صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد - الصفحة 3 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم كتاب الكتروني رائع (اخر مشاركة : Adel Mohamed - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          قتيبة بن مسلم أسطورة الفتح الإسلامي (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          دلك أعضاء الوضوء (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          دعائم محبتنا للشباب (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          رسالة إلى مشجع (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          الإعجاز الرباني في الجسد الإنساني (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          إنسانية أم بهيمية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          الواجبات كثيرة والعمر قصير (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          يمن الاستقامة وشؤم المعصية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          مصير الإنسان بعد موته (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث > ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم

ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قسم يختص بالمقاطعة والرد على اى شبهة موجهة الى الاسلام والمسلمين

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #21  
قديم 08-06-2021, 10:06 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,147
الدولة : Egypt
افتراضي رد: صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد



صفحات مِن ذاكرة التاريخ (21)
موقعة صفين (37هـ) "الأسباب والنتائج"


زين العابدين كامل


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ذكرنا في المقال السابق أن أهل الشام رفضوا بيعة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وطالب معاوية -رضي الله عنه- بالقصاص مِن قتلة عثمان -رضي الله عنه-، ثم تقابل الطرفان في صفين، ورأينا كيف كفـَّر الخوارج أهل الشام دون بينةٍ أو دليل، وهكذا إذا وُجدت الدماء ظهرت بدعة المبتدع، وظهر الفكر المنحرف، وظهرت العقائد الفاسدة، وهذا ما يحدث اليوم مِن التساهل والتسرع في تكفير الناس بلا برهان ولا دليل؛ لذا وجب على أهل السُّنة أن يقفوا أمام هذه البدع لا سيما في أوقات الفتن وإذا سالت الدماء، وأن يبينوا الحق للناس.

محاولات الصلح:

ما إن دخل شهر المحرم حتى بادر الفريقان إلى الموادعة والهدنة طمعًا في صلح يحفظ دماء المسلمين، فاستغلوا هذا الشهر في المراسلات بينهم، وقيل إن البادئ بالمراسلة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- إلى معاوية -رضي الله عنه-، يدعوه كما دعاه مِن قبْل إلى الدخول في الجماعة والمبايعة، فرد معاوية عليه برده السابق المعروف بتسليم قتلة عثمان أو القود منهم أولاً ثم يدخل في البيعة, كما أن قراء الفريقين قد عسكروا في ناحية مِن صفين، وهم عدد كبير، قد قاموا بمحاولاتٍ للصلح بينهما، فلم تنجح تلك المحاولات لالتزام كل فريق منهما برأيه وموقفه(1).

وقد حاول اثنان مِن الصحابة، وهما أبو الدرداء وأبو أمامة -رضي الله عنهما- الصلح بيْن الفريقين، فلم تنجح مهمتهما أيضًا لنفس الأسباب السابقة، فتركا الفريقين ولم يشهدا معهما أمرهما, وكذلك حضر مسروق بن الأجدع أحد كبار التابعين فوعظ وخوف، ولم يقاتِل(2).

وقوع القتال بيْن الفريقين:

لقد فشلتْ محاولات الصلح بيْن الفريقين، ثم خرج علي -رضي الله عنه- وأعلن في جيشه أن غدًا الأربعاء سيكون الالتحام الكلي لجميع الجيش، ثم نبذ معاوية يخبره بذلك(3), فثار الناس في تلك الليلة إلى أسلحتهم يصلحونها ويحدونها، وقام عمرو بن العاص -رضي الله عنه- بإخراج الأسلحة وهو يحرض الناس على الاستبسال في القتال، وبات جميع الجيشين في مشاوراتٍ وتنظيم للقيادات والألوية.

وأصبح الجيشان في يوم الأربعاء وقد نظمت صفوفهم, وتقابلت الجيوش الإسلامية، ومِن كثرتها قد سدت الأفق، والتحم الجيشان في قتال عنيف، استمر محتدمًا إلى غروب الشمس لا يتوقف إلا لأداء الصلاة، ويصلي كل فريق في معسكره وبينهما جثث القتلى في الميدان تفصل بينهما، وسأل أحد أفراد جيش علي -رضي الله عنه- حين انصرافه مِن الصلاة، فقال: ما تقول في قتلانا وقتلاهم يا أمير المؤمنين؟ فقال: مَن قتل منا ومنهم يريد وجه الله والدار الآخرة دخل الجنة(4).

وقد صبر بعضهم على بعض فلم يغلب أحدٌ أحدًا، ولم يُرَ موليًا حتى انتهى ذلك اليوم، وفي المساء خرج علي -رضي الله عنه- إلى ساحة القتال فنظر إلى أهل الشام، فدعا ربه قائلاً: اللهم اغفر لي ولهم(5).

وفي يوم الخميس اشتبك الطرفان في قتال عنيف أشد مِن سابقه، وبدأ أهل العراق في التقدم وأظهروا تفوقًا على أهل الشام، واستطاع عبد الله بن بديل أن يكسر ميسرة معاوية، وعليها حبيب بن مسلمة، ويتقدم باتجاه كتيبة معاوية (الشهباء)، وصاحب هذا التقدم الجزئي، تقدم عام لجيش العراق، وهنا استحث معاوية كتيبته الشهباء، واستطاعوا قتل عبد الله بن بديل، وتماسك أهل الشام وبايع بعضهم على الموت، وانقلب الأمر لجيش الشام، وأظهر تقدمًا، وبدأ جيش العراق في التراجع، واستحر القتل في أهل العراق وكثرت الجراحات.

ولما رأى علي -رضي الله عنه- جيشه في تراجع، أخذ يناديهم ويحمسهم، وقاتل قتالاً شديدًا، واتجه إلى القلب حيث ربيعة؛ فثارت فيهم الحمية وبايعوا أميرهم خالد بن المعتمر على الموت وكانوا أهل قتال، وكان عمّار بن ياسر -رضي الله عنه- قد جاوز التسعين عامًا، وكان يحارب بحماس، يحرض الناس ويستنهض الهمم، ولكنه بعيد كل البعد عن الغلو، فقد سمع رجلاً بجواره يقول: كفر أهل الشام؛ فنهاه عمار عن ذلك وقال: إنما بغوا علينا، فنحن نقاتلهم لبغيهم، فإلهنا واحد، ونبينا واحد، وقبلتنا واحدة(6)، وهذا هو الفهم الصحيح لقضايا الكفر والإيمان، وهذا هو التطبيق العملي لتنحية العاطفة وتغليب المنهج، وعمار يقول: تقدم يا هشام، الجنة تحت ظلال السيوف، والموت في أطراف الأسل(7), وقد فتحت أبواب السماء، وتزينت الحور العين، اليوم ألقى الأحبة، محمدًا وحزبه(8).

وعند غروب شمس ذلك اليوم الخميس، طلب عمار شربة مِن لبن ثم قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لي: إن آخر شربة تشربها مِن الدنيا شربة لبن(9), ثم تقدَّم واستحث معه حامل الراية هشام بن عتبة بن أبي وقاص الزهري فلم يرجعا وقُتلا -رحمهما الله ورضي عنهما-(10)، ثم عادت الحرب في نفس الليلة بشدة لم تشهدها الأيام السابقة، وكان اندفاع أهل العراق بحماس وروح عالية حتى أزالوا أهل الشام عن أماكنهم, وذكر أن عليًّا -رضي الله عنه- صلى بجيشه المغرب صلاة الخوف(11)، ومِن شدة القتال، فنيت نبالهم، واندقت رماحهم، وانقصفت سيوفهم، ومشى بعضهم إلى بعض، وتضاربوا بما بقي مِن السيوف وعمد الحديد(12).

وقال ابن كثير -رحمه الله- في وصف ليلة الهرير ويوم الجمعة: وتعاضوا بالأسنان، يقتتل الرجلان حتى يثخنا ثم يجلسان يستريحان، وكل واحد منهما ليهمر على الآخر(13)، ثم يقومان فيقتتلان كما كانا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولم يزل ذلك دأبهم حتى أصبح الناس مِن يوم الجمعة، وهم كذلك، وصلى الناس الصبح إيماءً وهم في القتال حتى تضاحى النهار، وتوجه النصر لأهل العراق على أهل الشام(14).

وكان قتل عمّار -رضي الله عنه- شديدًا على جيش علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، لكنه كان أشد على جيش الشام؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد أخبر أن عمارًا -رضي الله عنه- تقتله الفئة الباغية، وقد كان عمار علمًا لأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتبعونه حيث سار، وكان خزيمة بن ثابت حضر صفين وكان كافًا سلاحه، فلما رأى مقتل عمار سل سيفه وقاتل أهل الشام، وذلك لأنه سمع حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن عمار: (تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ) (رواه البخاري)، واستمر في القتال حتى قُتل(15)، وكان لمقتل عمّار أثر في معسكر معاوية، فهذا أبو عبد الرحمن السلمي دخل في معسكر أهل الشام، فرأى معاوية وعمرو بن العاص وابنه عبد الله بن عمرو، وأبا الأعور السلمي، عند شريعة الماء يسقون، وكانت هي شريعة الماء الوحيدة التي يستقي منها الفريقان، وكان حديثهم عن مقتل عَمّار بن ياسر، إذ قال عبد الله بن عمرو لوالده: لقد قتلنا هذا الرجل وقد قال فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ)، فقال عمرو لمعاوية: لقد قتلنا الرجل وقد قال فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما قال! فقال معاوية: اسكت فوالله ما تزال تدحض(16) في بولك، أنحن قتلناه؟! إنما قتله مَن جاء به(17).

وجاء في رواية: أن معاوية -رضي الله عنه- قال: أنحن قتلناه؟! إنما قتله علي وأصحابه، وجاءوا به حتى ألقوه بيْن رماحنا، أو قال: بيْن سيوفنا وانتشر تأويل معاوية بيْن أهل الشام، وهذه الكلمة مِن معاوية -رضي الله عنه- ليستْ في محلها في هذا الموطن؛ لأن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- كان على الحق في هذا الخروج.

قال ابن كثير -رحمه الله-: "ومعلوم أن عمارًا كان في جيش على يوم صفين، وقتله أصحاب معاوية مِن أهل الشام، وكان الذي تولى قتله رجل يُقال له أبو الغادية، رجل مِن أفناد الناس، وقيل: إنه صحابي". ويخبر عمرو بن العاص، -رضي الله عنه-، الخبر فيقول: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: قاتل عمار وسالبه في النار(18).

