خبايا أعمال وصفحات مطوية - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 27 - عددالزوار : 2989 )           »          ثلاثون درسا للإسرة المسلمة خلال شهر رمضان المبارك (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 27 - عددالزوار : 2559 )           »          إرشادات طبية للمحافظة على صحتك فى رمضان __ معكم يوميا فى رمضان (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 27 - عددالزوار : 2839 )           »          المختصر في تفسير القرآن الكريم***متجدد (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 479 - عددالزوار : 14236 )           »          فوائد اللوز 2022 (اخر مشاركة : alraiah - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          إذا كانت الشياطين مسلسلة فكيف تكون المعاصي؟ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          بركة المال الحلال, و تلف المال الحرام (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          من أسباب التوفيق والبركة في التجارة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          دروس مستفادة من صلح الحديبية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 325 )           »          marc jacobs ىàéٌêàے ًàٌïًîنàوà - marcjacobs-russia.com (اخر مشاركة : Drunameurits - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى حراس الفضيلة

ملتقى حراس الفضيلة قسم يهتم ببناء القيم والفضيلة بمجتمعنا الاسلامي بين الشباب المسلم , معاً لإزالة الصدأ عن القلوب ولننعم بعيشة هنية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 07-04-2021, 03:41 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 61,345
الدولة : Egypt
افتراضي خبايا أعمال وصفحات مطوية

خبايا أعمالٍ وصفحات مطويَّة



من حياة أخي الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله السُّحيم


د. محمد بن عبدالله بن صالح السحيم


الحمد لله على سابغ عطائه، والحمد لله على جليل نعمائه، قدَّر فلطف، وأعطى فأجزل...، ولا نقول إلا ما يرضى ربَّنا، كان أخي الشَّيخ عبد الرحمن في سفرٍ لمهمة دعوية تطوعيَّة للمنطقة الشرقيَّة، وتعرض في آخر ليلة الأحد الموافق (29/3/1442هـ) لنوبةٍ قلبيَّة وهو في الفندق في مدينة الخبر، وحضر الهلال الأحمر وقدَّم الإسعافات الأولية، ونقله على الفور لمستشفى المانع بالخبر الشمالية، ووضع في العناية المركزة، وتحسَّنت حالته قليلًا إلى العاشرة صباحًا، ثم توفي في صبيحة يوم الأحد قريبًا من الساعة الحادية عشرة، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون، وإنَّ العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا لفراقك يا شيخ عبد الرحمن لمحزونون.



غفر الله له ورفع درجته في المهديين، وجعله مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وحسُنَ أولئك رفيقًا، وجبر الله مصابنا ومصاب أهله وذويه ومحبيه.



لن أكتب سيرته؛ فسيرته العطرة معروفة، ولن أكتب عن دراسته ومشايخه وتدرجه الوظيفي أو دروسه ومحاضراته وكلماته الدعوية؛ فهذا معروف أيضًا...، وإنما سأكتب جانبًا من الأعمال الخفية التي لا تُعرف عن الشيخ، بل لم أعرف بعضها إلا بعد وفاته رحمه الله، وأعلم أنَّ الشَّيخ لا يحب نشر مثل هذا، ولو كان حيًّا ما كتبت حرفاً، لكن الآن أكتب عن سيرته الجميلة الحميدة؛ ليقتدي به من يقتدي، فيغنم أخي أجرًا -بإذن الله- ولن أكتبها مرتَّبةً، لكن سأكتبها عفو الخاطر.



1) كان رحمه الله شديد البر بوالديه، ومن ذلك أنه لا ينقطع عن أداء حقهما، حتى في سفره خارج المملكة، كان يتواصل يومًا بعد يومٍ مع الوالدة -بعد وفاة الوالد رحمهم الله جميعًا-، وكان يعتذر للوالدة عن تقصيره، فتقول: «لا تكلف نفسك بالاتصال، كلّ يوم تتصل»؟ فقال لها: «أنا مقصّر معك»، فقالت: «والله إني راضية عنك، اللهم ارضَ عنه فإنِّي راضية عنه»، يقول لي فيما بعد: «لما قالت لي هذه الكلمة بكيتُ، وكنت في دولة بروندي»، يقول: «فقلت أمي راضية علي! والله لكأنها أعطتني الدنيا، رضا الله في رضا الوالدين -قالها ثلاثًا-، ما تدري يا أبا عبد الله ما معنى أن يرضى عنك والداك»؟ ولما عزيت الوالدة -أو أقول عزَّتني- قالت: «ما أخاف عليه -إن شاء الله-، كلُّ دروبه دروب الجنة»، تعني: أعماله أعمال أهل الجنة، «وليدي كلّ أمره لله، لا يُخاف عليه، والحمد لله أنه رحل ولم يبدل، ورحل ولم يكن همه الدُّنيا، المغبون يا وليدي: المفلس الذي يأتي يوم القيامة مفلسًا»، تشير إلى حديث: «ما تعدُّون المفلس فيكم...»؟



