحدكم فخذه وكفه» أي: فينطق أعضاؤه، ويشهد عليه فخذه بما اكتسب في الدنيا، وكفه كذلك، قال: وتلا رسول الله
صلى الله عليه وسلم
قوله تعالى: {وما كنتم تستترون....مما تعملون}.

وهذا حديث أيضا في تفسير هذه الآية.
سورة الدخان
باب في قوله تعالى: {فارتقبْ يومَ تأتي السّماء بدخانٍ مبين}
2163. عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ جُلُوسًا وَهُوَ مُضْطَجِعٌ بَيْنَنَا، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّ قَاصًّا عِنْدَ أَبْوَابِ كِنْدَةَ يَقُصُّ، وَيَزْعُمُ أَنَّ آيَةَ الدُّخَانِ تَجِيءُ فَتَأْخُذُ بِأَنْفَاسِ الْكُفَّارِ، وَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَجَلَسَ وَهُوَ غَضْبَانُ: يَأَيَّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ، مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِمَا يَعْلَمُ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ: اللَّهُ أَعْلَمُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ [ {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ} إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ [ لَمَّا رَأَى مِنْ النَّاسِ إِدْبَارًا، فَقَالَ: « اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ» قَالَ: فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ مِنْ الْجُوعِ، وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ أَحَدُهُمْ فَيَرَى كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ، فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ جِئْتَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فَادْعُ اللَّهَ لَهُمْ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} إِلَى قَوْلِهِ: {إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} قَالَ: أَفَيُكْشَفُ عَذَابُ الْآخِرَةِ {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} فَالْبَطْشَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَدْ مَضَتْ آيَةُ الدُّخَانِ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ وَآيَةُ الرُّومِ.
2164. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ الدُّخَانُ وَاللِّزَامُ وَالرُّومُ وَالْبَطْشَةُ وَالْقَمَرُ».
الشرح: سورة الدخان فيها حديث واحد في قوله تعالى: {فارتقبْ يومَ تأتي السماءُ بدخان مبين} (الدخان:10). وقد رواه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب صفة القيامة والجنة والنار. عن مسروق وهو ابن الأجدع الهمداني، أبو عائشة، ثقة فقيه عابد مخضرم، أحد أصحاب ابن مسعود.
- قال: « كنا عند عبدالله جلوس وهو مضطجع بيننا فأتاه رجل فقال يا أبا عبد الرحمن «وهي كنية عبدالله بن مسعود» إن قاصا عند أبواب كندة» وأبواب كندة من أبواب الكوفة «يقص ويزعم» لم يذكر اسم هذا القاص، والقصاص جماعةٌ من الوعاظ يستميلون العوام إليهم بالأحاديث المنكرة، بل لأكاذيب والأعاجيب من القصص، ولشيخ الإسلام ابن تيمية رسالة في ذلك باسم: أحاديث القصاص، ولابن الجوزي كتاب باسم: القصاص والمذكرين، وللسيوطي رسالة أيضا باسم: تحذير الخواص وغيرهم.
- قوله: «يزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام، فقام أبو عبدالله وجلس وهو غضبان» أي إن عبدالله بن مسعود لما سمع هذا القول وغضب منه، جلس فقال: يأيها الناس اتقوا الله، من علم منكم شيء فليقل بما يعلم ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم» وهذه موعظة من عبدالله بن مسعود ] لجلسائه ألا يتكلم الإنسان بشيء إلا في حدود ما يعلم؛ فإن القول على الله تعالى بغير علم من كبائر الذنوب ومن المحرمات العظيمة، وهي سبب لوقوع الشرك في الأرض، والشرك في الأرض إنما وقع بسبب القول على الله بغير علم، والواجب على الإنسان أن يقول فيما يعلم من كتاب أو سنة أو أقوال أهل العلم، أما إذا سئل عن شيء لا يعلمه، فالأدب الذي أدب الله به المؤمنين أن يقول: الله أعلم.
- قال: فإن الله عز وجل قال لنبيه
صلى الله عليه وسلم
: {قُل لا أسألكم عليه من أجرٍ وما أنا من المتكلفين} ما أسألكم عليه من أجر يعني لا أسألكم على البلاغ أجرا، فلا أسألكم على بلاغ الدين أجرا والرسالة، ولا على التعليم ولا على الإرشاد والنصح، لا أسألكم عليه مالا ولا أجرة {وما أنا من المتكلفين} فمن قال على الله بغير علم فهو متكلف، ومن تكلم فيما لا يعلم فهو متكلف، والنبي
صلى الله عليه وسلم
لم يكن من المتكلفين، وإنما كان عليه الصلاة والسلام إذا سُئل عن شيء لا يعلمه سكت وانتظر الوحي حتى ينزل، فلا تتقدم بكلام إلا بعلم، وهذا من باب أولى أن يكون متوجها لعلماء الأمة والدعاة والوعاظ والمعلمين والمرشدين ألا يقولوا شيئا إلا بعلم.

- ثم قال عبدالله بن مسعود: «أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
لما رأى من الناس إدبارا، فقال: اللهم سبع كسبع يوسف» أي إن النبي
صلى الله عليه وسلم
لما رأى إعراض المشركين في مكة عنه، لما أعرضوا عن دعوته وعن رسالته، وكفروا بما جاء به؛ لأن الإعراض نوع من أنواع الكفر، وهو أن يعرض الإنسان عن الدين بالكلية، لا يتعلمه ولا يعمل به ولا يتبعه، فهذا كفر إعراض، يقول الله عز وجل: {والذين كفرُوا عمّا أُنذروا مُعرضون} يعني أنهم كانوا يولون الأوامر الإلهية دبرهم، أي ظهورهم.

فلما رأى الرسول
صلى الله عليه وسلم
منهم إعراضا وإدبارا، قال: «اللهم أعني عليهم» - وفي هذه الرواية - «اللهم سبع كسبع يوسف»، وفي رواية أخرى: «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف»، المقصود بسبع يوسف عليه الصلاة والسلام هي التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في سورة يوسف، أنهم جاءتهم سبع سنين مجدبة، قحط وشح في الأمطار وحاجة، بحيث إن هذه السبع أكلت ما عند الناس من مؤونة مدخرة، فكل ما كانوا يدخرونه من حبوب وطعام فني ولم يبق منه شيءٌ بسبب قلة الأمطار، وذهاب الخيرات.

قوله: «أصابتهم َسنةٌ» والسَّنة هي الجدب والقحط، «حصّت كل شيء» يعني لم تبق عندهم حبوباً ولا طعاما يأكلونه.
- قوله: «حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوع» حتى صار أحدهم يأكل جلد الشاة الذي يجلس عليه، يأخذه ويأكله، وأكلوا الميتة أيضا من شدة الجوع؛ لدعاء النبي
صلى الله عليه وسلم
عليهم واستجابة الله له، وهذا كما قال الله تبارك وتعالى عن قوم فرعون: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} (الأعراف: 130)، بالسنين يعني بالقحط الشديد، ونقص الثمرات عندهم، لما كذبوا موسى عليه السلام عقوبة لهم من الله، وهذا يبين لنا أن ما يحدث على الأرض له علاقة بذنوب بني آدم وطاعاتهم، خلافاً لما يقوله الملاحدة واللادينيون الذين يزعمون: أنه لا علاقة بما يحدث على الأرض بمعاصي الإنسان؟! فإذا قال لهم أهل الدين والعلم: احذروا غضب الله وانتقامه، احذروا الزلازل، احذروا الأعاصير والفيضانات، احذروا الأوبئة والأمراض؛ لأن الله عز وجل يعاقب خلقه بما يشاء، قالوا لهم: هذه أمور طبيعية تحدث للمؤمنين والكفار وكما تحدث في ديار المسلمين تحدث في ديار الكفار لا فرق؟؟! وهذا من الجهل البالغ بالله تعالى وسننه الكونية التي قررها الله في كتابه، وهذه الأمور لو حصلت في بلاد المسلمين فهي ابتلاء وتكفير للسيئات، أما إذا حدثت في بلاد الكفار فهي عقوبة ونكال، وهناك فرق بين العقوبة والابتلاء، العقوبة عذاب، أما الابتلاء ففيه الرحمة والمغفرة ورفعة الدرجات، والتنبيه للرجوع لله والتوبة، وما أشبه ذلك من الفوائد التي تحصل للمؤمنين بالابتلاءات.

- قوله: «وينظر أحدهم إلى السماء فيرى كهيئة الدخان» يعني من شدة الجوع والجهد، صار الناس إذا رفعوا أبصارهم إلى السماء، رأوا كهيئة الدخان مما بينهم وبين السماء، وذلك أن الإنسان بسبب شدة الجوع يضعف النظر عنده، حتى إنه يكون على عينيه غشاوة كالدخان، هذا تفسير ابن مسعود، وأن الآيات التي من سورة الدخان {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ}(الدخان: 10 - 11) فيقول: إن الدخان الذي ذكره الله عز وجل في هذه السورة، هو الذي حصل لقريش لما أعرضوا عن الإسلام، صار أحدهم إذا رفع بصره إلى السماء يرى كأن هناك دخانا بينه وبين السماء، بسبب الجهد والجوع.
- قوله: «فأتاه أبو سفيان فقال: يا محمد، إنك جئت تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم يذكره، يقول أنت جئت بطاعة الله وجئت بصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا بسبب دعائك، فادعوا الله لهم» يذكره بما كان يدعو إليه من صلة الأرحام، والتراحم بين الخلق، أن يخفف عنهم بدعائه، وأن يصرف عنهم الجوع والجهد فالنبي عليه الصلاة والسلام دعا لهم بأن يرفع الله تعالى عنهم البلاء؛ أملا في إيمانهم وإسلامهم وتوبتهم، ولكن أصروا على كفرهم إلا القليل منهم؛ لهذا قال الله عز وجل: {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ}(الدخان: 15)، أي سنكشف عنكم هذا الجوع وهذا العذاب به، فسمى الجوع الشديد عذابا، فالجوع الشديد عذاب، والناس اليوم إذا ذكرتهم بنعمة الطعام ونعمة الأمن، يسخرون من هذه النعم الجليلة، ويقولون: نعم نأكل ونشرب حتى الدواب تأكل وتشرب؟! هكذا يقولون، مع أن الله سبحانه وتعالى امتن على عبادة بالطعام والشراب في كتابه فقال: {فليعبُدوا ربَّ هذا البيتِ الذي أَطعمهم من جوعٍ وآمنهم من خوف} وربما استهزأ بعضهم بالطعام القليل، أو بالطعام الذي لا يعجبه والنبي
صلى الله عليه وسلم
ما عاب طعاماً قط، إنْ اشتهاه أكله، وإنْ كرهه تركه.

فعندما دعا الرسول عليه الصلاة والسلام رفع الله عنهم، وقال الله: {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} قال ابن مسعود: أفيكشف عذاب الآخرة؟! هذا الاستفهام من ابن مسعود يدل على أن ابن مسعود كان يفسر الآية {يومَ تأتي السماءُ بدخانٍ مبين} بأن هذا الدخان هو ما حصل لقريش بدليل أن الله عز وجل قال{إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً} فعذاب الآخرة لا يكشف؛ فاستدل بهذا على أن الدخان المقصود هو ما حصل لقريش من رؤية كهيئة الدخان بسبب الجوع بينهم وبين السماء.
لكن يشكل على هذا الفهم الذي فهمه ابن مسعود أمور:
- أولا: وجود أحاديث صحيحة تصرح بأن الدخان من علامات الساعة، فقد وردت أحاديث صحيحة من حديث حذيفة بن أسيد قال: طلع علينا رسول الله
صلى الله عليه وسلم
ونحن نتذاكر، قال: « ما تذكرون؟ « قالوا نذكر الساعة، قال: « إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات، فذكر الدخان والدجال والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم، رواه الإمام مسلم.

- وأيضا: ورد في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم أيضا قال النبي
صلى الله عليه وسلم
: « بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها والدخان ودابة الأرض والدجال، وخُويصة أحدكم وأمر العامة». خويصة أحدكم يعني الموت، وأمر العامة هو القيامة، وبادروا يعني: استعجلوا بالأعمال قبل نزول هذه الآيات الكبرى، فذكر منها طلوع الشمس من مغربها؛ لأن الشمس إذا طلعت من مغربها أغلق باب التوبة، والدخان فجعل الدخان من علامات الساعة الكبرى.

وأيضا فان الآية صريحة في أن الدخان يأتي من السماء {فارتقبْ يوم تأتي السماء بدخانٍ مبين} فليس هو ما يراه الناس كهيئة الدخان، كما قال ابن مسعود، فلا يصح أن يحمل الدخان الذي بالآية الكريمة على أنه مجرد تهيؤ وتخيل، فلا يؤول إلا بقرينة واضحة، ولا توجد هاهنا قرينة.
- وأيضا: آية الدخان فيها خطاب عام للجميع, والأرجح - والله تعالى أعلم- أن الدخان يكون قبل قيام الساعة، وأنه من علامات الساعة، ولا مانع أن يكون أيضا أن أهل مكة رأوا ما يشبه الدخان بسبب الجوع الشديد الذي حصل لهم.
- وقوله: {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ}(الدخان: 16) فالبطشة يوم بدر، وقد مضت آية الدخان والبطشة واللزام وآية الروم»، قال: البطشة كانت يوم بدر؛ لأن الله سبحانه وتعالى بطش بالمشركين في يوم بدر فقتل منهم سبعين، وأسر سبعين. واللزام في قوله سبحانه وتعالى: {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} (الفرقان: 77) يعني سوف يكون عذابهم لزاما، وهو ما جرى لهم في يوم بدر أيضا من القتل، وهي البطشة الكبرى أيضا.
وأيضا الآية فيها عموم، فكل من كذب بدعوة الرسول
صلى الله عليه وسلم
فعذابه لازم، أي واقع لا محالة، أو ملازم له لا يفارقه وهو مستمر له ما لم يسلم، فإذا كان موحداًَ فإن عذابه لا يلازمه، يعني لا يدوم، أما المشرك فعذابه لازم مستمر لا ينقطع. قوله « وآية الروم» أي: التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في أول سورة الروم، وأنها من أشراط الساعة، وهكذا الحديث الذي بعده وهو في الباب نفسه.