فلما استحر القتل بأهل الشام قال عمرو لمعاوية: أرسل إلى علي المصحف؛ فادعه إلى كتاب الله، فإنه لا يأبى عليك، فجاء به رجل فقال: بيننا وبينكم كتاب الله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ) (آل عمران:23)، فقال علي: نعم، أنا أولى بذلك، فقام القُراء -الذين صاروا بعد ذلك خوارج- بأسيافهم على عواتقهم فقالوا: يا أمير المؤمنين ألا نمشي إلى هؤلاء حتى يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقام سهل بن حنيف الأنصاري -رضي الله عنه- فقال: أيها الناس، اتهموا أنفسكم، لقد كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية، ولو نرى قتالاً لقاتلنا، وذلك في الصلح الذي بيْن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبين المشركين، ثم حدثهم عن معارضة عمر -رضي الله عنه- للصلح يوم الحديبية ونزول سورة الفتح على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال علي: أيها الناس، إن هذا فتح، فقبل القضية ورجع، ورجع الناس(19)، ويروى أن عليًّا -رضي الله عنه- قد أبدى معارضة في بداية الأمر، ولكنه سرعان ما وافق على التحكيم والتحاكم إلى كتاب الله -تعالى-(20).

وهكذا كان الصحابة -رضي الله عنهم- يتعلمون مِن سيرة رسول -صلى الله عليه وسلم-؛ فهي المنهج الحقيقي الواضح الصافي في كيفية التعامل مع الواقع، وأظهر سهل بن حنيف -رضي الله عنه- رفضه الشديد حول استمرار الحرب بيْن الإخوة، وقال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ" (رواه البخاري)، وبيَّن لهم أنه لا خيار عن الحوار والصلح؛ لأن ما سواه فتنة لا تُعرف عواقبها.

إن الدعوة إلى تحكيم كتاب الله دون التأكيد على تسليم قتلة عثمان إلى معاوية، وقبول التحكيم دون التأكيد على دخول معاوية في طاعة علي والبيعة له، تطور فرضته أحداث حرب "صفين"؛ إذ إن الحرب التي أودت بحياة الكثير مِن المسلمين أبرزت اتجاهًا جماعيًّا رأى أن وقف القتال وحقن الدماء أصبح ضرورة.

إن أمير المؤمنين عليًّا -رضي الله عنه- قَبِل وقف القتال في صفين، ورضي التحكيم وعدَّ ذلك فتحًا ورجع إلى الكوفة، وعلق على التحكيم آمالاً في إزالة الخلاف وجمع الكلمة، ووحدة الصف، وتقوية الدولة، وإعادة حركة الفتوح مِن جديدٍ، وقد خشي عددٌ مِن عقلاء الطرفين مِن استمرار القتال حتى لا يهلك المسلمون؛ فيستغل الأعداء ذلك، ويستأصلوا الإسلام، فلا تقوم له بعد ذلك قَوْمة!

وكان عقلاء الكوفة أسبق إلى الموادعة؛ فهذا الأشعث بن قيس الكندي لمَّا اشتد القتال خطب في قومه -أهل الكوفة- في المساء خطبته التي قادت للصلح؛ فقال: "قد رأيتم يا معشر المسلمين ما قد كان في يومكم هذا الماضي، وما قد فني فيه مِن العرب، فوالله لقد بلغتُ مِن السن ما شاء الله أن أبلغ، فما رأيتُ مثل هذا اليوم قَطُّ؛ ألا فليبلغ الشاهد الغائب، إنْ نحن تواقفنا غدًا إنه لفناء العرب وضيعة الحرمات، أما والله ما أقول هذه المقالة جزعًا مِن الحتف، ولكني رجل مسنّ أخاف على النساء والذراري غدًا إذا فنينا، اللهم إنك تعلم أني قد نظرتُ لقومي ولأهل ديني فلم آلُ، وما توفيقي إلا بالله"(21).

فلما وصل الخبر معاوية -رضي الله عنه- بخطبة الأشعث قال: أصاب ورب الكعبة، لئن نحن التقينا غدًا لتميلن الروم على ذرارينا ونسائنا، ولتميلنَّ أهل فارس على نساء أهل العراق وذراريهم، وإنما يبصر هذا ذوو الأحلام والنُّهى؛ اربطوا المصاحف على أطراف القَنَا -أي الرماح-، قال صعصعة: فثار أهل الشام فنادوا في سواد الليل: يا أهل العراق، مَن لذرارينا إن قتلتمونا، ومَن لذراريكم إن قتلناكم؟ اللهَ الله في البقية!

فأصبح أهل الشام وقد رفعوا المصاحف على رءوس الرماح وقلدوها الخيل، والناس على الرايات قد اشتهوا ما دعوا إليه، ورفع مصحف دمشق الأعظم تحمله عشرة رجال على رءوس الرماح، ونادوا: يا أهل العراق، كتاب الله بيننا وبينكم(22).

لقد كان رفع المصاحف عملاً رائعًا اشترك فيه العقلاء مِن الفريقين، وتُوِّج بموافقة أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه-؛ إذ قال: "نعم، بيننا وبينكم كتاب الله، أنا أولى به منكم"(23).

ونستكمل في المقال القادم -إن شاء الله تعالى-.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الرسل والملوك للطبري (5/ 612، 613).

(2) سير أعلام النبلاء للذهبي (4/ 67).

(3) البداية والنهاية لابن كثير (7/ 273).

(4) الطبقات لابن سعد (4/ 255) من طريق الواقدي.

(5) المصنف في الأحاديث والآثار لابن أبي شيبة (15/ 297).

(6) المصنف في الأحاديث والآثار لابن أبي شيبة (15/ 290).

(7) الأسل: الرماح، والأَسَل: عِيدانٌ تَنْبُتُ طِوَالًا دِقَاقاً مُسْتَوِيَةً لَا وَرَقَ لَهَا يُعْمَل مِنْهَا الحُصُر. والأَسَل: شَجَرٌ. وَيُقَالُ: كُلُّ شَجَرٍ لَهُ شَوْكٌ طَوِيلٌ فَهُوَ أَسَل، وَتُسَمَّى الرِّمَاحُ أَسَلًا، ابن منظور، لسان العرب (11/15).

(8) تاريخ الرسل والملوك للطبري (5/ 652).

(9) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"، وأحمد، والحاكم وقال:"صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي.

(10) تاريخ الرسل والملوك للطبري (5/ 653).

(11) السنن الكبرى للبيهقي. وقال الألباني: "رواه البيهقي بصيغة التمريض" (إرواء الغليل 3/ 42).

(12) شذرات الذهب في أخبار مَن ذهب.

(13) هَمَرَ الرَّجُلُ: دَمْدَمَ بِغَضَبٍ.

(14) البداية والنهاية لابن كثير (7/ 283).

(15) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للإمام الهيثمي، المحقق: حسام الدين القدسي، الناشر: مكتبة القدسي، القاهرة، 1414هـ - 1994م، وقال فيه: "رواه الطبراني وفيه أبو معشر وهو لين".

(16) الدَّحْضُ: الزَّلَقُ، والإِدْحاضُ: الإِزْلاقُ، الدُّحَّضُ: جَمْعُ داحِضٍ، وَهُمُ الَّذِينَ لَا ثَبَاتَ لَهُمْ وَلَا عَزِيمَةَ فِي الأُمور، ابن منظور، لسان العرب (7/ 148).

(17) مسند أحمد (2/ 206)، وإسناده حسن.

(18) السلسلة الصحيحة للألباني (5/ 18، 19).

(19) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (8/ 336)، وفي مسند أحمد مع الفتح الرباني (8/ 483).


(20) تاريخ الرسل والملوك للطبري (5/49).

(21) نصر بن مزاحم المنقري (المتوفى سنة 212هـ) وقعة صفين، تحقيق عبد السلام هارون.

(22) نصر بن مزاحم المنقري، وقعة صفين ص880.

(23) المصنف لابن أبي شيبة 8/ 376، والبلاذري: أنساب الأشراف (3/ 131).



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #22  
قديم 14-07-2021, 02:34 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,147
الدولة : Egypt
افتراضي رد: صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (22)
موقعة صفين (37هـ) "الأسباب والنتائج"