2) كان رحمه الله ممن امتلأ قلبه –فيما نحسب والله حسيبه- بالرضا عن الله، والصبر على أقداره، فمن ذلك: أنه كان في ريعان شبابه، وحين بلغ ابنه البكر «يعقوب» قريبًا من اثني عشر عامًا، تعرَّض لحادث سيرٍ، إذ خرج من البيت فصدمته سيارةٌ فتوفي، فصبر الشَّيخ رحمه الله واحتسب. وقبل عامٍ من وفاة الشَّيخ رحمه الله (أي 29/3/1441هـ) جرى حادثٌ مؤلم لأسرته في الساعة الثانية ظهرًا، ونُقلوا إلى مستشفى الملك فهد بالرياض -الحرس الوطني، وتوفي في الحادث ابنه يوسف وابنته كادي، وأما البقيَّة (زوجته وأولاده) فقد كانوا ما بين كسيرٍ وجريحٍ، ولم يخبرنا بهذا الحادث؛ لئلا يزعجنا، وبعد صلاة المغرب من هذا اليوم، تأخَّر عن الحضور للسَّلام على الوالدة –خلافًا لعادته-، فاتَّصلت عليه فإذا صوته متغير، فسألته عن شأنه؟ فقال: «لا شيء»، فألححت عليه، فذكر لي وقوع هذا الحادث، وأنَّ زوجته وأولاده في المستشفى، ولم يخبرني بوفاة ولديه إلا بعد استفصالٍ، فذهبت إليه أنا وأخي سليمان، فوالله ما بكى ولا تسخَّط، لكن تحدَّرت من عينه دمعةٌ، فحبسها وكفّها بطرف غترته، فسألناه عنهم؟ فكان يدور بنا على غرف الطوارئ، ويقول: «في هذه الغرفة فلان، وهنا فلانة...»، فلله قلبٌ يرى أسرته هكذا ويثبت، وهو يراهم بين يديه؛ اثنان قدموا إلى رحمة الله، وخمسة جرحى، وأحدهم في العناية المركزة فاقد للوعي، ولا يعلم ما به؛ لأنَّه لم يظهر التشخيص، وكلهم دون البلوغ، وأمهم مصابةٌ معهم، ثمَّ تجده صابرًا محتسبًا، وبعد أيام أفاق الطفل الذي كان في العناية، فقال لي: «الحمد لله، أتدري؛ لقد كنت أعزي نفسي وأوطِّنها فيما لو ذهب! وكنت أقول لنفسي: ذهب ثلاثة وبقي أربعة»، اللهم فاحفظهم وأصلحهم، واجعلهم خلفًا صالحًا، واجمعه بهم في عليين، ووالدينا، ولمن قال: آمين. ولما بدأنا ترتيب الصلاة على الفقيدين أصرَّ أن يذهب بنفسه لإحضارهما من مستشفى محافظة رماحٍ إلى الرياض للغسل والتجهيز، ورفض أن يتولى ذلك غيره –في بادئ الأمر-، حتى ألححت عليه بأن أتولَّاه، وأكفيه إياه، فكان يقول: «لا أريد أن أشق عليك»! ثم وافقني على ذلك بعد إلحاح شديدٍ.



3) في الليلة التي توفِّي في صبيحتها رحمه الله، رغِب أن يطالع كتاب «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح» لابن القيِّم، وكان في سفرٍ؛ فلم يتمكن من تحميله بصيغة pdf، فطلب من أحد محبيه أن يحمِّله ويبعثه إليه، وفي ذات الليلة كان جالسًا مع مجموعةٍ من طلابه ومحبيه في المنطقة الشرقية، فسألوه عن شجرة في الجنة يجتمع تحتها المؤمنون؟ فتبسَّم ودعا اللهَ أن يجتمعوا تحتها.