قال عن عبدالله بن مسعود ] قال: «خمسٌ قد مضين: الدخان، واللزام، والروم، والبطشة، والقمر».
وهذا كما قلنا يدل على أن ابن مسعود ] كان يرى هذه خمسة آيات مضت، يعني: حصلت وانتهت، فالدخان حصل، واللزام الذي هو العذاب الذي لزمهم حصل لهم في غزوة بدر، وكذلك البطشة وآية الروم، والقمر يعني انشقاق القمر الذي حصل على عهد النبي
صلى الله عليه وسلم
، فانشق القمر فرقتين، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم
: «اشهدوا» أي على انشقاق القمر، الذي ذكره ربنا سبحانه وتعالى في سورة باسمه {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} (القمر 1- 2) وقولهم: هذا سحر، هو قول المشركين عند رؤيتهم انشقاق القمر، وهو من استكبارهم، وانشقاق القمر من علامات الساعة التي مضت.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #42  
قديم 01-04-2024, 05:26 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 133,900
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري

شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري(42)

من نِعم الله على المؤمنين

اعداد: الفرقان



الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.
سورة الفتح
باب في قوله تعالى {وهو الذي كف أيدهم عنكم} الآية
2165. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ [ مِنْ جَبَلِ التَّنْعِيمِ مُتَسَلِّحِينَ، يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ [ وَأَصْحَابِهِ، فَأَخَذَهُمْ سِلْمًا فَاسْتَحْيَاهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ}.
الشرح:
في سورة الفتح ذكر حديث عن أنس رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ} (الفتح: 24)، وقد رواه الإمام مسلم رحمه الله في التفسير.
- يقول أنس رضي الله عنه : «إن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم متسلّحين» ثمانون رجلا هبطوا عليه يعني نزلوا عليه، وكانوا من جبل التنعيم، وهم متسلحون بالسلاح، جاءوه «يريدون غرته» أي: أن يأخذوه وأصحابه على حين غرة، يعني على حين غفلة، يريدون بذلك قتل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لكن الله سبحانه وتعالى كفّ أيديهم عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه، وامتن الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالعافية والسلامة من شرّ الكفار، فقال في الآية {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ...} أي: فلم ينالوكم بسوء، ولم يقتلوا منكم أحدا، بل لم يجرحوا ولم يصيبوا أحدا منكم بسوء، بل وجدوهم منتبهين، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
{وأيديكم عنهم} وأيضا فإنّ الله عز وجل لم يسلط الرسول وأصحابه على المشركين، فما قتلوا منهم أحداً.
وقوله «فأخذهم سلما» بفتح السين واللام، وفي وجه: سلما بإسكان اللام وفتح السين وكسرها، ومعناه أنهم أخذوهم سلما من غير قتال، وبالفتح في الوجه الأول أي: أخذوهم أسرا، أي أسروهم جميعا فلم يقتلوا منهم أحدا، والسَلَم معناه الاستسلام، والاستسلام يكون عند الأسر، كما قال الله عز وجل {وألقوا إليكم السلم} النساء: 90. أي الانقياد وأسلموا أنفسهم. والسلم يطلق على الواحد والاثنين والجماعة، فهذا يدل على أنهم أُخذوا سلما وصلحا، ولم يأخذوا قهراً ولا قتالا، وقد يكون صولحوا على ذلك، أي: قيل لهم: ألقوا السلاح ولا نمسكم بسوء، فحصلت مفاوضة بينهم وأخذهم النبي صلى الله عليه وسلم سلما.
وقوله: «فاستحياهم» يعني أبقاهم أحياء، كما في قوله تعالى {ويستحيي نساءهم} فالله تعالى كفّ أيدي المشركين عن المسلمين، وأيدي المسلمين عن المشركين، لما جاؤوا يصدون رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه عام الحديبية عن البيت الحرام والعمرة، وهو المراد بقوله {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم}.
{بِبَطْنِ مَكَّةَ} ببطن مكة أي بالحديبية؛ لأن الحديبية منطقة قريبة من الحرم، بل أكثرها داخل في الحرم، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا حانت الصلاة يذهب إلى الجزء الواقع في الحرم ليصلي فيه، لأن الصلاة في الحرم أكثر أجرا من الصلاة في الحل طبعا، وهذا غير الأجر الذي يكون لمن صلى بالمسجد الحرام بمسجد الكعبة، فإن الصلاة فيه بمائة ألف كما صح في الحديث، أما الصلاة بالحرم فهي أكثر أجرا، وإن كانت هي أقل من مائة ألف على الراجح.
{مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} من بعد أن أقدركم عليهم وسلّطكم، وكانت الغلبة لكم.
- وقيل: إن الآية في يوم فتح مكة، واستدل بها أبو حنيفة رحمه الله على أن فتح مكة كان عنوة لا صلحاً.
{وكان الله بما تعملون بصيرا} فيجازي كل عامل بعمله، ويدبر أموركم أيها المؤمنون بتدبيره الحسن.
من توقير النبي صلى الله عليه وسلم
سورة الحجرات
باب في قوله تعالى: {لا تَرفعوا أصواتَكم فوقَ صوتِ النبي} الآية.
2166. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، جَلَسَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فِي بَيْتِهِ وَقَالَ: أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَاحْتَبَسَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، فَقَالَ: «يَا أَبَا عَمْرٍو، مَا شَأْنُ ثَابِتٍ، أشْتَكَى؟» قَالَ سَعْدٌ: إِنَّهُ لَجَارِي، وَمَا عَلِمْتُ لَهُ بِشَكْوَى. قَالَ: فَأَتَاهُ سَعْدٌ فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ ثَابِتٌ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ! فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ».
الشرح:
سورة الحجرات وفيها حديث أنس أيضا رضي الله عنه في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} الآية (الحجرات: 2).
وهذا الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب: صفة الإيمان، وبوب عليه النووي رحمه الله باب: مخافة المؤمن أن يحبط عمله.
يقول أنس بن مالك لما نزلت هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} (الحجرات: 2)
جلس ثابت بن قيس من صحابة رسول الله، وهو ابن شماس الأنصاري، وكان خطيب رسول الله من الأنصار، رفيع الصوت، وكان يتكلم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءته الوفود، فيخطب ويبين بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وبأمره، فلما نزلت هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} قال ثابت بن قيس: أنا من أهل النار! لأني كنت أرفع صوتي عنده، والله تعالى قال {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}.
- أي: الذين يرفعون أصواتهم عند رسول الله تحبط أعمالهم، وهو تهديدٌ ووعيد من الله عز وجل للمؤمنين.
قال الإمام النووي: كان ثابت رضي الله عنه جهير الصوت، فكان يرفع صوته، وكان خطيب الأنصار، لذلك اشتدّ حذره أكثر من غيره، لأنه كان يرفع صوته بالخطابة.
لذلك قال: أنا من أهل النار، فاحتبس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، يعني: انقطع عن المجيء، فلا يحضر مجالسه ولا يصلي معه، من شدة خوفه من الله، وحيائه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلذلك افتقده النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عنه سعد بن معاذ وهو سيد الأوس، فقال له: «يا أبا عمرو، ما شأن ثابت أشتكى؟» يعني: انقطع عنا فلم نره، فهل هو مريض؟ أو هل به شكوى؟!
فقال سعد: «إنه لجاري، وما علمت له بشكوى» أي ما علمتُ أنه مريض، فهو جار لي وقريب.
قال: فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام سأل عنه وافتقده، فقال ثابت: أنزلت هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} (الحجرات: 2) ولقد علمتُ أني من أرفعكم صوتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية أنه قال: قد حبط عملي وأنا من أهل النار؟!
فقال صلى الله عليه وسلم لسعد: «بل هو من أهل الجنة» يعني أخبره أنه من أهل الجنة وليس من أهل النار.
قال النووي: وفي هذا الحديث أيضا منقبة عظيمة لثابت بن قيس ]، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره أنه من أهل الجنة، النبي صلى الله عليه وسلم بشّره أنه من أهل الجنة، وهذه فضيلة عظيمة لثابت بن قيس، وهو أحد المبشّرين بالجنة.
وفي هذه الآية دلالة على أن المسلمين يجب عليهم أن يحترموا رسول الله [ ويوقروه ويعظموه، فلا يرفعوا أصواتهم في مجلس حديثه وكلامه إذ كان حياً، وهكذا بعد موته، فلا يرفعوا صوتهم عند قبره، لأن هذا من الاحترام الواجب حتى بعد موته، وقد ورد في الصحيح: أن أمير المؤمنين عمر ] سمع رجلين يرفعان أصواتهما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال للسائب بن يزيد: ائتني بهذين! فقال لهما: من أين أنتما؟ فقالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله؟!
وهذا يدل على بقاء الاحترام والتوقير للنبي صلى الله عليه وسلم حتى عند قبره في مسجده وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم ، لأن رفع الصوت من ترك الاحترام.
وأيضا قد ورد في الآية حديث آخر: وهو ما رواه الإمام البخاري في صحيحه: من حديث ابن أبي مليكة قال: كادَ الخيّران أن يهلكا - يقصد أبا بكر وعمر - وذلك لما قدم وفد بني تميم فقال أبو بكر: يا رسول الله، استعمل عليهم الأقرع بن حابس، فقال عمر: لا بل استعمل عليهم آخر، فارتفعت أصواتهما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي؟! فقال عمر: والله ما أردتُ خلافك؟! فعند ذلك نزلت هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} (الحجرات: 2) فكان عمر ] بعد ذلك إذا كلّم النبي صلى الله عليه وسلم يستفهمه من خفضه لصوته، يعني كان عمر بعد ذلك يُبالغ في خفض الصوت إذا تكلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: «ماذا قلت؟».
وذلك أنه تأدّب بهذا الأدب الرباني، الذي أدّب الله تعالى به المؤمنين.
وهذا الأدب هو الأدب الثاني في سورة الحجرات، أما الأدب الأول فيقول الله سبحانه وتعالى فيه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(الحجرات: 1).
{لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} يعني: لا تقدموا رأياً ولا حكما ولا شيئا إلا بعد أن تعلموا كلام الله ورسوله، ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام إلا بعد معرفة الشرع، هذا هو الأدب الأول.
- ثم ذكر الأدب الثاني: وهو خفض الصوت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا أيضا يدل على وجوب احترام المؤمنين لرسولهم ونبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا كما قلنا في الحياة وبعد الممات، وفي حضوره وغيابه، فلا يجوز لإنسان أن يعارض حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، بعلمه أو بعقله ورأيه، أو بشك أو تردد في قبوله، أو تأويل باطل أو تحريف، أو أن يرفع صوته على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
- ثم قال الله تعالى بعد ذلك: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} (الحجرات: 3).
أي أن الله سبحانه وتعالى قد امتحن القلوب بأنواع الشهوات وأنواع الشبهات، فالذي يغلّب جانب الشرع وجانب الأمر لله تعالى والنهي، فهذا الذي يكون قد امتحن الله قلبه فنجح في الامتحان، وحصلت له التقوى، أما من امتُحن فغلبته شهواته وغلبه هواه، فهذا الذي يكون من الخاسرين والعياذ بالله تعالى. ولا شك أن الإنسان الذي يغالب شهوته ويجاهد نفسه حتى يلزمها الشرع، ويجعلها تلزم الصراط المستقيم، ولا تحيد عنه، هذا أفضل من الإنسان الذي لم تعرض له شهوة، ولا شبهة فلم يجاهد نفسه، فالذي يجاهد نفسه على الحق، أرفع درجة من الذي لم يجاهدها على ما يحب الله سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى, فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}(النازعات:40- 41)
- وفي الحديث أيضا: أن المؤمنين ممنوعون من كثرة الكلام والقيل والقال، إذا جاءهم الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ إذ يجب عليهم السكوت والرضا والانقياد وعدم المعارضة، هذا هو الواجب، فالمؤمن ينقاد ويستسلم لأمر الله تعالى وأمر رسوله وهذا هو حقيقة الإسلام.
فالمؤمن المتبع يقول: بم أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم .
وأما المتشكك فيقول: لِمَ أمر الله بذلك؟!
- وأيضا في هذا الحديث: سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن أصحابه، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يتفقد أصحابه ويسأل عمن غاب منهم، فلما افتقد ثابت قال: ما فعل ثابت، أين ثابت؟ هل هو يشتكي؟ هل هو مريض؟ فمن هديه صلى الله عليه وسلم تفقده لأصحابه إذا غابوا، فإن كان أحدهم مريضاً، زاره وعاده في بيته ودعا له، وإن كان حصل له شيء منعه أعانه، وهذا من تواضعه صلى الله عليه وسلم وحبه لهم.
- وأيضا: في هذه الآية وجوب الخوف والحذر من خاتمة السوء، لأن الله تعالى قال {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} (الحجرات: 2).
فعلى المسلم أن يخاف من الأمور التي تحبط الأعمال، كالرياء أو الشرك أو المنّ بالصدقات والأذى، ونحوها، فقد يكون له عمل صالح لكن قد يعرض له أمر من الأمور، تهلك فيه أعماله الصالحة، فالمؤمن يخاف على عمله أن يحبط، ولا يثق بنفسه، وإنما يثق بربه سبحانه وتعالى ويستعين به ويسأله الثبات، ولا يقول: أنا واثق بنفسي؟! أو أنا واثق بأعمالي؟!.. لا، بل يجب أن يثق بالله سبحانه وتعالى، فالإنسان ضعيف، كما قال عنه ربه سبحانه {وخلق الإنسان ضعيفا}
هذا وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #43  
قديم 02-04-2024, 05:50 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 133,900
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري

شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري(43)

من صفات الله تعالى في (سورة ق)


اعداد: الفرقان



الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.
باب: في قوله تعالى: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ}
2167. عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} فَأَخْبَرَنَا عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ
صلى الله عليه وسلم
أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا، وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ، وَلَا يَزَالُ فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ، حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا، فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ».

الشرح:
في سورة (ق) أورد حديث أنس رضي الله عنه في قوله تعالى: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} (ق: 30). والحديث رواه الإمام مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها (4/2186-2188)، نسأل الله من فضله وكرمه.
قال عبدالوهاب بن عطاء، وهو الخفّاف أبونصر العجلي مولاهم، البصري نزيل بغداد، صدوق ربما أخطأ.
قال: أخبرنا عن سعيد وهو ابن أبي عَروبة، اليشكري مولاهم، أبو النضر البصري، ثقة حافظ له تصانيف، وعنده تدليس، لكنه أثبت الناس في قتادة.
وقتادة وهو ابن دعامة السدوسي، التابعي الجليل المشهور بالتفسير، وأحد المكثرين من الرواية عن أنس.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: عن النبي
صلى الله عليه وسلم
أنه قال: « لا تزال جهنم يلقى فيها» «وهذا في الآخرة، يعني يلقى فيها من أهلها - والعياذ بالله - من أهل النار، كما قال سبحانه وتعالى: {كلما أُلقي فيها فوجٌ سَألهم خَزَنتها ألم يأتكم نذير} (الملك: 8).