زين العابدين كامل



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلقد ذكرنا في المقال السابق أحداث موقعة "صفين"، وما هي الأسباب التي أدت إلى وقوع القتال بيْن أهل الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- وبيْن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وأتباعه مِن أهل العراق والحجاز، وغيرهم، ثم كان رفع المصاحف مِن قِبَل أهل الشام، وموافقة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- على التحاكم إلى كتاب الله -تعالى-.
ونود أن نشير إلى بعض الأمور حول الموقعة.
الأخلاق الحسنة أثناء الحرب:
إن وقعة "صفين" كانت مِن أعجب الوقائع بيْن المسلمين؛ لقد كانت معركة فريدة في بواعثها، وفي طريقة أدائها؛ فكان المتقاتلون إخوة يذهبون معًا إلى مكان الماء فيستقون جميعًا، ويزدحمون وهم يغرفون الماء، وما يؤذي إنسان إنسانًا!(1).
وهم إخوة يعيشون معًا عندما يتوقف القتال؛ فيٌروى عن أحد المشاركين أنه قال: "كنا إذا تَوَادَعْنَا مِن القتال دخل هؤلاء في معسكر هؤلاء، وهؤلاء في معسكر هؤلاء، وتحدثوا إلينا وتحدثنا إليهم"، وهم أبناء قبيلة واحدة، ولكلٍّ منهما اجتهاده؛ فيقاتل أبناءُ القبيلة الواحدة كل في طرف قتالاً مريرًا، وكل منهما يرى نفسه على الحق، وعنده الاستعداد لأن يُقتَل مِن أجله، فكان الرجلان يقتتلان حتى يُثْخَنا (وهنًا وضعفًا) ثم يجلسان يستريحان، ويدور بينهما الكلام الكثير، ثم يقومان فيقتتلان كما كانا, وهما أبناء دين واحد يجمعها، وهو أحب إليهما مِن أنفسهما، فإذا حان وقت الصلاة توقفوا لأدائها(2).
وظهر في هذه الحرب نماذج متعددة حول المعاملة الحسنة للأسرى.
قال محب الدين الخطيب -رحمه الله- معلِّـقًا على هذه الحرب: "ومع ذلك، فإن هذه الحرب المثالية هي الحرب الإنسانية الأولى في التاريخ التي جرى فيها المتحاربان معًا على مبادئ الفضائل التي يتمنى حكماء الغرب لو يعمل بها في حروبهم، ولو في القرن الحادي والعشرين، وإن كثيرًا مِن قواعد الحرب في الإسلام لم تكن لتعلم وتدون لولا وقوع هذه الحرب، ولله في كل أمر حكمة(3)".
وها هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- للمرة الثانية يتعامل مع الخصم المنهزم معاملة حسنة لا يتعامل بها منتصر مع خصمه الذي أوشك على الهزيمة.
عدد القتلى:
ذكر ابن أبي خيثمة أن القتلى في "صفين" بلغ عددهم سبعين ألفًا؛ مِن أهل العراق خمسة وعشرون ألفًا، ومِن أهل الشام خمسة وأربعون ألف مقاتل، كما ذكر ابن القيم -رحمه الله- أن عدد القتلى في "صفين" بلغ سبعين ألفًا أو أكثر(4).
وهذه الأرقام ربما يكون قد بالغ البعض فيها، لكن بلا شك كثر عدد القتلى في هذه المعركة، وقد قام أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- بعد نهاية الجولات الحربية بتفقد القتلى، وقد وقف عليٌّ -رضي الله عنه- على قتلاه وقتلى معاوية -رضي الله عنه- فقال: "غفر الله لكم، غفر الله لكم" للفريقين جميعًا!
وعن يزيد بن الأصم قال: لما وقع الصلح بيْن علي ومعاوية -رضي الله عنهما-، خرج علي -رضي الله عنه- فمشى في قتلاه، فقال: "هؤلاء في الجنة، ثم خرج إلى قتلى معاوية فقال: هؤلاء في الجنة"، وكان علي -رضي الله عنه- يَنهى عن شتم معاوية ولعن أهل الشام(5).
قضية التحكيم:
تم الاتفاق بيْن الفريقين على التحكيم بعد انتهاء موقعة "صفين"، وهو أن يُحكِّم كل واحد منهما رجلاً مِن جهته ثم يتفق الحكمان على ما فيه مصلحة المسلمين، فوكّل معاوية عمرو بن العاص، ووكل عليٌّ أبا موسى الأشعري -رضي الله عنهم جميعًا-، واختيار علي -رضي الله عنه- لأبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- فيه إشارة إلى ميل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى الصلح والحل السلمي؛ لأن هذا هو الطبع الغالب على أبي موسى -رضي الله عنه-.
وكُتبتْ بيْن الفريقين وثيقة في ذلك، وكان ذلك في يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت مِن صفر، سنة سبع وثلاثين، على أن يكون مقر اجتماع الحكمين في دومة الجندل(6) في شهر رمضان مِن نفس العام، وقد رأى قسمٌ مِن جيش علي -رضي الله عنه- أن عمله هذا ذنب يوجب الكفر؛ وذلك لأنه حكّم الرجال في دين الله! فعليه أن يتوب إلى الله -تعالى-، وخرجوا عليه "فسموا الخوارج"؛ فأرسل علي -رضي الله عنه- إليهم ابن عباس -رضي الله عنهما- فناظرهم وجادلهم، ثم ناظرهم علي -رضي الله عنه- بنفسه، فرجعت طائفة منهم وأبت طائفة أخرى، فجرت بينهم وبيْن علي -رضي الله عنه- حروب أضعفت مِن جيشه وأنهكت أصحابه، وما زالوا به حتى قتلوه غيلة.
وسنذكر في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى- نص المناظرة، وتعد قضية التحكيم مِن أخطر الموضوعات في تاريخ الخلافة الراشدة، وقد تاه فيها كثير مِن الكُتاب، وتخبَّط فيها آخرون وسطروها في كتبهم ومؤلفاتهم، وقد اعتمدوا على الروايات الضعيفة والموضوعة التي شوهت الصحابة الكرام -رضي الله عنهم-، وخصوصًا أبا موسى الأشعري الذي وصفوه بأنه كان أبله، ضعيف الرأي، مخدوعًا في القول! ووصفوا عمرو بن العاص -رضي الله عنه- بأنه كان صاحب مكر وخداع!(7).
وما فضل الصحابيين منا ببعيدٍ؛ فلقد أثنى عليهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مواطن كثيرة.
ما نصت عليه "وثيقة التحكيم":
1- هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب, ومعاوية بن أبي سفيان، وشيعتهما, فيما تراضيا فيه مِن الحكم بكتاب الله وسُنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.
2- قضية علي -رضي الله عنه- على أهل العراق شاهدهم وغائبهم, وقضية معاوية على أهل الشام شاهدهم وغائبهم.
3- إنا تراضينا أن نقف عند حُكم القرآن فيما يحكم مِن فاتحته إلى خاتمته, نحيي ما أحيا، ونميت ما أمات؛ على ذلك تقاضينا، وبه تراضينا.
4- وإن عليًّا -رضي الله عنه- وشيعته رضوا بعبد الله بن قيس ناظرًا وحاكمًا, ورضي معاوية بعمرو بن العاص ناظرًا وحاكمًا.
5 - على أن عليًا ومعاوية أخذا على عبد الله بن قيس، وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله -صلى الله عليه وسلم-, أن يتخذا القرآن إمامًا، ولا يعدوا به إلى غيره في الحكم بما وجداه فيه مسطورًا, وما لم يجدا في الكتاب رداه إلى سُنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الجامعة؛ لا يعتمدان لها خلافًا, ولا يبغيان فيها بشبهة.
6- وأخذ عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص على علي ومعاوية عهد الله وميثاقه بالرضا بما حكما به مما في كتاب الله وسُنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-, وليس لهما أن ينقضا ذلك ولا يخالفاه إلى غيره.
7- وهما آمنان في حكومتهما على دمائهما وأموالهما، وأشعارهما وأبشارهما، وأهاليهما وأولادهما, ما لم يَعْدُوَا الحق, رضي به راضٍ أو سخط ساخط, وإن الأمة أنصارهما على ما قضيا به مِن الحق مما في كتاب الله.
8 - فإن توفي أحد الحكمين قبْل انقضاء الحكومة؛ فلشيعته وأنصاره أن يختاروا مكانه رجلاً مِن أهل المعدلة والصلاح, على ما كان عليه صاحبه مِن العهد والميثاق.
9- وإن مات أحد الأميرين قبْل انقضاء الأجل المحدود في هذه القضية, فلشيعته أن يولوا مكانه رجلاً يرضون عدله.
10- وقد وقعت القضية بيْن الفريقين والمفاوضة، ورفع السلاح.
11- وقد وجبت القضية على ما سميناه في هذا الكتاب مِن موقع الشرط على الأميرين، والحكمين، والفريقين, والله أقرب شهيد وكفى به شهيدًا؛ فإن خالفا وتعديا, فالأمة بريئة مِن حكمهما, ولا عهد لهما ولا ذمة.
12- والناس آمنون على أنفسهم وأهاليهم وأولادهم وأموالهم إلى انقضاء الأجل, والسلاح موضوعة, والسبل آمنة, والغائب مِن الفريقين مثل الشاهد في الأمر.
13- وللحكمين أن ينزلا منزلاً متوسطًا عدلاً بيْن أهل العراق والشام.
14- ولا يحضرهما فيه إلا مَن أحبَّا عن تراضٍ منهما.
15- والأجل إلى انقضاء شهر رمضان, فإن رأى الحكمان تعجيل الحكومة عجلاها, وإن رأيا تأخيرها إلى آخر الأجل أخَّراها.
16- فإن هما لم يحكما بما في كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- إلى انقضاء الأجل؛ فالفريقان على أمرهما الأول في الحرب.
17- وعلى الأمة عهد الله وميثاقه في هذا الأمر, وهم جميعًا يد واحدة على مَن أراد في هذا الأمر إلحادًا أو ظلمًا أو خلافًا، وشهد على هذا الكتاب الحسن والحسين, وعبد الله بن عباس -رضي الله عنهم-, وغيرهم كثير(8).
وبعد ما كُتبت هذه الوثيقة بدأ علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يتوجه بجيشه إلى الكوفة، وعاد معاوية -رضي الله عنه- بجيشه إلى الشام، وبذلك توقف القتال، وتم دفن القتلى -رحمة الله عليهم أجمعين-.
وفي سنة (40هـ) جرت بيْن عليٍّ وبيْن معاوية المهادنة -بعد مكاتبات جَرَتْ بينهما- على وضع الحرب بينهما، ويكون لعليٍّ العراق ولمعاوية الشام، فلا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش، ولا غارة، ولا غزو؛ فأقام معاوية بالشام بجنوده يجبيها وما حولها، وعلي بالعراق يجيبها ويقسمها بيْن جنوده(9).
وبما أن الغاية الكبرى مِن دراسة التاريخ هي العبرة والعظة، واستخلاص الدروس المستفادة، كما قال الله -تعالى-: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (يوسف:111)؛ فسوف نستخلص في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى- الدروس والعِبَر مِن أحداث الموقعتين "الجمل وصفين".
ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــ
(1) تاريخ الرسل والملوك للطبري (5/ 610).
(2) البداية والنهاية لابن كثير (7/ 270).
(3) العواصم مِن القواصم لأبي بكر بن العربي، ص (168-169).
(4) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة لابن القيم.
(5) المصنف لابن أبي شيبة (15/ 303).
(6) تقع دُومة على مشارف الشام، وقال أبو عبيد السكوني: "دومة الجندل حصن وقرى بيْن الشام والمدينة قرب جبلي طيّء"، وذكر الحموي في معجم البلدان أنها سُميت بذلك نسبة إلى حصن بناه دوماء بن إسماعيل، معجم البلدان (2/485).
(7) قال ابن العربي -رحمه الله-: "وقد تكلم الناس في التحكيم فقالوا فيه ما لا يرضاه الله. وإذا لحظتموه بعين المروءة -دون الديانة- رأيتم أنها سخافة، حمل على سطرها في الكتب في الأكثر عدم الدين، وفي الأقل جهل متين!".
والذي يصح مِن ذلك ما روى الأئمة كخليفة بن خياط والدارقطني أنه لما خرجت الطائفة العراقية مائة ألف، والشامية في سبعين أو تسعين ألفًا ونزلوا على الفرات بصفين، اقتتلوا في أول يوم وهو الثلاثاء ثم التقوا يوم الأربعاء لسبع خلون مِن صفر سنة "سبع وثلاثين"، ويوم الخميس ويوم الجمعة وليلة السبت، ورفعت المصاحف مِن أهل الشام، ودعوا إلى الصلح، وتفرقوا على أن تجعل كل طائفة أمرها إلى رجل حتى يكون الرجلان يحكمان بيْن الدعويين بالحق، فكان مِن جهة علي أبو موسى، ومِن جهة معاوية عمرو بن العاص، وكان أبو موسى رجلًا تقيًّا فقيهًا عالمًا، وأرسله النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن مع معاذ، وقدَّمه عمرو وأثنى عليه بالفهم.
وزعمت الطائفة التاريخية الركيكة أنه كان أبله، ضعيف الرأي، مخدوعًا في القول! وأن ابن العاص كان ذا دهاءٍ وأرب حتى ضربت الأمثال بدهائه تأكيدًا لما أرادتْ مِن الفساد؛ اتبع في ذلك بعض الجهال بعضًا وصنفوا فيه حكايات. وغيره مِن الصحابة كان أحدق منه وأدهى، وإنما بنوا على أن عمرًا لما غدر أبا موسى في قصة التحكيم صار له الذكر في الدهاء والمكر. وقالوا: إنما لما اجتمع بأذرح مِن دومة الجندل وتفاوضا، اتفقا على أن يخلعا الرجلين. فقال عمرو لأبي موسى: اسبق بالقول. فتقدم فقال: إني نظرت فخلعتُ عليًّا عن الأمر، وينظر المسلمون لأنفسهم، كما خلعت سيفي هذا مِن عنقي أو مِن عاتقي، وأخرجه مِن عنقه فوضعه في الأرض. وقام عمرو فوضع سيفه في الأرض وقال: إني نظرت فأثبت معاوية في الأمر كما أثبت سيفي هذا في عاتقي، وتقلده. فأنكر أبو موسى. فقال عمرو: كذلك اتفقنا. وتفرَّق الجمع على ذلك مِن الاختلاف" (انتهى بتصرف يسير مِن العواصم مِن القواصم).