4) كان رحمه الله كثيرًا ما يشفع لطلابٍ من إفريقيا أو آسيا، ليجدوا فرصةً للدراسة في جامعاتنا المرموقة، وسبحان الله؛ فكثيرًا ما أجد أن الله يبارك في سعيه، ويتحقق لهم القبول، وإذا اعتذرتُ منه قال: «نبذل السبب، ولعل الله...»، يعني: لعلَّ الله يكتب الخير في هذه الشفاعات.



5) وفي الأسبوع الأخير من حياته اتصل بي، وقال: «هناك حاوية ستشحن إلى دولة توقو، ومحتاجون لكمية من كتابٍ في العقيدة، فهل تستطيع أن تسعى لتوفير (150) نسخة تقريبًا»؟ ثم قال: «ولابد من دفع قيمة شحنها»، فقلت: «سأنظر»، وما هي إلا يومين أو ثلاثة، وقد تيسرت الكتب، ووجدنا من تكفَّل بقيمة شحنها، ولما تواصلت مع الدَّار، تكفَّلوا بإيصالها إلى المكان المحدد للشحن، فسبحان الله ما أعظم بركة سعيه.



6) سافر رحمه الله كثيرًا لدولٍ من إفريقيا، وناظر عددًا من القساوسة، فكانت تنتهي بعض المناظرات بإسلام أهل القرية، وتعددت لقاءاته بأهل القرى من غير المسلمين، فتسلم القرية بكاملها في مشهدٍ مهيبٍ، وهذا تكرر في أكثر من قريةٍ، وربَّما كان عدد سكان القرية ما بين (300-400) شخصٍ، وتصلني صور الحدث من غيره، فإذا جاء ذِكرها قال: «إنِّي أشترط عليهم -أي المنظمين- ألَّا يصوروا، فأكتشف فيما بعد أنَّها صورت من غير علمي»، فكان رحمه الله يحب أن يخفي أعماله الصَّالحة حتى عن أقرب الناس إليه.



7) كان رحمه الله سببًا في عمارة عددٍ من المساجد في إفريقيا (لا سيَّما في دولتَي بروندي، وبنين)، وحفر آبارًا، وكفل دعاةً وأيتامًا، واشترى مكائن خياطة للنساء وكلف من تعلمهن الخياطة لتكون مصدر رزق لهن، فسبحان من أجرى العمل الصَّالح على يديه.



8) كان رحمه الله يشتري القوارير الكبيرة من العطور (كدهن الورد أو ما شابهه)، ويشتري علبًا صغارًا (ربع تولة)، ويقوم بتعبئتها، ويقول: «نهديها للمشايخ ولرؤساء القبائل في إفريقيا؛ نتألَّف قلوبهم على الإسلام»، وربما حمل معه مشالح أو ملابس عربيَّة ليهديها لهم يتألَّفهم بها، ويقول: «كانوا يفرحون بملابس العرب»، وربَّما أسلم شيخ القبيلة إذا أهداه هذه الهدايا. وحمل معه مرَّةً عددًا كبيرًا من قبَّعات الرأس (الطواقي)، فأهداها لشباب قريةٍ؛ فأسلموا بعد المناظرة، وبقي شابٌّ واحد لم يسلم! فقيل له، فسأله؟ فقال: «لم تعطني طاقية»، فنزع الشَّيخ ما على رأسه وأهداه إياه؛ فأسلم الشاب، وكان الشَّيخ يقول: «لا تحقر من المعروف شيئًا، فربّ طاقيَّة أدخلت شخصًا في الإسلام».



9) كان رحمه الله لا يحب أن يتكلف له أحدٌ، ولا يريد ذلك، يعرف ذلك كل من تعامل معه، ولا يكاد يجلس في مكان أحدٍ إذا قام له، وكان بعيدًا عن المظاهر والزخارف، وكنت عرضتُ عليه أمرًا قبل ثلاثة أسابيع -أو أربعة- من وفاته، فقال: «الله المستعان! أكَلْنَا أعمارنا»، فسبحان من أرخص الدنيا في عينيه.






10) وذكر لي أحد أصفيائه من ذوي اليسَار، أنَّه صاحب الشَّيخ رحمه الله منذ خمسة وعشرين سنة، يقول لي: «كنت أعرض عليه فرصًا مالية محققة، فلا يسأل عنها، ولا يلتفت لها، وكأنَّها لا تعنيه، وأقول له: إنها مربحة مضمونة...، فلا يسأل ولا يستفصل عنها، فعرفت أنه قد طلَّق الدنيا».