وقال تعالى {كلما دخلت أمةٌ لعنتْ أختها} (الأعراف: 38).
فأهل النار يُلقون فيها أفواجاً أفواجاً، وجماعات بعد جماعات.
ولا تزال جهنم ُيلقى فيها من الناس وهي تقول: «هل من مزيد» والله سبحانه وتعالى قد وعد النار أن يملأها، كما جاء في الحديث: «ولكل منكما ملؤها» فالله تعالى وعد الجنة أن يملأها، ووعد النار أن يملأها، فالنار كلما ألقي فيها أناس، قالت: هل من مزيد؟ يعني أن فيها قدرة على التهام المزيد من الناس والبشر.
قوله: «حتى يضع رب العزة فيها قدمه» يعني: حتى يضع الله سبحانه وتعالى قدمه المنزهة عن المشابهة للمخلوقين فيها، ففي هذا الحديث الشريف: إثبات صفة القدم لربنا تبارك وتعالى، وإثبات هذه الصفة جارٍ على مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات كلها، من غير تعرضٍ لها أو لبعضها بتأويل أو تعطيل، ولا تحريف أو تمثيل، بل نثبت إثباتاً خالياً من التمثيل، وننزه تنزيها خالياً من التعطيل والتأويل، لأن الله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وقولنا في الصفات كقولنا في الذات، فكما أن الذات لا يُشبهها شيءٌ، فكذلك الصفات لا يشبهها شيء، وأما مجرد الاشتراك في الاسم فهذا لا يعني التطابق في الصفات، فالإنسان يُسمى ببعض الأسماء التي يسمى بها الخالق، كالحي والعليم والحكيم والسميع والبصير والملك، وهذه كلها من أسماء الله تعالى، لكن يجوز أن تطلق على المخلوق، وهذا لا يعني التساوي في الصفات، فأين سمع المخلوق من سمع الخالق سبحانه وتعالى؟ وأين علم المخلوق من علم الخالق؟ وأين غنى المخلوق من غنى الخالق؟ وأين ملك المخلوق من ملك الخالق وملكوته؟! وهكذا.
فمجرد الاشتراك في الأسماء لا يعني التناسب أو التساوي في الصفات أبداً، بل إن المخلوقين بينهم تفاوت عظيم في الصفات وإن اشتركوا في الاسم، فأنت تقول رأس النملة، وتقول رأس البعير، ورأس الأسد، ورأس الجبل، فهل بينها تناسب؟ لا يوجد تناسب بينها؟! مع أن هذه كلها مخلوقات، فالله سبحانه تبارك وتعالى أولى ألا يشابه المخلوق في صفاته، لأنه الخالق وكل ما سواه مخلوق.
ومثالاً على ذلك: ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء – وفي رواية: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات - لقد جاءت المجادلة إلى رسول الله [ تكلمه، وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله تبارك وتعالى - من فوق سبع سموات - {قد سمعَ اللهُ قولَ التي تُجادلك في زوجها وتَشتكي إلى الله والله يسمعُ تحاوركما إن الله سميعٌ بصير} (المجادلة: 1).
رواه أحمد (6/46) والبخاري تعليقا والنسائي وابن ماجة.
فمجرد الاشتراك في الأسماء لا يعني التساوي في الصفات، وهذه المسألة لم يفهمها أهل البدع من الجهمية والمعطلة والمعتزلة وأشباههم، فهم ظنوا أن الاشتراك في الأسماء يعني التشابه والتشاكل في الصفات؟! فلما تقول سمع الله وبصره، يقول: لا، ليس لله سمع وبصر، لماذا؟ لأنه يتوهم أن الخالق مثل المخلوق في السمع والبصر؟! فيقع في التمثيل أولاً، فيفر من التمثيل إلى التعطيل؟!
أما أهل السنة فيقولون: ربنا سبحانه وتعالى سميعٌ بصير حي عليم حكيم غني قدير، وهو سبحانه كما وصف نفسه في كتابه العزيز، وكما وصفه رسوله
صلى الله عليه وسلم
، وله وجهٌ يليق بكماله، وله يدٌ تليق بجلاله، وجاء في هذا الحديث: أن له قدماً، وهكذا بقية الصفات نحن نثبتها لله عز وجل إثباتا من غير تمثيل، وكذا بلا تأويل ولا تعطيل، فالنبي
صلى الله عليه وسلم
يقول هاهنا: «إنّ جهنم لا تزال تقول: هل من مزيد؟ هل من مزيد؟ حتى يضع ربُّ العزة فيها قدمه».

أما أهل التأويل فقالوا: ليست هي صفة لله؟! بل قالوا: حتى يقدّم فيها من قدّمه من خلقه؟! وقال آخرون: قدمه عائدة على قدم بعض خلقه؟! وهذا كله تأويل لهذه الصفة؟! وتلاعبٌ بالنصوص وتحريف لها؟!
فالسلف رحمهم الله ينزهون الله تعالى، ويقدّسون النصوص من الكتاب والسنة، ولا يتعرضون لها بتحريف ولا تعطيل، فمذهبهم الإيمان بآيات وأحاديث الصفات من غير تأويل ولا تعطيل، ولا تحريف ولا تكيف، والتمثيل: أن تقول هي مثل كذلك، والتكييف: أن تقول هي على كيفية كذا، بل يمرونها على ظاهرها، ولا يتعرضون لها بشيء من التعطيل أو التأويل.
قوله: «فينزوي بعضها إلى بعض» أي: إذا وَضع فيها ربُّ العزة قَدَمه، انزوى بعض جهنم إلى بعض، وانزوى بمعنى انضم، أي حصل لها انضمام وانكماش، فتجتمع على من فيها، نسأل الله السلامة.
وتقول: « قطْ قطْ « بسكون الطاء، وفي رواية «قطِ قطِ» بالكسر، وفي رواية «قطني قطني» بالياء، وكلها بمعنى: كفاني كفاني، أو حسبي حسبي، يعني: حسبي قد امتلأت. وفي رواية: «فهنالك تَمتلئ، ويُزْوى بعضها إلى بعض».
وتقول: «بعزتك وكرمك» يعني تقسم مؤكدة لقولها، بعزة الله، وكرم الله، وهي من صفات الله التي يجوز الإقسام بها.
قوله «ولا يزال في الجنة فَضْلٌ حتى يُنْشئ الله لها خَلقاً» وفي رواية له: «يَبقى من الجنة ما شاء الله أن يبقى، ثم يُنشئ الله تعالى لها خَلقاً مما يشاء» أي: أما الجنة فبعد أن يدخلها أهلها، من النبيين والمؤمنين والصالحين والشهداء من الأولين والآخرين، ومن جميع الأمم، يبقى فيها فضل، على كثرتهم، يبقى فيها فسحة أو مساحات خالية ليس فيها أحد، وهذا يدل على سعة الجنة، وعظم خلقها، كما قال الله سبحانه وتعالى: {وَسارعوا إلى مغفرةٍ من ربكم وجنةٍ عَرضها السموات والأرض}.
لو قلت: ما عرض السماء الدنيا؟ قلنا: شيءٌ لا يطيقه الخيال، فأهل الفلك يقولون: في السماء مئة وعشرون مليار مجرة، والمجرة الواحدة منها فيها ملايين الملايين من النجوم والكواكب، تخيل هذا!! وهذا كله في السماء الدنيا فقط، وفوقها ست سموات، كل واحدة منها محيطة بما قبلها؟ فأي اتساع هذا؟ وأي خلق عظيم هذا؟!
وقد ثبت في الحديث الصحيح: «أن آخر من يدخل الجنة، رجلٌ يُعطى مثل مُلك مَلك من ملوك الدنيا، وعشرة أمثاله» فسبحان الله!
ومع ذلك يبقى فضل في الجنة، وذلك أن الجنة عظيمة السعة، وملك الواحد من أهل الجنة في الجنة عظيم جدا، فإذا كان أقل أهل الجنة درجة، وآخر الناس دخولا الجنة رجل يدخل ويعطى مثل مُلك ملك من ملوك الدنيا وعشرة أمثاله، فكيف بالذين يدخلون الفردوس الأعلى، وكيف إذا كان من أصحاب الدرجات العلى، سبحان الله العظيم!
فعند ذلك: «ينشئ الله لها خلقاً» أي: يخلق الله تعالى لها خلقاً يدخلهم إياها، ويسكنهم فضل الجنة، يسكنهم ما بقي من الجنة من فراغ؟!
أما النار، فلا يخلق الله تعالى لها خلقاً فيدخلهم في فراغ النار؟! لأن الله سبحانه وتعالى لا يظلم الناس شيئا، فلا يخلق خلقاً ليعذبهم بغير جرم ولا ذنب ارتكبوه، لكن هل يمكن أن يدخل الجنة أحدٌ بغير عمل؟ نعم، لأن الله سبحانه وتعالى رحمته سبقت غضبه، وفضله أوسع من عقوبته، ولذلك يخلق خلقاً ويدخلهم الجنة بغير عمل ولا حساب.
قال أهل العلم: ومثلهم الأطفال الذين لم يعملوا خيراً، ومع ذلك يدخلهم الله عز وجل الجنة تبعاً لآبائهم المؤمنين، كما قال تعالى: {والذين آمنوا واتّبعتهم ذريتُهم بإيمانٍ ألحقنا بهم ذريتهم} وهذا من فضل الله تعالى ورحمته.
قال الزمخشري المعتزلي في قول ربنا سبحانه وتعالى: {يوم نقولُ لجهنم هل امتلأتِ وتقول هل من مزيد}: هذا الكلام على طريقة التمثيل والتخيل؟! ولا سؤال ولا جواب؟!!
هكذا يقول؟! أي: ليس هناك سؤالٌ يقع ولا جواب؟! فلا يقال للنار هل امتلأت! ولا تقول هي: هل من مزيد! إنما هذا على جهة التخيل والتمثيل؟! وهذا لا شك أنه جار على مذهبه الاعتزالي، وهو جحد حقائق ومعاني الأسماء الحسنى والصفات العلا، ولذا جعل هذا من باب المجاز، وهو القول الذي لا حقيقة له؟ وهذا ليس بمستغرب عليه؛ لأنه يحمل كثيرا من الصفات الإلهية على المجاز؟ وعلى عدم الحقيقة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولذلك يحذر العلماء من دراسة تفسيره للمبتدئين، وهو وإن كان قوياً في باب البيان والبديع، وبيان حسن ألفاظ القرآن والبلاغة، لكنه في العقيدة ليس جيداً أبداً.
وما أنكره هنا، ليس بمستنكر ولا غريب في القرآن، فإن الله سبحانه وتعالى كما جاء بنص القرآن ينطق الجمادات إذا شاء، كما في قوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء وهي دخانٌ فقال لها وللأرض أئتيا طوعاً أو كرها قالتا أتينا طائعين} (فصلت: 11).
أليس هذا كلام السماء وكلام الأرض، وهما من الجمادات.
وأيضا ورد في الأحاديث: قوله عليه الصلاة والسلام: «تحاجت النار والجنة، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فمالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم – أو وغرتهم، أي أهل الحاجة والجوع -..» الحديث رواه مسلم (4/2186-2189)، ففيه حصول كلام من الجنة وكلام من النار. وأيضا في الحديث: «اشتكت النار إلى ربها، قالت: يا رب، أَكَل بعضي بعضا، فجعل الله لها نَفَسا في الشتاء ونفسا في الصيف....» الحديث.
وكذا إنطاقه الجوارح، كما مرّ معنا عند قوله سبحانه وتعالى:{وقالوا لجلودِهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطقَ كل شيءٍ وهو خلقكم أولَ مرة} (فصلت: 21).
إذن هذا ليس بغريب على قدرة الله سبحانه وتعالى، وقد أنطق الله سبحانه وتعالى الحجر لنبينا [ فكان يسلم عليه بمكة، وحنّ جذع النخلة للذكر على عهد النبي [، وكان الصحابة يسمعون تسبيح الطعام وهو يؤكل على عهد النبي [، وغيره كثير، ولا وجه للاعتراض أو التأويل والتعطيل لمثل هذه الصفات.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا على الحق، والحمد لله رب العالمين.
من القراءات: سورة اقتربت الساعة
باب في قوله تعالى {هل من مدكر}
2168. عن أَبي إِسْحَق قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا سَأَلَ الْأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ وَهُوَ يُعَلِّمُ الْقُرْآنَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ:كَيْفَ تَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) أَدَالا أَمْ ذَالًا؟ قَالَ: بَلْ دَالًا، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ (مُدَّكِرٍ) دَالًا.
الشرح: سورة: «اقتربت الساعة» وذكر فيها أثر عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: {فهل من مدكر}، وقد رواه مسلم في صلاة المسافرين (1/565) وبوب عليه النووي: باب ما يتعلق بالقراءات. قال عن أبي إسحق السبيعي، وهو عمرو بن عبدالله الهمداني، الثقة المكثر العابد.
قال: «رأيت رجلا سأل الأسود بن يزيد» وهو ابن قيس النخعي، مخضرم ثقة فقيه مكثر، من أصحاب عبدالله بن مسعود رضي الله عنه والآخذين عنه.
قوله: «وهو يعلم القرآن في المسجد» يعني كان يعلم ويحفظ الناس كتاب الله، ويلقنهم آياته، وكيف يقرؤونها.
قوله: «فقال له رجل: كيف تقرأ هذه الآية: {فهل من مدكر} أدالا أم ذالا» بالذال المعجمة يعني المنقطة، أم بالدال المهملة التي دون نقطة؟
فقال الأسود: بل دالا: {فهل من مدكر}، ثم قال: سمعت عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم
يقول (مدكر) دالا.

ومدكر أصلها متكر فكتبت التاء دالا، ثم أدغمت في الذال المعجمه فصار النطق بها دالا مهملة، والمعنى: هل من متذكرٍ، هل من معتبر وهل من متعظ، وهذه الآية تكررت في سورة القمر بعد أن يذكر الله سبحانه وتعالى إهلاكه لقوم نوح قال: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر}، فهل من متعظ، لما حصل لهم.
وبعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى إهلاكه لعاد قال: {فهل من مدكر}، ولما ذكر إهلاكه لثمود قال: {فهل من مدكر}، وهكذا لما ذكر إهلاكه لقوم لوط وقوم فرعون، ذكر ونبّه إلى الاتعاظ بما حصل لهم، وما يحصل للظالمين في كل زمان ومكان، والجاحدين الكافرين، والمتجاوزين لحدود الله تبارك وتعالى من العقوبات.
أي: أن الله عز وجل يسّر كتابه وسهّله، للحفظ والتلاوة، والتدبر والفهم، وكذا هو ميسر للعمل، ومن تيسير كتابه سبحانه وتعالى: أن الصبيان يحفظونه، وأن الناس يستطيعون قراءته بسهولة، مع أنه كلام ملك الملوك جل جلاله وتقدست أسماؤه، الذي لو أنزل كلامه على الجبال لصدعها، ولو قطعت به الأرض لقطعها، كما قال تبارك وتعالى {لو أَنزلنا هذا القرآن على جبلٍ لرأيته خاشعاً مُتصدّعاً من خشية الله} (الحشر).
وفيه: دليل على أن الصحابة رضي الله عنهم سمعوا القرآن من النبي
صلى الله عليه وسلم
، ثم نقلوه لمن بعدهم من التابعين، ونقله التابعون لمن بعدهم من أتباع التابعين، وهكذا حتى وصل إلينا كتاب الله تبارك وتعالى تاما محفوظا بحفظ الله عز وجل. والصحابة رضي الله عنهم كما هم نقلة القرآن، فهم أيضا نقلة السنة النبوية، فعن طريقهم رضي الله عنهم وأرضاهم وصل إلينا كتاب الله تبارك وتعالى، ووصلت إلينا سنة النبي
صلى الله عليه وسلم
، فمن أراد أن يطعن في الصحابة أراد أن يهدم الإسلام، لأنهم شهودنا، وإذا أردت أن تسقط شهادة الشهود فاجرحهم، بأن تقع في أعراضهم وتطعن في عدالتهم، فإذا سقطت شهادتهم سقط ما يشهدون به، وهكذا لما طعن الزنادقة في الصحابة، فقالوا عنهم ما قالوا، من الاتهام بالكفر والزندقة والكذب والخداع؟! وأنهم طلاب دنيا وما أشبه ذلك، أرادوا بذلك إسقاط نصوص الكتاب العزيز والأحاديث الشريفة، وهدم الإسلام من أساسه، عاملهم الله بما يستحقون.