(8) تاريخ الرسل والملوك للطبري (5/ 665 - 666), والبداية والنهاية لابن كثير (7/ 276 - 277)، وانظر جمل مِن أنساب الأشراف للبلاذري، والأخبار الطوال للدينوري.
(9) تاريخ الرسل والملوك للطبري ( 6/60)، والبداية والنهاية لابن كثير (7/336) والمنتظم لابن الجوزي (3 /404).
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #23  
قديم 04-09-2021, 01:03 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,147
الدولة : Egypt
افتراضي رد: صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (23)
قراءة نقدية وتحليل لأحداث موقعتي "الجمل وصفين"









زين العابدين كامل


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا شك أن الغاية الكبرى مِن دراسة التاريخ هي العبرة والعظة، واستخلاص الدروس المستفادة، قال الله -تعالى-: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (يوسف:111)، وعلى الباحث في التاريخ أن يتجرد مِن ميوله وأهوائه، وأن ينقل الحقيقة دون تحريف.

وتاريخنا الإسلامي تاريخ مشرق في جملته، يمتلئ بالصفحات المشرقة، رغم ما فيه مِن بعض الأحداث المؤلمة، كبعض الأحداث التي وقعتْ في القرن الأول؛ فليس هناك أمة على وجه الأرض سار تاريخها على منوال واحدٍ مِن الانتصارات والفتوحات والازدهار، والحضارات المشرقة، فلكل أمة كبوة في فترةٍ مِن الزمن، طالت أو قصرت، وتاريخ أمة الإسلام مليء بالانتصارات والإنجازات، وقد فاق كل الأمم في رصيدها الحضاري.

وإن المتأمل في هذه الأحداث الجسام التي وقعتْ منذ أن توفي أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه- يَعلم أن ما حدث وما جرى في هذه الحقبة التاريخية يُعد مِن أشد المحن التي واجهت الأمة منذ بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإن الناظر والمتأمل في الأحداث بعين العدل والإنصاف، يعلم علم اليقين أن مسألة الحٌكم مِن أشد الأمور تعقيدًا، وقد ظهر ذلك جليًّا في نهاية عصر أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-، وفي مدة خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنهما-.

قال محب الدين الخطيب -رحمه الله-: "وقد يظن مَن لا نظر له في حياة الشعوب وسياستها أن الحاكم يستطيع أن يكون كما يريد أن يكون حيثما يكون، وهذا خطأ؛ فللبيئة مِن التأثير في الحاكم، وفي نظام الحكم أكثر مما للحاكم ونظام الحكم مِن التأثير على البيئة، وهذا مِن معاني قول الله -عز وجل-: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(1).

وإذا تأملنا أحداث موقعتي "الجمل وصفين": نرى أنه كان مِن الصعوبة بمكان أن يسيطر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- على الأحداث، وأن يمسك بزمام الأمور ويسيطر على الدولة، وأن يٌرضى جميع الأطراف المختلفة والمتناحرة؛ وذلك لوجود عددٍ مِن السبئية في الصف ممن يهيجون المشاعر وينشرون الفتن، وإذا تعالت الأصوات وكثر الصراخ بيْن الناس، وكثرت الشائعات في المجتمع؛ أدى كل ذلك إلى ضعف صوت العقل، فلا يسمعه إلا القليل مِن الناس!

ومما نتعلمه مِن هذه الأحداث التاريخية: أن الحماس وحده لا يكفي، وأن الإخلاص وحده لا يكفي أيضًا، بل لا بد مِن مراعاة الواقع والترجيح ما بيْن المصالح والمفاسد، وتقدير مواطن القوة والضعف، ولا بد مِن مراعاة المصالح العليا للعباد والبلاد، فدفع المفاسد مقدَّم على جلب المصالح، ولا بد مِن تحمل الضرر الخاص لرفع الضرر العام، والذين طالبوا بدم عثمان -رضي الله عنه- نحسبهم جميعًا على خير، ولا نطعن في نواياهم، ولكنهم أخطأوا في اجتهادهم وتقديرهم للأمور، فكان مِن الأولى أن نحافظ على وحدة الأمة، وعلى دماء المسلمين حتى لو أدى ذلك إلى ارتكاب مفسدة هي أدنى مِن مفسدة أخرى، فالشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها, وتعطيل المفاسد وتقليلها؛ إذن فلابد مِن مراعاة قاعدة: "اعتبار القدرة والعجز"، وقاعدة: "تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما"، وقاعدة: "ارتكاب أخف المفسدتين لتفويت أشدهما"، وقاعدة: "اعتبار المآلات"، وهذا ما أصاب فيه أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- وأخطأ فيه غيره، بل ودلَّ موقفه على فقهه وفطنته -رضي الله عنه-.

ومما نتعلمه أيضًا: أن الحماس الممزوج بالعاطفة فقط دون مراعاة الضوابط السابقة لا يتلاءم مع منهجية التغيير الصحيحة.

ومما نتعلمه أيضًا: أن الجلوس على مائدة المفاوضات والسعي في الإصلاح بيْن الأطراف المختلفة والمتناحرة، هو مِن أسباب حفظ دماء المسلمين، ومِن أسباب ضعف شدة الخلاف بيْن الأطراف المختلفة، حتى لو طالتْ فترة السعي في الإصلاح، فمع مرور الوقت تهدأ النفوس وتطيب؛ لذا رأينا أن الحكمين ومَن معهما لم يستطيعوا أن يصلوا إلى حل جذري في القضية، لكن مجرد جلوسهم كان بمثابة الدواء للجرح الغائر، ووقف نزيف الدم.

ثم إن الواجب علينا في هذه الفتنة: الإمساك عما شجر بيْن الصحابة إلا فيما يليق بهم -رضي الله عنهم-؛ لما يسببه الخوض في ذلك مِن توليد العداوة والحقد، والبغض لأحد الطرفين، ويجب على كل مسلم أن يحب الجميع ويرضى عنهم ويترحم عليهم, ويحفظ لهم فضائلهم, ويعترف لهم بسوابقهم, وينشر مناقبهم, وأن الذي حصل بينهم إنما كان عن اجتهاد, والجميع مثابون في حالتي الصواب والخطأ؛ غير أن ثواب المصيب ضعف ثواب المخطئ في اجتهاده, وأن القاتل والمقتول مِن الصحابة في الجنة، وهذا هو مذهب أهل السُّنة والجماعة أن عليًّا -رضي الله عنه- هو المصيب، وإن كان معاوية -رضي الله عنه- قد اجتهد فأخطأ, وهو مأجور -إن شاء الله-, ولكن عليًّا هو الإمام؛ فله أجران كما ثبت في صحيح البخاري: (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ)(2)، وقال -تعالى-: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات:9).

ففي هذه الآية أمر الله -تعالى- بالإصلاح بيْن المؤمنين إذا ما جرى بينهم قتال؛ لأنهم إخوة, وهذا الاقتتال لا يخرجهم عن وصف الإيمان حيث سمَّاهم الله -عز وجل- مؤمنين، وأمر بالإصلاح بينهم، وإذا كان حصل اقتتال بيْن عموم المؤمنين ولم يخرجهم ذلك مِن الإيمان؛ فأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذين اقتتلوا في موقعة الجمل وبعدها أول مَن يدخل في اسم الإيمان الذي ذُكِر في هذه الآية, فهم لا يزالون عند ربهم مؤمنين إيمانًا حقيقيًّا، ولم يؤثـِّر ما حصل بينهم مِن شجار في إيمانهم بحال؛ لأنه كان عن اجتهادٍ.

وقد سئل عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- عن القتال الذي حصل بيْن الصحابة، فقال: "تلك دماء طهر الله يدي منها؛ أفلا أطهر منها لساني؟! مثل أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مثل العيون, ودواء العيون ترك مسها!".

قال البيهقي -رحمه الله- معلقًا على قول عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: "هذا حسن جميل؛ لأن سكوت الرجل عما لا يعنيه هو الصواب".

وسئل الحسن البصري -رحمه الله- عن قتال الصحابة فيما بينهم، فقال: "قتال شهده أصحاب محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- وغبنا, وعلموا وجهلنا, واجتمعوا فاتبعنا, واختلفوا فوقفنا"(3).

وقال الإمام أحمد -رحمه الله- بعد أن قيل له: "ما تقول فيما كان بيْن علي ومعاوية -رضي الله عنهما-؟ قال: ما أقول فيهم إلا الحسنى".