11) قال لي أحد زملائه من دعاة الوزارة: «صحبت الشيخ رحمه الله عشرين سنة، فما سمعته جرح أحدًا أو آذاه بكلمة»، إنما هو سمت العالم، وأدب الدَّاعي، ويقول لي برًّا بالشَّيخ: «سأشركه في صدقاتي؛ وفاءً له».



12) كان رحمه الله يعدُّ خطبة الجمعة، ويرفعها مكتوبةً في الشبكة صبيحة الجمعة أو قبلها؛ وذلك ليرجع إليها من يحتاجها من الخطباء، ولم أعلم بهذا إلَّا من طلاب العلم الذين تواصلوا معي للتعزيَّة، فذكروا لي استفادتهم وانتفاعهم بها.



13) وفي صبيحةٍ كلِّ يومٍ -حتى وهو في السفر- يعدُّ كلمةً عن موضوع مختار، ويحضِّر لها غاية التحضير، ثم يكتبها بصيغةٍ تناسب وسائل التواصل، ويسجلها صوتًا، ويخرجها فيديو، ويقول: «البعض لا يعجبه إلا المكتوب، وبعضهم يحتاج النسخة الصوتية، وبعضهم لا يستطيع أن يحمل الفيديو»؛ لضعف الأنترنت في بلده، فانظر رفقه وتلطُّفه في وسيلة الدعوة التي يستخدمها، وآخر ثلاث كلمات وصلتي منه بعنوان: «نعوذ بالله من عمى القلب»، «من أراد السلامة فليغلق منافذ الشيطان أمام الفتن صغارها وكبارها»، «تأملٌ في كسب الناس وتحصيل لقمة العيش»، والأخيرة هي التي وصلتني منه في آخر يومٍ.



14) هاتفته يوم السبت الذي يسبق وفاته، وكان في المنطقة الشرقيَّة، وسألته عن موعدٍ يناسبه لألتقيه فيه، فقال: «يا محبُّ، أنا خارج الرياض وأعود الليلة بإذن الله، لكن عندي درس يوم الاثنين، ودرس يوم الثلاثاء، ودرس يوم الأربعاء، لكن درس الأربعاء بعد العشاء، فألتقيك بعد المغرب ثم أذهب للدرس؛ لأنه في حيّ النظيم، وهو في جهتكم»، يشير الشَّيخ رحمه الله إلى دروسٍ كان سيلقيها، لكن وافته المنية قبل أدائها، وهي: شرح ثلاثة الأصول، وشرح كشف الشبهات، وأظن الدرس الثالث: شرح القواعد الأربع.



15) كان الشيخ رحمه الله أنموذجًا في التوكل على الله، وقد تكلَّمت معه مرة عن أمرٍ ما، فكان يذكر لي أنه متوكل فيه على الله، فكرَّرت عليه فسكت، ولما انصرف من عندي أرسل لي رسالة بالواتس: «سأبحث عن متخصص في العقيدة يعلمني التوكل»! يشير إلى أنَّ التوكل على الله يكون عملاً لا مجرد علمٍ، وكانت ثقته بالله عجيبة، ويقول لي: «أذكر الله على حقيبتي في المطار، ومعها جهازي الحاسب، وأرجع وهي في مكانها»، وربما خرج من المطار لحاجةٍ ويرجع وهي في مكانها، ويذكر من ذلك شيئًا عجيبًا، ويرغبنا في التوكل وفضله، وحسن الظن بالله والثقة به سبحانه.



16) كان رحمه الله يمضي كثيرًا من وقته في ميادين الدعوة، ربما أكثر مما يمضي مع أولاده، وكانت أمي تداعبه في هذا، وتشير لكثرة بقائه هناك، وتقول له: «أنت متزوج في إفريقيا»؟ فيبتسم، وتمازحه إذا ودعته قبل سفره وتقول له: «سلِّم لي على أولادك هناك».



17) وكان رحمه الله يقتطع تكاليف كثيرٍ من هذه الأسفار (من تذاكر، وسكن، وغيرها) من قوته وقوت أولاده، ولذا رحل عن الدنيا ولم يملك بيتًا، وكان لا يتردد في القيام بأي منشط دعوي، وكانت أيسر عليه من شرب الماء، ويقول لي ذات مرَّةٍ: كنت جالسًا في البيت، فاتصلت على مكتب الحجوزات، وطلبت حجزًا إلى دولة بروندي بعد غدٍ أو بعده، يقول: «فنظر إليَّ ابني سعد، فقال: منذ متى كنتَ عازمًا على السفر؟ فقلت: الآن! فقال ابنه: سفرٌ إلى هناك، وبعد غدٍ وتقرره الآن؟ سبحان الله! قال: قلت له: والله يا وليدي إنَّ ذهابي لإفريقيا أيسر عليَّ من ذهاب الواحد للبرّ للنزهة».