هذا وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد
صلى الله عليه وسلم
.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #44  
قديم 02-04-2024, 05:52 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 133,900
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري

شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري(44)

خلق الإنسان والملائكة والجان

اعداد: الفرقان



الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.
باب في قوله تعالى {وخَلقَ الجَان من مارجٍ من نارٍ}
2169. عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ».
الشرح:
سورة الرحمن وأورد فيها قوله تبارك وتعالى {وخلق الجانّ من مارجٍ من نار} وهذا الحديث أخرجه الإمام مسلم في الزهد والرقائق (4/2294) وبوب عليه النووي: باب في أحاديث متفرقة.
فيما ترويه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تقول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «خلقت الملائكة من نور» خُلقت الملائكة من نور، أي أن المادة التي خلقت منها الملائكة هي النور، فمادة خلقها هي النور، فالملائكة أجسامٌ خلقت من النور، ولا يلزم من هذا أن تكون نوراً في نفسها على كل حال، فالإنسان خُلق من طين، أي أن أصله ومادة خلقه هي الطين، ولكن هو ليس طيناً في نفسه، وهكذا الجن خُلقوا من النار، هذا أصل المادة، ولا يلزم من ذلك أن يبقى الجان ناراً، بل أصل الخلقة كذلك.
فالملائكة مادة خلقهم هي النُّور، والله تبارك وتعالى خالق هذه الأنوار كلها، منها نور الشمس، ومنها نور القمر، وغيرها من الأنوار، فهو سبحانه منوّر السموات والأرض وما بينهما، وقد ورد في القرآن والسنة أن الملائكة لهم قدرات وقوة عظيمة وهبهم الله إياها، وأن الله تبارك وتعالى استعملهم ووظّفهم في وظائف كثيرة في الكون، فهم يَسوقون السحاب والرياح بأمر الله تعالى، ويُرسلون المطر بإذن الله، وملائكة موكلون بقبض أرواح بني آدم، وملائكة موكلون بحفظ أعمال بني آدم وهم الحفظة، وهناك ملائكة موكلون بمجالس الذكر، وهم سيّاحون في الأرض، يتنادون إذا سمعوا مجلساً يُذكر فيه الله تعالى، ويقولون: هلموا إلى بُغيتكم، إلى حاجتكم، فيحفون أهل الذكر إلى السماء الدنيا، ومنهم ملائكة يتعاقبون بالليل والنهار فينا، ويجتمعون في صلاة العصر والفجر كما ورد في الأحاديث، وأعمالهم كثيرة جداً، وهم جندٌ لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم، كما قال تعالى {وما يَعلم جُنودَ ربّك إلا هو} ومنهم جندٌ يقاتلون مع المؤمنين الصادقين المخلصين في القتال والجهاد، ويعينونهم على أعدائهم، ومنهم جُندٌ يبثّون الرُّعب في قلوب المشركين، ويزلزلونهم ويخوفونهم.
وقوله: {وخَلق الجان من مارج من نار} كما قال الله تبارك وتعالى في سورة الرحمن {وخَلق الجان من مَارجٍ من نار} خلق الجان يعني الجن، وأبو الجن هو إبليس على الصحيح المشهور عند أهل العلم، وهو الظاهر من القرآن، كما قال الله تبارك وتعالى {وإذْ قُلنا للملائكة اسْجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليسَ كان من الجن ففَسق عن أمر ربّه} (الكهف: 50). فقوله {كان من الجن} صريحة أن إبليس ليس من الملائكة، وهو قول أكثر السلف، وهو الصحيح، فإن جنس الجن غير جنس الملائكة، فهم خلق آخر مختلف تماما، وإنما دخل إبليس في خطاب الله تعالى للملائكة في قوله {وإذْ قلنا للملائكة اسجدوا لأدمَ فسجدوا إلا إبليسَ} (الكهف: 50). لأنه كان معهم، ودخل ضمن جماعتهم وطائفتهم يتعبد لله معهم، فلما جاء الأمر الإلهي لهم بالسجود لآدم عليه السلام، شمله الخطاب الإلهي معهم، مثل لو كان هناك مجموعة من الناس من قبيلة واحدة، وفيهم رجل ليس من هذه القبيلة، ولكنه معهم، فإذا جاء الأمر لهم: قوموا أو اجلسوا أو كلوا أو اشربوا شمله الأمر، وهكذا كان الأمر لما حصل الأمر بالسجود لآدم عليه السلام، فأبى إبليس بطبعه الخبيث إلا معصية الله والاستكبار، والاستكبار عن السجود لآدم، واحتقاره وتحقيره، ثم بعد ذلك حسده، أعاذنا الله وإياكم من شره.
والمارج من النار: قال أهل التفسير: هو اللهب الصافي من النار. وقيل: الخالص من النار، وقيل المارج هو: لسان النار الذي يكون في طرفها الأعلى، أقصى ما يكون من النار إذا التهبت. فخلق الله إبليس من هذه المادة.
وفي الآية الأخرى {والجانّ خلقناه من قبلُ من نارِ السَّموم} من قبل أي من قبل الإنسان، والسموم قال ابن عباس: هي التي تقتل، وروى الطيالسي: عن ابن مسعود قال: هذه السموم جزء من سبعين جزءا من السموم التي خلق منها الجان، ثم قرأ الآية {والجانّ خَلقناه من قبلُ من نار السموم}.
قوله «وخلق آدم عليه الصلاة والسلام مما وُصف لكم» أي: خلق الله تبارك وتعالى آدم مما وصف لكم في كتابه الكريم، فالله تبارك وتعالى قد ذكر خلق أدم عليه السلام في مواضع كثيرة من القرآن، وفصّل لنا ذلك.
هذا وقد شرّف الله تبارك وتعالى آدم عليه السلام على سائر المخلوقات بأن خلقه بيده، وهذه ميزة وخصيصة شرّف الله بها آدم عليه السلام على غيره، فكل المخلوقات خلقها الله تعالى بقوله: {كن} فكانت، إلا آدم عليه الصلاة والسلام شرفه الله بأن خلقه بيده المقدسة جل جلاله، وهذا تشريفٌ أيما تشريف، ولا يجوز تأويل ذلك بغيره، لأن الله تعالى أكّده في القرآن، فقال عز وجل {مالكَ ألا تَسجدَ لما خلقتُ بيدي} ص: 75.
ولا يصح أن يقول القائل: خلقه الله تعالى بقدرته؟ لأن ذلك مخالفٌ لنص القرآن الصريح، هذا أولا.
ثانيا: إذا قال القائل: بنيتُ داراً، فإنه يحتمل أن يكون بناها بيده، ويحتمل أن يكون أَمَر غيرَه ببنائها، لكن إذا قال القائل: بنيتُ الدار بيدي، فإنه لا يفهم من العربية إلا أنه باشر بنائها بيده، وكذا لو قال: ضربت فلاناً بيدي، فهذا لا مجال للتأويل فيه، وأما الذي قال به المؤولة من الجهمية وأتباعهم من الأشاعرة والماتريدية، في نفي هذه الصفة الكريمة عن أبينا آدم عليه الصلاة والسلام، فهو من التأويل الباطل الفاسد المردود؟!
ثالثا: قول عز وجل {خلقتُ بيدي} لا يصح أن يقول القائل خلقه الله تعالى بقدرته، لأنه قال {بيدي} وهذه تثنيه لليد، ولا يصح لغة أن يقال: خلقتك بقدرتيَّ؟! ولا تقبله قواعد اللغة العربية.
وأيضا: قد ورد في الحديث الصحيح: «حاجّ موسى عليه الصلاة والسلام آدم عليه الصلاة والسلام، فقال له: أنتَ أبونا آدم، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته...» الحديث، وهذا تأييد للآية الكريمة.
وقد اختلفت عبارات القرآن في صفة خلق الإنسان، ففي آية آل عمران يقول تعالى {خَلَقه من تُرابٍ} وفي الحجر قال {من حَمأٍ مَسنون} وفي الصافات {من طينٍ لاَزب} يعني ملتصق بعضه ببعض، وفي هذه الآية قال {من صَلْصال كالفخار} وهذه العبارات - وإن كان ظاهرها الاختلاف - لكن هي في الحقيقة لا اختلاف بينها، بل معناها متفق، لأن الله تبارك وتعالى خلق آدم أولا من تراب، فصح في الحديث: «إن الله تعالى خلق آدم من قبضةٍ قَبَضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم منهم الأحمر والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن والخبيث والطيب» رواه أحمد ( 4/400، 406 ) وأبوداود ( 4693 ) والترمذي ( 5/204 ) وابن خزيمة في التوحيد ( ص 64) وغيرهم بسند صحيح.
وقد بوب عليه الإمام ابن خزيمة: باب ذكر صفة آدم عليه السلام، والبيان الشافي أنه خلقه بيده، لا بنعمته على ما زعمت الجهمية المعطلة؟! إذ قالت: إن الله يقبض بنعمته! من جميع الأرض قبضة فيخلق منها بشراً!! انتهى.
ثم لما صب عليها الماء فصارت طيناً لازباً، يعني: ملتصقاً، يلتصق بعضه ببعض، ثم ترك هذا الطين حتى تخمر فصار حمأ مسنوناً، والحمأ هو الطين المتغير لونه ورائحته، فالطين إذا تخمّر صار له شيء من الرائحة وتغير لونه، والمسنون قيل: هو الطين الناعم، والأملس، وقيل: المنتن. ثم بعد ذلك تُرك حتى يبس فصار صلصالاً كالفخار، فالصلصال هو الطين الذي له صلصلة وصوت إذا ضربته، كالفخار الذي يحرق بالنار، وهو ليس فخارا وإنما هو كالفخار كما قال الله، يعني كالطين المحروق بالنار الذي له صلصلة إذا ضربته.
أما قول الله تبارك وتعالى {ولقد خَلقْنا الإنسانَ من سُلالةٍ من طَين ثم جَعلناه نُطفةً في قَرارٍ مَكين} فلا يعارض ما سبق، فأبونا آدم علية الصلاة والسلام هو الذي خُلق من تراب ومن طين، أما نحن فخلقنا من نطفة تسل، وتوضع في قرار مكين وهو الرحم.
فبهذا نعرف أن الآيات ليس بينها اختلاف، ومن درس وفهم كتاب الله عز وجل عرف ذلك، وأن كتاب الله يؤيد بعضُه بعضاً، ويصدّق بعضه بعضا، فليس فيه تنافر، وإذا كان هناك تنافر أو تناقض فهو في أفهامنا نحن، وليس في القرآن، لأن كتاب الله يقول الله تبارك وتعالى عنه {لا يَأتيه الباطلُ من بين يديه ولا منْ خَلفه تنزيلٌ من حكيمٍ حميد} فصلت.
وقال سبحانه {الله نزّلَ أحسنَ الحديثِ كتاباً مُتشابها مثاني} الزمر. فهو كتاب متشابه يعني آياته تتشابه كلها، بمعنى تتفق ولا تختلف، فليس بينها تناقض ولا تنافر، وقال عز وجل {ولو كانَ من عندِ غير اللهِ لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً} (النساء).

الحذر من الغفلة
باب في قوله تعالى {ألم يأن للذين آمنوا أن تخَشع قلوبهم لذكر الله} الحديد: 16.
2170. عن ابْن مَسْعُودٍ قَالَ: مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا، وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} إِلَّا أَرْبَعُ سِنِينَ.
الشرح:
في سورة الحديد أورد المؤلف المنذري حديثا في قوله تبارك وتعالى {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} حديث ابن مسعود ]، وقد رواه مسلم في كتاب التفسير من صحيحه.
يقول ابن مسعود ]: ما كان بين إسلامنا، وبين أن عاتبنا الله عز وجل بهذه الآية {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق} إلا أربع سنين. وهذا يعني أن هذه الآية آية مكية، فإن ابن مسعود ] من السابقين إلى الإسلام، فكان إسلامه قديما بمكة، وهذا الحديث يبين لنا توقيت نزول هذه الآية الكريمة، وأنها نزلت بعد البعثة بأربع سنين تقريبا.
فهذه الآية نزلت في المؤمنين والمسلمين، لأن الله تعالى خاطب المؤمنين فقال: {ألم يأن للذين آمنوا} أي: أما آن للذين آمنوا، أما حان الوقت، وجاء الزمن الذي تخشع فيه قلوب المؤمنين، قال الحسن رحمه الله: يستبطئهم وهم أحبُّ خلقه إليه.
أي: يستبطئ الله الصحابة وهم أحب الناس إليه، فيحثّهم على الخشوع، وعلى رقة القلوب، فإنّ رقّة القلب ولينه والخشوع، تقود إلى الذل لله والخوف منه، والخضوع والانقياد لأوامره تبارك وتعالى، يعني تقوده إلى الاستجابة للعمل بالأوامر، وترك النواهي والزواجر، والخوف من التقصير في حقه سبحانه.
وقوله {لذكرِ الله وما نَزل من الحقّ} أي: ما نزل من القرآن، وما نزل من السُّنة، فإنّ جبريل عليه الصلاة والسلام كان ينزل على النبي [ بالقرآن، وينزل بالسنة النبوية، كما قال السلف، وعلى هذا دلت الأدلة الصحيحة من القرآن والسنة، كما قال الله عز وجل {وما يَنطق عن الهوى ، إنْ هو إلا وحيٌ يُوحى} (النجم: 3-4).
فربنا عزّ وجل يُعاتب من حصل منهم شيءٌ من الفتور عن الطاعة، والخمول عن ذكر الله، وعن الاجتهاد في العبادة، وصدود عن الخشوع، يقول لهم: ألم يأن لكم أن تخشع قلوبكم لذكر الله، وما نزل من الحق الذي به صلاح دينكم ودنياكم، وأحوالكم كلها.
وقوله {ولا يَكونوا كالذينَ أُوتوا الكتابَ من قبلُ} هو تحذير، يعني: إياهم أن يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل من اليهود والنصارى، فإنهم لما طال عليهم الأمد - وهو الوقت – تكاسلوا ولم يداوموا، وثقل عليهم العمل بالطاعات، وأداء العبادات، والقيام بالقربات، كأنهم حصل لهم شيء من الملل والسآمة، فصاروا بعد ذلك لا يبالون بالطاعات، ووقع فيهم البعد عن الخشوع، وجمود العين عن البكاء، وحزن النفس على المعصية والتقصير.
قوله {فقستْ قلوبهم وكثيرٌ منهم فاسقون} أي صار عندهم شيء من القسوة في قلوبهم، نتيجة لبعدهم عن التذكر والتأمل والاتعاظ بآيات الله عز وجل، فلما ذهب الخشوع جاءت قسوة القلوب، والعياذ بالله تعالى.
وهذه الآية تدل على أن الذكر - وأعظمه القرآن الكريم – وغيره من الأذكار في الليل والنهار، كما أن التفكر والتدبر في آيات الله يورث الإنسان الخشوع، ويورثه الخوف من الله، وكلاهما يورثه العمل الصالح والاستقامة، فالإنسان إذا خشع وخاف من الله استقام، وإذا ذهب الخوف وجاءت قسوة القلب جاءت المعاصي، وجاء التفريط في الواجبات، وفي الأعمال الصالحات.
وقيل: معنى {فطال عليهم الأمد} يعني: طال الأمد والزمن بينهم وبين أنبيائهم، فإذا مات النبي من أنبيائهم وظلوا فترة بلا نبيٍ، ولا مذكر ولا واعظ، حصل لهم شيء من القسوة والغفلة.
أما هذه الأمة فالله تبارك وتعالى أكرمها بأن جعل فيها العلماء، وهم ورثة الأنبياء، فنحن إذا جلسنا في مجالس العلماء، وفي مجالس الدعاة والوعاظ والمذكرين ذكرونا بالله تعالى، وأحيوا فينا الخوف من الله تعالى، وحصل لنا الخشوع، وحصلت لنا الرغبة فيما عند الله عز وجل، ومتى انقطع الإنسان عن ذلك، وطال الأمد بينه وبين الموعظة والتذكير حصل له القسوة.
فهذه الآية: تدعونا لعدم البعد عن مجالس الذكر والعلم، وعدم البعد عمن يذكرنا بالله من الصحبة الصالحة، فالإنسان كما قال أهل العلم بدنه له زاد، وروحه لها زاد، وكثير من الناس يعطي البدن زاده، يعطي البدن طعامه وشرابه ونومه كل وقت، ويترك الروح جائعة فلا يعطيها ما تحتاجه من القوت، فقوت الأرواح هي معاني القرآن والسنة المثمرة للإيمان والعمل الصالح، كما أن قوت الأبدان الطعام والشراب.
وأن المسلم يجب أن يخاف على نفسه، ويحذر من الرجوع عن التمسك بدينه.
نسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا بما نقرأ ونسمع ونرى من الحق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #45  
قديم 03-04-2024, 05:56 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 133,900
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري

شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري(45)

دُعاء المؤمنين للصحابة

اعداد: الفرقان


الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، [ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.
باب في قوله تعالى {والذينَ جَاؤوا منْ بعدهم يقولونَ ربَّنا اغفرْ لَنا ولإخْواننا الذينَ سَبقونا بالإيمانِ} (الحشر:10).
2171. عنِ عُرْوَةَ قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: «يَا ابْنَ أُخْتِي، أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَسَبُّوهُمْ».
الشرح: سورة الحشر باب في قوله تعالى {والذينَ جَاؤوا منْ بعدهم يَقولون ربّنا اغفرْ لنا ولإخوانِنا الذينَ سَبَقونا بالإيمانِ ولا تجَعلْ في قُلوبنا غلاً للذين آمنوا ربّنا إنّك رؤوفٌ رحيمٌ} (الحشر:10)، أورد فيه أثر عائشة رضي الله عنها، وهو في كتاب التفسير من صحيح الإمام مسلم أيضا.
قال: عن عروة وهو ابن الزبير بن العوام رضي الله عنه ، أمه أسماء بنت أبي بكر وعائشة رضي الله عنها خالته ويروى عنه كثيراً عن خالته.
- قال: قالت لي عائشة رضي الله عنها: «يا ابن أختي، أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبّوهم». قال القاضي عياض رحمه الله: الظاهر أنها قالت هذا عندما سمعت أهل مصر يقولون في عثمان ما قالوا، وأهل الشام في عليّ ما قالوا، والحرورية في الجميع ما قالوا».
فعائشة رضي الله عنها قالت هذا الكلام لما سمعت أهل مصر، وهم الثوار الذين خرجوا على عثمان رضي الله عنه ، واجتمعوا من مصر وغيرها وجاؤوا إلى المدينة، وحاصروا بيت عثمان رضي الله عنه مدة، حتى اقتحموا عليه بيته وقتلوه شهيداً رضي الله عنه وأرضاه، وكانوا قبل ذلك يتكلمون فيه بما هو بريء منه، وأهل الشام أيضا قالوا في علي رضي الله عنه ما قالوا، وكان قد حصل بين علي رضي الله عنه ومعاوية رضي الله عنه من القتال، فحملتهم العصبية على الكلام في علي رضي الله عنه وأرضاه، والحرورية - وهم الخوارج - تكلموا في عثمان وفي علي رضي الله عنهما، وفي غيرهما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنهم كفّروا الجميع، كفروا عثمان وكفروا علياً وكفروا معاوية، وكل من رضي بالتحكيم من الفريقين، ومرقوا من الدِّين كما يمرق السهم من الرمية، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنهم، وهذا لقلة فهمهم وفقههم، فإنهم يقرؤون القرآن ولا يجاوز تراقيهم، لقلة فهمهم، وبعدهم عن أهل العلم ومجالسهم ودروسهم.
وقول عائشة رضي الله عنها: «أُمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي [» فيه فوائد:
- أولاً: أن اللهُ عز وجل هو الذي أَمر بالاستغفار والدعاء لهم، في قوله تعالى: {والذينَ جَاؤوا منْ بعدهم يقولون ربّنا اغفرْ لنا ولإخواننا} (الحشر:10)، فالذين جاؤوا من بعدهم هم: التابعون، وهم القرن الذين جاؤوا بعد الصحابة رضي الله عنهم، من صفاتهم أنهم يدعون الله سبحانه ويسألون، ويقولون: {ربنا اغفرْ لنا ولإخواننا} وهذا يدل على محبتهم للصحابة رضي الله عنهم، ودعائهم لمن سبقهم إلى الإيمان، لعقد الإخوة بينهم، وعقد الإيمان الذي عقده الله تبارك وتعالى بينهم، في قوله سبحانه {إنما المؤمنونَ إخوةٌ}، فالتابعون بإحسان للصحابة يحبونهم، ويدعون لهم بالخير، وهم قد سبقوهم إلى الدخول في الإيمان بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم والجهاد معه، والإنفاق في سبيله.
- ثانيا: من فضل الإسلام والإيمان: أن المسلمين يدعو بعضهم لبعض، ويحب له الخير، وهذا من محبتهم لبعضهم البعض، فيدعون لبعضهم بالمغفرة وبالرحمة، فيقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا.
- ثالثا: قوله تعالى: {ولإخْوانِنا الذين سَبقونا بالإيمان} يدل على أن التابعين للصحابة بإحسان يسيرون خلفهم، وعلى منهاجهم، ويأتمون بهم، ويقتدون بهم في عقائد الإيمان وأصول الدين، وفي فروعه أيضا، وهذا أصلٌ من أصول أهل السنة والجماعة، وهو متابعة الصحابة رضوان الله عليهم في عقائدهم وعباداتهم وسلوكهم وأخلاقهم.
- رابعا: شهد التابعون للصحابة بأنهم سبقوهم إلى الإيمان، وهذه أيضا شهادة القرآن للصحابة بالإيمان، حيث أقرها الله تعالى وحكاها عنهم، فقال {اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان}، فهذه شهادة القرآن لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان كما قلنا، والله سبحانه وتعالى إذا شهد لهم بالإيمان، فيجب تصديق ذلك، وعدم الشك أو التردد فيه، فمن أصدق من الله تعالى قيلاً، ومن أصدق من الله حديثاً؟!
- ويمكن أن يقال: المقصود بالذين: {جاؤوا من بعدهم} من هاجر من الصحابة بعد ما قوي الإسلام وظهر، لأن الآية يمكن أن تشمل من تأخّر إسلامه، وتبع الصحابة بعد فشوا الإسلام وظهوره، كما تشمل كل من يدخل في الإسلام من التابعين الذين جاؤوا بعد عصر النبوة، إلى قيام الساعة، لأنه يصدق على الكل أنهم جاؤوا بعد المهاجرين الأولين والأنصار.
- قال سعد بن أبي وقاص: الناس على ثلاث منازل، قد مضت منزلتان وبقت منزلة، فأحسن ما أنتم كائنون عليه، أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت، ثم قرأ {والذين جَاؤوا منْ بعدهم يقولونَ ربنا اغفرْ لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان}.
- قال العلامة صديق حسن خان في فتح البيان: «فمن لم يستغفر للصحابة، ويطلب رضوان الله لهم، فقد خالف ما أمره الله به في هذه الآية، وهذا الداء العضال إنما يصاب به من ابتُلي بمعلمٍ أو أمير أو والٍ من الرافضة، أو صاحب من أعداء خير الأمة من أهل الشرك والتقليد». قيل لابن المسيب: «ما تقول في عثمان وطلحة والزبير؟ قال: أقول ما قوّلنيه الله تعالى، وتلا هذه الآية: {والذين جَاؤوا منْ بعدهم يقولونَ ربنا اغفرْ لنا..}. فالناس إذاً ثلاث منازل: المنزلة الأولى: -المهاجرون الأولون الذين خرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانا، وينصرون الله ورسوله، هذه هي المنزلة الأولى.
- المنزلة الثانية: وهم الأنصار، الذين ذكرهم الله بقوله {والذين تبَوؤُوا الدارَ والإيمان منْ قبلهم يُحبُون من هَاجر إليهم ولا يَجدون في صُدورهم حاجةً مما أُوتُوا ويُؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصةٌ ومنْ يُوقَ شحَّ نفسهِ فأولئك هم المفلحون} (الحشر: 9).
- المنزلة الثالثة: هم التابعون لهم بإحسان، وصفتهم أنهم يقولون: {ربّنا اغفرْ لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان}.
- وقد احتج الإمام مالك رحمه الله بهذه الآية: أنه لا حقّ في الفيء لمن سبّ الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، لأن الله تعالى قال عن الفيء: {للفقراء المهاجرين..} وما بعدها، فجعله للمهاجرين والأنصار، ثم لمن جاء بعدهم ممن يستغفر لهم، فالفيء إما للمهاجرين وإما للأنصار، وإما لمن جاء بعدهم ممن يستغفر لهم.
- فمن سبّ الصحابة أو كفّرهم - والعياذ بالله - فلا حظَّ له ولا نصيب في الفيء، لأنه خارج عن الطوائف الثلاث المذكورة في الآيات.
بالإضافة إلى أن الطاعن على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مكذبٌ لكتاب الله، ومخالف لما أمر الله تبارك وتعالى كما سبق، لأن الله تبارك وتعالى شهد للصحابة بالإيمان، وشهد لهم بالرضوان، وشهد لهم بالجنان، في آيات كثيرة، وأرشد هاهنا إلى الاستغفار لهم.
- سادسا: قولهم: {اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} إقرار منهم بالذنوب، ورجوع إلى الله تعالى، فطلب المغفرة يدل على التقصير والوقوع في الخطأ. وقوله سبحانه وتعالى: {ربنا ولا تجعلْ في قلوبنا غلاً للذين آمنوا} غلا يعني: حقداً، فسألوا الله عز وجل أن يطهّر قلوبهم، من الغلّ والحقد والحسد على من سبقهم بالإيمان والإسلام. {ربنا إنك رءوفٌ رحيم} ختم الآية باسمين دالين على كمال رحمته ورأفته، وإحسانه إلى خلقه سبحانه وتعالى.
دعوة الجن
باب: في قوله تعالى: {قُلْ أُوحيَ إليَّ أنه استمَع نَفرٌ من الجن}.
2172. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ [ عَلَى الْجِنِّ وَمَا رَآهُمْ، انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ [ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتْ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قَالُوا: مَا ذَاكَ إِلَّا مِنْ شَيْءٍ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَانْطَلَقُوا يَضْرِبُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَمَرَّ النَّفَرُ الَّذِينَ أَخَذُوا نَحْوَ تِهَامَةَ، وَهُوَ بِنَخْلٍ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ وَقَالُوا: هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: {يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ}.
الشرح: سورة الجن باب: في قوله تعالى: {قلْ أُوحي إليَّ أنه استمع نفرٌ من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآناً عجبا} (الجن: 1). وأورد فيه حديث ابن عباس رضي الله عنهما والمخرج في صحيح مسلم، في كتاب الصلاة في باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن وما رآهم» هكذا نفى أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم خرج للقراءة على الجن أو دعوتهم، مع أنه ورد في حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني داعي الجن فذهبت معهم، فقرأت عليهم القرآن..» الحديث، وقد قال أهل العلم: هما حادثتان، فقول ابن عباس الذي ذكره كان في أول ظهور الإسلام، وهي قوله هنا: «ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن وما رأهم» هذا كان في أول الإسلام، وأما حادثة ابن مسعود فقد كانت بعد انتشار الإسلام بمدة، بل حصلت بالمدينة بعد اشتهار الإسلام، جاءه داعي الجن، وسألوه أسئلة، كما ورد في الحديث عند الإمام مسلم وغيره.
- قوله: «انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ» أي خرجوا قاصدين سوق عكاظ، وهي سوق من أسواق الجاهلية المشهورة، مثل ذي المجاز ومجنة، فهي ثلاث أسواق مشهورة عند العرب في الجاهلية بالطائف، فالنبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى سوقهم مع جماعة من أصحابه.
- قوله: «وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب» وهذا بعد نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، وبعد نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم ، حالت الملائكة والشهب بين الشياطين وبين استراق السمع، واستراق السمع كان قبل ذلك موجوداً بكثرة، فلما بُعث النبي صلى الله عليه وسلم شدّدت حراسة السماء، كما ذكر الله عز وجل عنهم قولهم: {وأنّا لمَسنا السّماءَ فوجدناها مُلئتْ حَرساً شديداً وشُهُبا, وأنا كنا نقعدُ منها مَقاعدَ للسّمع فمن يَستمعْ الآن يجدْ له شِهاباً رَصَداً} (الجن: 8-9). فالحرس من الملائكة.
فاستراق السمع كان عند الشياطين شيئاً معهوداً في الجاهلية، وإن كانت هناك شهب، لكن بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم زادت الشهب، وحُرست السماء حراسة شديدة، وغلّظ أمرها، وكانت الشهب تزداد عند حدوث أمرٍ عظيم من عذاب ينزل بأهل الأرض، أو إرسال رسول أو غيره، فقالت الشياطين لما رأت تغير السماء قالوا: {وإنّا لا نَدري أشرٌ أُريدَ بمن في الأرضِ أم أرادَ بهم ربهم رَشَدا} (الجن: 10). أي: سيحصل شيء عظيم لأهل الأرض من عذاب أو نكال، أو أن الله سبحانه وتعالى سيرسل رسولاً، بهذه الإشارات التي تدل على ذلك، فقالت الجن ذلك بالمشاهدة والفطرة، وإن كانت الشهب موجودة، وإحراق الشياطين بالشهب والرجوم كان موجوداً، لكن بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم زادت الشهب وزادت الرجوم.
- قوله: «فرجعت الشياطين إلى قومهم» أي: ولم تأت بشيء من الأخبار، ولم تسترق شيئاً من السماء. فقال لهم قومهم: «مالكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما ذاك إلا لشيءٍ حدث؟» أي: لا بد أن هناك شيئاً عظيماً حدث في الأرض، كما سبق ذكره.
قوله «فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها» أي للبحث عن السبب لذلك، ومعلوم أن الجن لهم قدرة على الطيران والانتقال بسرعة من مكان إلى مكان، كما في قصة سليمان عليه السلام: {قال عَفريتٌ من الجنّ أنا آتيكَ به قبل أنْ تقومَ من مقامك وإني عليه لقويٌ أمين} (النمل: 39). أي: عرش بلقيس. وقد ورد في ذلك حديث أبي ثعلبة الخشني مرفوعاً: «الجن ثلاثة أصناف: فصنفٌ لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء، وصنف حياتٌ وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون» رواه الطبراني والحاكم والبيهقي في الأسماء وصححه الألباني. ومعنى «يحلون ويظعنون» يعني يسكنون البوادي والصحاري والقفار، يقيمون تارة ويرتحلون أخرى، وهؤلاء ضربوا مشارق الأرض ومغاربها يبحثون عما حال بينهم وبين خبر السماء.
قوله «فمرّ النفرُ الذين أخذوا نحو تهامة وهو بنخل» هكذا جاء في هذه الرواية، والصواب: وهو بنخلة، وهو موضع معروف هناك قريب من الطائف، كما جاء في صحيح البخاري. ويحتمل أنه يقال فيه: نخل أو نخلة، وأما تهامة: بكسر التاء فهو اسم لكل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز، ومكة من تهامة.
- قوله: «عامدين إلى سوق عكاظ» فالنبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم كانوا قاصدين سوق عكاظ للدعوة لدين الله، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبحث عن مجامع الناس الكبيرة ويقصدها بالدعوة، وتبليغ رسالة الإسلام، ومحاولة إيجاد أرض وقوم يقبلونه [، بعد أن كذّبه قومه، وحاربوه وآذوه وآذوا أصحابه، وأرادوا إخراجه من بلده.
- قوله: «وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء» أي: جاءت الشياطين إلى هذا الموضع ورسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر يصلي بأصحابه، فلما سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن، وقفوا واستمعوا وأنصتوا مهتمين متعجبين.
وهذا الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بصلاة الفجر حتى في زمن مكة. وفيه أيضا: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بأصحابه صلاة الجماعة أحياناً، إذا وجد مكاناً يأمن فيه.
- قوله: «فرجعوا إلى قومهم وقالوا: {يا قَومنا إنّا سَمعنا قرآناً عَجباً، يَهدي إلى الرُّشد فآمنا به ولن نُشركَ بربّنا أحداً} (الجن: 1-2). فالجن لما سمعوا القرآن تعجبوا من نظمه، ومن سياقه ومن بلاغته ومن إعجازه وعظمته، واستمعوا له وأنصتوا، ثم رجعوا إلى قومهم مبلغين وداعين إلى الله تبارك وتعالى، وهذا ظاهره أنهم أسلموا وآمنوا لما سمعوا القرآن، ودخلوا في التوحيد والإسلام، ولذلك قالوا كما ذكر الله: {يَهدي إلى الرُّشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً}.
وهذا يدل على أن الجن مكلفون، وأن الله سبحانه وتعالى أرسل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى الجن والإنس، كما أرسل موسى عليه السلام من قبل إلى الجن والإنس، كما في قوله تعالى: {وإذْ صَرفنا إليك نفراً من الجنّ يستمعونَ القرآن فلما حَضروه قالوا أَنصتوا فلما قُضي ولّوا إلى قومهم منذرين، قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أُنزل من بعد موسى مُصدّقاً لما بين يديه يَهدي إلى الحقّ وإلى صراطٍ مستقيم} (الأحقاف: 29-30). فهذا دليل على أن موسى عليه الصلاة والسلام رسالته أيضا تلزم الجن كما تلزم الإنس، وهكذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أيضا هو رسول الله ونبي الثقلين.
وإذا كان الجن مكلفين بالإيمان فهذا يدل على أنهم يجازون بالجنان إن هم أطاعوا الرحمن، ويدخلون الجنة كما يدخلها مؤمنو الإنس، قال النووي: «واتفق العلماء على أن الجن يعذبون في الآخرة على المعاصي، قال الله تعالى {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين}» انتهى.
وهناك خلافٌ غير معتبر في هذه المسألة: هل يدخل مؤمن الجن ومطيعهم إلى الجنة وينعم فيها ثواباً ومجازاة لهم على طاعته أم أنه لا يدخل الجنة؟
فالصحيح: أنهم يدخلون الجنة كبقية المؤمنين، وينعمون فيها بالأكل والشرب وغيرها، وهذا قول الأكثر من أهل العلم خاصة أهل السنة والجماعة.
- وهذه السورة تدل أيضا: على وجود الجن وخلقهم، فمن أنكر خلقهم ووجودهم من الفلاسفة أو غير ذلك، فقوله مردودٌ عليه، وإنكارهم تكذيبٌ للقرآن، ولا ينكر وجودهم إلا الملاحدة والدهرية، الذين ينكرون وجود كل شيء غير محسوس كالملائكة وعذاب القبر وغيره، وهم في هذا الباب كالأنعام بل هم أضل سبيلاً، فالذي لا يؤمن إلا بالمحسوس الذي يراه بعينه، أو يمسه بيده، أو يجد رائحته، أو يتذوقه بلسانه، من أضل الناس؟! فهناك أشياء كثيرة لا نراها ولا نسمعها، ولكننا نؤمن بها، ونتيقن وجودها.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #46  
قديم 03-04-2024, 05:58 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 133,900
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري

شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري(46)

-حبُّ المصطفى صلى الله عليه وسلم للقرآن والوحي




اعداد: الفرقان

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.
( سورة القيامة )
باب: في قوله تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به}.
2173. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي قَوْله {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ[ يُعَالِجُ مِنْ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، كَانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فَقَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ[ يُحَرِّكُهُمَا، فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَك لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}، قَالَ: جَمْعَهُ فِي صَدْرِكَ ثُمّ،َ تَقْرَؤُهُ {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ}، قَالَ: فَاسْتَمِعْ وَأَنْصِتْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ ، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كَمَا أقْرَأَهُ.

الشرح: سورة القيامة : باب في قوله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} أورد فيه حديث ابن عباس رضي الله عنهما، الذي رواه الإمام مسلم رحمه الله في الصلاة، باب الاستماع والقراءة.
في قوله عز وجل: {لا تحرك به لسانك لتعجل به}، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، المعالجة: هي المشقة في تحصيل الشيء، وهذا كان يحصل للنبي صلى الله عليه وسلم حين نزول الوحي، ويظهر ذلك على وجهه وأثره على بدنه، كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فينفصل عنه الوحي، وإنّ جبينه ليتفصّد عَرقاً، يعني يسيل عرقا في اليوم الشديد البرد، وهذا يدل على الشدة وثقل الوحي عندما ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم ، كما قال الله تعالى: {إنا سنُلقي عليك قولاً ثقيلاً} (المزمل).
وثقل الوحي من ثقل ما جاء به من القرآن العظيم والتنزيل الحكيم من عند الله الملك العظيم، وأيضا من هيبة المَلَك، فإن جبريل عليه السلام رسول بين الله تعالى وبين خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم ، فإذا جاءه من عند الله أخذته الهيبة والشدة بسبب ذلك.
قوله: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحرك شفتيه عند نزول الوحي، كان النبيصلى الله عليه وسلم يحرك شفتيه ولسانه، يقرأ مع الملك، والسبب في تحريك النبي صلى الله عليه وسلم للسانه وشفتيه مع قراءة جبريل عليه السلام هو خشيته أن يذهب عليه، فينساه ولا يحفظه، فقال الله تعالى له: {لا تُحرِّكْ به لسَانكَ لتعجَلَ به إنّ علينا جمعه} أي : في صدرك وقرآنه، أي : علينا أن يقرأه جبريل كما أمرناه فإذا قرآناه، والمقصود إذا قرأه جبريل بلسانه، وهذا بإضافة إلى ما يكون بأمر الله إلى الله تعالى، فما يكون بأمر الله يصح أن يضاف إلى الله سبحانه وتعالى، فجبريل كان ينزل بأمر الله تبارك وتعالى وبكلامه ووحيه، ولذلك صحت الإضافة فإذا قَرأناه، أي: إذا قرأه جبريل فاتبّع قرآنه، يعني: استمع لقراءته وأنصت، ثم اقرأه كما قرأه متبعاً له، وقد قال أيضا جل وعلا في هذا أيضا: {ولا تَعجلْ بالقُرآن من قبلِ أن يُقضى إليك وحيه} (طه: 114)، أي: اصبر حتى يفرغ جبريل منه.
والاستماع والإنصات للقراءة صار أدباً من آداب المسلمين إذا تُلي القرآن، كما قال الله تعالى: {وإذا قُرئ القُرآن فاسْتَمعوا له وأَنصتُوا لعلكم تُرحمون} (الأعراف: 204)، أي: والاستماع ليس مجرد السماع، بل هو الإنصات والإصغاء، وترك التحدث أو الاشتغال بما يصدُّ عن الاستماع، فاستمعوا بقلوبكم لكلام الله، لتحصل لكم الرحمة والخير الكثير، والبصيرة والعلم الغزير، والإيمان المتجدد، والهداية للصراط المستقيم.
وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمر به الأمة، في الصلاة وخارج الصلاة، فقد قال صلى الله عليه وسلم عن الإمام في الصلاة: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبّر فكبّروا، وإذا قرأ فأنصتوا..» رواه النسائي وأصله في الصحيحين.
وقد قال جمعٌ من أهل العلم: إن الاستماع لقراءة القرآن في الصلاة فيما سوى أم الكتاب، أما أم الكتاب فيجب قراءتها على الإمام والمأموم، لقوله علية الصلاة والسلام: «لا صلاةَ لمن لم يَقرأ بفاتحة الكتاب» متفق عليه، وأحاديث بألفاظٍ أخرى في هذا الباب، فالإنصات والسكوت مطلوب عند قراءة القرآن.
وقوله: {ثم إنَّ علينا بيانه}، أي: أن تقرأه بعد ذلك كما قرأه جبريل عليه السلام، وهذا الاستعجال كما قلنا سببه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخشى أن يتفلّت منه القرآن، فقال الله له لا تخف: {إن علينا جمعه}، أي: في صدرك فلا يذهب عنك منه شيءٌ {وقرآنه} أي: أن تقرأه كما قرأه جبريل {فإذا قرأناه}، أي إذا أتمّ جبريل قراءته {فاتبع قرآنه}، أي: استمع قراءته حتى يرسخ في ذهنك، ثم تقرأه بعد ذلك.

وقوله: {ثم إنّ علينا بَيانه}، أيضا معناه: بيان وتفسير ما فيه من الحلال والحرام والأحكام، وبيان ما أجمل لك في القرآن وما أشكل عليك، أو أشكل على أصحابك بالوحي النبوي والسُّنة، فمن أخذ بالقرآن وحده وأعرض عن السنة فقد خالف القرآن؟!
فالسُّنة مبينة للكتاب وشارحة له، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه تفسير الكتاب، كما قال تعالى: {وما يَنطقْ عن الهَوى، إنْ هو إلا وحيٌ يُوحى} (النجم: 3-4)، فمن زعم التمسك بالقرآن وحده، وترك الاعتصام والرجوع إلى السنة النبوية، فهو مخالف لما جاء في الكتاب لأن الكتاب يقول: {ثم إنّ علينا بيانه}، وهذا البيان تارة يكون بالقرآن، وتارة يكون بلسان الرسول صلى الله عليه وسلم ، فالذي يترك بيان النبي صلى الله عليه وسلم يكون قد ترك القرآن، كما أوضح الله سبحانه وتعالى.
وأخذ أهل العلم من هذا: جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى حين الحاجة، فقد تنزل عليه الآية، ويتأخر بيانها وتفصيل العمل بها.
قوله: «فقال لي ابن عباس - والقائل هو سعيد بن جبير - قال: أنا أحركهما لك كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما، فحرك شفتيه فقال سعيد: أنا أحركهما، كما كان ابن عباس يحركهما» قول سعيد: أنا أحركهما كما كان ابن عباس يحركهما، هذا يسمى عند أهل الحديث: بالحديث المُسْلَسل، وهو الذي يرويه الراوي ويذكر صفة معينة مثل أن يبتسم عند التحديث بالحديث أو أن يرفع بصره عند التحديث بالحديث ويقول هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل فهذا يسميه أهل الحديث بالحديث المسلسل، وهو من الندرة في الأحاديث وليس كثيراً.
قال في البيقونية:
10- مُسَلْسَلٌ قُلْ ما عَلى وَصفٍ أتَى
مثلُ: أما والله أنبَأني الفَتى
11-كـذاكَ قـدْ حدَثَنـيه قائمـاً
أو بعدَ أن حدَّثَنِي تَبَسَّمَا
فمن أقسام الحديث (المسلسل) وهو اسم مفعول من (سَلسله) إذا ربطه في سلسلة، هذا في اللغة.
وفي الاصطلاح: هو الذي اتفق فيه الرواة، فنقلوه بصيغة معينة، أو حال معينة.
يعني أن الرواة اتفقوا فيه على وصفٍ معيَّن، إما وصف الأداء، أو وصف حال الراوي أو غير ذلك .
والمسلسل قد يكون في السند ، وقد يكون في المتن ، وقد يكون فيهما معاً.
وفائدة معرفة المسلسل هو: التنبيه على أن الراوي قد ضبط الرواية .
وأيضا مما يستفاد من هذا الحديث :
حبُّ النبي صلى الله عليه وسلم للعلم، وحرصه وشوقه على تلقي الوحي من الله عز وجل.
وحرصه أيضا صلى الله عليه وسلم على الزيادة منه، وأمر الله له بذلك في قوله: {وقل ربّ زدني علماً}، فإن العلم خير عظيم، والزيادة منه مطلوبة، وكذا الاجتهاد في تحصيله.
وفيها: سؤال الله تعالى الازدياد منه، والاستعانة به سبحانه على تحقيق ذلك.
وفيها أيضا: الأدب في تلقي العلم، وأن المتعلم ينبغي له أن يتأنى ويصبر حتى يفرغ المعلم والمملي من كلامه المتصل، فإذا فرغ سأله، ولا يقطع عليه كلامه ويبادره بالسؤال، فربما حرم من العلم باستعجاله. وكذلك يجب على مَن يُستفتى - من أهل العلم وغيرهم - عدم الاستعجال بالجواب، قبل معرفة سؤال السائل، ومقصوده.
من أهوال القيامة
(ويل للمطففين)
باب: في قوله تعالى: {يوم يقوم الناس لرب العالمين}.
2174. عَنْ ابْنِ عُمَرَ: عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}، قَالَ: «يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ».
الشرح:
سورة «ويل للمطففين»، أو سورة «المطففين» وهي سورة مكية، باب في قوله تعالى: {يومَ يقومُ الناس لرب العالمين}، والحديث أخرجه الإمام مسلم في: كتاب صفة القيامة وأهوالها، أعاننا الله وإياكم على أهوالها، والحديث رواه البخاري أيضا.
قال ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يوم يقوم الناس لرب العالمين}، أي: سيقومون بين يدي الله تعالى فيحاسبهم على القليل والكثير، فعليهم الاستعداد لذلك.
قال: «يقومُ أحدُهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» والرشح هو العرق، ويحتمل أن يكون ذلك عرق نفسه، ويحتمل أن يكون عرقه وعرق غيره، وسبب كثرة العرق يوم القيامة أمور، منها: دنو الشمس من رؤوس العباد، كما جاء في الحديث الصحيح عن المقداد رضي الله عنه مرفوعا: «إذا كان يوم القيامة، أُدنيت الشمس من العباد حتى تكون قيد ميل أو ميلين، فتصهرهم الشمس، فيكونون في العرق كقدر أعمالهم، منهم مَن يعرق إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه ، ومنهم من يأخذه إلى حقويه - يعني موضع الإزار منه - ومنهم من يلجمه إلجاما» رواه أحمد، نسال الله العافية.
وأيضا: فالعرق يكون بسبب ازدحام الناس يوم القيامة، وكثرة الخلق في ساحات القيامة، باجتماع الأولين والآخرين، والإنس والجن.
وأيضا: بسبب شدة الأهوال والخوف، فالإنسان في الموقف الصعب الشديد على النفس، وما يكون فيه فزع وخوف يعرق، فبسبب هول ذلك اليوم يكثر العرق .
نسال الله السلامة ! وقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» يعني يظلون قائمين واقفين لرب العالمين، ويأخذ بعضهم الرشح إلى أنصاف أذنيه، وفي الرواية السابقة: أن بعضهم يلجمه العرق إلجاماً، وهذا ليس لكل الناس، بل كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بحسب العمل، لأن الأحاديث يوضّح بعضها بعضاً.
وأيضا من المعاني في قوله تعالى: {يومَ يقوم الناسُ لرب العالمين}، أي: يقومون من قبورهم بأمر رب العالمين، أن يقال لهم: قوموا فإذا هم قيام ينظرون، كما قال الله تبارك وتعالى: {ثم نُفخ فيه أُخرى فإذا هم قيامٌ ينظرون} (الزمر: 68).
وقال أهل التفسير: المراد قيامهم من قبورهم لربهم، لفصل القضاء بينهم يوم القيامة، واقفين ليقضي الله تعالى بينهم بحكمه وبعدله.
وأيضا من المعاني: قيامهم بما عليهم من حقوق العباد، بين يدي الله عز وجل، فكلٌ يؤدي الحق الذي عليه، إن أخذ من مال أحد، إن أخذ من عرضه، إن ضربه، إن سبّه بغير حق، كل هذا يؤدى ما عليه غير منقوص، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة.
وقد جاء في الحديث: أن ذلك اليوم يخفف على العبد المؤمن، فقد روى أبوهريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يومَ يقوم الناسُ لرب العالمين مقدارَ نصفِ يوم من خمسين ألف سنةٍ، ُيهّون ذلك على المؤمنين، كتدلّي الشمس للغروب إلى أن تغرب «.
رواه ابن حبان (7333) وأبو يعلى (6025) وقال الهيثمي في المجمع (10/337): رجاله رجال الصحيح، وهو حديث صحيح.
يعني: يخفف هذا اليوم الشديد بهوله العظيم وكربه، على المؤمن حتى يكون كنحو ساعة فلا يشعر بثقله.
وهذه الأقوال يمكن أن تدخل كلها في تفسير قوله تعالى: {يوم يقوم الناس لرب العالمين}؛ لأنها تصلح أن تكون تفسيراً للآية، والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا الحديث لبيان ما يكون من العرق يوم القيامة في الموقف.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #47  
قديم 04-04-2024, 11:35 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 133,900
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري

شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري(47)

من نوقش العمل ُعذّب

اعداد: الفرقان



الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.
باب: في قوله تعالى {فسوف يحاسب حساباً يسيراً}
2175. عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حُوسِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ « فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} فَقَالَ: «لَيْسَ ذَاكِ الْحِسَابُ، إِنَّمَا ذَاكِ الْعَرْضُ، مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ».
الشرح: سورة الانشقاق باب في قوله تعالى {فسوف يحاسب حساباً يسيراً} وأورد فيه المنذري حديث عائشة وهو عند الإمام مسلم في كتاب صفة يوم القيامة باب إثبات الحساب. وأخرجه البخاري في العلم (103).
تقول عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من ُحوسب يوم القيامة عذّب» وفي الرواية الأخرى: «من نوقش الحساب» من المناقشة وأصلها الاستخراج، ومنه نقش الشوكة إذا استخرجها.
وقوله «عذب» قال القاضي عياض: «عذب» له معنيان: عذب بنفس المناقشة وعرض الذنوب وطول التوقيف عليها هو التعذيب لما فيه من التوبيخ.
والثاني: أنه مفض إلى العذاب بالنار، انتهى.
فالقول الأول يعني أن هذا التوبيخ والتوقيف نفسه هو عذاب له بين يدي الله تعالى، لشدته على النفس وصعوبته، والمعنى الثاني: أن من حصلت معه المناقشة، فهذا دليل على هلاكه وعذابه، كما في الرواية الأخرى: «من نوقش الحساب يوم القيامة هلك». والإمام النووي رحمه الله اختار المعنى الثاني، وهو أن من علامات هلاك العبد يوم القيامة أن يناقش بأعماله، لم فعلت كذا؟ فيرد ويدافع عن نفسه، ثم يقال له: ألم تفعل كذا؟ فيرد، فإذا حصلت هذه المناقشة مع العبد، فهذا دليل عذابه، فمن استقصى الله تعالى عليه أعماله وذكرها له، ولم يسامحه ويعفو عنه، فقد هلك ودخل النار، أما من عرضت عليه بعض ذنوبه، ولم يتكلم ويجادل وإنما هو مستحي من ربه سبحانه وتعالى، فهذا الذي يعفو الله تبارك وتعالى عنه ويغفر له، لأنه سكت واستحى من ربه ولم ينكر شيئاً مما عرض عليه.
وجاء في الحديث: «أن الله سبحانه وتعالى يعرض على عبده يوم القيامة صغار ذنوبه، ويؤخر عنه كبارها، فيقال له: فعلت كذا يوم كذا وكذا، وهو يقول: أي رب، ثم يقول الله تعالى: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فعند ذلك يقول العبد: إن لي ذنوباً لا أراها هاهنا» رواه مسلم.
لأن ذنوبه وسيئاته التي ذكرت له بدّلت إلى حسنات، فيطمع لو أن كل ذنوبه يراها لتتحول إلى الحسنات ويجازى بها.
فهذا هو الحساب اليسير الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم ، أي: السهل اللين والذي لا مناقشة فيه، ولا خصام مع الرب سبحانه وتعالى، لأن من نوقش الحساب عذب، أما هذا الذي لا يناقش تعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها الله له.
قالت عائشة رضي الله عنها: أليس الله تعالى قد قال: {فسوفَ يُحاسبُ حساباً يسيراً} دليل على أن الصحابة - ومنهم أمهات المؤمنين - كانوا يراجعون النبي صلى الله عليه وسلم ، ويستفسرون منه في الأمور التي تُشكل عليهم، وأنه ما كان يتضجر منه عليه الصلاة والسلام، وأن هذا لا ينافي كمال الأدب معه صلى الله عليه وسلم .
وقد وقع مثل ذلك لحفصة رضي الله عنها، فقد ورد في الحديث: أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَدخلُ النارَ أحدٌ ممن شَهِد بدراً» قالت: أليس الله يقول {وإنْ منكم إلا وَاردها} قال: « ثم قال {ثم نُنجي الذين اتقوا} الحديث.
وإذا كان هذا لا ينافي الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، فمن باب أولى أنه لا يمنع مراجعة العالم والشيخ في شيء مما قاله، فإذا قال شيئا وأشكل على السامع والطالب، فانه ليس عيباً أن يستفسر منه، إذا تعارض مع شيء من الأدلة في ذهنه، ويكون ذلك بأدب وتوقير واحترام، وعدم رفع للصوت، ونحوه مما ذكره أهل العلم في آداب العالم والمتعلم، كما في كتاب السمعاني «أدب الإملاء والاستملاء» وكتاب «تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم» لابن جماعة وغيرهما.
أما من سأل تعنتاً أو عناداً أو تشكيكاً، فإنه يجوز الإعراض عن سؤاله، وترك جوابه، كما قال تعالى {وأما الذينَ في قُلُوبهم زيغٌ فيتبعونَ ما تشابه منه ابتغاءَ الفتنة وابتغاءَ تأْويله} قال صلى الله عليه وسلم : «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تَشابه منه، فأولئك الذين سمّى الله فاحذروهم». وكما في قصة صبيغ مع عمر رضي الله عنه.
قوله «إنما ذلك العرض» أي: عرض الأعمال على الميزان أو على الله تعالى.
وورد عند الإمام أحمد وعبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه: قالت عائشة رضي الله عنها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بعض صلاته: «اللهم حاسبني حساباً يسيرا» فقلت: يا رسول الله، ما الحساب اليسير؟ فقال: «أن ينظرَ في كتابه فيتجاوز له عنه، إنّه مَن نُوقش الحسابَ هَلَك».
بقي أن نقول: إن هذا الحديث مما استدركه الإمام الدارقطني على الإمام البخاري ومسلم، يعني أن في إسناده نظرا! لأن الحديث من رواية عبد الله بن أبي مليكة التابعي الجليل عن عائشة رضي الله عنها، وقال: إن رواية عبد الله ابن أبي مليكة عن عائشة فيها انقطاع، وذلك لأن عبد الله بن أبي مليكة روى هذا الحديث عن القاسم بن عبد الرحمن عنها، لكن قال أهل العلم: استدراك ضعيف ! لأنه محمول على أن ابن أبي مليكة سمعه من القاسم بن عبدالرحمن بن أبي بكر، يعني من ابن أخيها عنها، ثم سمعه منها فرواه بالوجهين مرة من هذا الطريق، ومرة من ذاك الطريق، وهذا له نظائر كثيرة في الأحاديث، فالحديث إذن ثابت الإسناد وصحيح، وكفاك بإخراج البخاري ومسلم له.
وفي الحديث: جواز المناظرة في العلم لمعرفة الحق والصواب.
وفيه: فضل عائشة رضي الله عنها وما كان عندها من الفهم لكتاب الله، والعلم به.
سعي الناس مختلف
سورة {والليل}
باب في قوله تعالى {والذكر والأنثى}
2176. عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قَدِمْنَا الشَّامَ فَأَتَانَا أَبُو الدَّرْدَاءِ فَقَالَ: أَفِيكُمْ أَحَدٌ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ أَنَا، قَالَ: فَكَيْفَ سَمِعْتَ عَبْدَ اللَّهِ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى , وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى} قَالَ: وَأَنَا وَاللَّهِ هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَؤُهَا، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ أَنْ أَقْرَأَ {وَمَا خَلَقَ} فَلَا أُتَابِعُهُمْ.
الشرح: سورة الليل باب في قوله تعالى {والذَّكر والأنثى} وروى فيه حديث أبي الدرداء الذي رواه الإمام مسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب القراءات.
يقول علقمة وهو ابن قيس النخعي ثقة ثبت فقيه، قال: قدمنا الشام فأتانا أبو الدرداء رضي الله عنه فقال: أفيكم أحد يقرأ على قراءة عبدالله؟ فقلت: نعم أنا «وفي رواية: قال أبو الدرداء: هل فيكم أحد من أهل العراق؟ قال علقمة: نعم أنا، قال: من أيهم؟ قال: من أهل الكوفة، قال: فكيف سمعت عبدالله يقرأ هذه الآية {والليل إذا يغشى} قال: سمعته يقرأ {والليلِ إذا يغشى, والنهارِ إذا تجلى, والذكر والأنثى} فقال أبو الدرداء: وأنا هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها، ولكن هؤلاء يريدون أن اقرأ {وما خَلقَ الذّكر والأُنثى} فلا أتابعهم.
هذا الأثر عن أبي الدرداء فيه بيان لقراءة من القراءات في قوله تبارك وتعالى من سورة الليل {وما خلقَ الذكر والأنثى} فكان عبدالله بن مسعود وأبوالدرداء كما في الحديث يقرءان هذه الآية {والذكر والأنثى} دون (وما خلق) واختلف العلماء في توجيه هذه الرواية فقال المازري: يجب أن يعتقد في هذا الخبر وما في معناه أن ذلك كان قرآنا ثم نسخ ولم يعلم من خالف بالنسخ، فبقي على المنسوخ.
ومعنى قوله: أن هذا كان قرآنا ثم نسخ، وهذه القراءة لم يعلم بالناسخ، فبقي على قراءته القديمة، ولا شك أن العلماء ذكروا شروطاً لقبول القراءات وهي:
أولا: أن تكون متواترة، فلا تقبل رواية الآحاد من الصحابة أو غيرهم.
ثانيا: يجب أن توافق مصحف عثمان الذي جمع عليه الصحابة وهو ما يسمى بالرسم العثماني.
ثالثا: ألا تخالف الرسم العثماني المكتوب في المصاحف.
وما كان بخلاف ذلك فهو من الشاذ من القراءات، فلا يقرأ به في الصلوات. وقال بعض أهل العلم: إن المنقول عن ابن مسعود روايات فيها مخالفة لبعض آيات المصحف، فقال بعضهم: إن ابن مسعود كان يكتب أحيانا بعض التفسير من الآيات ويراه من يقرأه فيظنه قرآنا ولهذا كان رأي عثمان رضي الله عنه وجماعة الصحابة المنع من كتابة شيء في المصحف لئلا يتطاول الزمان ويظن بعض الناس أنه قرآن، لكن الآن لما كتبت المصاحف وشاعت وذاعت وأصبح الرسم محفوظا، فانه يجوز للإنسان أن يكتب على مصحفه الخاص ما يشاء من التفسير أو البيان.
وأيضا جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه. وقيل: إنه اعتقد أول الأمر أنهما نزلتا للتعويذ وليستا من القرآن، ثم بعد ذلك عاد إلى الجماعة، وأثبت المعوذتين في مصحفه، وعلى كل حال فهذا رأي لابن مسعود خالف فيه الجماعة من الصحابة، وخالف فيه ما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولذا لا يؤخذ بقوله.
أما قول الله تبارك وتعالى {والليلِ إذا يَغشى} فهو قسمٌ بالليل إذا غشى الوجود، وغطى الأرض بظلامه ما كان مضيئاً من ضوء النهار {والنّهار إذا تجلى} يعني: إذا ظهر النهار وانكشف وأضاء الأرض {وما خلق الذكر والأنثى} أي إن الله سبحانه وتعالى هو خالق الذكر والأنثى، وهما ضدان مختلفان، وهكذا خلق الله تعالى الليل وضده هو النهار، فالله سبحانه يمتدح بخلقه للأضداد.
وقال أهل العلم: لم يذكر الله سبحانه وتعالى الخنثى المشكل، وهو الذي لا يعلم هل هو ذكر أو أنثى؟! والجواب: إن الخنثى وإن أشكل أمره عندنا، فإنه عند الله عز وجل غير مشكل، بل هو معلوم بالذكورة أو الأنوثة.
ومن المسائل في ذلك: أن من حلف على ألا يكلم ذكرا أو أنثى، فإذا كلم خنثي هل يحنث أم لا؟ قالوا: يحنث لأنه إما أن يكون ذكرا أو أن يكون أنثى، فلا يوجد جنس ثالث كما يقولون اليوم؟! إنما هناك تشبه من الرجال بالنساء، ومن فعل ذلك فهو ملعون مطرود من رحمة الله سبحانه وتعالى، فمن تعمد التشبه في بالنساء بالحركات أو الأقوال أو المشية، فهذا والعياذ بالله ملعون على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك المرأة إذا تشبهت بالرجال، أو ما يسمى: بالرجلة من النساء! فهي أيضاً ملعونة مطرودة من رحمة الله عز وجل، كما جاء في الأحاديث، إلا من تاب وآمن واستقام، لأن الله سبحانه وتعالى لم يخلق من ذوي الأرواح إلا من هو ذكرٌ أو أنثى، ولا يوجد شيء ثالث، ومن فعل فهو تغيير لخلق الله، وطاعة للشيطان القائل {ولآمرنّهم فليُغيرن خلق الله} (النساء).
وأيضا قال الله تبارك وتعالى {يَهبُ لمن يَشاء إناثاً ويهب لمن يشاءُ الذكور, أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً} ولم يذكر نوعاً ثالثاً.
وهذا القسم وهو {والليل إذا يغشى, والنهار إذا تجلى , وما خلق الذكر والأنثى} وهذا كله قسم من عند الله عز وجل بهذه الأمور، ثم جواب القسم قول الله تبارك وتعالى {إنّ سعيكم لَشَتى} هذا هو المقسم عليه، والسعي هو الكسب والعمل، أي: إن سعيكم أيها المكلفون لمتفاوت تفاوتاً عظيماً، فمن الناس من يكون عمله موصلاً له إلى الجنة، بالإخلاص والمتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام، والهمة العالية والنشاط، ومنهم من يكون عمله إلى النار، بالشرك والرياء، والبدع والمنكرات والآثام، فسعي الناس شتى يعني متنوع ومختلف، وقد فسره الله تعالى بعد ذلك وفصّله بقوله {فأما مَن أَعطى واتقى, وصَدّق بالحسنى, فسنُيسره للحسنى, وأما من بخل واستغنى, وكذّب بالحسنى, فسنيسره للعُسرى} وهو كله وصف لأعمال العاملين وسعيهم.
وفقنا الله جميعا للعلم النافع، والعمل الصالح، إنه سميع مجيب.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #48  
قديم 04-04-2024, 11:38 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 133,900
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري

شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري(37)

رعاية الله لنبيه صلى الله عليه وسلم

اعداد: الفرقان



الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، [ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.
سورة الضحى
باب: في قوله تعالى: {ما ودّعك ربك وما قلى}
2177. عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبَ بْنَ سُفْيَانَ يَقُولُ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ، لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَالضُّحَى, وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى, مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}.
الشرح: سورة الضحى باب في قوله تعالى {ما ودّعك ربك وما قلى} وهذا الحديث، قد رواه الإمام مسلم في كتاب الجهاد (3/1134) وبوب عليه النووي: باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين.
وهو من حديث أسود بن قيس التابعي يقول: سمعت جندب بن سفيان رضي الله عنه وهو جندب بن عبدالله بن سفيان البجلي، أبوعبدالله، وينسب إلى جده أحياناً.
قال: «اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم » اشتكي بمعنى مرض وحصل له وعكة.
قوله «فلم يقم ليلتين أو ثلاثا» أي: ما قام الليل ليلتين أو ثلاثا، وهذا فيه دليل أن قيام الليل كان قديما بمكة، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: أنه كان فريضة على المسلمين أولاً، ثم نُسخت فرضيته إلى الاستحباب، كما رواه ابن نصر المروزي في كتابه قيام الليل.
وقيل: بقي واجباً على النبي صلى الله عليه وسلم ومستحباً لغيره.
ويدل على أن المشركين كانوا يسمعون النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن بالليل ممن كان حول النبي صلى الله عليه وسلم من جيرانه، فكانوا إذا قام يصلي من الليل يسمعون قراءته، بل كان بعضهم يحضر للسماع قريباً من بيته، يأتي ليسمع هذا القول العجيب، وهذا القرآن الكريم الذي لم يسمع به الإنس والجن بمثله من قبل، ولا العرب ولا العجم، فكان بعض المشركين يستمعون القرآن سراً كما جاء في السيرة النبوية، دون قومهم، فلما لم يقم ليلتين أو ثلاثا، علموا بذلك.
- قوله: «جاءته امرأة» قالت بعض الروايات إنها امرأة أبي لهب فقد كانت تجاور النبي [ هي وزوجها أبو لهب عم النبي [، كانوا يقيمون بقرب منزل النبي صلى الله عليه وسلم فجاءته امرأته.
- وفي رواية: أبطأ جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال المشركون: قد ودع محمد صلى الله عليه وسلم ، فقالت المرأة: يا محمد، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك! لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثاً. أي أنها لم تره ولم تسمعه يصلي من الليل، فقالت له: «أرجو أن يكون الشيطان قد تركك» وهذه مكابرة منها ومعاندة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وإلا هي تعلم يقيناً وقومها يعلمون أن القرآن ليس بقول شيطان؟! ولا هو من جنس ما تقوله الشياطين أو تأمر به! فهو قول علي عظيم لا يُعلى عليه، وهو لا يشابه الشعر ولا النثر، ولا قول الإنس والجن، بل هو كلام الله سبحانه وتعالى.
- وقول المشركين: «قد ُودّع محمدٌ؟!» ودّع بتشديد الدال من الوداع، الذي هو الفراق والترك، وهي القراءة التي قرأ بها السبعة، وقرئ: وَدَعك، بالتخفيف، من ودعه يدعه يعني تركه، وهي بنفس المعنى.
فأنزل الله سبحانه وتعالى رداً عليهم سورة الضحى، فأقسم سبحانه بالضحى الذي هو وسط النهار، ومحل انصراف الناس لاكتساب معايشهم.
{والليل إذا سجى} سجى بمعنى غطى، فالليل يغطي الكون بظلامه، ويغطي ضوء النهار، فأقسم الله تعالى بالضحى وضيائه، والليل وظلامه {ما ودعك ربك وما قلى}، ما ودع نبيه صلى الله عليه وسلم ، بل ما قالوه عن مفارقتك وتركك قولٌ باطل، فإن الله عز وجل ما ودعك ولا تركك {وما قلى} قلى من القِلى وهو البغض، فالله تبارك وتعالى لا يودع أحبابه ولا يبغضهم، بل يقربهم سبحانه وتعالى ويحسن إليهم، وتمام السورة كلها في بيان اعتناء الرب سبحانه وتعالى بنبيه صلى الله عليه وسلم ، باقي السورة كلها لبيان نعم الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم {وللآخرةُ خيرٌ لكَ من الأُولى, ولسوفَ يُعطيك ربُّك فترضى} أي: فسوف يعطيك ربك في الدنيا وفي الآخرة ما ترضى به، وتقر به عينك، ويكفي في ذلك شرف النبوة والرسالة، فإنها أعظم من كل جاه، ومن كل مالٍ ومن كل منصب، ثم قال سبحانه وتعالى {ألم يجدكَ يتيماً فآوى, ووجدكَ ضالاً فهدى, ووجدكَ عائلا فأغنى} أي: قد وجدك الله تعالى يتيماً فآواك، فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم توفي أبواه وهو صغير، فكفله جده عبدالمطلب ثم كفله عمه أبوطالب، فأواه الله سبحانه وتعالى إلى صدر حنون، وقلب رحيم، وحضن دافئ، وحماه الله سبحانه وتعالى بعمه حتى بعد الرسالة {ووجدك ضالاً} أي: لم تكن على رسالة ولا نبوة، فهداك الله تعالى أعظم هداية، وجعلك على أعظم ملةٍ ودين {ووجدك عائلاً} يعني فقيراً فأغناك الله تبارك وتعالى.
التنافس في الدنيا
سورة التكاثر
باب في قوله تعالى{ألهاكم التكاثر}
2178. عَنْ عبدالله بن الشخير قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقْرَأُ {أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ} قَالَ: يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي! قَالَ: وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ».
الشرح: سورة التكاثر وأورد فيها حديث عبدالله بن الشخير رضي الله عنه، رواه الإمام مسلم في كتاب الزهد والرقائق ( 2958 ).
عبد الله بن الشخير هو ابن عوف العامري، صحابي من مسلمة الفتح.
- يقول الصحابي عبدالله بن الشخير: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ {ألهاكم التكاثر، حتى زرتم المقابر} وهو يتلو هذه السورة التي يقول الله تعالى فيها للناس.
{ألهاكم التكاثر} أي: شغلكم التكاثر في الأموال والأولاد، والتباهي بذلك والفخر بكثرتها، والاشتغال في تكثيرها، أي في تكثير الأموال وجمعها وكسبها حتى ألهاكم عن دينكم، وطلب أعمال آخرتكم، فالتشاغل كثيراً بالمعاش ُينسي الإنسان دينه وينسيه تحصيل الخير وأعمال الخير.
- وقيل: إن الآية نزلت في حيين من قريش تكاثروا في السيادة والشرف، فكل منهم يقول نحن أكثر سيداً وأعز عزيزاً وأعظم نفراً وأكثر قائداً فكثر بنو عبدمناف بني سهم، ثم تكاثروا بالأموات فكثرتهم بهم فنزلت {ألهاكم التكاثر} فلم ترضوا {حتى زرتم المقابر} يعني افتخرتم بأهل القبور. وهذه رواية عن مقاتل والكلبي وفيها ضعف «أسباب النزول للنيسابوري».
- أي: ما كفاكم التكاثر بالدنيا والأحياء، حتى انتقلتم إلى التكاثر بالأموات من الآباء والأجداد، وهذا يحصل أيضاً بين الناس، وهو التباهي والتفاخر بالآباء والأجداد ممن قد فارق الدنيا.
- فقول النبي صلى الله عليه وسلم : «يقول ابن آدم مالي مالي» أي: أنه ينسب المال إلى نفسه مفتخراً ومكابراً، مع أن الذي أعطاه ووهبه وملكه هو الله سبحانه.
ثم يبين النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة انتفاع العبد بالمال فيقول: «هل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت» أي ما أكلته فني وذهب ولم يبق منه شيء «أو لبست فأبليت» أي: ما اشتريت من لباس فلبسته فبلي واخلولق وفني.
«أو تصدقت فأمضيت» أي: ما تصدقت من صدقة فإنها ماضية وباقية لك مذخورة، وفي رواية أيضا لمسلم: «أو أعطى فاقتنى» أي: ما أعطى فقد ادّخر ثوابه، وفي بعضها «فأقنى» أي: فأرضى.
وفي رواية له: «وما سوى ذلك فهو ذاهبٌ وتاركه للناس».
- أي: أن الإنسان لا يستفيد من ماله في الحقيقة، إلا ما يبقى له في الدار الآخرة، كما قال تعالى {ما عندكم يَنفدْ وما عند الله باق} (النحل: 96). أي: ما عندك من مال تأكله وتلبسه فيفنى وينفد، ولكن ما تتصدق به يبقى لك ذخراً عند الله عز وجل يوم تلقاه.
- ومن معنى الآية أيضا: أن ما في الدنيا من متاعٍ يفنى ولو كثر، وما في الآخرة من متاع وزينة باقٍ لا يفنى ولا يزول، فمن آثر الفاني على الباقي فليس بعاقل، كما قال سبحانه {وما عند الله خير للأبرار} وقال {بل تؤثرون الحياة الدنيا، والآخرة خير وأبقى}.
ولهذا يجب أن يحرص الإنسان على ترك التكاثر في الأموال والأولاد فيما لا ينفع ولا يبقى، والواجب التكاثر والتنافس فيما يبقى لك في الآخرة، كي ينفعك يوم لا ينفع مال ولا بنون.
نعي النبي صلى الله عليه وسلم
سورة الفتح
باب في قوله تعالى {إذا جاء نصر الله والفتح}
2179. عَنْ عُبَيْدِاللَّهِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: تَعْلَمُ - وَقَالَ هَارُونُ - تَدْرِي آخِرَ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنْ الْقُرْآنِ، نَزَلَتْ جَمِيعًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} قَالَ: صَدَقْتَ.
الشرح: سورة الفتح وهي {إذا جاء نصر الله} وسماها المؤلف بسورة الفتح، والمشهور أنها: سورة النصر، وأورد فيها حديث ابن عباس، وقد رواه الإمام مسلم في كتاب التفسير أيضا.
يقول عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود قال: قال لي ابن عباس رضي الله عنهما: تعلم - وفي رواية: تدري - آخر سورة نزلت من القرآن نزلت جميعاً؟ قلت: {إذا جاء نصر الله والفتح} قال: صدقت.
فابن عباس رضي الله عنهما يتذاكر العلم مع عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود، وهو الهذلي أبو عبدالله المدني، أحد فقهاء التابعين، ثقة ثبت، ويسأله فيقول: هل تعلم أي سورة هي آخر سورة نزلت من القرآن نزلت جميعاً؟ يعني: أنها نزلت دفعة واحدة، ولم تنزل تباعاً، كما هي العادة في السور القرآنية، ينزل منها شيء ثم يتبعه الباقي، وربما تأخذ السورة شهوراً بل سنين حتى تكتمل.
فقال عبيدالله: نعم {إذا جاء نصر الله والفتح} فهذه آخر سورة من القرآن كما هو قول ابن عباس رضي الله عنهما.
- وفي هذه السورة يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «نُعيت إلي نفسي» وفي لفظ «قرب إلي أجلي» يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه هذه السورة علم أن فيها نعيه، ولما نزلت عليه هذه السورة، أخذ في أشد ما كان قط اجتهاداً في أمر الآخرة والعمل لها.
ولأن الله تبارك وتعالى يقول مبشراً نبيه صلى الله عليه وسلم {إذا جاء نصر الله والفتح} والمقصود بالفتح فتح مكة، الذي أيد الله فيه رسوله صلى الله عليه وسلم ونصره على أهل مكة الذين هم أهل الحرم، ولما انتصر الرسول صلى الله عليه وسلم على أهل الحرم ورأى العرب أن الرسول [ قد ظهر على قومه الذين هم أهل الحرم الذين لا يغلبهم غالب من القبائل، لأنهم يعلمون جميعا أن أهل مكة وقريشاً قد دافع الله تعالى عنهم في حادثة الفيل، وأهلك أبرهة وجيشه جميعاً بالطير الأبابيل، ولما سلّط الله عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم علموا أنه على الحق، فكان هذا سبباً في دخول العرب في دين الله أفواجاً بعد فتح مكة.
فهذه نعمة عظيمة وجليلة حصلت للنبي صلى الله عليه وسلم ، والله تبارك وتعالى يقول له {ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً}.
فكان النبي صلى الله عليه وسلم قد عرف أن فيها نعيه، وأن وفاته صلى الله عليه وسلم قد اقتربت، فقد بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده.
فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالحمد والاستغفار في هذه الحال، ويستعد للقاء ربه، ويختم أعماله بذلك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتأول القرآن – أي يعمل به - وهذه الآية خصوصاً، فكان يكثر أن يقول في صلاته في ركوعه وسجوده: « سبحانك الله ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي « رواه مسلم.
- هذا آخر كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم،،،
نسأل الله تعالى أن ينفعنا وإياكم به.
ونبدأ إن شاء الله تعالى بشرح كتاب: فضائل القرآن من هذا المختصر، لتعلقه به.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

 

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 209.86 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 204.75 كيلو بايت... تم توفير 5.11 كيلو بايت...بمعدل (2.44%)]