وقال أبو بكر بن الطيب الباقلاني: "ويجب أن يُعلم أن ما جرى بيْن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم-, مِن المشاجرة؛ نكف عنه، ونترحم على الجميع، ونثني عليهم، ونسأل الله -تعالى- لهم الرضوان والأمان، والفوز والجنان, ونعتقد أن عليًّا -رضي الله عنه- أصاب فيما فعل وله أجران, وأن الصحابة -رضي الله عنهم- إنما صدر منهم كان باجتهادٍ فلهم الأجر، ولا يفسقون ولا يبدعون, والدليل عليه قوله -تعالى-: (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) (الفتح:18).

وقال ابن تيمية -رحمه الله- في صدد عرضه لعقيدة أهل السُّنة والجماعة فيما شجر بيْن الصحابة: "ويمسكون عما شجر بيْن الصحابة ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم، ومنها ما قد زيد فيه ونقص، وغيِّر عن وجهه, والصحيح منه هم فيه معذورون؛ إما مجتهدون مصيبون, وإما مجتهدون مخطئون"(4).

وقال ابن كثير -رحمه الله-: "أما ما شجر بينهم بعده عليه الصلاة والسلام، فمنه ما وقع مِن غير قصدٍ كيوم الجمل, ومنه ما كان عن اجتهادٍ كيوم صفين, والاجتهاد يخطئ، ولكن صاحبه معذور، وإن أخطأ فهو مأجور أيضًا، وأما المصيب فله أجران"(5).

وقال ابن حجر -رحمه الله-: "واتفق أهل السُّنة على وجوب منع الطعن على أحدٍ مِن الصحابة بسبب ما وقع لهم مِن ذلك، ولو عُرف المحق منهم؛ لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهادٍ, بل ثبت أنه يؤجر أجرًا واحدًا, وأن المصيب يؤجر أجرين"(6).

وعن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- قال: "رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المنام، وأبو بكر وعمر جالسان عنده، فسلمتُ عليه وجلستُ، فبينما أنا جالس إذ أتي بعلي ومعاوية فأدخلا بيتًا وأجيف الباب(7)، وأنا أنظر، فما كان بأسرع مِن أن خرج علي -رضي الله عنه- وهو يقول: قضي لي ورب الكعبة، فما كان بأسرع مِن أن خرج معاوية وهو يقول: غفر لي ورب الكعبة"(8).

وكذا يجب علينا أن نترضى على الطرف الثالث الذي اعتزل الفتنة: كسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وغيرهما -رضي الله عنهما-، وللأسف فإن بعض المؤرخين يطعنون في معاوية -رضي الله عنه-، بل ويفسقونه! ونسي هؤلاء أن معاوية -رضي الله عنه- مِن كتبة الوحي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "ولم يكن معاوية ممن يختار الحرب ابتداءً، بل كان مِن أشد الناس حرصًا على أن لا يكون قتال".

وفي النهاية نؤكِّد على أن هذه الحقبة التاريخية كانت مِن أخطر الأزمنة التي مرَّت على الأمة، وهذه الفتنة هي أشد فتنة أيضًا، ولله الأمر مِن قبْل ومِن بعد، ومِن هنا يتضح أنه لابد مِن محاربة الفرق الضالة والطوائف المنحرفة، محاربة فكرية واجتماعية وأمنية أيضًا؛ لأنها عندما تنتشر في بلاد المسلمين تعرِّض أهله للخطر، وتهدد الأمن والاستقرار، وتشكك الناس في عقيدتهم، وتلك هي حال الخوارج المارقين الذين خرجوا على علي -رضي الله عنه- وكفروه، وقتله نفر منهم، زاعمين أنهم يتقربون بهذا الفعل إلى الله! وما عندهم في ذلك مستند ولا برهان، إن هو إلا اتباع الأهواء وطاعة الشياطين.

ولا بد أن يقوم العلماء والدعاة بواجبهم في ذلك؛ حفاظًا على الإسلام والمسلمين، ولتمكين عقيدة أهل السُّنة والجماعة، وهذه هي الطريقة المثلى لجمع الشمل ووحدة الصف، ومَن تأمل تاريخ الإسلام الطويل وجد أن الدول التي قامت على السُّنة هي التي جمعتْ شمل المسلمين،، وعز به الإسلام قديمًا وحديثًا، وهذا بخلاف الدول التي قامتْ على البدعة، وأشاعت الفوضى والفرقة والمحدثات، وفرَّقت الشمل، فهذه سرعان ما تندثر.

والله المستعان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هامش العواصم مِن القواصم لابن العربي، ص77.

(2) البخاري مع شرحه فتح الباري (13/ 318).

(3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (16/ 332).

(4) عبد المحسن العباد البدر، عقيدة أهل السُّنة والجماعة في الصحابة الكرام -رضي الله عنهم وأرضاهم-.

(5) الباعث الحثيث اختصار علوم الحديث لابن كثير, ص (182).

(6) فتح الباري لابن حجر (13/ 34).

(7) أجيف الباب: رد وأغلق، المعجم الوسيط.

(8) البداية والنهاية لابن كثير (8/ 133).


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #24  
قديم 17-10-2021, 10:27 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,147
الدولة : Egypt
افتراضي رد: صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد




صفحات مِن ذاكرة التاريخ (24)

حول مناظرة "عبد الله بن عباس" مع "الخوارج" وأثرها








كتبه/ زين العابدين كامل


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلقد انتهينا مِن الحديث عن موقعتي: "الجمل وصفين"، وذكرنا الأحداث التي وقعتْ وأسبابها ونتائجها، ثم أتبعنا ذلك بقراءةٍ تحليلية نقدية لأحداث الموقعتين، وألقينا الضوء على الدروس المستفادة مِن هذه الأحداث.

وإتمامًا للفائدة نذكر اليوم تفاصيل المناظرة التي كانت بيْن حبر الأمة عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- وبيْن الخوارج؛ فبعد الاتفاق الذي تم بيْن أهل الشام وأهل العراق على التحكيم، وأثناء عودة علي -رضي الله عنه- مِن صفين إلى الكوفة؛ انفصل الخوارج في جماعةٍ كبيرة مِن جيش علي -رضي الله عنه-، وقد قٌدر عددهم بعدة آلاف.

وقد انفصل هؤلاء عن الجيش قبْل أن يصلوا إلى الكوفة بمراحل, وقد أقلق هذا التفرق أصحاب علي -رضي الله عنه- وهالهم, وسار عليٌّ -رضي الله عنه- بمَن بقي مِن جيشه على طاعته حتى دخل الكوفة, وانشغل أمير المؤمنين -رضي الله عنه- بأمر الخوارج؛ خصوصًا بعد ما بلغه تنظيم جماعتهم مِن تعيين أمير للصلاة وآخر للقتال, وأن البيعة لله -عز وجل-؛ مما يعني انفصالهم فعليًّا عن جماعة المسلمين.

فأرسل علي -رضي الله عنه- ابن عباس إليهم لمناظرتهم؛ فرجع منهم ألفان بعد مناظرة ابن عباس -رضي الله عنهما- لهم, ثم خرج أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- بنفسه إليهم فكلمهم، فرجعوا ودخلوا الكوفة؛ إلا أن هذا الوفاق لم يستمر طويلاً.

لكننا نريد أن نقف على تفاصيل المناظرة، وكيف أقام ابن عباس -رضي الله عنهما- الحجة عليهم؛ لنأخذ مِن ذلك العبرة في كيفية التعامل مع المخالف، فعن عَبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: لَمَّا خَرَجَتِ الْحَرُورِيَّةُ اجْتَمَعُوا في دَارٍ وَهُمْ سِتَّةُ آلاَفٍ، أَتَيْتُ عَلِيًّا -رضي اللَّهُ عَنْهُ- فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَبْرِدْ بِالظُّهْرِ لَعَلِّي آتِي هَؤُلاَءِ الْقَوْمَ فَأُكَلِّمُهُمْ. قَالَ: إني أَخَافُ عَلَيْكَ. قُلْتُ: كَلاَّ. قَالَ: فَخَرَجْتُ آتِيهُمْ، وَلَبِسْتُ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنْ حُلَلِ الْيَمَنِ فَأَتَيْتُهُمْ وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ في دَارٍ وَهُمْ قَائِلُونَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: مَرْحَبًا بِكَ يَا ابن عَبَّاسٍ، فَما هَذِهِ الْحُلَّةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: مَا تَعِيبُونَ عَلَيَّ، لَقَدْ رَأَيْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنَ الْحُلَلِ وَنَزَلَتْ: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) (الأعراف:32)، قَالُوا: فَمَا جَاءَ بِكَ؟ قُلْتُ: أَتَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ صَحَابَةِ النبي -صلى الله عليه وسلم- مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لأُبْلِغَكُمْ مَا يَقُولُونَ وَتُخْبِرُونِي بِمَا تَقُولُونَ، فَعَلَيْهِمْ نَزَلَ الْقُرْآنُ وَهُمْ أَعْلَمُ بِالْوَحْي مِنْكُمْ، وَفِيهِمْ أُنْزِلَ، وَلَيْسَ فِيكُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ!

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ تُخَاصِمُوا قُرَيْشًا، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) (الزخرف:58)، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَتَيْتُ قَوْمًا لَمْ أَرَ قَوْمًا قَطُّ أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْهُمْ، مُسَهَّمَةٌ وُجُوهُهُمْ مِنَ السَّهَرِ(2) كَأَنَّ أَيْدِيَهُمْ وَرُكَبَهُمْ ثَفِنٌ(3)، عَلَيْهِمْ قُمُصٌ مُرَحَّضَةٌ -أي مغسولة-، قَالَ بَعْضُهُمْ: لَنُكَلِّمَنَّهُ وَلَنَنْظُرَنَّ مَا يَقُولُ. قُلْتُ: أَخْبِرُونِي مَاذَا نَقَمْتُمْ عَلَى ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَصِهْرِهِ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ؟ قَالُوا: ثَلاَثًا. قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالُوا: أَمَّا إِحْدَاهُنَّ: فَإِنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي أَمْرِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ) (الأنعام:57)، وَمَا لِلرِّجَالِ وَمَا لِلْحُكْمِ. فَقُلْتُ: هَذِهِ وَاحِدَةٌ. قَالُوا: وَأَمَّا الأُخْرَى فَإِنَّهُ قَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، فَلَئِنْ كَانَ الَّذِينَ قَاتَلَ كُفَّارًا لَقَدْ حَلَّ سَبْيُهُمْ وَغَنِيمَتُهُمْ، وَإِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ مَا حَلَّ قِتَالُهُمْ! قُلْتُ: هَذِهِ ثِنْتَانِ فَمَا الثَّالِثَةُ؟ قَالُوا: إِنَّهُ مَحَا اسْمَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ أَمِيرُ الْكَافِرِينَ. قُلْتُ: أَعِنْدَكُمْ سِوَى هَذَا؟ قَالُوا: حَسْبُنَا هَذَا. فَقُلْتُ لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَرَأْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَمِنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَا يُرَدُّ بِهِ قَوْلُكُمْ أَتَرْضَوْنَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَقُلْتُ لَهُمْ: أَمَّا قَوْلُكُمْ حَكَّمَ الرِّجَالَ في أَمْرِ اللَّهِ، فَأَنَا أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ مَا قَدْ رُدَّ حُكْمُهُ إِلَى الرِّجَالِ في ثَمَنِ رُبُعِ دِرْهَمٍ في أَرْنَبٍ وَنَحْوِهَا مِنَ الصَّيْدِ، فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) إِلَى قَوْلِهِ (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) (المائدة:95)، فَنَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ: أَحُكْمُ الرِّجَالِ في أَرْنَبٍ وَنَحْوِهَا مِنَ الصَّيْدِ أَفْضَلُ أَمْ حُكْمُهُمْ في دِمَائِهِمْ وَإِصْلاَحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ، وَأَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَوْ شَاءَ لَحَكَمَ وَلَمْ يُصَيِّرْ ذَلِكَ إِلَى الرِّجَالِ، وَفِي الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا قَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهُمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) (النساء:35)، فَجَعَلَ اللَّهُ حُكْمَ الرِّجَالِ سُنَّةً مَاضِيَةً؛ أَخَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ.

قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: قَاتَلَ؛ فَلَمْ يَسْبِ، وَلَمْ يَغْنَمْ! أَتَسْبُونَ أُمَّكُمْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- ثُمَّ تَسْتَحِلُّونَ مِنْهَا مَا يُسْتَحَلُّ مِنْ غَيْرِهَا؛ فَلَئِنْ فَعَلْتُمْ لَقَدْ كَفَرْتُمْ وَهِيَ أُمُّكُمْ، وَلَئِنْ قُلْتُمْ: لَيْسَتْ بِأُمِّنَا لَقَدْ كَفَرْتُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- يَقُولُ: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) (الأحزاب:6)، فَأَنْتُمْ تَدُورُونَ بَيْنَ ضَلاَلَتَيْنِ أَيَّهُمَا صِرْتُمْ إِلَيْهَا صِرْتُمْ إِلَى ضَلاَلَةٍ، فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؛ قُلْتُ: أَخَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ.

وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: مَحَا نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَنَا آَتِيكُمْ بِمَنْ تَرْضَوْنَ أُرِيكُمْ، قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ كَاتَبَ الْمُشْرِكِينَ: سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، وَأَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (اكْتُبْ يَا عَلِىُّ هَذَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) (رواه أحمد والحاكم والطبراني)، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: لاَ وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا قَاتَلْنَاكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُكَ، اكْتُبْ يَا عَلِيُّ هَذَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ). فَوَاللَّهِ لَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- خَيْرٌ مِنْ عَلِيٍّ وَمَا أَخْرَجَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ حِينَ مَحَا نَفْسَهُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: فَرَجَعَ مِنَ الْقَوْمِ أَلْفَانِ وَقُتِلَ سَائِرُهُمْ عَلَى ضَلاَلَةٍ. (أخرجه النسائي، والبيهقي، والحاكم في المستدرك، والطبراني في الكبير، وعبد الرزاق في المصنف).

كانت فتنة الخوارج وبدعتهم أول بدعة اعتقادية ظهرت في أواخر عصر الصحابة -رضي الله عنهم-، وكانت تتعلق بقضايا الإيمان، فبدعة الخوارج هي أول البدع ظهورًا وأكثرها تأثيرًا وأشدها ضررًا على وحدة الأمة بسبب غلوهم وجهلهم وضلالهم، وأحاديث الخوارج مِن الأحاديث المتواترة كما نص على ذلك كثير مِن المحدثين، وكان اعتقاد الخوارج في ذلك أن مرتكب الكبيرة كافر ومخلد في النار، فتساهلوا في مسألة التكفير، ونحن نرى الآن مَن يكفـِّر المسلم بالزي والثياب! فمِن الناس مَن يقول مثلاً: مَن ارتدى الزي العسكري أو ثياب الفرنجة الكفار فهو كافر -ولا حول ولا قوة إلا بالله!-، وقد رأينا كيف أنهم أنكروا على ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه لبس حلة جميلة حسنة مِن حٌلل اليمن!

فهذه المُناظَرة فيها فوائد كثيرة لِمَن يتدبرها، فوائد تَنفَع الدعاة وطلاب العلم؛ لا سيما في واقِعنا المُعاصِر، وقد كثرت الفتن وانتشرت المناهج المنحرفة؛ فصاحب هذه المناظرة هو حبر الأمَّة وعالمها عبد الله بن عباس -رضِي الله عنهما- الذي دعا له رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بالفقه في الدين؛ فلنتأمل كيف كان ابن عباس -رضي الله عنهما- حريصًا على هداية مَن ضلَّ الطريق؟!

وهذا الحرص ينبع مِن حبه للمسلمين، ومِن خوفه على أمته، والدين النصيحة كما أخبر بذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلا حرج مِن إجراء بعض المناظرات مع المخالفين إن كانت هناك مصلحة في ذلك، مع الأخذ بعين الاعتبار أن تكون النية هي الحرص على هداية الخلق والوصول للحق، لا الانتصار للنفس وحب الظهور والشهرة.

قال الشافعي -رحمه الله-: "ما كلَّمت أحدًا قط إلا أحببت أن يوفَّق ويسدد ويعان, ويكون عليه رعاية مِن الله وحفظ, وما كلمت أحدًا قطُّ إلا ولم أبال بيَّن الله الحقَّ على لساني أو لسانِه!".

ولنتأمل أيضًا: حرص علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- على ابن عباس -رضي الله عنهما-، قال علي لابن عباس -رضِي الله عنهم-: "إني أخافُهم عليك"، وكان قد اشتَهَر عن الخوارج استِحلال دماء المسلمين، كما وصَفَهم رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- بقوله: (يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ) (متفق عليه)، وهذا ما يجب أن يكون بيْن أهل العلم وطلابه.

ولنتأمل أيضًا: حسن توكُّل ابن عباس -رضي الله عنهما-، واستِحضار مشيئة الله وقدره، كما قال ابن عباس لعلي -رضِي الله عنهم- لما قال له علي: "أخافُهم عليك"، قال ابن عباس: "كلا إن شاء الله"، والداعية إلى الله لا بد وأن يتعرَّض في دعوته للمَخاطِر والابتلاءات، فإن لم يُحسِن التوكُّل على الله، ويحسن الظنَّ بخالقه، ويستشعر معنى اسم الله "الحفيظ"، واسم الله "القوي" ونحو ذلك، ربما أدى ذلك إلى تركه للدعوة بالكلية، ولنتأمل كذلك قول ابن عباس للخوارج: أتيتكم مِن عند أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، المهاجرين والأنصار، ومِن عند ابن عمِّ النبي -صلى الله عليه وسلم- وصهره، وعليهم نزل القرآن؛ فهم أعلم بتأوِيله منكم، وليس فيكم منهم أحد. فكأنه يقول لهم، فأني لكم، كيف تُخالِفونهم؟ ثم مَن تُناصِبُونه العداء هو علي ابن عمِّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وزوْج ابنته فاطمة التي هي بَضْعة منه! وهؤلاء جميعًا هم مَن نزل عليهم القرآن، فهم أَوْلَى منكم بمعرفة تفسيره وأحكامه، ولم ينحز واحدٌ منهم إليكم، ولا فهم الذي فهمتم مِن القرآن! وبهذا يُرَسِّخ الداعية للحقِّ الذي يحمله مع مُخالِفه، فيجعله أكثر قابليَّة للحق.

وتدل المناظرة على استِعمال عامَّة أهل البِدَع والضَّلال نصوص الوحيَيْن في غير موضعها، كما استدلَّت الخوارج على ترك السماع مِن ابن عباس -رضي الله عنهما-؛ لأنه قرشيٌّ! والله يقول عن قريش: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ)، فالآية نزلت في مُشرِكي قريش الذين يُخاصِمون بالباطل، وابن عباس إنَّما جاءهم ليَرُدَّهم إلى الحقِّ، ويُكلِّمهم بكتاب الله وسُنَّة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فكيف يجعَلونه مِن أهل هذه الآية؟!

وفي هذه المُناظَرة الكثير مِن جهل الخوارج بنصوص كتاب الله -تعالى- وتنزيلها غير موضعها، أو عدم فهمها ابتِداءً.

ومِن الفوائد أيضًا: عدم الاغتِرار بالهدي الظاهر والسَّمْت فقط؛ لأنَّ الدين مَبناه على العلم والعمل جميعًا، لا العمل على جهل، كحال الخوارج هنا، ولا العلم دون عمل كحال كثيرٍ مِن الناس، فابن عباس -رضِي الله عنهما- قال عن الخوارج: وما أتيتُ قومًا قطُّ أشدَّ اجتِهادًا منهم، مُسهِمة وجوههم مِن السهر! كأنَّ أيديهم ورُكَبهم تثنى عليهم، لكنَّهم مع ذلك (يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ) كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المتفق عليه، فكيف تُؤثِّر فيهم القراءة، وكيف يَفقَهُون ما يقرؤون؟! فهم يعبدون الله على جهل، وكثيرٌ مِن الناس يَغتَرُّون ببعض الدعاة وبشهرتهم وبلباقة لسانهم، ولا يفرِّقون بيْن العالم وغيره، فكل مَن لبس لباسًا معينًا فهو عندهم العالم! ومِن هنا تقع الفِتَن والمِحَن.

ومِن الفوائد أيضًا: إياك وسوء الظن في المخالفين جملة واحدة، فمِن الخوارج مَن قال: لنُكَلِّمنَّه ولنَنظُرَنَّ ما يقول، وهذا منهم تحرٍّ للخير، ثم منهم مَن قَبِل الحق، وعاد إلى صوابه ولم يستكبر.