18) وكان الشَّيخ رحمه الله حريصًا على استمرار العمل الدعوي، حتى أبلغ القائمين على مكتب الدعوة في حيّ النظيم في الرياض أنه متى ما تخلف داعية رسمي عندكم عن منشطه فاتصلوا عليَّ آتي لأقوم مقامه، حتى لا يتعطل العمل الدعوي، أبلغني بذلك أحد القائمين على المكتب، وقال: «لا أذكر أنني اتصلت عليه واعتذر، إلا أن يكون خارج الرياض».



19) وذكر لي أحد القائمين على مكتب الدَّعوة في البجاديَّة، أن أوَّل محاضرة ألقيت بتنسيق المركز بعد تأسيسه كانت للشَّيخ عبد الرحمن رحمه الله، وذلك عام (1422هـ)، كما أنَّ آخر برنامجٍ دعوي قام به الشَّيخ رحمه الله قبل وفاته كان في البجاديَّة أيضًا، حيث مكث فيها أربعة أيامٍ (13-17/3/1442هـ)، وذلك قبل وفاته باثني عشر يومًا.






20) وكان رحمه الله حريصًا غاية الحرص على وقته، ومن ذلك أنه يستفيد من تنقلاته بالسيارة في مراجعة حفظه من القرآن، وكان مصحفه لا يفارق سيارته، تجده أمامه أو على يمينه في السيارة، ولم يخبرني بذلك؛ لكنني لاحظته فعلمت ذلك حتى استيقنته.



21) في السنوات الأخيرة لحظت عليه دوام الصمت في مجالسه، وكثرة تفكره، إلا إن تطلَّب الأمر مشاركته لبيان حكم شرعي فيبينه، فإن عورض قال: «هذه المسألة، وهذا دليلها»، فيسكت ولا يجادل، كما لحظت عليه أنه لا يطيل المكث بعد صلاة العشاء، فينسلُّ من مجلسنا -حتى لو كنا في بيت الوالد رحمه الله وبحضرة الوالدة-، ويعتذر عن العَشاء، وما أرى هذا إلا ليتفرغ لقيام ليل طويلٍ، وحين دخلتُ غرفته في الفندق بعد وفاته رحمه الله؛ وذلك لاستلام أمتعته، وجدت سجادة صلاته موجهة للقبلة، وسواكه على يمين وسادته.



22) ذكر أحد الدعاة في دولة بروندي للشَّيخ عبد الرحمن رحمه الله: أنَّ ابنه يدرس العلم الشرعي في مدينة الأبيض في السودان -وهي تبعد عن العاصمة الخرطوم (400 كم)-، ففهم الشَّيخ رحمه الله أنَّ هذا الأب يرغب من الشيخ إذا زار السودان أن يزور ابنه؛ تشجيعًا له وتحفيزًا، فوعده الشَّيخ رحمه الله خيرًا، وطلب منه أن ينسق له مع القائمين على العمل هناك ليلتقي بالدعاة في مدينة الأبيض، فسافر من بروندي إلى السودان، وسافر من الخرطوم إلى الأبيض، فأقام فيها ثلاثة أيامٍ، وأقام دورة للدعاة فيها، وقابل هذا الابن، وشجعه، وأهداه هديَّة، كلُّ ذلك جبرانًا بخاطر ذلك الأب، واستجابةً لطلبه، وقد كان الشَّيخ رحمه الله حريصًا على مثل هذه الأعمال، متحريًا لها.



23) ومن ذلك: أنه رحمه الله كان يزور بعض كبار السن، ويتفقدهم، وكان بعضهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، ويتبسَّط معهم ويؤانسهم، ولم أعلم بهذا إلا لما اتصلوا بي للتَّعزية، وبعضهم لم يستطع إكمال المكالمة؛ من تأثُّره بوفاة الشَّيخ.