ثم لا بد مِن دراسة وتعلم فن المناظرة، ويَظهَر هذا جليًّا مِن أسئلة ابن عباس -رضي الله عنهما- للخوارج، فهو يقول لهم أولاً: هاتوا ما نقمتم على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وابن عمِّه. وقال لهم: هل عندكم شيء غير هذا؟ ثم قال لهم ابن عباس كذلك مُشتَرِطًا: أرأيتُكم إن قرأتُ عليكم من كتاب الله وسُنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ما يردُّ قولكم، أترجعون؟ وهذا أيضًا مِن حُسْنِ سياسة ابن عباس في حوارِه، فهو سأَلَهم بدايةً ما يُنكِرونه على أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم اشتَرَط عليهم الرُّجوع إلى الجماعة إذا ما ردَّ عليهم قولهم مِن كتاب الله وسنَّة نبيِّه -صلى الله عليه وسلم-.

وبعد كلِّ تفنيد شبهة يسألهم: أخرجتُ مِن هذه؟ فالمناظرة فن لا يحسنه كل أحد، فلا بد مِن تعلم هذا الفن، ولا يتصدر لهذا الفن إلا مَن أتقنه فحسب؛ لأنه مِن الممكن لضعف المناظِر ينتصر الباطل فيما يبدو للناس، وكذا لا بد أن نحذر مِن الاستخفاف بالمخالفين، فابن عباس -رضي الله عنهما- لم يَتعالَ عن مُناقَشة عقولٍ بهذا الفكر وهذا الفهم، وهذا هو واجب الدُّعاة إلى الله في كلِّ زمان.

ومِن فقه الداعية أيضًا: تذكيره لِمُخالِفِيه بالله، حتى تلِين قلوبُهم للحقِّ ولا يُكابِرون، كما كان يقول ابن عباس -رضي الله عنهما- للخوارج: أنشدكم بالله، أحكم الرجال في صَلاحِ ذات البَيْنِ وحَقْنِ دمائهم أفضل أو في أرنب؟ قالوا: بلى، بل هذا أفضل.

فالعبد يحتاج للتذكير بالله -تعالى- في خصوماته دومًا، ليُصَحِّح نيَّته، ويرضى بالحقِّ ويقبله، وهذه المناظرة أكبر دليل على أننا بحاجةٍ ماسة لا سيما في واقعنا المعاصِر إلى العُلَماء الربانيِّين وطلاب العلم النابِغين الذين يَرُدُّون الناس إلى الحقِّ، ويَأخُذون بأيديهم إلى السُّنة، فابن عباس جعَلَه الله سببًا في هِدايَة ألفَيْن مِن رجال الخوارج، الله أعلم بمصيرهم لو لم يرجعوا معه.

ثم إنه يجب على أهل العلم الذين مَنَّ الله عليهم بالفقه في الدين إذا ظهرت الفتن أن يُخرجوا علمهم، ويدلوا بدلوهم؛ لكشف الجهل وأهله، وتحذير الناس مِن الباطل.

ولا بد أن يكون الجميع على يقين أن الفكر لا يقاوَم إلا بالمواجهة الفكرية: فالخلل الفكري لا يواجَه بالسجون والتعذيب والتنكيل، فإن هذا قد لا يزيدهم إلا تشددًا وتعصبًا لأفكارهم، فالمواجهة الأمنية لا تكفي هنا، بل لا بد مِن مواجهةٍ فكرية علمية معهم، يقوم بها رجال ثقات في علمهم، ثقات في دينهم، فإن الذي يتعمق في واقع هذه الجماعات الإسلامية التي اتخذت العنف سبيلاً لها؛ يجد بوضوح أن وراءها أسبابًا فكرية هي الأكبر تأثيرًا، فهناك عوامل نفسية وسياسية واجتماعية تسهم بحد كبير جدًّا في ظهور التطرف والانحراف الفكري، فلا بد مِن معالجتها بما يتناسب معها.

فهذه كانت مناظرة حبْر الأمة للخوارج، وهذه كانت بعض الدروس والعبر المستفادة مِن المناظرة لعلها تنير لنا الطريق؛ لا سيما في خضم هذه الأحداث المتلاحقة، والفتن المختلفة.

والله المستعان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ


(1) سموا الحرورية، نسبة إلى بلدة حروراء في الكوفة، وكانت مركز خروجهم على علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.

(2) أي متغير لون وجوههم، انظر "لسان العرب".
(3) جمع ثفِنة بكسر الفاء: ما ولي الأرض مِن كل ذات أربع إذا بركت، كالركبتين وغيرهما، أي: غلظت جلود أكفهم لطول السجود "النهاية في غريب الحديث".




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #25  
قديم 25-11-2021, 12:10 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,147
الدولة : Egypt
افتراضي رد: صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد



صفحات مِن ذاكرة التاريخ (25)

الخوارج ومقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-










كتبه/ زين العابدين كامل


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبعد الاتفاق الذي تم بيْن أهل الشام وأهل العراق على التحكيم، وأثناء عودة علي -رضي الله عنه- مِن صفين إلى الكوفة انفصل الخوارج في جماعةٍ كبيرة مِن جيش علي -رضي الله عنه-، فأرسل إليهم ابن عباس -رضي الله عنهما- لمناظرتهم، فرجع منهم ألفان بعد مناظرة ابن عباس لهم.

وقد ذكرنا تفاصيل المناظرة في المقال السابق، ثم خرج أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- بنفسه إليهم، فكلمهم فرجعوا ودخلوا الكوفة؛ إلا أن هذا الوفاق لم يستمر طويلاً؛ بسبب أن الخوارج فهموا مِن علي -رضي الله عنه- أنه رجع عن التحكيم وتاب مِن خطيئته, ثم تدهورت الأمور وتأزمت، فكانت معركة النهروان (38هـ - 658م) بيْن أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- وبيْن الخوارج.

وسبب المعركة: أن أمير المؤمنين عليًّا -رضي الله عنه- اشترط على الخوارج ألا يسفكوا دمًا, ولا يروعوا آمنًا, ولا يقطعوا سبيلاً, ونظرًا لأن الخوارج يكفِّرون مَن خالفهم ويستبيحون دمه وماله, فقد بدؤوا بسفك الدماء المحرمة في الإسلام, وقد تعددت الروايات في ارتكابهم المحظورات, وكان أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- يدرك أن هؤلاء القوم هم الخوارج الذين عناهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمروق مِن الدين, لذلك أخذ يحث أصحابه أثناء مسيرهم إليهم ويحرضهم على قتالهم, فقد كان -رضي الله عنه- يحث جيشه على البدء بهؤلاء الخوارج, فقال: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: (يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صَلَاتُكُمْ إِلَى صَلَاتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صِيَامُكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ بِشَيْءٍ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَحْسِبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ وَهُوَ عَلَيْهِمْ، لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) (رواه مسلم). وقال -رضي الله عنه- في يوم النهروان: "أُمِرْتُ بِقِتَالِ الْمَارِقِينَ، وَهَؤُلَاءِ الْمَارِقُونَ" (أخرجه ابن أبي عاصم في السُّنة، وصححه الألباني).

وأرسل علي -رضي الله عنه- رسله يناشدهم الله ويأمرهم أن يرجعوا, وأرسل إليهم البراء بن عازب -رضي الله عنه- يدعوهم ثلاثة أيام فأبوا (أخرجه البيهقي في السنن الكبرى), ولم تزل رسله تختلف إليهم حتى قتلوا رسله! (المصنف لابن أبي شيبة).

وعندما بلغ الخوارج هذا الحد، وقطعوا الأمل في كل محاولات الصلح وحفظ الدماء, ورفضوا عنادًا واستكبارًا العودة إلى الحق، وأصروا على القتال؛ قام أمير المؤمنين بترتيب الجيش وتهيئته للقتال، وزحف الخوارج إلى علي -رضي الله عنه-, فقال علي لأصحابه: كفوا عنهم حتى يبدأوكم, وأقبلت الخوارج يقولون: "لا حكم إلا لله, الرواح الرواح إلى الجنة!"، وبدأ القتال فاستقبلهم الرماة بالنبل, فرموا وجوههم, وعطفت عليهم الخيالة مِن الميمنة والميسرة, ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف, فأناموا الخوارج فصاروا صرعى وقُتِل أمراؤهم، وقد كانت معركة حاسمة وقصيرة أخذت وقتًا مِن اليوم التاسع مِن شهر صفر مِن عام ثمان وثلاثين للهجرة, وأسفرت هذه المعركة الخاطفة عن عددٍ كبيرٍ مِن القتلى في صفوف الخوارج, وكان الحال على عكس ذلك تمامًا في جيش أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه, فقتلى أصحاب علي -رضي الله عنه- فيما رواه مسلم في صحيحه, عن زيد بن وهب رجلان فقط، قال: "وَمَا أُصِيبَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ إِلَّا رَجُلَانِ" (رواه مسلم). وفي رواية: "وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ اثْنَا عَشَرَ أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ" (المصنف لابن أبي شيبة).

ثم وافق أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- في سنة أربعين للهجرة بعد الاتفاق الذي تم بيْن الطرفين بشكل مؤقت أن يكون لمعاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- الشام، على أن يكون العراق له، ولا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غزو، وذلك بعد ما جرت بيْن علي ومعاوية -رضي الله عنهما- المهادنة بعد مكاتبات جرت بينهما (انظر تاريخ الرسل والملوك للطبري).

وكان أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- قد تنغصت عليه الأمور، واضطرب عليه جيشه، وخالفه أهل العراق، ونكلوا عن القيام معه، وقد كان أهل الشام بعد التحكيم يسمون معاوية الأمير، وكلما ازداد أهل الشام قوة ضعف جأش أهل العراق، هذا وأميرهم علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- خير أهل الأرض في ذلك الزمان، أعبدهم وأزهدهم، وأعلمهم وأخشاهم لله -عز وجل-، ومع هذا كله خذلوه وتخلوا عنه حتى كره الحياة وتمنى الموت، وذلك لكثرة الفتن وظهور المحن، فكان يكثر أن يقول: "ما يحبس أشقاها!"، أي ما ينتظر؟ ما له لا يقتل؟ (البداية والنهاية لابن كثير)، وكان علي -رضي الله عنه- في هذا التوقيت يتوجه إلى الله بالدعاء ويطلب منه -عز وجل- أن يعجل منيته، وقال يومًا: "اللهم إني قد سئمتهم وسئموني، ومللتهم وملوني، فأرحني منهم وأرحهم مني، فما يمنع أشقاكم أن يخضبها بدم، ووضع يده على لحيته!" (أخرجه عبد الرزاق في مصنفه بسندٍ صحيح، وابن سعد في الطبقات).