24) كان الشيخ رحمه الله إذا ذهب إلى دولة بروندي كثيرًا ما يصلي ويخطب خطبة الجمعة في مسجد النور، وقد أبلغني الأخ «د. أبو محمد نداموزاني» من دولة بروندي: أنهم صلوا على الشيخ بعد صلاة الظهر يوم الاثنين صلاة الغائب في هذا الجامع، وكذلك صلوا في السودان على الشيخ رحمه الله صلاة الغائب.



25) وفي أثناء تعزية أحد أصحاب الفضيلة قال لنا: «سبحان الله، هذه الأعمال كلٌّ يطيقها، لكن من الموفق»؟ وأقول: لا والله، ما كلٌّ يطيقها؛ أن يبذل وقته وماله وجهده، ويترك أهله وأولاده الأيام الطوال، كلُّ ذلك رجاء ما عند الله –فيما نحسب، والله حسيبه-، فمن يطيق هذا؟



26) بعد أن تم تغسيله، سلمت عليه، فكان وجهه في غاية الإشراق، تعلوه ابتسامه لطيفة، ووالله ما رأيت فيه أثر الفزع من الموت، بل كأنه نائم، وحضر جنازته أخي الشيخ محمد الزير، فكان يقول: «ترددت عليه أربع مرات؛ لأنظر في وجهه، وجهه مريحٌ، ما أذكر أنني رجعت للنظر في وجه ميت غيره»، وكان القائم على المغسلة يرتب دخول وخروج المسلّمين على الشيخ رحمه الله -من باب الاحترازات الطبيّة-، فكان الشيخ محمد الزير يخرج ثم يعود. ونحسب -إن شاء الله- أنه قد كان له نصيب من قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت: 3].



27) زارنا معالي شيخنا الشَّيخ د. عبد الكريم الخضير في بيت أخي الشيخ عبد الرحمن رحمه الله معزيًا لنا، وكان مما قاله لنا: «بيت الشيخ عبد الرحمن مثل بيتي»، فقلت للشَّيخ عبد الكريم: ما عرفتُ كثيرًا من أعماله -وأنا أخوه- إلا بعد وفاته من خلال المعزين، فقال: «الشيخ صموت، لا يخبر أحدًا بعمله الصَّالح».



28) ووالله لقد كان موته حياةً لنا، وأدركنا أنه «ما يصح إلا الصحيح»، فما نال ما نال رحمه الله ببهرجٍ ولا زيفٍ ولا صخبٍ، وإنما نحسب –والله حسيبه- بعلمٍ وخبايا عملٍ، وإخلاصٍ وتواضعٍ، وقد تعجَّبت من مكانته في قلوب الناس، حتى كان القائل يقول: «والله لقد حزنا عليه مالم نحزن على أهلنا»، فسبحان من جعل القلوب خزائن للمودة، حتى تلقَّيت اتصالات كثيرة من الداخل والخارج، تعزينا في الشيخ رحمه الله، وكان بعضهم لا يستطيع إكمال اتصاله؛ لغلبة البكاء.



29) وختامًا، نسأل الله أن يرفع درجته في المهديين، وأن يخلفه في عقبه في الغابرين، وأن يجمعنا ووالدينا وذرياتنا وأزواجنا في عليين، وأن يجبر مصابنا، ويخلف علينا خيرًا، ونتقدم بالشكر -أصالة عن نفسي ونيابة عن الوالدة الكريمة وعن أولاده وأهله وإخواني وأحبابنا وكل عزيز علينا– لكل من تواصل معنا للتعزية والمواساة والدعاء، سواء كان حضوريًّا أو هاتفيًّا، وعلى رأس هؤلاء: سماحة مفتي عام المملكة سماحة الشيخ عبد العزيز بن محمد آل الشيخ، ومعالي وزير الشؤون الإسلامية الشيخ الدكتور عبد اللطيف بن عبد العزيز آل الشيخ، وغيرهما من أصحاب السمو الأمراء، وأصحاب المعالي، وأصحاب الفضيلة من وكلاء وزارة الشؤون الإسلامية، وغيرهم خلق كثير من أصحاب الفضيلة والسعادة، من الزملاء في الجامعات، أو من الدعاة في ميدان الدعوة، أو المحبين لفضيلة الشيخ من داخل المملكة أو خارجها، فلهم منَّا أوفر الشكر والدعاء.






كتبها أخوه:

د. محمد بن عبد الله بن صالح السحيم

2 /4 /1442هـ





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 72.74 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 70.91 كيلو بايت... تم توفير 1.83 كيلو بايت...بمعدل (2.52%)]