وتفيد بعض الروايات أن عليًّا -رضي الله عنه- كان على علمٍ مسبق مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأنه سيموت مقتولاً، وهو مِن الشهداء بنص أحاديث رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، وقد جمع البيهقي -رحمه الله- هذه الروايات في كتابه (دلائل النبوة)، وجمعها الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في كتابه (البداية والنهاية).

فعن علي -رضي الله عنه- قال: "إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَهِدَ إِلَيَّ أَنْ لَا أَمُوتَ حَتَّى أُؤَمَّرَ، ثُمَّ تُخْضَبَ هَذِهِ -يَعْنِي لِحْيَتَهُ- مِنْ دَمِ هَذِهِ -يَعْنِي هَامَتَهُ-" (رواه أحمد، وصححه الشيخ أحمد شاكر).

لقد تركت معركة النهروان في نفوس الخوارج جرحًا غائرًا، فاتفق نفر منهم على أن يفتكوا بعلي -رضي الله عنه-، ويثأروا لمَن قُتِل مِن إخوانهم في النهروان؛ فاجتمع عبد الرحمن بن ملجم الكندي، وكان في وجهه علامة السجود مِن كثرة العبادة -وكان معروفًا بها-، والبُرك بن عبد الله، وعمرو بن بكر التيمي، فتذاكروا أمر الناس، وعابوا على ولاتهم، ثم ذكروا أهل النهر، فترحموا عليهم، وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئًا، إخواننا الذين كانوا دعاة الناس لعبادة ربهم، والذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو شرينا أنفسهم فأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم فأرحنا منهم البلاد، وثأرنا بهم إخواننا، فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم علي بن أبي طالب -وكان مِن أهل مصر-، وقال البرك بن عبد الله: وأنا أكفيكم معاوية، وقال عمرو بن أبي بكر: وأنا أكفيكم عمرو بن العاص، فتعاهدوا وتواثقوا بالله لا ينكص رجل منا عن صاحبه الذي توجه إليه حتى يقتله أو يموت دونه، فأخذوا أسيافهم، فسموها وتواعدوا لسبع عشرة تخلو مِن رمضان أن يثب كل واحد منهم على صاحبه الذي توجه إليه، وأقبل كل رجل منهم إلى المصر الذي صاحبه فيه يطلب، ودخل شهر رمضان فواعدهم ابن ملجم ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت (الكامل في التاريخ لابن الأثير، والبداية والنهاية لابن كثير)، وقال: هذه الليلة التي واعدتُ أصحابي فيها أن يثأروا بمعاوية وعمرو بن العاص.

فجاء ثلاثة نفر، وهم: ابن ملجم، ووردان، وشبيب، وهم مشتملون على سيوفهم، فجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي -رضي الله عنه-، وانتظر عبد الرحمن بن ملجم في فجر هذا اليوم حتى خرج علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- مِن بيته لصلاة الفجر، وأخذ يمرّ على الناس يوقظهم للصلاة، وكان لا يصطحب معه حراسًا، حتى اقترب مِن المسجد فضربه شبيب بن نجدة ضربة وقع منها على الأرض، لكنه لم يمت منها، فأمسك به ابن ملجم، وضربه بالسيف المسموم على رأسه، فسالت الدماء على لحيته، ولما ضربه ابن ملجم قال: لا حكم إلا لله، ليس لك يا علي ولا لأصحابك، وجعل يتلو قوله -تعالى-: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) (البقرة:207)، ونادى علي -رضي الله عنه-: عليكم به، وهرب وردان فأدركه رجل مِن حضرموت فقتله، وذهب شبيب فنجا بنفسه وفات الناس، ومُسك ابن ملجم.

وقدَّم عليُّ جعدة بن هبيرة بن أبي وهب فصلى بالناس صلاة الفجر، وحٌمل علي -رضي الله عنه- إلى منزله، وحمل إليه عبد الرحمن بن ملجم فأوقف بيْن يديه وهو مكتوف -قبحه الله- فقال له: أي عدو الله ألم أحسن إليك؟ قال: بلى: قال. فما حملك على هذا: قال؟ شحذته أربعين صباحًا، وسألتُ الله أن يُقتل به شر خلقه، فقال له علي -رضي الله عنه-: لا أراك إلا مقتولاً به، ولا أراك إلا مِن شر خلق الله، ثم قال: إن مت فاقتلوه، وإن عشتُ فأنا أعلم كيف أصنع به، فقال جندب بن عبد الله: يا أمير المؤمنين إن مت نبايع الحسن؟ فقال: لا آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر.

ولما احتضر علي -رضي الله عنه- جعل يكثر مِن قول: "لا إله إلا الله"، لا يتلفظ بغيرها، وقد قيل: إن آخر ما تكلم به (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (الزلزلة:7-8) (الطبقات لابن سعد، وتاريخ الرسل والملوك للطبري)، وقد أوصى ولديه الحسن والحسين بتقوى الله والصلاة والزكاة، وكظم الغيظ وصلة الرحم والحلم عن الجاهل، والتفقه في الدين والتثبيت في الأمر، والتعاهد للقرآن، وحسن الجوار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش، ووصاهما بأخيهما محمد بن الحنفية ووصاه بما وصاهما به، وأن يعظمهما ولا يقطع أمرًا دونهما، وكتب ذلك كله في كتاب وصيته -رضي الله عنه وأرضاه-، وقد غسله ابناه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وصلى عليه الحسن (الطبقات لابن سعد).

ولما جاء خبر مقتل علي -رضي الله عنه- إلى معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته: "أتبكيه وقد قاتلته؟! فقال: ويحك! إنكِ لا تدرين ما فقد الناس مِن الفضل والفقه والعلم!"(1) (البداية والنهاية لابن كثير 8 /133).

وكانت مدة خلافة علي -رضي الله عنه- على قول خليفة بن خياط، أربع سنين وتسعة أشهر وستة أيام، ويقال ثلاثة أيام، ويقال أربعة عشر يومًا، فكانت وفاته شهيدًا في شهر رمضان يوم الجمعة لسبع عشرة خلت منه (تاريخ الرسل والملوك للطبري). وقيل: في اليوم الحادي والعشرين مِن شهر رمضان عام أربعين للهجرة (أخرج البخاري في التاريخ الكبير بسندٍ صحيح).

وأما معاوية -رضي الله عنه-: فقد انتظره البرك بن عبد الله الذي تعهد بقتله في نفس التوقيت، وضربه بالسيف المسموم فتجنّبه معاوية -رضي الله عنه- فأصاب فخذه، فحمله الناس إلى بيته، وقبضوا على البرك بن عبد الله، وداوى الناس معاوية -رضي الله عنه- فشفاه الله، ولم يمت مِن هذه الضربة.

وأما عمرو بن العاص -رضي الله عنه-: فذهب إليه عمرو بن بكر المتعهد بقتله، وانتظر خروجه لصلاة الصبح، ولكن سبحان مَن بيده ملكوت كل شيء؛ كان مريضًا في هذا اليوم فعهد بالصلاة إلى نائبه خارجة، فلما خرج إلى الصلاة ظنّه الرجل عمرو بن العاص، فذهب إليه وقتله، فأمسكوا به وقتلوه به، ونجّى الله عمرو بن العاص منه، وقال الناس: "أراد عمرًا، وأراد الله خارجة!" فصارت مثلاً لمَن أراد شيئًا وأراد الله شيئًا آخر.

وبعد مقتل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أصبح المسلمون بلا خليفة، وبدأ المسلمون يفكرون في اختيار خليفة لهم (الأخبار الطوال للدينوري، وانظر البداية والنهاية لابن كثير).

وهكذا هم الخوارج الذين سعوا في الأرض فسادًا؛ لقد كانت فتنة الخوارج وبدعتهم أول بدعة اعتقادية ظهرت في أواخر عصر الصحابة -رضي الله عنهم-، وكانت تتعلق بقضايا الإيمان، فبدعة الخوارج هي أول البدع ظهورًا، وأكثرها تأثيرًا، وأشدها ضررًا على وحدة الأمة؛ بسبب غلوهم وجهلهم وضلالهم، فتساهلوا في مسألة التكفير، واستحلال دماء المسلمين، مع أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وقال لعلي -رضي الله عنه-: (أَلاَ تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ، مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ بَعْدِي) (متفق عليه)، ومع ذلك كفـَّره الخوارج، وقتلوه واستحلوا دمه وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ويظنون أنهم يتقربون بذلك إلى الله -عز وجل-!

والله المستعان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ

(1) وهذا يدل على إنصاف الصحابة -رضي الله عنهم- وأنهم مع اختلافهم، لكنهم لا ينكِرون فضل أحدٍ، فرغم ما حدث بينهم إلا أنهم يعرفون فضل بعضهم على بعض ولا ينكرونه، ولا يحملهم ما جرى ووقع بينهم على ألا يعدلوا، فعَن عبد الرَّحْمَنِ بْن مَعْقِلٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ عَلِيٍّ صَلَاةَ الْغَدَاةِ، قَالَ: فَقَنَتَ، فَقَالَ فِي قُنُوتِهِ: "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِمُعَاوِيَةَ وَأَشْيَاعِهِ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَشْيَاعِهِ، وَأَبِي السُّلَمِيِّ وَأَشْيَاعِهِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ وَأَشْيَاعِهِ" (مصنف ابن أبي شيبة).


قال شيخ الإسلام معلقًا على هذا الأثر: "وَقِيلَ: إِنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ كَانَتْ تَقْنُتُ عَلَى الْأُخْرَى. وَالْقِتَالُ بِالْيَدِ أَعْظَمُ مِنَ التَّلَاعُنِ بِاللِّسَانِ، وَهَذَا كُلُّهُ سَوَاءٌ كَانَ ذَنْبًا أَوِ اجْتِهَادًا: مُخْطِئًا أَوْ مُصِيبًا، فَإِنَّ مَغْفِرَةَ اللَّهِ وَرَحْمَتَهُ تَتَنَاوَلُ ذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ وَالْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ وَالْمَصَائِبِ الْمُكَفِّرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ" (منهاج السُّنة 4/ 469)، وقد سمع عمار بن ياسر -رضي الله عنهما- رجلاً بجواره يقول: "كفر أهل الشام!" فنهاه عمار -رضي الله عنه- عن ذلك وقال: "إنما بغوا علينا، فنحن نقاتلهم لبغيهم، فإلهنا واحد، ونبينا واحد، وقبلتنا واحدة".






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 149.66 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 145.95 كيلو بايت... تم توفير 3.71 كيلو بايت...بمعدل (2.48%)]